الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي
كركوك الكوردية بين حقائق التاريخ ومزاعم السياسيين: تاريخ عريق وواقع مرير
من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2023
قد يبدو الحديث عن التاريخ البعيد في قضية معقدة ومتأزمة كقضية كركوك الكوردية، التي يعاني من آثارها الكارثية مئات الآلاف من المدنيين، نوعاً من الترف الفكري الذي لا طائل منه. ولكن ما يبرر تقديم هذا الموضوع في هذه الفعالية الثقافية السياسية هو وجود خلاف كبير حوله يدعونا إلى تقديم هذا العرض التاريخي السريع، فضلاً عن حقيقة أنه يصعب فهم معضلات اليوم دون معرفة خلفياتها التاريخية. لذلك أتمنى ألّا تخلو هذه اللمحات الخاطفة من تاريخ كركوك الطويل من فائدة (1).
شهدت سنوات العقد الأخير اهتماماً لا بأس به بكركوك، ونُشر العديد من الكتب والدراسات والمقالات التي غطت بعض الجوانب التاريخية والسياسية والجغرافية والاقتصادية لقضية كركوك؛ لذا لم نجد مبرراً لإيراد النصوص والمقتبسات المطولة من بطون الكتب والدراسات، بل سأشير باختصار شديد إلى محطات تاريخية مهمة من وجهة نظري، وقد لا تكون كذلك بالنسبة إلى كثير من القراء، وستؤخذ مداخلاتكم وتعقيباتكم واستفساراتكم بنظر الاعتبار أيضاً.
إذا وضعنا جانباً الحكايات الكثيرة المتضاربة في تفاصيلها، التي ترويها الفئات المختلفة من سكان كركوك عن تاريخ مدينتهم والأقوام التي شاركت في بناء هذه المستوطنة الكوردية (الكوتية الحورية - الميتانية) أو التي سكنتها وسادت فيها، وهي قصص تغطي فترة تاريخية طويلة تمتد إلى الألف الثالث قبل الميلاد وأحياناً إلى أبعد من ذلك، وتجمع في طياتها أخباراً عن سلسلة من الأقوام والقبائل التي هي من أجداد الأكراد وسكنت تلك المنطقة، مثل اللولوبيين والسوباريين والكوتيين والخوريين أو الحوريين والكاشيين والميتانيين والميديين الكورد، وغيرهم من الأقوام التي أدت فيما بعد دوراً أساسياً في تكوين الشعب الكوردي الحالي، فضلاً عن قوى دولية كبرى أغارت عليها وحكمتها سنين طويلة وخلّفت فيها آثاراً مهمة، كالآشوريين والساسانيين الفرس والسلجوقيين الأتراك وغيرهم؛ أقول: إذا تجاوزنا هذه الأخبار، سنرى أن التاريخ يشير إلى أن عمر كركوك الكوردية يزيد على خمسة آلاف سنة على أقل تقدير، وهي بذلك واحدة من أقدم مدن المنطقة الكوردية في كوردستان العراق. وقد بُنيت، شأنها شأن العديد من المدن الأخرى في العالم القديم، على شكل قلعة فوق تلة كبيرة، وأحاطت بها الأسوار من كل الجهات لصد هجمات القبائل والجيوش المغيرة، وكانت لها أربع بوابات. وتدل الآثار التاريخية الغنية التي عُثر عليها قرب كركوك على هذا التاريخ الطويل، وعلى دور المدينة والمنطقة الكوردية من كوردستان العراق في حضارة بلاد ما بين النهرين.
وكانت كركوك الكوردية خلال العصور الوسطى جزءاً من إقليم شهرزور (ولاية شهرزور) الكوردي، وفي أكثر الأحيان مركزاً له، وهو أحد أشهر أقاليم كوردستان إلى جانب إقليمي الجزيرة الكوردية والجبال الكوردية، على مر العصور الإسلامية حتى أواخر العهد العثماني (2).
ويهدف ممثلو الفئات المختلفة من سكان كركوك، من وراء تلك الحكايات والقصص والبحث في بطون كتب التاريخ، إلى الحصول على أكبر قدر ممكن من هذه الروايات، أو ما يسمونها «الشواهد والإثباتات» على قِدم وجودهم في المنطقة الكوردية كركوك، وتوظيف ذلك في الصراع السياسي الدائر بشأن الهوية التاريخية والقومية والثقافية للمدينة والمحافظة، متناسين في أغلب الأحوال حقيقة أن حقوق المواطنة والتمتع بالحريات الأساسية يجب ألّا تستند إلى القدم التاريخي للناس ولا إلى كثافتهم العددية، رغم أهميتهما بطبيعة الحال في تحديد هوية المناطق قومياً أو ثقافياً.
ومع تفكك الدولة العباسية وسيطرة القبائل الرعوية المغولية والتركمانية، تعرضت كركوك، المدينة والمنطقة الكوردية، كغيرها من المدن والحواضر الشرقية، لحملات التدمير والنهب وللفوضى السياسية على أيدي السلاجقة والمغول والأتابكة والقره قوينلو والآق قوينلو والصفويين والعثمانيين، إلى جانب صراعات الزعماء القبليين والإقطاعيين الكورد المحليين. ونجمت عن هذه الصراعات الطويلة، التي استغرقت فترة زمنية تجاوزت ألفية كاملة، حالة مريعة جداً من الركود الاقتصادي والاجتماعي والثقافي.
وجاء الاحتلال العثماني التركي في النصف الأول من القرن السادس عشر ليكرّس حالة التخلف والركود والنهب العثماني أربعة قرون كاملة، شهدت المنطقة خلالها الويلات بسبب الصراع الطويل بين الدولتين العثمانية (الأتراك) والإيرانية (الفرس)، ولا سيما خلال حملات الشاه عباس الأول الصفوي عام 1623، وبالأخص أثناء حملة نادر شاه واحتلاله كركوك عام 1743، ثم استعادة العثمانيين الأتراك لها عام 1746. ولم يكن بالإمكان أن تمر هذه الحملات والغزوات دون أن تترك آثاراً كبيرة في البنى الاقتصادية والإثنية والاجتماعية في كركوك الكوردية وتوابعها.
ومنذ القرن الثامن عشر تحولت كركوك الكوردية إلى ساحة لصراع باشوات بغداد وشهرزور الكوردية من أجل السيادة فيها. وهكذا يمكننا القول إن كركوك لم تنعم على مدى قرون طويلة بالأمن والسلام. ورغم السيطرة العثمانية الشكلية على كركوك خلال العصر الحديث، فإن السلطة الفعلية فيها وفي غيرها من مناطق كوردستان كانت بأيدي الزعماء القبليين والإقطاعيين الكورد المحليين، ولا سيما أمراء بابان وأردلان.
لم تكن كركوك الكوردية في العصور الوسطى سوى مجموعة من البيوت المحاطة بسور كبير على الطريق الرابط بين قصبة داقوق ومدينة أربيل؛ أي إن داقوقا التاريخية، التي أصبحت فيما بعد قضاءً تابعاً لكركوك، ثم ناحية، لتعود قضاءً مرة أخرى، كانت أكثر صيتاً وأهمية من كركوك نفسها، بل إن كركوك ظلت حتى أواخر القرن الرابع عشر الميلادي تتبع داقوق في الغالب إدارياً واقتصادياً، وكانتا على اتصال بأربيل وشهرزور الكورديتين وامتداداتهما أوثق من اتصالهما بأية بقعة أخرى في المنطقة من جميع الأوجه (3).
ورد اسم كركوك بصيغته الحالية لأول مرة في التاريخ في العهد التيموري، في كتاب شرف الدين علي يزدي (ظفرنامه) الذي كُتب في حدود سنة 1424/1425م (4).
ويبدو أن القلعة المحاطة بالأسوار بقيت قروناً طويلة المنطقة السكنية الوحيدة في المدينة، ولم يتجاوز عدد بيوتها عند منتصف القرن السادس عشر مئة وسبعين بيتاً وفق بعض الروايات التاريخية. وكانت بيوت باشوات شهرزور الأكراد حتى منتصف القرن التاسع عشر من أبرز البيوتات التي ضمتها قلعة كركوك. وشهدت الفترة التاريخية نفسها تقريباً ظهور البيوت والمحلات التجارية خارج القلعة؛ إذ لدينا بعض الإشارات التي تعود إلى عام 1548 عن حي إمام قاسم الكوردي الشهير في كركوك، الذي ضم آنذاك (21) داراً سكنية، وشهد جامعه المعروف (جامع إمام قاسم) عمليات الترميم في الأعوام 1614 و1691 و1894. وشهدت بداية القرن الثامن عشر بناء تكية الشيخ عبد الرحمن التي تعرف بالتكية الطالبانية، كما تشير المصادر نفسها إلى الكنيسة القائمة على تلة حمراء إلى الشرق من القلعة على طريق كركوك - السليمانية الحالي (5).
وكانت كركوك تُدار بعد استيلاء العثمانيين الأتراك عليها بموجب نظام إقطاعي (دربكي)، يتولى فيه «متسلم» إدارتها مقابل رسوم مقطوعة. ولما أُلغي نظام الحكم الإقطاعي عام 1840، أعيدت إدارة كركوك (أربخا) إلى ولاية شهرزور الكوردية، وكانت كركوك مركزاً لها. وفي عام 1879 أصبحت هذه الولاية سنجقاً، أي متصرفية، أُلحقت بولاية الموصل - كوردستان الجنوبية (كوردستان العراق الحالي).
ومن المناسب أن أشير هنا إلى حقيقة تاريخية مهمة، وهي أن لواء كركوك الكوردي كان يضم حتى نهاية الحرب العالمية الأولى أقضية كركوك وأربيل ورانية ورواندوز وكويسنجق وكفري وجميع توابع هذه البلدات الكوردية. وفي عام 1918 فقط فصل البريطانيون الأقضية الواقعة إلى الشمال من الزاب ليكوّنوا منها لواءً باسم لواء أربيل. أي إن لواء كركوك كان يضم جميع أراضي كوردستان الحالية باستثناء الأقضية الكوردية التي كانت تتبع الموصل، والتي شُكلت منها عام 1969 محافظة دهوك، وقضاء خانقين في ديالى وتوابعه التي أُلحقت بولاية بغداد لدوافع ترتبط أساساً بأهمية موقعه الجغرافي في العلاقة مع إيران. وهكذا فإن إقليم شهرزور الكوردي يعيش اليوم من دون عاصمته التاريخية كركوك (أربخا). وتشير حقيقة ارتباط هذه المناطق إدارياً بكركوك، بل وإدارتها انطلاقاً من مركز كركوك، إلى الهوية التاريخية والجغرافية للمدينة والمحافظة، التي يحاول الكثيرون تحريفها هذه الأيام لأغراض سياسية معروفة.
ويبدو أن كركوك شهدت توسعاً لا بأس به في ظل حكم الإمارتين الكورديتين الأردلانية والبابانية. فقد وصف السائح الفرنسي أوتير، وهو أول سائح فرنسي زار المدينة في نيسان من عام 1735 وعاد إليها مرة أخرى عام 1739، كركوك بأنها كانت في النصف الأول من القرن الثامن عشر مدينة متوسطة الحجم تقع في منطقة سهلية تتخللها التلال، ولها سور وقلعة حصينة ذات انحدار حاد وعسير، وتمر بأسفلها ساقية اسمها «خاصة»، وهي كلمة كوردية متداولة في منطقة كركوك تعني العذب أو الجيد، وقد أشار هذا السائح إلى ذلك بوضوح، أي الماء العذب. وذكر أن القلعة تعود إلى عصور قديمة جداً، وأن المدينة عندما زارها كانت تتكون من قسمين: الأول القلعة، وكان يعيش فيها عدد غير كبير من السكان، والثاني المنطقة المحيطة بالقلعة، التي كانت تضم المركز التجاري للمدينة. وأكد أوتير أيضاً كون كركوك عاصمة لباشالق (باشوية) شهرزور الكوردية، التي عدّها جزءاً من كوردستان، وضمت حكومة شهرزور الكوردية برأيه (32) مقاطعة، وكان يحد باشوية شهرزور الكوردية كلٌّ من أذربيجان وبلاد (إمارة) بابان وبلاد بغداد والموصل والعمادية وحكاري، وذكر أن باشا شهرزور الكوردي جعل من كركوك محلاً لإقامته ومركزاً له (6).
وشهد القرن الأخير من عمر الدولة العثمانية صراعاً كبيراً على السيادة في كركوك بين باشوات بغداد وباشوات شهرزور الكوردية. فقد كان ولاة شهرزور الكورد يعيَّنون من قبل الباب العالي العثماني مباشرة، ويديرون شؤون الولاية الكوردية من مركزها كركوك باستقلال تام عن سلطات باشوات المناطق المحيطة بها. لكن باشوات بغداد أخذوا يعيّنون رجالهم متسلمين في كركوك منذ منتصف القرن الثامن عشر، ولم يكن ذلك ليرضي باشوات شهرزور الكورد الذين لم يتخلوا أبداً عن حقهم في استرداد عاصمة ولايتهم كركوك، ومثّلوا على الدوام تهديداً لسيطرة ولاة بغداد عليها. وربما يتساءل المرء: هل للصراع الدائر حالياً على كركوك بين حكام بغداد وشهرزور الكوردية علاقة بذلك الصراع القديم أم لا؟
لم تجذب كركوك اهتمام الرحالة الأجانب كثيراً؛ فالرحالة القادم من عاصمة آل عثمان والمتوجه إلى بغداد عن طريق الموصل، أو العكس، كان بإمكانه أن يمر على مسافة عدة كيلومترات غرب كركوك دون أن يمر بها أو يكتب عنها، وذلك عبر طريق الموصل - قصر مشعان - تكريت - سامراء - بغداد، ومن ثم الذهاب إلى إيران عن طريق خانقين أو غيرها. وهكذا لم تكن كركوك خلال عصر الرحلات مدينة مركزية في ذهن الرحالة، ولا مركزاً يصعب تفادي المرور به أو يُعدّ تجنبه خسارة سياسية أو اقتصادية أو معلوماتية. بينما كان هناك طريق آخر يزيد حظ كركوك محطةً رئيسية من محطات السفر، وهو الطريق الذي يمر بوسط كوردستان، أي عبر السليمانية - سنه أو سنندج - همدان، ومن ثم أصفهان وطهران، إن كان المسافر قادماً من بغداد أو الموصل أو عائداً إليهما (7).
ومن هنا فإن المعلومات المتوافرة عن كركوك، بالمقارنة مع المدن والحواضر الشرقية الأخرى التي مر بها الرحالة والتجار والمغامرون، تبدو فقيرة ومبعثرة، لا يستطيع معها الباحثون رسم صورة عنها خلال القرون التي أعقبت الاحتلال العثماني.
ولكن في المقابل، استُخدم الطريق المار بكركوك من قبل الجيوش المحتلة والقوى المختلفة في حملاتها العسكرية وصراعاتها الطويلة على مدى القرون، للسيطرة على هذه المنطقة الكوردية من كوردستان أو لدرء الأخطار عن نفسها، الأمر الذي نجم عنه الخراب والدمار على مختلف الأصعدة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، التي لا تزال كركوك تعاني من آثارها المريرة.
تشكل نهاية القرن الثامن عشر والنصف الأول من القرن التاسع عشر (فترة التنظيمات العثمانية) لحظة تاريخية مهمة بالنسبة إلى كركوك وكوردستان برمتها. ويرتبط ذلك أساساً بتخلي الدولة العثمانية عن سياستها السابقة في كوردستان، ونقصد بها سياسة ترك إدارة المناطق الكوردية في أيدي الزعماء القبليين والإقطاعيين المحليين الكورد، لقاء إرسال الأموال سنوياً إلى الباب العالي، وتقديم المقاتلين أثناء الحروب والحملات العسكرية، والخطبة باسم السلطان العثماني في جوامع كوردستان أثناء صلاة الجمعة. وقد اتبعت الدولة العثمانية هذه السياسة في أغلب مناطق كوردستان منذ معركة جالديران عام 1514 بينها وبين الدولة الصفوية. ولكن مع التحولات الكبرى التي شهدتها أوروبا، واكتشاف الدولة العثمانية حقيقة تخلفها عنها، وقيامها ببعض الإصلاحات بهدف إبقاء سيطرتها على المناطق المختلفة من الإمبراطورية، قررت اللجوء إلى الإدارة المباشرة للمناطق الخاضعة لسيطرتها، بما فيها كوردستان. وقد تركت تلك السياسات العثمانية في كوردستان على مدى ثلاثة قرون آثاراً عميقة جداً في أوضاعها؛ فهي ساهمت من جهة في بقاء الكورد عنصراً سائداً في موطنهم كوردستان، محافظين على ثقافتهم المحلية ولغتهم الكوردية، لكنها ساهمت من جهة أخرى في ترسيخ حالة التفتت والتشرذم القبلي والإقطاعي الكوردي إلى حد كبير، الأمر الذي لا يزال المجتمع الكوردي يعاني من آثاره الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية المدمرة إلى يومنا هذا.
وبقدر تعلق الأمر بكركوك، فإنها تحولت منذ منتصف القرن التاسع عشر إلى مركز مهم للإدارة والجيش العثمانيين، ولتجنيد العساكر والموظفين الإداريين. ومع استقرار الإدارة العثمانية وفئة الموظفين المدنيين والعسكريين فيها، بدأت عثمنة (تتريك) جزء من السكان المحليين، لتبدأ بذلك عملية التغيير الديموغرافي القسري للسكان، التي ستصبح على مدى القرن ونصف القرن التالي سمة رئيسية تصطبغ بها الحياة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية في كركوك المدينة والمنطقة (8).
ورغم ذلك لا نجد حتى نهاية القرن التاسع عشر مصدراً مهماً يشير إلى تغييرات كبيرة في التركيبة الإثنية للسكان. وهنا يجب التنويه مباشرة إلى أنه لا يمكن التعويل كثيراً على الأرقام الواردة في كتابات الرحالة والمصادر المختلفة، لأنها تستند في أغلب الأحوال إلى تخمين أناس لم يقضوا في أكثر الأحيان سوى أيام معدودة في كركوك أو في أحد توابعها، لذا يعتري هذه الأرقام والمعطيات اختلاف وتناقض كبيران. ولعل كليمان، الذي زار المدينة عام 1856، أول من يعطينا تخميناً لعدد سكان كركوك وتركيبتهم، إذ يقدّر عددهم بحوالي (25) ألف نسمة (من دون الجنود العثمانيين الذين كانوا يتمركزون فيها)، مؤكداً في الوقت نفسه أن الكورد يشكلون ثلاثة أرباع سكان كركوك (9).
ومن الجدير بالملاحظة أن أكثر الرحالة الذين مروا بكركوك وتحدثوا عن تركيبة سكانها لم يُدخلوا الجنود، وفي أغلب الأحوال الموظفين المدنيين العثمانيين أيضاً، ضمن سكان المدينة، بل عدّوهم غرباء عنها سرعان ما يغادرونها بعد انتهاء خدمتهم فيها، باستثناء من يتخلف منهم بسبب الروابط الاجتماعية أو المصالح الاقتصادية. فقد قدّر المهندس الروسي يوسيب تشيرنيك، الذي زار المدينة عام 1872-1873 بهدف دراسة إمكانية الملاحة في حوضي دجلة والفرات، عدد سكانها بين 12 و15 ألف نسمة، وأكد أنهم جميعاً من الكورد باستثناء (40) عائلة مسيحية عدّها خطأً من الأرمن. وهكذا نرى أن التناقض يسود هذه المعطيات، ولا سيما فيما يتعلق بعدد السكان، وبدرجة أقل فيما يتعلق بتركيبتهم الإثنية. ويحدد شمس الدين سامي، وهو مؤلف عثماني تركي معروف من أصول ألبانية ومن رواد الأدب التركي الحديث، في مصدر معتبر هو «قاموس الأعلام» العثماني، عدد سكان كركوك بـ(30) ألفاً في منتصف العقد الأخير من القرن التاسع عشر، مؤكداً في الوقت نفسه أن الكورد يشكلون ثلاثة أرباعهم (10).
وسيشهد القرن العشرون أكبر عملية عبث بالديموغرافيا في كركوك الكوردية على أيدي الحكومات العراقية المتعاقبة بغرض تعريبها، لتصل إلى مرحلة التطهير العرقي والتهجير القسري للكورد بأبشع صوره على يد نظام صدام حسين وحزب البعث السابق، ولتنحسر نسبة الكورد في كركوك إلى 48% في أواخر العهد الملكي، وإلى أقل من ذلك بكثير في العقود اللاحقة. وقد ساهمت ثروة كركوك النفطية في تعميق هذه التغييرات الديموغرافية؛ فقد تحولت المدينة إلى مركز جذب مهم للسكان بعد استخراج النفط فيها منذ منتصف الثلاثينيات من القرن الماضي، وبلغت الزيادة السكانية فيها نسباً عالية جداً بسبب الهجرة المستمرة إليها من مناطق الطرد السكاني. فقد بلغ عدد سكان مركز قضاء كركوك عام 1947 (67756) شخصاً، كان أكثر من (18) ألفاً منهم من مواليد الألوية الأخرى، بينما وصل هذا الرقم إلى حوالي (20) ألفاً حسب إحصاء عام 1957، بينهم عدد من مواليد الدول العربية أيضاً.
ومن المفيد أن نشير هنا إلى أنه بعد انقضاء أربعة عقود كاملة حينها على زوال الحكم العثماني التركي عن العراق، كان لا يزال في مركز قضاء كركوك (1353) شخصاً من مواليد تركيا حسب إحصاء عام 1957. ويؤكد الرقم الأخير حقيقة طالما حاولت جهات عديدة إنكارها لأسباب غير منطقية، ونقصد بها سياسة إسكان الموظفين المدنيين والعسكريين الترك في المدينة من قبل سلطات الاحتلال البريطاني بعد هزيمة الدولة العثمانية واحتلال الإنجليز المدينة (11).
لقد برر البريطانيون الأمر بحاجتهم إلى أولئك الموظفين الأتراك والاستعانة بهم لإدارة أمور اللواء، واستغل الإنجليز هذا الأمر بطريقة كانت تهدف دوماً إلى تهميش السكان الكورد في المدينة وإضعاف دورهم في إدارتها وفي الحياة الاقتصادية والسياسية والثقافية فيها، بسبب مطالبة الكورد آنذاك بالدولة الكوردية المستقلة في كوردستان. واستمرت عمليات هجرة غير الكورد إلى كركوك بأعداد كبيرة خلال العقود التي أعقبت ذلك، وتشير المصادر إلى أن عدد المهاجرين إلى كركوك خلال الفترة 1947-1957 وحدها بلغ (39) ألف مهاجر (12).
وهناك حقيقة أخرى لا يخلو منها مصدر معتبر أو مرجع رصين، وهي عدّ كركوك ضمن أراضي كوردستان قبل قيام الدولة العراقية في 23 آب 1921 وبعده. إذ تشير الموسوعة البريطانية إلى أن مدينة كركوك الكوردية تقع عند أقدام جبال زاكروس في كوردستان العراق (13). كما تشير الموسوعة الفرنسية الكبرى إلى أن كركوك الكوردية تعد من أهم المدن الكوردية في كوردستان الجنوبية (كوردستان العراق)، وتتمتع بأراضٍ خصبة وتصلها المصادر المختلفة (14).
وخلال العقود الأربعة الأخيرة، ومع تنامي حملات التعريب وحملات الأنفال السيئة الصيت والتطهير العرقي والتهجير القسري والقتل الجماعي في كركوك، تنامت الدعوات والمحاولات لفصل كركوك عن محيطها الجغرافي والثقافي الطبيعي، كوردستان، من خلال الإجراءات القسرية وتشويه حقائق التاريخ والجغرافيا. وقد أثبتت تجارب التاريخ فشل مثل هذه المحاولات والدعوات في كركوك وفي غير كركوك. وفي المقابل أظهر سكان كركوك الأصلاء قدراً كبيراً من التسامح والروح الإنسانية النبيلة لوأد جميع المحاولات التي كانت تهدف إلى تحويل مدينتهم الحضارية إلى ساحة للصراع والعنف والبربرية.
المصادر
د. جبار قادر، قضايا كوردية معاصرة، دار آراس للطباعة والنشر، أربيل، العراق.
للمزيد من المعلومات في هذا الباب يراجع:
- J.H. Kramers & Th. Bois, Kirkuk, The Encyclopaedia of Islam, new edition, Vol. V, Leiden 1986, pp. 144-147.
- د. كمال مظهر أحمد، كركوك وتوابعها: حكم التاريخ والضمير، ج1، بلا مكان، ص5-26.
د. كمال مظهر أحمد، المصدر نفسه، ص19.
J.H. Kramers & Th. Bois, Kirkuk, The Encyclopaedia of Islam, Vol. V, p. 144.
صبحي ساعتجي، شذى التاريخ في أحياء كركوك، إيلاف، 14 تموز 2005.
ج. أوتير، أول سائح فرنسي، رحلة إلى تركيا وبلاد فارس، باريس 1784، ص150، نقلاً عن: د. هلكوت حكيم، كركوك في كتابات الرحالة الفرنسيين، في كتاب: كركوك مدينة القوميات المتآخية، ص143.
د. هلكوت حكيم، المصدر نفسه، ص141-142.
للتفاصيل راجع المقال المطول: جبار قادر، كركوك: قرن ونصف من التتريك والتعريب، المنشور في (الملف العراقي)، العدد 99، آذار 2000، ص42-46؛ وكذلك البحث الموسوم: السياسات الحكومية في كركوك خلال العهد الملكي (1921-1958)، في كتاب: كركوك مدينة القوميات المتآخية، جبار قادر، لندن، 2002، ص151-189.
أ. كليمان، رحلة إلى كوردستان العثمانية، من كركوك إلى رواندوز، مجلة كلوب، باريس 1866، المجلد الخامس، ص199، نقلاً عن: د. هلكوت حكيم، المصدر نفسه، ص143.
للتفاصيل راجع دراسة جبار قادر: التكوين الإثني لسكان كركوك (خلال الفترة 1850-1958)، في كتاب: كركوك مدينة القوميات المتآخية، ص256-272.
وزارة الداخلية، مديرية النفوس العامة، المجموعة الإحصائية لتسجيل السكان لسنة 1957، مطبعة العاني، بغداد، 1963، لواءا السليمانية وكركوك، ص241.
الدكتور أحمد نجم الدين، أحوال السكان في العراق، القاهرة، 1970، ص109، نقلاً عن: الدكتور نوري طالباني، منطقة كركوك ومحاولات تغيير واقعها القومي، ط2، بلا مكان، 1999، ص49.
Encyclopaedia Britannica, Kirkuk.
الموسوعة الكبرى، الجزء 31، تور 1885، ص485، نقلاً عن: د. هلكوت حكيم، المصدر نفسه، ص142.