الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

مشكلة المناطق الكوردية المتنازع عليها إلى أين؟ تاريخ يتجدد

من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2023

بعد أن وضعت الحرب العالمية الأولى أوزارها، ظهرت مشكلة ولاية الموصل ذات الأغلبية الكوردية، كما برزت المسائل الخلافية بين تركيا الحديثة والحكومة البريطانية المنتدبة على العراق، الأمر الذي دعا عصبة الأمم إلى تشكيل لجنة لتقصي الحقائق في ولاية الموصل/كوردستان العراق. ووصلت لجنة تقصي الحقائق (لجنة عصبة الأمم) إلى العراق سنة 1924، وسعت إلى إيجاد طريق لحل مشكلة ما سُمّي «الأراضي المتنازع عليها» (1).

وفي ظل الهيمنة البريطانية ومصالحها في المنطقة، أُلحقت هذه الأراضي من ولاية الموصل/كوردستان العراق، ذات الأغلبية الكوردية، بالدولة العراقية العربية الجديدة سنة 1925، وكان العراق الجديد يضم أصلاً ولايتي بغداد والبصرة فقط عام 1921.

ويعود التاريخ مرة ثانية ليسجل ظواهر مماثلة؛ فإثر سقوط النظام السابق في العراق في 9 نيسان 2003، وفي ظل الاحتلال الأمريكي البريطاني، برز ما أُطلق عليه «المناطق الكوردية المتنازع عليها»، ثم ثُبّت ذلك في قانون إدارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية لسنة 2004 ضمن المادة (58)، ثم في الدستور العراقي تحت المادة (140). وتشمل هذه المناطق الأراضي التي تطالب حكومة إقليم كوردستان العراق بإلحاقها بإدارة الإقليم، والتي باتت مثار خلاف بينها وبين الحكومة الاتحادية المركزية في بغداد.

ومن الملاحظ أن المادة (140) الدستورية اعتراها الكثير من الجدل بسبب الغموض والثغرات التي حملتها، الأمر الذي تسبب في عرقلة تنفيذها، بحيث تجاوز تنفيذها السقف الزمني الذي حُدّد لها في الدستور، وهو 31/12/2007.

ولعل ما تُعاتَب عليه القيادة الكوردية في هذا الصدد أن أداءها لم يكن على المستوى المطلوب الذي يتناسب وحجم هذه المشكلة المهمة، ولا سيما في الفترات الأولى من صدور المادة (58) من قانون إدارة الدولة العراقية لسنة 2004، ومن ثم المادة (140) من الدستور العراقي (المناطق الكوردية المتنازع عليها)، اعتماداً منها على السلطة التنفيذية في بغداد المخوّلة بإيجاد آليات تنفيذ المادة (140) وتطبيقها. ومع أن لجنة شُكّلت برئاسة الوزير السابق الأستاذ هاشم الشبلي، ثم الأستاذ رائد فهمي وزير العلوم والتكنولوجيا، فإن الإجراءات التي تمت جوبهت بالكثير من التعقيدات، سواء على المستوى السياسي أو على مستوى التمويل المالي، حتى انتهاء الفترة الزمنية المحددة لتنفيذ المادة (140). وتصاعد التوتر بين الأطراف المعنية في الإقليم والحكومة الاتحادية في بغداد، مما أتاح الفرصة للأمم المتحدة للدخول على الخط والسعي المشترك لإيجاد مخرج للأزمة.

لقد وافقت القيادة الكوردية مضطرة على دخول الأمم المتحدة على الخط بعد أن انتهت الفترة الزمنية المقررة دستورياً لتنفيذ المادة (140) في 31/12/2007، إذ تصاعدت أصوات داخل البرلمان العراقي وخارجه تقول بانتهاء مفعول هذه المادة بانتهاء الفترة الزمنية المحددة لها. وباعتقادي أن لدخول الأمم المتحدة هذا جانباً سلبياً وجانباً إيجابياً؛ فبينما يمثل اعترافاً دولياً بشرعية استمرار هذه المادة الدستورية، فإن توسيع دائرة المعنيين سيعمل على إطالة الفترة الزمنية دون وضع سقف زمني آخر لها من جهة، ويجعل الطرف الكوردي ثانوياً من جهة ثانية، ولا سيما في ظل التفاعل الدولي الإقليمي، إلى جانب الأطراف العراقية غير الكوردية.

وفي قناعتي أن الأطراف العراقية عموماً، رغم تباين اتجاهاتها ومواقفها الفكرية والسياسية، تتفق على العمل باتجاه ترقيق الوجود السياسي للكورد وتقليله، وتحجيم دورهم في العراق. فأغلب هؤلاء السياسيين، كما أعتقد، لا يفكرون في أن العراق للجميع، ولا يزالون يعيشون الماضي دون أن يستوعبوا المتغيرات الجديدة على أرض الواقع، وهم غير مستعدين للاعتراف بأحقية الشعب الكوردي في إدارة نفسه وحكمها، أو في إقامة كيان (دولة كوردية) له على أرضه (كوردستان)، على الرغم من المواقف الإيجابية للقيادة الكوردية منذ الإطاحة بالنظام السابق في 9 نيسان 2003، ومساهمتها في تحرير العراق وأمنه واستقراره.

إن ثمة مخاوف وهواجس لا يزال يعيشها الحاكمون العرب الجدد في بغداد، شأنهم شأن الذين سبقوهم في الحكم، من قيام إدارة ذاتية فدرالية للكورد على أرضهم (كوردستان)، ومن تحديد الوطن الكوردي في ظل تنفيذ المادة (140) الدستورية، بل إنهم يعدّون قيام مثل هذا الوطن الكوردي في كوردستان العراق تهديداً لأمنهم واستقرارهم. وما موافقتهم على إدارة إقليم كوردستان بحدوده الحالية فقط، في ضوء قانون إدارة الدولة والدستور العراقي الحالي، إلا قبول بأمر واقع لم يكن في استطاعتهم تجاوزه.

ويعتقد الجانب الكوردي، ويعزز هذا الاعتقادَ تاريخُ المنطقة الكوردية وجغرافيتها، أن حدودها الطبيعية والبشرية تمتد من مرتفعات سنجار على الحدود العراقية السورية إلى بدرة في محافظة واسط، وبامتداد مرتفعات مكحول–حمرين، حيث تتميز هذه المنطقة بخصائصها التضاريسية والمناخية، وبنمط مواردها المائية وتوزيعها الجغرافي، إلى جانب الخصائص السكانية والاقتصادية للأكراد، مما جعلها تختلف عن المناطق العربية في وسط العراق وجنوبه. وقد أكد ذلك ما جاء في تقرير لجنة عصبة الأمم سنة 1924 من أن هذه الأراضي الكوردية المتنازع عليها لم تكن يوماً من الأيام جزءاً من العراق. إلا أن تطبيق سياسة التعريب، ولا سيما في المناطق الكوردية المشمولة بالمادة (140) الدستورية، جعلها تفقد الكثير من تلك الخصائص، ولا سيما التراثية واللغوية والتاريخية، من خلال حملات الترحيل والتهجير القسري للسكان الكورد إلى خارج مناطقهم، وتوطين العشائر العربية محلهم.

إن بقاء هذه المناطق الكوردية دون تسوية عادلة، والتسويف في تنفيذ المادة (140)، سيجرّان المنطقة إلى توترات وصراعات تهدد أمنها واستقرارها، وسيعيدان الحالة إلى المربع الأول من جديد، الأمر الذي يتطلب من المجتمع الدولي، ممثلاً بالأمم المتحدة، أن يؤدي دوراً فاعلاً يضمن تسوية تلك المشكلات بما يؤمّن العدالة في تنفيذ المادة (140). كما ندعو القيادات الكوردية إلى أن تتهيأ للأسوأ، وتسعى إلى رص صفوفها، وتستعين بالجماهير ومؤسسات المجتمع المدني وسائلَ ضغط باتجاه تحقيق أهدافها القومية الكوردية العادلة والمشروعة في العراق الجديد.

المصادر

  1. د. خليل إسماعيل محمد، المناطق المتنازع عليها، ص 97–99.