الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

كيف تم التعريب في العهد الملكي في كركوك الكوردية

من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2023

كتب الدكتور نوري الطالباني عن بداية التعريب وتعريب منطقة الحويجة في العهد الملكي قائلاً:

عملت الحكومة العراقية منذ البداية عام 1925، بالتعاون مع شركة النفط البريطانية العاملة في كركوك، على جلب أعداد كبيرة من العمال من المحافظات الأخرى لاستخدامهم في شركة النفط، ومن ثم إسكانهم في مدينة كركوك الكوردية. ونتج عن ذلك خلال فترة قصيرة نسبياً نشوء أحياء شبه مستقلة ضمن الأحياء الكوردية القديمة في مدينة كركوك، أو أحياء جديدة خاصة بالآشوريين (الآثوريين) والأرمن والعرب، ولا سيما في المناطق القريبة من شركة النفط. وأنشأت شركة النفط مئات الدور للعمال والمستخدمين فيها، وكانت نسبة العمال الأكراد أقل من غيرهم، وكان معظم شاغلي تلك الدور من الآثوريين والأرمن والعرب والتركمان، مما جعل الكورد يشعرون بالغبن.

واتخذت الحكومة العراقية العربية منذ أواسط ثلاثينيات القرن العشرين خطوة أخرى تهدف إلى توطين بعض العشائر العربية في سهل الحويجة، الذي يقع في الجنوب الغربي من كركوك، وذلك بإنشاء «مشروع ري الحويجة» عن طريق شق جداول فرعية في السهل لتكون شبكة للري. وقد خططت لذلك وزارة ياسين الهاشمي (وكان هو وأخوه طه الهاشمي من القوميين العرب)، فكان ذلك وسيلة لإسكان عشيرتي العبيد والجبور العربيتين اللتين كانتا تعيشان حياة البداوة والترحال في جنوب سهل الحويجة، الذي كان يصعب الاستقرار فيه واستيطانه بسبب عدم توافر الماء. (ولو أن المنطقة كانت مسكونة في عصور ما قبل الميلاد، على ما تشهد به المواقع الأثرية المسجلة في «دليل المواقع الأثرية في العراق» لسنة 1970، ص205، ومنها موقع سُجّل باسم «مدينة الأكراد»، ولا ندري هل هي مدينة «شهر كورد - شهر قرد» التي ظلت مسكونة حتى مجيء المغول؛ وكانت تقع في منطقة الحويجة أيضاً مدينة «بوازيج» ومدينة «السن»، وذلك في العهد الإسلامي.)

وكانت عشيرتا العبيد والجبور تصلان إلى الأقسام الجنوبية من الحويجة سعياً وراء الكلأ لمواشيهما، فوزعت الحكومة العراقية العربية الأراضي الكوردية المشمولة بمشروع ري الحويجة على عشيرتي العبيد والجبور وبعض العشائر العربية الأخرى، وخصصت عدداً من المرشدين الزراعيين لتعليمهم الزراعة التي لم يمارسوها سابقاً. ولم توزع الحكومة العراقية العربية الأراضي على الأكراد مثلهم، بل حرمتهم منها، فكان هذا أول استيطان عربي يُخطَّط له في محافظة كركوك من قبل الحكومة العراقية العربية الجديدة.

بلغ عدد أفراد عشيرة العبيد هذه (11000) نسمة بموجب إحصاء 1957، وقد وُطّنت في جنوب الفرع الغربي من مشروع ري الحويجة حتى حدود قضاء كركوك، على مساحة تبلغ (1000) كيلومتر مربع تقريباً. أما عشيرة الجبور فبلغ عدد أفرادها (12595) نسمة بموجب الإحصاء المذكور لعام 1957، وقد أُسكنت في المنطقة الواقعة بين نهر الزاب والفرع الغربي من مشروع ري كركوك، على مساحة من الأرض قدرها حوالي (900) كيلومتر مربع. وأسكنت الحكومة العراقية العربية في الحويجة أيضاً عشيرة البوحمدان العربية في (14) قرية، واستقر عرب من تكريت والدور في مركز ناحية الحويجة وفي خمس قرى أخرى. وقد بلغ مجموع أفراد العشائر العربية التي أُسكنت في ناحية الحويجة (27705) نسمة بموجب إحصاء 1957، ثم حوّل النظام العراقي السابق (نظام حزب البعث) الناحية إلى قضاء.

وقد شكّلت الحكومة العراقية منذ سنة 1963 من هؤلاء العرب في الحويجة وحدات مسلحة غير نظامية باسم «فرسان خالد»، واستخدمتها في القتال ضد الثورة الكوردية. ولكن قسماً من عشيرة العبيد برئاسة الشيخ مظهر العاصي لم يشاركوا في هذه الوحدات العربية ضد الشعب الكوردي، ولم يحملوا السلاح ضد الأكراد (1). وكان الشيخ مظهر العاصي من أصدقاء الزعيم الكوردي الشيخ محمود الحفيد، وقد وقّع على مضبطة وقّعتها شخصيات السليمانية ورؤساء البيات ورؤساء عشائر كوردية، قُدّمت إلى الحكومة العراقية تطالب بإطلاق سراح الشيخ محمود الحفيد من المنفى. وما زالت لأسرة الشيخ العاصي، التي كانت مناوئة لنظام صدام حسين، علاقات صداقة مع الأكراد، وقد أعدم صدام حسين العميد غازي العبيدي من أقارب الشيخ مظهر العاصي.

وكان متصرف كركوك في ذلك الوقت سعيد قزاز، الرجل الإداري الكوردي الأشهر والمعروف بجسارته. فعندما كانت الحكومة العراقية تنفذ مشروع ري الحويجة لإسكان العشائر العربية، كان سعيد قزاز مطّلعاً على نوايا الحكومة العراقية العربية في تعريب منطقة الحويجة، فحثّ العشائر الكوردية على المجيء إلى الحويجة للاستيطان فيها. وجاء سعيد قزاز بنفسه إلى مدينتي كويسنجق ورانية، واتصل بعشائرهما الكوردية، وطلب أن ترسل كل عشيرة كوردية عدداً من أسرها للإقامة في منطقة الحويجة، وقال لهم: إن الحويجة تخرج من يد الأكراد وسوف تُعرَّب. ولكنهم لم يلبّوا طلبه، إلا أن قسماً من أكراد منطقة كركوك ساروا واستقروا في أراضي المشروع، ولكن النظام العراقي وصدام حسين أخرجهم ورحّلهم من قضاء الحويجة مع الأكراد الذين كانوا في منطقتها قديماً من عشائر جولمه كي ودزه يي وجاف وشوان الكوردية (2). ويضم قضاء الحويجة النواحي التالية: العباسي والرياض والزاب.

لقد شرّدت الحكومة العراقية السابقة (وحزب البعث) أيضاً السكان الأكراد من قضاء دوبز (الدبس) المتاخم لقضاء الحويجة، وهجّرتهم قسراً من قراهم البالغة (31) قرية، وجلبت عشائر عربية، ولا سيما الجبور، وأسكنتها في قراهم الكوردية تعريباً للقضاء الكوردي. كما دمّرت القرى الكوردية الواقعة في غرب كركوك وجنوبها الغربي باتجاه الحويجة (3) وعرّبتها أيضاً، وذلك على مراحل، ونقلت سكانها الأكراد قسراً إلى عدة مجمعات سكنية كانت الحكومة العراقية ونظام حزب البعث قد شيّدتها لجمع الأكراد فيها، وما هي إلا نوع من المعتقلات.

المصادر

  1. الدكتور نوري الطالباني، منطقة كركوك ومحاولات تغيير واقعها القومي، ص37 و40-43. كان الشيخ مظهر العاصي يستنكر ترحيل الأكراد من الحويجة، ويستنكر اضطهاد الأكراد، واستنكر محاولة اغتيال الملا مصطفى البارزاني سنة 1970. وكان أخوه حسن العاصي، ونزهان أحمد شكري العبيدي من أقاربه، يحبان الأكراد وينتقدان سياسة صدام حسين، وكانت عشيرة العبيد تكره صداماً وكان هو يكرههم أيضاً، وقد أحال صدام حسين عبد مطلك العبيدي على التقاعد، وكان قائد الفرقة 24 أثناء الحرب العراقية الإيرانية.

  2. تحدث عن تلك المحاولات المرحوم سعيد قزاز الكوردي مع السيد اللواء جمال قادر وكمال قادر من كويسنجق، وسُمع ذلك من غيرهما، وقد سُمع من أناس كثيرين أن الفريق بكر صدقي (الكوردي)، الذي أتى على رأس السلطة في العراق نتيجة انقلابه العسكري في 29/10/1936، واغتيل في الموصل في 11/8/1937 بتخطيط من الإنجليز والقوميين العرب، حثّ العشائر الكوردية على الذهاب إلى الحويجة والتوطن فيها. علماً أن هذا القائد الكوردي (الفريق الركن بكر صدقي) كان يخطط لإقامة دولة كوردية حسب الدلائل المتوافرة، وكان يدّخر مبلغاً عند المرحوم توفيق قزاز، من شخصيات السليمانية، للحركة الكوردية مستقبلاً. أما سعيد قزاز فقد جُمعت بخصوصه أيضاً معلومات غير قليلة من الذين شاهدوه، وقد كان وزير الداخلية عند قيام ثورة 14 تموز 1958 في العراق، وأُعدم ظلماً، وكان يحاول تعيين الأكراد في شركة نفط كركوك وعيّن عدداً منهم.

  3. التفاصيل في كتاب الدكتور نوري الطالباني، ص57 و82-83، وهو أهم كتاب أُلّف بخصوص منطقة كركوك.