الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي
مؤتمر الصلح في باريس 29-30 كانون الثاني 1919
من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2023
شرع الحلفاء لأول مرة في الحديث عن الكورد في مؤتمر الصلح بباريس في 29-30 كانون الثاني (يناير) 1919، وذلك من خلال القرار الذي صاغه عضو الوفد البريطاني الجنرال (خ. سميث)، واقترحه على مجلس العشرة في 29 كانون الثاني (يناير) 1919، وقد جاء فيه: «اتفقت دول الحلفاء الكبرى والمحايدة، لما تبيّن من سوء الإدارة العثمانية التركية التاريخية في معاملة الشعوب الخاضعة لها، وللمذابح الأرمنية، على فصل أرمينيا وسوريا وميزوبوتاميا (ولايتي بغداد والبصرة فقط) وفلسطين وشبه جزيرة العرب فصلاً تاماً عن المملكة التركية الحديثة، دون إلحاق ضرر بسكان الأقسام الأخرى من المملكة التركية الحديثة». وفي 30 كانون الثاني (يناير) 1919 جرت مناقشة واسعة للمشروع في مجلس العشرة، فتبيّن أن عبارة «كوردستان» لم تكن موجودة في المشروع الأول الذي قُدِّم إلى المجلس.
وقال لويد جورج، رئيس وزراء بريطانيا، حرفياً بعد إدخاله تعديلاً على مشروع الوفد البريطاني: «إن ما يؤسف له أنه أغفل بلداً واحداً داخلاً في عداد تركيا، لأنه ظن أن ميزوبوتاميا (بغداد والبصرة) وأرمينيا تغطيان عليه، ولكنه أُبلغ بأن الأمر ليس كذلك، وهذا ما يتعلق بكوردستان (أرض الأمة والشعب الكوردي) التي تقع بين ميزوبوتاميا (وهي ولايتا بغداد والبصرة فقط) وأرمينيا».
ولهذا فإن رئيس وزراء بريطانيا لويد جورج اقترح، إن لم تكن هناك اعتراضات، ضمّ كوردستان أيضاً إلى المشروع. وهذا الموقف ينمّ عن أشياء كثيرة:
أولاً: أن مصطلح «كوردستان» لم يكن مألوفاً، وأنه دخل لتوّه في القاموس الدبلوماسي.
ثانياً: أن ما عناه لويد جورج بالضبط هو ذلك الجزء من كوردستان الذي كان يقع بين بحيرة وان وولاية الموصل. وبذلك أُثير الموضوع الكوردي (الشعب الكوردي وكوردستان) بوضوح تام في المباحثات التمهيدية وفي المناقشات الموسعة للمسألة التركية.
وقد بدأ نهج الدول الكبرى المنتصرة إزاء القضية الكوردية وكوردستان يتطور في جانبين أساسيين، هما: وجوب فصل كوردستان عن تركيا الحديثة، ووضعها تحت نظام الانتداب. وبدأت مخططات دول التحالف الرئيسية تظهر بوضوح فيما يتعلق بالقضية الكوردية وكوردستان، إذ اقتُرح تقسيم جديد لكوردستان العرقية، بحيث تصبح أجزاؤها الجنوبية (كوردستان العراق) منطقة نفوذ لبريطانيا، والجنوبية الغربية لفرنسا، والغربية والشمالية للولايات المتحدة، وبالتالي تنقسم كوردستان إلى منطقتين: المنطقة البريطانية (في الجنوب والشرق) والمنطقة الأمريكية (في الشمال والغرب).
وهكذا اختلف الموقف الدولي الذي تكوّن حول كوردستان في الأشهر الأولى من عام 1919 التي أعقبت الحرب العالمية الأولى، ولا سيما في المرحلة الأولى من عمل مؤتمر الصلح (فرساي) في باريس في كانون الثاني 1919، اختلافاً جذرياً عن الموقف الذي كان سائداً في سنوات ما قبل الحرب وفي أثناء الحرب العالمية الأولى (عندما وُضعت اتفاقية سايكس – بيكو). إلا أن هذا الموقف الجديد، كما سيتضح، لم يكن ثابتاً ونهائياً، فقد طرأت عليه بعد عدة أشهر من التآمر الثلاثي الاستعماري تغييرات جوهرية للغاية.
ولكن السؤال الذي يفرض نفسه هنا: ما موقف الكورد أنفسهم من مؤتمر الصلح في باريس في 29-30 كانون الثاني 1919؟
لقد تطلّع الكورد، شأنهم شأن العرب والأرمن، إلى تحقيق آمالهم وتطلعاتهم في الحصول على حق تقرير المصير طبقاً لمبادئ الرئيس الأمريكي ولسن الأربعة عشر، واعتقدوا أن مؤتمر الصلح في باريس عام 1919 هو وسيلتهم إلى ذلك، ولهذا اهتموا بالمشاركة فيه. فقام بهذه المهمة الحزب الوطني الكوردي في الأستانة، الذي كان يرأسه عبد القادر شمزيني ومعه أبناء بدرخان، فانتخبت كلٌّ من جمعية «تعالي الكورد» وجمعية «التشكيلات الاجتماعية الكوردستانية» وجمعية «الاستقلال الكوردي» الجنرال شريف باشا السليماني ابن سعيد باشا ممثلاً لها ورئيساً للوفد الكوردي الذي أرسله الكورد إلى باريس. كما أعدّ الشيخ محمود الحفيد البرزنجي عريضة عامة وقّعها أبناء السليمانية وأفراد العشائر الكوردية، تتضمن توكيل شريف باشا السليماني ممثلاً للكورد في مؤتمر الصلح في باريس.
وفي إطار التنسيق بين الأرمن والكورد، وقّع شريف باشا معاهدة مع نوبار باشا رئيس الوفد الأرمني في كانون الأول (ديسمبر) 1918، اتفقا فيها على تسوية المسائل المتنازع عليها بين الطرفين بالوسائل السلمية، لتفويت الفرصة على القوى الخارجية التي ترغب في التدخل في شؤون المنطقة الكوردية (كوردستان). وقد تم الاتفاق على أساس أن تكون كوردستان دولة مستقلة عن الدولة الأرمنية التي كان الحلفاء ينوون تأليفها.
ونتيجة لهذا الاتفاق تقدّم الطرفان إلى مؤتمر الصلح في باريس بمذكرتين وخريطتين لكوردستان وأرمينيا، ضمّناهما مطالب الأمتين الكوردية والأرمنية وحقوقهما. وفي أول آذار (مارس) 1920 رفع الممثلان شريف باشا ونوبار باشا مذكرة باسم كل منهما إلى مجلس الحلفاء الأعلى في باريس، ضمّناها الاتفاق الذي توصّلا إليه. وقد أقرّ مجلس الحلفاء رغبتهما مبدئياً، ثم صادق عليها فيما بعد، إذ تضمنتها معاهدة سيفر في 10 آب (أغسطس) 1920.