الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي
مستقبل الدولة القومية الكوردية
من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2023
تشكّلت منطقة الشرق الأوسط بعد الاحتلال البريطاني والفرنسي للمنطقة (1914–1918م)، إذ تقاسمت الدولتان المنطقة العربية بعد خسارة الدولة العثمانية الحرب، وشكّلت بريطانيا الدول العربية وفق ثقافتها في بناء الدولة على الأساس القومي. ثم انسحبت بريطانيا من منطقة الشرق الأوسط تاركة المنطقة للقوة الجديدة التي تفرّدت إمبراطوريةً عظمى في العالم، متمثلة بالولايات المتحدة الأمريكية، التي أرادت فرض بصمتها على المنطقة، فتحقق لها ذلك بعد حرب الخليج عام 1991، وأحداث سبتمبر 2001 في الولايات المتحدة، واحتلال أفغانستان والعراق.
هنا قامت الولايات المتحدة بفرض ثقافتها في بناء الدولة، القائمة على بناء الأمة قبل بناء الدولة، فانتشر العنف في جميع الدول التي احتلتها، وعمّ التغيير الأقطار العربية، فضرب المجتمعات وفكّك روابطها وجعل الولاء للمذهب مقدَّماً على الولاء للوطن. وقد ذكّرتنا هذه الأحداث بالحروب الأمريكية في مرحلة بناء الأمة الأمريكية.
استغل الأكراد التغيّر الحاصل في المنطقة، وانهيار أنظمة الحكم في العراق وسوريا، وانتشار الفوضى والحروب الداخلية، واستطاعوا الاحتفاظ بكيان مستقل أمنياً في العراق وسوريا. ويسعى الأكراد إلى تحقيق الحلم الكوردي بقيام الدولة الكوردية الكبرى على أنقاض الصراعات والحروب الإقليمية، بعد أن عجزوا عن تحقيقه بالعمل المسلح. وسوف نتناول هنا إمكانية قيام الدولة الكوردية ومشاهد الدولة الكوردية.
إمكانية قيام دولة كوردية مستقلة في كوردستان
رفع أكراد العراق شعار حق تقرير المصير وإقامة دولة كوردية مستقلة لهم، فيما بلور أكراد سوريا برنامجاً سياسياً يشير للمرة الأولى إلى الفيدرالية، مع وجود انقسام بينهم سواء من جهة التحالفات أو من جهة سقف المطالبة بالحقوق.
وباتت القضية الكوردية في تركيا من أهم القضايا التي واجهتها الحكومات التركية المتعاقبة منذ تأسيس الجمهورية التركية عام 1923م، حتى أصبحت مشكلة مزمنة تهدد أمن البلاد وترهق اقتصادها وتعوق التنمية الشاملة، فضلاً عن أنها تحدّ من الدور الإقليمي لتركيا، لا سيما في ظل الصراعات الإقليمية الجارية وتطلّع العديد من القوى الإقليمية إلى استخدام القضية الكوردية ورقةً في صراعاتها وتطلعاتها. ويسعى أكراد تركيا إلى العودة إلى طرح شكل موسّع للحكم الذاتي يقترب من الكونفدرالية.
أما وضع أكراد إيران فيبقى غير واضح لأسباب عديدة، منها قلة المعلومات المتوفرة عن الحراك الكوردي هناك نتيجة سيطرة الدولة المركزية على وسائل الإعلام، ومنها ما يتعلق بضعف الحركة الكوردية في إيران مقارنة بأكراد العراق وتركيا وحتى سوريا. علماً أن أكراد إيران هم أول من أعلن إقامة دولة كوردية مستقلة في العصر الحديث، وهي جمهورية مهاباد التي أُقيمت بدعم من الاتحاد السوفيتي عام 1946، ولم تصمد سوى أقل من سنة قبل أن يدخل الجيش الإيراني عاصمتها مهاباد ويعدم رئيس جمهوريتها القاضي محمد مع كبار قادته الكورد.
جهود أكراد كوردستان العراق لبناء دولة كوردية مستقلة
لقد ظهرت مؤشرات على تطور وضع الأكراد في العراق، فقد تعددت المكاسب الكوردية على مر السنين، وكان الأكراد يحصلون على هذه المكاسب مرة باستعمال السلاح، ومرة أخرى باستغلال الرأي العام العالمي والوضع الدولي الجديد. وسنعرض هذه المؤشرات (المكاسب) حسب تسلسلها الزمني.
1. الاعتراف بالأكراد في الدستور العراقي سنة 1958م
بقيام ثورة 14 تموز (يوليو) 1958م رأى زعماء العراق الجدد أن المشكلة الكوردية جزء من الحركة الوطنية في العراق، فأشركت الحكومة العراقية الأكراد في مجلس السيادة، وهو مجلس قيادة ثلاثي مكوّن من ثلاثة أعضاء (سني، شيعي، كوردي)، وكان ممثل الأكراد فيه العقيد الركن خالد النقشبندي. كما مثّل الأكراد في الحكومة وزيران من أصل عشرة وزراء ضمّتهم الوزارة الأولى للثورة (14 تموز 1958م). وقد ساهم الأكراد جنباً إلى جنب مع العرب في ثورة 14 تموز 1958، لأن تنظيم الضباط الأحرار الذي خطط للثورة كان يضم في صفوفه ضباطاً أكراداً، كما ساهم قسم منهم في الزحف على بغداد والسيطرة عليها.
ونص الدستور العراقي المؤقت في مادته الثالثة على «أن العرب والأكراد شركاء في هذا الوطن، ويقرّ هذا الدستور حقوقهم القومية ضمن الوحدة العراقية». كما صدر العفو عن الذين تمردوا على النظام الملكي والذين هربوا من البلاد، ومنهم الزعيم الكوردي وقائد الحركة الكوردية (الثورة الكوردية) الملا مصطفى البارزاني وأتباعه. وفي 5 تشرين الأول (أكتوبر) 1958م عاد الملا مصطفى البارزاني وعائلته، فخصصت لهم الحكومة العراقية بيتاً في بغداد، وخصصت له راتباً شهرياً. كما شارك الأكراد مع القوات الحكومية في ضرب حركة العقيد الركن عبد الوهاب الشواف في الموصل في 8 آذار (مارس) 1959.
وتقدّم الملا مصطفى البارزاني ورفاقه في 9 كانون الثاني (يناير) 1960م بطلب إلى وزارة الداخلية لتأسيس حزب سياسي كوردي باسم «الحزب الديمقراطي لكوردستان في العراق»، وأُجيز الحزب في 9 شباط (فبراير) 1960م.
2. بيان 11 آذار 1970 وقانون الحكم الذاتي 1974م
اهتمت حكومة حزب البعث التي أطاحت بحكم عبد الرحمن عارف بالقضية الكوردية، إذ أعلنت أن هدفها الحفاظ على وحدة الشعب العراقي، وأصدرت الدستور المؤقت الذي نصّت المادة (21) من بابه الثالث على أن العراقيين متساوون في الحقوق والواجبات أمام القانون، لا يُميَّز بينهم بسبب الجنس أو العرق أو اللغة أو الدين، ويتعاونون، عرباً وأكراداً، في الحفاظ على كيان الوطن. وأقرّ الدستور حقوق الأكراد القومية ضمن الوحدة العراقية.
وجاء بيان 11 آذار 1970، بعد المعارك بين الأكراد والحكومة العراقية المركزية، أساساً للعلاقة بين الحكومة والأكراد، وبموجبه اعتُرف بجملة من الحقوق القومية والإدارية والثقافية والتنظيمية للأكراد، تندرج جميعها في إطار العمل لإقامة الحكم الذاتي للأكراد في شمال العراق (كوردستان). وتُوّج بيان 11 آذار 1970 بإعلان قانون الحكم الذاتي لكوردستان العراق عام 1974م من طرف واحد هو الحكومة العراقية، التي أعلنت أن هذا القانون يقوم على إنشاء منطقة حكم ذاتي للأكراد في إطار الدولة العراقية، أساسها ثلاث محافظات (أربيل، السليمانية، دهوك)، يكون فيها مجلس تمثيلي منتخب، وتكون للمنطقة موازنة مستقلة.
3. تشكيل حكومة إقليم كوردستان العراق عام 1992
خرجت المشكلة الكوردية في العراق من الدائرة المحلية والإقليمية إلى الدائرة الدولية، فأصبحت من القضايا الدولية المعقدة بعد الهجرة الجماعية للأكراد إثر قمع انتفاضتهم ضد الحكومة المركزية عام 1991م. وكان من نتائج هذه الانتفاضة صدور القرار (688) عن مجلس الأمن الدولي في نيسان (أبريل) 1991م، مما أعاد المشكلة الكوردية إلى الساحة الدولية، وتحديداً إلى إطار الأمم المتحدة، لأول مرة منذ معاهدة سيفر في 10 آب 1920م. وقد أتاح ذلك للأكراد في العراق استقراراً شبه دائم منذ ذلك الوقت، رغم الصراع الكوردي–الكوردي داخل إقليم كوردستان في منتصف تسعينيات القرن العشرين.
نظرياً، كانت للأكراد العراقيين جمعيتهم المنتخبة (البرلمان) منذ عام 1974م، ولكن على أرض الواقع كان أعضاء ذلك المجلس معيَّنين من قبل الحكومة العراقية وحزب البعث. أما في عام 1992 فقد تضافرت عوامل عدة جعلت الانتخابات في إقليم كوردستان انتخابات حقيقية، وهي: الفراغ الإداري الذي خلّفه النظام العراقي (البعث) في كوردستان، والمظلة العسكرية الغربية التي وفّرت لكوردستان أسباب نجاح هذه الخطوة، وأخيراً أن الديمقراطية والانتخابات الحرة في كوردستان العراق أيّدها عدد من التجمعات السياسية الكوردية، واعتبرتها الضامن الوحيد ضد تكرار البرلمان المعيَّن من قبل الحكومة المركزية العراقية (البعث). وهكذا أصبحت الانتخابات في كوردستان العراق ناقوس خطر، ليس للحكومة العراقية والبعث فحسب، بل لدول الجوار (تركيا، إيران، سوريا) أيضاً، التي خشيت انتقال عدواها إلى أكرادها.
لقد كانت إعادة صياغة أهداف الحركة القومية الكوردية من أهم بنود جدول الأعمال السياسي بعد حرب الخليج عام 1991. وكان الهدف المعلن للاتجاه الكوردي العام هو الحكم الذاتي، ولكن في عام 1992، وبعد مناقشات بين الأكراد والحكومة العراقية، رُفع ذلك الهدف إلى الفيدرالية. وفي قرار المجلس الوطني الكوردستاني (البرلمان) في بداية تشرين الأول (أكتوبر) 1992 أجمع قادة كوردستان العراق على تحديد مصيرهم وتعريف علاقتهم القانونية بالسلطة المركزية في العراق، في هذه المرحلة من التاريخ، على أساس الاتحاد الفيدرالي ضمن عراق ديمقراطي برلماني. وحالما رفع الشعب الكوردي والبرلمان الكوردستاني شعار الفيدرالية، أعلنت الحكومة العراقية والبعث العداء له لأنها عدّته عملاً انفصالياً، بينما عدّته دول الجوار العراقي خطراً يهددها.
ويرى الباحث أن الولايات المتحدة الأمريكية، بشنّها حربين على العراق عامي 1991 و2003، قد ساعدت على تغيير مصير الأكراد في العراق، وأن هذه الأحداث أدخلت الولايات المتحدة على خط القضية الكوردية.
4. إقرار النظام الفيدرالي لإقليم كوردستان بعد عام 2003م
رغم أن منطقة كوردستان العراق التي تضم الأكراد العراقيين بقيت تتمتع بالحكم الذاتي منذ عام 1991، فإن احتلال الولايات المتحدة الأمريكية للعراق وإسقاط النظام العراقي وصدام حسين كان يعني للمنطقة، حسب رؤية الأكراد، مزيداً من الأمان والاستقلالية، كما مثّل خطوة إلى الأمام باتجاه تحقيق مطلب الشعب الكوردي في العيش بسلام في ظل عراق فيدرالي ديمقراطي. وسرعان ما تنبّه المجتمع الدولي إلى هذا الوضع الجديد، فصدرت عن مجلس الأمن الدولي قرارات منها القرار (1483) في 22/5/2003، والقرار (1511) في 16/10/2003، والقرار (1546) في 8/6/2004، لتنظيم ترتيبات الانتقال السياسي في العراق.
وعلى الرغم من تطلّع الأكراد أساساً إلى الانفصال عن كل ما هو عربي، مع الاحتفاظ بحيّز داخل السلطة المركزية في بغداد، فإن مطلبهم قوبل بالرفض عربياً وأمريكياً، وجاء الدستور المؤقت لينص فقط على الفيدرالية في إطار عراق ديمقراطي، إذ نصت المادة (4) منه على أن «نظام الحكم في العراق جمهوري اتحادي فيدرالي ديمقراطي تعددي، ويجري تقاسم السلطات فيه بين الحكومة الاتحادية والحكومات الإقليمية والمحافظات والبلديات والإدارات المحلية».
لقد نجح الحزبان الكورديان الرئيسيان في استغلال حالة الضعف التي عانى منها العراقيون العرب، فطرحا مطالبتهما بنظام حكم يقوم على أساس فيدرالي، وأصرّا على أن تستجيب الحكومة المركزية في بغداد لمطالبهما، ورفضا التنازل عنها، خاصة في ظل الضغوط الشديدة التي يتعرض لها الحزبان من الجيل الكوردي الشاب الذي يرفض أي تسوية مع الحكومة المركزية في بغداد لا تحقق المطالب الكوردية.
وجاء الدستور العراقي الدائم، الذي وافق الشعب العراقي على مسودته في 15/10/2005، ليقرّ الصيغة الفيدرالية للدولة العراقية، وحق الأكراد في الحكم الفيدرالي لإقليم كوردستان، معترفاً بالواقع السياسي والأمني الذي عاشه الإقليم الكوردي في السنوات الماضية منسلخاً عن السيادة العراقية، وفق ما جاء في المادة (117) التي أقرّت عند نفاذ الدستور إقليمَ كوردستان وسلطاته القائمة إقليماً اتحادياً. كما اعتُرف بالقوانين الصادرة في المنطقة (الحكم الذاتي) منذ عام 1992 ما لم تكن مخالفة للدستور العراقي، وفقاً لنص المادة (141) من الدستور، واحتفظت الأحزاب الكوردية بقوات البيشمركة، وأُقرّت إعادة تطبيع الأوضاع في مدينة كركوك، واعتُبرت اللغة الكوردية لغة رسمية إلى جانب العربية. كما نص الدستور على منع تنفيذ أي قرار للحكومة المركزية في بغداد دون موافقة البرلمان الكوردي المسبقة، مع التأكيد على أن العراقيين متساوون أمام القانون دون تمييز بسبب الجنس أو العرق أو القومية أو الدين أو المذهب أو المعتقد.
ويتضح مما سبق أن الأكراد حصلوا من خلال الدستور العراقي الدائم على ما لم تحصل عليه أي جماعة إثنية أو قومية أخرى في العراق، سواء فيما يتعلق بالاعتراف بحقوقهم القومية بشكل مستقل، أو فيما يتعلق بحقوقهم بوصفهم جزءاً رئيساً من مكونات الشعب العراقي؛ فهم القومية الثانية التي أشار إليها الدستور العراقي إلى جانب القومية العربية. كما أن اعتماد النظام الفيدرالي في العراق مكّن الأكراد من الاستفادة منه، لأن إقليم كوردستان يعيش واقعاً قومياً وسياسياً مستقراً منذ عام 1991م.
وفي أيلول (سبتمبر) 2005 شكّل برلمان كوردستان العراق لجنة لصياغة دستور كوردستان، غير أن من الملاحظ أن لجنة الصياغة لم تكتب دستوراً جديداً، بل أعادت صياغة مسودة سبق أن كُتبت عام 2000م. ثم عُدّلت مسودة دستور كوردستان مرة أخرى، وصادق عليها برلمان كوردستان بالأغلبية المطلقة.
5. عودة الأكراد إلى مدينتهم كركوك والمناطق الكوردية المتنازع عليها
مع إصرار الأكراد على فيدرالية قومية تضم كركوك ومناطق أخرى، عاد الأكراد عام 2005 إلى مناطق سكناهم الأصلية في أطراف مدينة كركوك وفي كركوك نفسها، لأنهم كانوا قد هُجّروا منها قسراً على أيدي الحكومات العراقية السابقة ونظام حزب البعث بغرض تعريب كركوك والمناطق المجاورة لها، وذلك بجلب العوائل العربية من جنوب العراق ووسطه وإسكانها في المناطق الكوردية وفي أماكن الأكراد المهجَّرين قسراً، وتمليكها ممتلكات الأكراد، وتسليمها مبلغ عشرة آلاف دينار لغرض السكن في أماكن المهجَّرين.
لقد اتبع الأكراد كل السبل من أجل إخراج العرب الوافدين الذين جلبتهم الحكومات السابقة ونظام حزب البعث إلى كركوك، سواء بأسلوب الترغيب أو الترهيب. وتتمثل آلية الترغيب في دفع أموال للسكان الذين قدموا إلى كركوك في إطار التعريب من أجل الرحيل عنها. والتركمان أيضاً من ضحايا التعريب، شأنهم في ذلك شأن الأكراد.
ولحل مسألة الحدود الداخلية للمناطق المتنازع عليها، فإن لحكومة إقليم كوردستان الحق في إدارة قضاءي عقرة ومخمور، على اعتبار أن الأول ذو أغلبية كوردية وكانت محافظة دهوك تتولى إدارته منذ عام 1991، والثاني كان جزءاً من محافظة أربيل منذ عام 1932م. وكذلك الحال في كثير من النواحي والمناطق التي كان سكانها أكراداً وهُجّروا منها قسراً، أو سُلخت من المناطق الكوردية وأُلحقت بمحافظات أخرى (تكريت وديالى).
6. السيطرة الكوردية على كركوك الكوردية والمناطق المتنازع عليها
بعد سيطرة داعش على أجزاء رئيسية من محافظتي نينوى وصلاح الدين، وبعد سيطرة قوات البيشمركة على مدينة كركوك، تحدث مسعود البارزاني وطلب من أعضاء برلمان إقليم كوردستان العراق تشكيل لجنة قانونية خاصة لوضع آلية لاستفتاء عام وتنفيذه، فأثار ذلك ردود فعل داخلية وإقليمية ودولية مختلفة.
وكانت هذه الأحداث مواتية لقيادات كوردستان العراق التي بدت قواتها أكثر قوة وتماسكاً من القوات الأمنية العراقية، فما كان منها إلا أن أوعزت إلى قوات البيشمركة بالتوجه إلى «المناطق المتنازع عليها» المحاذية لإقليم كوردستان، وهي مناطق كوردية تاريخياً هُجّر أهلها منها قسراً على أيدي الحكومات السابقة، وإحكام السيطرة عليها بعلم الحكومة الاتحادية في بغداد أو بموافقتها في حينها، لا سيما مدينة كركوك الغنية بالنفط ومحلّ الخلاف الأكبر بين العرب والأكراد والتركمان. ثم أُعلن ضم هذه المناطق إلى إقليم كوردستان، واعتبار المادة (140) من الدستور العراقي الخاصة بتطبيع الأوضاع في كركوك منتهية الصلاحية، وظهرت أصوات عديدة تنادي بحق تقرير المصير للأكراد والعمل على تنظيم استفتاء على استقلال كوردستان العراق.
وأدّت الأزمة إلى استقلالية أكبر في سياسات إقليم كوردستان وتوجهاته وأفعاله، فأصبح الإقليم أكثر استقلالاً عن حكومة بغداد، وصار من أهم أركان القوة الاقتصادية بعد أن تمكن من ضم مدينة كركوك والسيطرة على أهم الحقول النفطية فيها، ما يعني امتلاك الموارد المالية اللازمة والقدرة على التأثير الخارجي باستخدام العامل النفطي لكسب التأييد الدولي في حال إعلان الانفصال عن العراق وإعلان الدولة الكوردية المستقلة. وهذا قد يساعد في تفسير التحالف الاستراتيجي بين أنقرة والأكراد.
7. طلب مسعود البارزاني عقد مؤتمر دولي حول القضية الكوردية
لم تكن دعوة رئيس إقليم كوردستان العراق مسعود البارزاني إلى عقد مؤتمر قومي كوردستاني في أيلول (سبتمبر) 2013، بمشاركة القوى والأحزاب الكوردية في الأجزاء الأربعة، هي الأولى، إذ سبق أن دعا إلى مثل هذا المؤتمر كلٌّ من جلال الطالباني وزعيم حزب العمال الكوردستاني (PKK) عبد الله أوجلان. ورغم تلك الدعوات، فإن جملة من الظروف، بعضها كوردي محلي وبعضها إقليمي خارجي، حالت دون ذلك في الماضي، بينما تبدو الظروف الحالية أكثر من مشجعة، خاصة بعد أن جعلت الأزمة السورية الحدود الجغرافية مفتوحة إلى حد ما بين المناطق الكوردية في العراق وسوريا وتركيا، وهو ما جعل التقارب بين القوى السياسية الكوردية أفقاً قومياً يوحّد الأكراد ويفرض عليهم البحث عن مرجعية قومية بعد أن كانوا مشتتين ومنقسمين، وأحياناً متنافسين ومتحاربين. وفي ظل هذا المناخ الإيجابي كوردياً عُقد الاجتماع التحضيري للمؤتمر القومي الكوردستاني برئاسة مسعود البارزاني، بمشاركة (39) حزباً وحركة كوردية من الأجزاء الكوردية الأربعة ومناطق وجود الأكراد الأخرى.
ونرى أن مسودة دستور إقليم كوردستان العراق قد خلقت شبه نواة لدولة كوردية مستقلة، فقد ضمنت للإقليم الاستقلالية في إدارة كل شؤونه الداخلية والخارجية في إطار رابطة اتحاد ضعيفة، فضلاً عن إتاحة الاستقلال للإقليم في حال تغيير نظام الحكم أو في حال عدم تنفيذ المادة (140) من الدستور الاتحادي (المادة 8 أولاً وثانياً من المسودة). كما أصبح من حق الإقليم عقد اتفاقيات مع الدول الأجنبية أو مع أقاليم داخل دول أجنبية بشأن المسائل التي لا تدخل ضمن الاختصاصات الحصرية للسلطات الاتحادية (المادة 8 ثالثاً). أما بخصوص القوات المسلحة، فقد ذهبت المادة (12) إلى أن لإقليم كوردستان، استناداً إلى الفقرة خامساً من المادة (121) من الدستور الاتحادي، «قوات البيشمركة قوة دفاعية لحراسة الإقليم»، كما نصت الفقرة (12) من المادة (65) الخاصة بصلاحيات رئيس الإقليم على «عدم السماح بدخول قوات مسلحة اتحادية إلى أراضي كوردستان عند الضرورة إلا بموافقة برلمان كوردستان العراق على دخول تلك القوات، مع تحديد مهامها ومكان ومدة وجودها».
وقد اتخذ الأكراد إجراءات عملية تعكس قدراً كبيراً من الاستقلالية، منها:
- رفع العلم العراقي في المناطق التي تحكمها حكومة إقليم كوردستان العراق بجانب علم إقليم كوردستان.
- إبرام عدد من العقود النفطية مع شركات أجنبية للتنقيب عن النفط في المناطق الخاضعة لحكومة إقليم كوردستان، وإنشاء شركاتهم النفطية الخاصة، المتمثلة في شركة كوردستان لاستكشاف النفط وإنتاجه، وشركة كوردستان الوطنية للنفط، وشركة كوردستان لتسويق النفط، وشركة كوردستان لعمليات التكرير وتوابعها.
- عندما ذهب الأكراد إلى التصويت في انتخابات كانون الثاني (يناير) 2005، صوّتوا كذلك في استفتاء غير رسمي على الاستقلال عن العراق أو البقاء في إطاره، فاختاروا الانفصال بنسبة بلغت حوالي 98%، وصرّح مسعود البارزاني عقب الاستفتاء بأن الدولة الكوردية ستصبح حقيقة في الوقت المناسب.
وفي اعتقادنا أن للأكراد الحق في إنشاء دولة كوردية مستقلة. ففي عام 2006 رفع الأكراد، على لسان مسؤولين أكراد بدرجات متفاوتة، ورقة الانفصال خمس مرات: أولاها عند إبرام إبراهيم الجعفري اتفاقاً أمنياً مع تركيا، والثانية لدى خروج إبراهيم الجعفري من رئاسة الحكومة، والثالثة حينما تعثرت إجراءات تطبيع الأوضاع في كركوك، والرابعة لدى احتدام الخلافات بين الأكراد والحكومة المركزية بشأن حصة إقليم كوردستان من النفط وتدخل الحكومة المركزية في عقود الاستثمار النفطي التي أبرمتها حكومة كوردستان مع الشركات الأجنبية، والخامسة نتيجة اعتراض الأكراد على ما ورد في تقرير «بيكر–هاملتون» من توصيات تحدّ من صلاحيات الإقليم لصالح المركز. وأعتقد أن لهم الحق في ذلك بسبب عدم مصداقية الحكومات العراقية الدائم مع الأكراد.
وتظل مسألة حق الإقليم في تقرير المصير من القضايا التي تصرّ القيادات الكوردية على تأكيدها؛ فعلى سبيل المثال، أكد مسعود البارزاني، رئيس إقليم كوردستان العراق، حق الإقليم في تقرير مصيره خلال احتفال الإقليم بالذكرى السنوية السادسة والستين لتأسيس جمهورية مهاباد الكوردية في 21 شباط (فبراير) 2012.
وخلال المؤتمر الثالث عشر للحزب الديمقراطي الكوردستاني الذي عُقد في أربيل عام 2010م، بحضور رئيس الجمهورية العراقية جلال الطالباني، ورئيس الوزراء العراقي نوري المالكي، ورئيس البرلمان العراقي أسامة النجيفي، ورئيس ائتلاف العراقية إياد علاوي، ورئيس المجلس الأعلى الإسلامي عمار الحكيم، والقيادي في ائتلاف العراقية صالح المطلك، جدّد مسعود البارزاني المطالبة بحق الشعب الكوردي في تقرير المصير والكفاح السلمي لبلوغ هذا الهدف، وأكد أن المرحلة المقبلة تنسجم مع هذه المطالب. وأعتقد أن هذا المطلب مطلب قومي كوردي مشروع، فحق تقرير المصير حق من حقوق الشعب الذي يطالب به.
وكرّر مسعود البارزاني تهديده بالانفصال الكوردي في حال إعادة الدكتاتورية إلى العراق. وفي عام 2013م رأى مسعود البارزاني، رئيس إقليم كوردستان العراق، أن الظروف قد باتت مواتية لعقد مؤتمر قومي كوردي تشارك فيه القوى الكوردية في العراق وسوريا وتركيا وإيران، وأكد أن القرن الحادي والعشرين هو قرن الشعب الكوردي في نيل حق تقرير المصير أو تشكيل دولته الكوردية المستقلة.