الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي
كركوك والفيتو التركي
من محاضرات «المادة (140) الدستورية»
يطالب الكورد في العراق بإلحاق مدينة كركوك الغنية بالنفط بإقليم كوردستان، في حين يعارض التركمان والعرب في المدينة هذه الخطوة. ويبلغ عدد سكان كركوك نحو مليون نسمة، غالبيتهم من الكورد، مع خليط من التركمان والعرب وأقلية كلدوآشورية. وتنص المادة (140) من الدستور العراقي الحالي، الذي وُضع بعد احتلال العراق، على تطبيع الأوضاع في كركوك ثم إجراء استفتاء لتحديد مصيرها. وهو ما تعارضه تركيا بشدة، خشية أن يؤدي إلحاق كركوك ذات الأغلبية الكوردية بإقليم كوردستان إلى تقوية النزعة الاستقلالية لدى الكورد بعد حصولهم على موارد كركوك النفطية الكبيرة.
وحثّت تركيا مراراً حكومة بغداد وقوات الاحتلال الأمريكي في العراق على القيام بحملة صارمة ضد نحو 4000 مسلح ينتمون إلى حزب العمال الكوردستاني، يتخذون من كوردستان العراق نقطة انطلاق لشن هجمات على أهداف داخل تركيا. وقالت أنقرة إنها «تحتفظ، وفقاً للقانون الدولي، بحق إرسال قوات إلى كوردستان العراق للتعامل مع المتمردين الأكراد الأتراك من حزب العمال الكوردستاني (PKK)».
شدّ وجذب
غضبت تركيا بوجه خاص في الأيام الأخيرة بسبب تصريحات رئيس إقليم كوردستان مسعود البارزاني، التي هدّد فيها بالتدخل في قضية ديار بكر، كبرى المدن الكوردية في جنوب شرقي تركيا (كوردستان الشمالية) في منطقة تقطنها أغلبية كوردية، وفي شؤون عدد من المدن التركية الأخرى، إذا ما تدخلت أنقرة في قضية مدينة كركوك العراقية. ونقلت الصحف التركية عن البارزاني قوله: «إذا تدخلت تركيا في كركوك لدعم بضعة آلاف من التركمان، فإننا سنتحرك لمساندة 30 مليون كوردي في تركيا».
وجدّد السيد مسعود البارزاني تهديده يوم الثلاثاء 10 نيسان 2007 قائلاً: «أقولها بكل صراحة: لا يمكننا أن نقبل من أية جهة التدخل في مسألة كركوك ذات الأغلبية الكوردية والمدينة الكوردية تاريخياً، لأن أي تدخل فيها سيؤدي إلى تعقيد الأمور لا إلى حل المشكلة». وأضاف: «نحن سندافع عن قضيتنا الكوردية العادلة ولن نركع». وانتقد البارزاني الموقف التركي من مسألة كركوك الكوردية، قائلاً إن «مسألة كركوك مسألة عراقية لا يحق لأي دولة أجنبية التدخل فيها»، وإن «هذا الموضوع يجب معالجته وفق المادة (140) من الدستور العراقي»، وهي المادة التي جاءت استكمالاً للمادة (58) من قانون إدارة الدولة الذي وضعه مجلس الحكم المنحل في عهد بول بريمر. وأكّد البارزاني تمسّكه بتصريحاته بقوله: «نحن لا نقبل التهديدات من أحد، وكما لا نتدخل في شؤون الآخرين، فعلى الآخرين أيضاً ألّا يتدخلوا في شؤوننا».
ولم تقف تركيا ساكنة أمام تصريحات السيد مسعود البارزاني؛ فقد وجّه رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان بدوره تحذيراً شديد اللهجة إلى البارزاني وإلى الكورد في العراق من الثمن الباهظ الذي قد يدفعونه بسبب هذه التصريحات، فقال: «هناك شمال عراقي محاذٍ لتركيا يرتكب خطأً جسيماً في طريقة تصرفه، وهذا قد يرتّب عليهم ثمناً باهظاً. مسعود البارزاني تخطّى الحدود، وأنصحهم بألّا يتفوّهوا بكلام لا يستطيعون تحمّل عواقبه، وأن يدركوا حجمهم، لأنهم قد يُسحَقون جرّاء هذا الكلام». وأضاف أردوغان: «لقد اجتاز مسعود البارزاني بهذا الكلام كلَّ حدوده مرة أخرى، وعليه ألّا يثير غضب تركيا بتهديداته». ومن هذا الكلام نرى الغطرسة التركية وغرور الأتراك وتدخّلهم في الشؤون الداخلية لبلد مستقل.
وحذّر كورشاد توزمن، وزير الدولة التركي لشؤون التجارة الخارجية، الإدارةَ الكوردية في كوردستان العراق من مغبّة اختبار قوة إرادة أنقرة، مؤكداً أن تركيا مدّت يد العون إلى كثير من الدول التي كانت بحاجة إلى ذلك، وخصوصاً إلى الكورد في كوردستان العراق. وقال: «قد تحوّل تركيا يد الصداقة التي تبسطها نحو الجميع إلى قوة ضاربة موجعة لمن يستحقونها». هذه هي العقلية التركية، وهذا غرورهم بقوتهم؛ فهم لا يعترفون بالقوانين الدولية ولا بحقوق الشعوب والدول المستقلة.
محاولات للتهدئة
ولإخماد الأزمة السياسية المشتعلة بين تركيا والعراق المحتل، واحتواء التصعيد السياسي المتبادل، رفض الرئيس العراقي جلال طالباني تصريحات مسعود البارزاني، وأبدى في اتصال هاتفي بأردوغان «أسفه العميق إزاء هذه التصريحات»، مؤكداً «أنها لن تؤثر على العلاقات التركية–العراقية». كما اقترح طالباني على رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان إرسال لجنة تركية محايدة للتحقيق فيما إذا كان هناك زحف كوردي نحو كركوك.
الدكتور عبد العزيز المفتي