الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي
مؤتمر لندن (21 شباط - 14 آذار 1921م)
من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2023
استمرت التعقيدات الدولية بسبب قضايا الشرق الأوسط، فلم تتوصل معاهدة سيفر في 10 آب/أغسطس 1920 إلى تسوية عامة بشأن المسألة الكوردية في تركيا (كوردستان تركيا)، وكذلك المسألة الكوردية في العراق (ولاية الموصل، كوردستان العراق). وكانت المسألة الكوردية على الدوام في مركز المصالح المتضاربة لدول الحلفاء المنتصرين في الحرب.
ولقد ظل مشروع «كوردستان المستقلة» حتى بداية عام 1921م على رأس اهتمامات الدبلوماسية البريطانية، ولم تكن بريطانيا تنوي التخلي عنه على الرغم من المصاعب التي كانت تواجهها، وما دام العراق وفلسطين تحت سيطرتها فإنها ستمضي في تنفيذه. ويعتقد البعض أن بريطانيا كانت تريد تعويض تركيا الحديثة وإيران (فارس) بأراضٍ أخرى بدلاً من كوردستان.
وكانت بريطانيا ترغب في أن تحقق من خلال مشروع كوردستان المستقلة ما يأتي:
بعد إبعاد تركيا الحديثة وإيران (فارس) عن روسيا، وعن بعضهما بعضاً، يغدو ممكناً تحجيم كل من هاتين الدولتين وجعلها دولة صغيرة، وإرغامها على الانصياع التام لإرادة بريطانيا.
أن كوردستان تُعدّ أقصر الطرق للهجوم على روسيا.
وهكذا أصبحت المسألة الكوردية أداةً في يد بريطانيا، لا أكثر، لتحقيق سياستها المعادية للسوفييت، وكذلك لتحقيق سياستها الاستعمارية في المنطقة.
وكانت إيران من هذه الناحية أكثر أهمية لبريطانيا من كوردستان، إذ كانت تعدّها رأس الرمح في مواجهة السوفييت، ومن هنا شجعت بريطانيا انقلاب رضا خان بهلوي في إيران عام 1921.
وجرت سياسة دول الحلفاء الشرق أوسطية في خريف عام 1920م وبداية شتائه، على ما يبدو، وفق ما رسمته معاهدة سيفر (10 آب 1920). وفي 23 كانون الأول عام 1920 جرى في باريس التوقيع على المعاهدة الإنجليزية - الفرنسية التي حددت الأراضي الواقعة تحت انتداب الدولتين في سوريا والعراق، واعتباراً من هذا التاريخ ظهر اسم «كوردستان الجنوبية الغربية»، ذلك أن الحدود الجديدة لهاتين الدولتين ضمّت جزءاً من الأراضي الكوردية إلى سوريا، ونتيجة لذلك وجدت بعض العشائر الكوردية نفسها وقد انقسمت إلى قسمين على جانبي الحدود السورية العراقية.
لقد بنى الإنجليز جميع حساباتهم على هزيمة محتملة للكماليين الأتراك، ولو اتخذت الأحداث هذا المنحى لتحقق حلم المستعمرين الإنجليز المنشود في إقامة «دويلات حاجزة» تمتد من مضيق البسفور حتى حدود الهند، بما فيها دويلات كوردية في كوردستان، من شأنها ضمان أمن «درة تاج الإمبراطورية البريطانية»، أي الهند.
وعلى الرغم من أن بريطانيا قد نالت حصة الأسد من مكاسب معاهدة سيفر 1920، فإن فرنسا وإيطاليا كانت لهما مصالح مشتركة معها في تركيا الحديثة، من حيث الإبقاء على الإشراف المالي والاقتصادي ونظام الامتيازات وغيرها. كما كانت كل من فرنسا وإيطاليا، وكذلك المشاركون الصغار في معاهدة سيفر، معنيّين بتأييد بريطانيا في المسائل الدولية الأخرى التي كانت تهمّهم، وخاصة فرنسا في المسألة الألمانية، وفي تقوية مواقعها المتزعزعة جداً في سوريا.
وفي تلك الفترة تبيّن للدبلوماسيتين الإيطالية والفرنسية أنه لا بد من اتخاذ موقف موحد إزاء بريطانيا لتسوية مشاكل الشرق الأوسط، وذلك على الرغم من المصالح المتضاربة لهذه الدول.
وفي الوقت نفسه بدأ نظام معاهدة سيفر 1920 يفقد الأسس التي قام عليها، وقد تمثل ذلك في انتصار السلطة السوفيتية في الحرب الأهلية وفشل التدخل المعادي للسوفييت، مما أدى إلى تغيير جذري للوضع في منطقة القفقاس والبحر الأسود. كما أدى تقارب الكماليين الأتراك مع روسيا السوفيتية إلى فقدان بريطانيا قاعدتها المعادية للسوفييت. وأخيراً فإن النجاحات السياسية للسلطة الكمالية التركية وانتصاراتها العسكرية الأولى على اليونانيين في أوائل عام 1921م أصابت الفرنسيين والإيطاليين بخيبة أمل في معاهدة سيفر.
وبالطبع أصبح عجز نظام معاهدة سيفر 1920 واضحاً للعيان، سواء بالنسبة إلى لندن أم إلى العواصم الأوروبية الأخرى، ولذلك كانت لندن مستعدة لإجراء تعديلات جزئية في معاهدة سيفر دون المساس بجوهرها بوجه عام.
وفي هذه الأثناء أصبح مشروع كوردستان المستقلة أو ذات الاستقلال الذاتي باهتاً بشكل ملحوظ، وبدأ يفقد قوته تدريجياً.
وهكذا لم يكد يمر نصف عام على توقيع معاهدة سيفر في 10 آب 1920م حتى طُرحت مسألة إعادة النظر فيها. وفي البداية ظهرت النزعات الأولى إلى ذلك التغيير بصورة خفية، لكن سرعان ما ظهرت بصورة مكشوفة نزعة الفرنسيين والإيطاليين إليه، وانضم الإنجليز إليهم فيما بعد. وقد اتخذ المجلس الأعلى للحلفاء قراراً بهذا الشأن في 25 كانون الثاني/يناير سنة 1921م، بالإضافة إلى توجيه الدعوة إلى وفد من أنقرة لحضور المؤتمر القادم في لندن، الأمر الذي كان يعني الاعتراف بحكومة المجلس الوطني التركي الكبير (تركيا الحديثة).
وجرت أعمال المؤتمر في لندن اعتباراً من 21 شباط/فبراير حتى 14 آذار/مارس سنة 1921م. وقد شكّل وفدا إسطنبول وأنقرة وفداً تركياً واحداً برئاسة وزير خارجية المجلس الوطني التركي الكبير بكر سامي بك. واستأثرت المسألة الكوردية في مؤتمر لندن باهتمام واضح؛ فقد عرض بكر سامي بك، رئيس الوفد التركي ووزير خارجية تركيا، في 24 شباط/فبراير الموقف التركي الموحد من المسألتين الكوردية والأرمنية، وطالب الأتراك بإعادة الحدود القائمة مع إيران وأرمينيا والقفقاس.
كما تناول ممثلو الحلفاء المسألتين الكوردية والأرمنية في الاجتماع الذي جرى في 25 شباط/فبراير 1921. وفي البداية بحثت وفود بريطانيا وفرنسا وإيطاليا واليابان المسألتين فيما بينها، ثم أعلن لويد جورج، رئيس وزراء بريطانيا، باسمها للوفد التركي أن الأحداث التي أعقبت معاهدة سيفر 1920 قد أثّرت على هاتين المسألتين، ولهذا السبب قد تتم مناقشتهما وحلّهما بصورة نهائية في هذا المؤتمر. وبذلك أصبح واضحاً أن دول الحلفاء قد اعتزمت تقديم تنازلات لتركيا الحديثة بالموافقة على مناقشة مستقبل أرمينيا وكوردستان.
وقد حاول الوفد التركي برئاسة بكر سامي بك الإشارة إلى أن المسألة الكوردية مسألة داخلية لا تخضع للمناقشة مع الدول الكبرى، إلا أن ذلك لم يقنع دول الحلفاء المنتصرين، فجرت في اليوم التالي، السادس والعشرين من شباط/فبراير 1921، مناقشة المسألة الكوردية بصورة خاصة ومنفردة. وتحدث وزير الخارجية البريطاني اللورد كيرزون باسم الحلفاء، وأكد رغبتهم في إعادة النظر في مواد معاهدة سيفر المتعلقة بالكورد والأرمن.
وعرض بكر سامي بك بشكل واسع آراء الجانب التركي حول المسألة الكوردية، وقد تمثلت وجهة نظره في النواحي التالية:
أ- أن للكورد ممثلين في المجلس الوطني التركي الكبير، ما دام كل سنجق ينتخب خمسة نواب من الأتراك والكورد على السواء، وأن الكورد يشكّلون وحدة تامة مع تركيا، وأن للعرقين التركي والكوردي شعوراً مشتركاً وثقافة مشتركة وديناً واحداً.
ب- أن «النظام الوطني التركي» الأساسي الجديد الذي وضعه المجلس الوطني التركي الكبير يعطي الولايات الكوردية استقلالاً ذاتياً محلياً، كما تقبل الحكومة التركية مبدأ الاستقلال الذاتي المحلي للأكراد في المناطق التي يشكّل فيها العنصر الكوردي غالبية السكان.
ج- أن الحدود المرسومة في المادة 62 من معاهدة سيفر لا تتطابق مع الوضع الإثنوغرافي الحقيقي، فالأجزاء الغربية والجنوبية من ولايتي معمورة العزيز وديار بكر، وخاصة سنجق سيفرك، تركية صرفة، وفي ولاية ديار بكر تُعدّ مقاطعة درسيم المقاطعة الكوردية الوحيدة، كما يقطن الكورد بكثافة أكبر في ولايتي بدليس ووان وفي جزء كبير من ولاية الموصل، ويشكّلون الغالبية على طول الحدود الإيرانية التركية، في حين تعيش في مناطق أربيل وآلتون كوبري وطوز خورماتو غالبية تركية.
لكن اللورد كيرزون أعلن أنه يجب على الحكومة التركية منح الاستقلال الذاتي للولايات التي تقطنها أغلبية كوردية وتحديد حدودها بدقة. وقد دفع ذلك بكر سامي إلى التأكيد على أن جميع الولايات سيكون لها ميزانية خاصة وإدارة ذاتية، أي أنه سيتم تطبيق لا مركزية واسعة، كما أكد أن الكورد ليست لديهم رغبة أخرى سوى العيش مع الأتراك كإخوة لهم، وأن الفوارق بين الأتراك والكورد ليست أكبر من الفوارق القائمة بين الإنجليز والإسكتلنديين. وقد أعلن الحلفاء في المقترحات المقدمة في نهاية المؤتمر في 11 آذار/مارس 1921م أنهم على استعداد للنظر في تغيير معاهدة سيفر فيما يتعلق بكوردستان، بمعنى تكييفها مع وقائع الموقف القائم، وكان ذلك يعني التخلي الفعلي عن مطالب الاستقلال الكوردي على أقل تقدير. وكانت دول الحلفاء جاهزة للاكتفاء بنظام حكم ذاتي للولايات الكوردية في تركيا، فضلاً عن أن ذلك الحكم الذاتي للأكراد كان على الورق أكثر منه في الواقع.
وأثناء أعمال مؤتمر لندن عقدت حكومة أنقرة في النصف الأول من آذار/مارس 1921م عدداً من الاتفاقيات الدولية التي أضفت الشرعية الدولية القانونية على النظام الجديد في تركيا؛ فقد عقدت تركيا معاهدة للصداقة والتحالف مع أفغانستان، فأصبح لها أول حليف في الشرقين الأدنى والأوسط. وفي 9 آذار/مارس 1921 وقّع بكر سامي اتفاقية عسكرية وسياسية مع وزير الخارجية الفرنسي بريان خارج إطار مؤتمر لندن، وقد مسّت هذه الاتفاقية، سواء في جانبها الجغرافي أم السياسي الاقتصادي، كوردستان الجنوبية الغربية، وأصبحت المسألة الكوردية للمرة الأولى موضوعاً مباشراً للمفاوضات التركية الفرنسية، وحصل الفرنسيون على إمكانية التغلغل في المناطق الكوردية. وفي 13 آذار/مارس 1921 وقّعت تركيا خلال مؤتمر لندن اتفاقية مماثلة مع إيطاليا، لكنها كانت تتعلق بصورة أساسية بجنوب الأناضول وجنوبه الغربي.
وقد رفض المجلس الوطني التركي جميع الاتفاقيات التي وقّعها بكر سامي في لندن، لتمسّكها بما جاء في معاهدة سيفر، ومع ذلك فإن هذه الاتفاقيات عزّزت دون شك الوضع الدولي لحكومة أنقرة، فضلاً عن أنها زادت من خلافات دول الحلفاء.
وهكذا لم يُسفر مؤتمر لندن في جزئه الشرق أوسطي عن أية نتيجة، وألحق موضوعياً أكبر ضرر ببريطانيا، إذ لم تتمكن من وقف انهيار نظام معاهدة سيفر 1920 بالوسائل الدبلوماسية. ويبدو أن فشل مؤتمر لندن قد أعاد المسألة الكوردية إلى مواقعها الأولى، وهكذا تعرّض مشروع كوردستان المستقلة لضربات متوالية خلال مؤتمر لندن (21 شباط - 14 آذار 1921).