الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

مشكلة ولاية الموصل ذات الأغلبية الكوردية وتقرير مصير كوردستان الجنوبية

من محاضرات «الكورد في ولاية الموصل» – 2015

في أثناء الحرب العالمية الأولى بدأت بريطانيا وفرنسا، بالاشتراك مع روسيا القيصرية، مباحثات حول “الترتيبات المقبلة” في الشرق الأوسط، بعد أن توقعت هذه الدول هزيمة ألمانيا والدولة العثمانية في الحرب. وقد اشترك في المباحثات السير مارك سايكس (1) ممثلاً لبريطانيا، وفرانسوا جورج بيكو ممثلاً لفرنسا، وتوجها إلى روسيا فتباحثا مع سيرجي سازانوف وزير خارجية روسيا عام 1916. وقد تمخضت المراسلات والمباحثات بين هذه الدول عن تقسيم ما تبقى من الإمبراطورية العثمانية بينها، فيما عُرف باتفاقية سايكس - بيكو (أيار/مايو 1916)، على الوجه التالي:

خُصصت لفرنسا، ضمن المنطقة الزرقاء، منطقة ولاية الموصل في كوردستان العراق، أي كوردستان الجنوبية، وهي المنطقة الغنية بآبار النفط، وكان المفروض أن تكون ضمن الدول العربية تحت الحماية الفرنسية (2)، كما خُصص لها إقليم كيليكيا الذي يشمل ولاية أضنة.

وهاتان المنطقتان، ولاية الموصل وكيليكيا، أغلبية سكانهما من الأكراد (3).

واشتملت المنطقة الروسية على المنطقة الشمالية الشرقية من تركيا، التي تضم بشكل رئيسي أقاليم أرضروم وطرابزون ووان وبتليس، وتؤلف في غالبيتها كوردستان المركزية (كوردستان التركية)، وتبلغ مساحة هذه المنطقة حوالي 60,000 ميل مربع، من البحر الأسود إلى ولاية الموصل وأورمية (4).

أما المنطقة البريطانية فلا مجال لذكرها هنا، وهي على العموم كانت تشمل، بالنسبة للعراق، وادي الرافدين بصورة رئيسية، من جنوب حدود ولاية الموصل الكوردية (سلسلة جبال حمرين) إلى الخليج العربي (5).

ولم يُنفذ اتفاق سايكس - بيكو بالنسبة إلى المنطقة الروسية في كوردستان بسبب الثورة البلشفية الروسية في تشرين الأول/أكتوبر 1917، إذ عقدت الحكومة السوفيتية هدنة مع تركيا في الخامس من كانون الأول/ديسمبر 1917، ثم معاهدة بريست ليتوفسك في الثالث من آذار/مارس 1918، التي نصت على أن تسحب روسيا قواتها من تركيا إلى الجهة الروسية من خط الحدود القائم بين الدولتين قبل اندلاع الحرب (6).

وأما منطقة ولاية الموصل ذات الأغلبية الكوردية (كوردستان الجنوبية - العراق)، التي كانت من نصيب فرنسا، فقد انتقلت إلى البريطانيين بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى باتفاق بين الدولتين. وأما منطقة كيليكيا فقد تركها الفرنسيون للأتراك الكماليين بموجب تسوية بين الدولتين وُقعت في أنقرة في 20 تشرين الأول/أكتوبر 1921 (7).

وبدأ الأكراد يركزون جهودهم على مطالبة الهيئات الدولية التي احتلت الأستانة بتوحيد المناطق الكوردية من كوردستان ومنحها حكماً ذاتياً، فراجعوا لهذا الغرض اللجان الأوروبية والأمريكية التي تكونت لاستفتاء الشعوب التي انفصلت عن الإمبراطورية العثمانية. كما رأى مفكرو الأكراد وجوب توجيه مساعيهم الوطنية إلى خارج الدولة العثمانية، بعد أن رفضت وزارة فريد باشا التركية منح الاستقلال الذاتي للأكراد في كوردستان تركيا (8). وقد ركز الأكراد اهتمامهم على مؤتمر الصلح الذي انعقد في باريس في آذار/مارس 1919، خاصة أن عام 1919 قد حفل بالآمال بالنسبة للأكراد والعرب والأرمن، فقد أقبلت هذه السنة ومعها وعود الرئيس الأمريكي ولسن بحق تقرير مصير الشعوب (9).

لذلك قام بهذه المهمة الحزب الوطني الكوردي في الأستانة، الذي كان يرأسه عبد القادر شمزيناني، ومعه أبناء بدرخان؛ فانتخبت كل من جمعية تعالي الكورد، وجمعية التشكيلات الاجتماعية، وجمعية استقلال كوردستان، الجنرال شريف باشا السليماني ابن سعيد باشا (10) ممثلاً لها ورئيساً للوفد الكوردي الذي أرسله الأكراد إلى مؤتمر الصلح في باريس عام 1919 (11).

كما أعدّ الشيخ محمود الحفيد مضبطة وقّعها أبناء السليمانية وأفراد العشائر الكوردية الذين كانوا في هذه المنطقة من كوردستان، تتضمن توكيل الجنرال شريف باشا ممثلاً للأكراد في مؤتمر الصلح في باريس عام 1919، بغية المطالبة بحقوق الشعب الكوردي في كوردستان. وقد دُوّنت هذه اللائحة ونُظمت في بادئ الأمر في دار الحكمدارية، وحضر عملية التوقيع، فضلاً عن الشيخ محمود الحفيد، عدد من رؤساء العشائر الكوردية، كما حضرتها نخبة من المثقفين والميجر نوئيل (Noel). وكتب رفيق حلمي تلك المضبطة مع الرسالة الخاصة الموجهة إلى الجنرال شريف باشا، وأُرسلت هذه المواد مع رشيد زكي كابان من السليمانية (12) والسيد أحمد البرزنجي، الذي كان سكرتيراً خاصاً للشيخ محمود الحفيد، إلى باريس. بيد أن هذه الرسالة وهذا التوكيل لم يؤتيا الثمرة المنشودة، لأن هذا الوفد لم يتمكن من الوصول إلى باريس، ولم تصل المضبطة والرسالة إلى الجنرال شريف باشا (13).

واستطاع الجنرال شريف باشا الكوردي عقد معاهدة ائتلافية مع نوبار باشا الأرمني، رئيس الوفد الأرمني، في كانون الأول/ديسمبر 1919 بباريس، لحل المسائل المتنازع عليها بين الأكراد والأرمن حلاً سلمياً، دون ترك فرصة للتدخل فيها من قبل القوى الأخرى، وعلى أساس أن تكون كوردستان دولة مستقلة عن الدولة الأرمنية المنوي تأليفها (14).

ونتيجة لهذا الاتفاق تقدم الطرفان إلى مؤتمر الصلح في باريس بمذكرتين وخريطتين لكوردستان وأرمينيا، ضمّناهما مطالب الأمتين الكوردية والأرمنية وحقوقهما، في 22 آذار/مارس 1919. وفي أول آذار/مارس 1920 رفع الممثلان شريف باشا ونوبار باشا مذكرة باسم كل منهما إلى مجلس الحلفاء الأعلى في باريس، ضمّناها الاتفاق الذي توصلا إليه، وقد أقر مجلس الحلفاء الأعلى رغبتهما مبدئياً (15)، كما صادق عليها الحلفاء فيما بعد، إذ تضمنتها معاهدة سيفر في 10 آب/أغسطس 1920 (16).

الأكراد في مشكلة ولاية الموصل (كوردستان الجنوبية - العراق) عام 1925

تشمل منطقة ولاية الموصل في أغلبها كوردستان الجنوبية (كوردستان العراق)، وكانت تتكون في سنة 1918 من أربعة ألوية (محافظات) هي: الموصل وكركوك والسليمانية وأربيل، وأجزاء من ديالى، ولاحقاً دهوك (17).

وقد نشأت مشكلة ولاية الموصل (كوردستان العراق) بعد الحرب العالمية الأولى نتيجةً لاندحار الإمبراطورية العثمانية وانحلالها، ونشوء دولة العراق الجديد تحت وصاية بريطانيا (18).

وكانت ولاية الموصل (كوردستان العراق) في غاية الأهمية من الناحية الاستراتيجية، إذ إنها ملتقى الطرق بين العراق وسوريا وتركيا وإيران وجنوب الاتحاد السوفيتي، وقد زاد من أهميتها اكتشاف النفط فيها.

ودخلت ولاية الموصل (كوردستان العراق) في حوزة السيطرة البريطانية في العراق العربي الجديد، رغم أنها كانت عند توقيع هدنة مودروس (30 تشرين الأول/أكتوبر 1918) تقع على بعد ثلاثين ميلاً إلى الشمال من خط وقف إطلاق النار مع الدولة العثمانية (تركيا)، إذ احتلتها القوات البريطانية عسكرياً بعد توقيع الهدنة.

وكانت ولاية الموصل تدخل ضمن منطقة النفوذ الفرنسي طبقاً لاتفاقية سايكس - بيكو (19). وقد رأى الإنجليز، بعد أن احتلوها، ضرورة إدخال تعديل على اتفاق سايكس - بيكو عن طريق تسوية مع فرنسا تعترف لهم بموجبها بهذا التعديل، لأن الآثار الناجمة عن ثورة أكتوبر البلشفية الاشتراكية في روسيا (تشرين الأول/أكتوبر 1917) جعلت روسيا السوفيتية مصدر خطر يهدد نفوذ بريطانيا وإمبراطوريتها وأملاكها، بالإضافة إلى أطماع بريطانيا في الاستحواذ على النفط، عصب الصناعة والحرب وميدان استغلال رؤوس الأموال واستثمارها (20).

لذلك انتهز البريطانيون فرصة زيارة كليمنصو، رئيس وزراء فرنسا، إلى لندن في كانون الأول/ديسمبر 1918، فدارت بينهم محادثات في شأن ولاية الموصل (كوردستان العراق)، انتهت باتفاق وافقت فيه فرنسا على إدخال منطقة ولاية الموصل في دائرة النفوذ البريطاني، مقابل أن تأخذ فرنسا 26% من ثروات النفط الموجودة في هذه الولاية في منطقة كركوك (آبار النفط) (21).

وبعد استقرار العلاقات البريطانية العراقية بتوقيع معاهدة تشرين الأول/أكتوبر 1922، وعقد معاهدة لوزان في 24 تموز/يوليو 1923، استقرت سياسة بريطانيا على العمل على إلحاق كوردستان الجنوبية (شمال العراق الحالي)، المعروفة باسم ولاية الموصل، بالعراق العربي الجديد، وكانت قد اتفقت مع تركيا في معاهدة لوزان على ضرورة التوصل إلى حل لهذه المشكلة بالطرق الودية خلال تسعة أشهر اعتباراً من تشرين الأول/أكتوبر 1923 (22).

لقد عدّ الأتراك بقاء الأكراد الموجودين في ولاية الموصل خارج نطاق سيطرة حكومة تركيا الحديثة ممهداً السبيل أمامهم لإثارة الأكراد الموجودين في كوردستان تركيا، لذلك طالبوا بضم ولاية الموصل ذات الأغلبية الكوردية (كوردستان الجنوبية) إلى أراضي الجمهورية التركية الحديثة (23).

وفي المفاوضات الخاصة بولاية الموصل مع البريطانيين عام 1924 في إسطنبول أكد الأتراك وجهة نظرهم تجاه الأكراد، وتتلخص في أن الأتراك والأكراد أبناء وطن واحد (تركيا)، وأنه من المستحيل اقتطاعهم من وطنهم (تركيا الحديثة)، ثم إن الأكراد في ولاية الموصل قد انتخبوا عنهم نواباً في المجلس الوطني التركي الكبير، وإن الطائفتين التركية والكوردية قد عاشتا بودّ جنباً إلى جنب طيلة قرون عديدة في الإمبراطورية العثمانية (24).

وأقر مجلس عصبة الأمم في 30 أيلول/سبتمبر 1924 تشكيل لجنة لتقصي الحقائق في ولاية الموصل، لدراسة مشكلة ولاية الموصل الكوردية على الطبيعة، بعد أن تعذر حلها بالمفاوضات بين بريطانيا وتركيا. وقد وصلت لجنة تقصي الحقائق إلى ولاية الموصل في 27 كانون الثاني/يناير 1925، وباشرت استجواب السكان عن رغباتهم وآرائهم في المستقبل، فعدّ رئيس الوزراء ياسين الهاشمي ذلك تدخلاً غير مشروع، وأرسل برقية احتجاج إلى رئيس اللجنة بواسطة المندوب السامي البريطاني في العراق في السادس من شباط/فبراير 1925، احتج فيها احتجاجاً شديداً على إلقاء أسئلة من هذا النوع ليس لها مساس بقضية الحدود بين العراق وتركيا (25).

ومن الطبيعي أن يحدث انقسام بين أهالي ولاية الموصل عند قدوم لجنة تقصي الحقائق التابعة لعصبة الأمم إلى ولاية الموصل الكوردية، بسبب تنوع السكان واختلاف أوضاعهم الاجتماعية؛ فمنهم من كان يريد الرجوع إلى الحكم التركي بدافع الدين الإسلامي ورفض حكم الإنجليز غير المسلمين، وأما الأقليات المسيحية واليهودية فكانت تصرّ على عدم العودة إلى الحكم التركي (26).

وكان الأكراد، الذين يؤلفون أكثر من ثلاثة أخماس سكان ولاية الموصل الكوردية، ضد الحكم العربي في بغداد والحكم التركي في تركيا، وكان كبار الملاك الكورد هم الطبقة الوحيدة المؤيدة للحكومة العربية في بغداد، والتي ترى تبعية ولاية الموصل لحكومة بغداد (27).

وبمجرد أن علم أكراد السليمانية بتشكيل لجنة للتحقيق أرسلت الجمعية الكوردية في السليمانية، في الأول من تشرين الأول/أكتوبر 1924، مذكرة إلى عصبة الأمم تعارض فيها المطالب التركية في ولاية الموصل (كوردستان العراق)، وأنكرت وجود أي علاقة بين الأكراد والأتراك سوى الدين. وعندما قوّض مصطفى كمال أتاتورك الخلافة العثمانية الإسلامية عام 1924 صارت تركيا علمانية، دون رابطة تجمعها مع الكورد. وقد وصفت المذكرة محاولة ضم أكراد ولاية الموصل الكوردية إلى تركيا الحديثة بأنها جريمة ضد الحقوق الإنسانية عامة، وضد حقوق الأكراد خاصة، وختمت بالتماس أن يساعد مجلس عصبة الأمم الكورد على تحسين حالة الشعب الكوردي المنسي والمهجور، ليخدم السلم والرقي في الشرق الأدنى (28).

كما أرسلت الجمعية الكوردية في السليمانية مذكرة ثانية إلى مجلس عصبة الأمم تذكر فيها أن واجبها هو أن ترفع إلى العصبة صوت الأكراد في كوردستان، وأن هذا الصوت ضعيف لا يُسمع في العالم المتمدن، “وأوضحت أن الجمعية قامت في وجه الأتراك بعد أن تحررت كوردستان أخيراً من ظلمهم (العثمانيين الترك)، وقد تأسست الجمعية الكوردية في السليمانية للدفاع عن منافع الشعب الكوردي، وهي تعارض بشدة مطالب حكومة أنقرة التركية بامتلاك ولاية الموصل (كوردستان العراق)، لأن أكثرية سكان هذه الولاية من الأكراد” (29).

وحينما توجهت لجنة تقصي الحقائق الأممية إلى السليمانية كان الإنجليز يعتقدون أنهم يوشكون على خوض المعركة الفاصلة بالنسبة لقضية ولاية الموصل الكوردية (30).

ذلك لأن السليمانية إقليم ليس فيه أقلية تركية أو عربية، وكانت في ثورة دائمة ضد السلطات العراقية العربية والبريطانية طوال السنوات الماضية قبل قدوم اللجنة إليها، وكان زعيم الثورة الكوردية الذي يحظى باحترام الأكراد، الشيخ محمود الحفيد، على صلة بتركيا مستنجداً وطالباً العون من السلطات التركية. وبوجه عام كان أعضاء اللجنة يتطلعون إلى إجراء التحقيق في منطقة كانوا يأملون أن يستمعوا فيها إلى رأي الشعب الكوردي، وأن يقدم فيها أعظم برهان على استقلاله الفكري (31).

وفي الوقت الذي كانت لجنة التحقيق (تقصي الحقائق) تباشر أعمالها في كوردستان العراق، اندلعت ثورة كوردية بزعامة الشيخ سعيد بيران في شباط/فبراير 1925 ضد السلطات التركية في كوردستان تركيا، فاتهمت تركيا الحكومة البريطانية بأنها هي التي حرضت الأكراد على الثورة بسبب الخلاف حول ولاية الموصل الكوردية. ومع أنه ليس ثابتاً حتى الآن ما إذا كان البريطانيون هم المحرضين فعلاً على هذه الثورة الكوردية، فإن الثابت أن بريطانيا قد قابلت هذه الثورة بالارتياح (32)، إذ إن أي اضطرابات بين أكراد كوردستان تركيا والسلطات التركية الحديثة، في الوقت الذي تباشر فيه لجنة التحقيق أعمالها، من شأنها أن تعزز موقف بريطانيا في هذه المسألة، وهذا ما حدث (33). فقد أعطت زيارة اللجنة في هذا الوقت زخماً شديداً للشعور الوطني الكوردي، الذي جرّ في طريقه عدداً كبيراً من المستائين من سياسة الإنجليز دون أن يقفوا إلى جانب تركيا الحديثة (34)، فإذا بهذا الشعور يدفعهم إلى المعسكر المعادي للأتراك. وكادت الاستجوابات الطويلة كلها تكون ذات اتجاه قومي كوردي غالب (35).

وقد قابلت لجنة تقصي الحقائق من اتسع لها الوقت لمقابلتهم من المواطنين الكورد البارزين، وهم: أحمد بك، والشيخ قادر أخو الشيخ محمود الحفيد، والآغا عبد الرحمن، وكانوا ممتلئين بروح النضال؛ فالأمر بالنسبة لهم ليس قبولاً ذليلاً لاستجواب مفروض، ولا أجوبة سرية عن “السؤال الصغير”، بل هو أخطر من هذا، إذ عقدوا العزم على الجهر بسوء الحكم العثماني التركي ورفضهم له في جلسة عامة للجنة تقصي الحقائق التابعة لعصبة الأمم، بل تمادوا فوجّهوا بدورهم أسئلة الاتهام إلى (فلان) بصدد طلبه إعادة ضم ولاية الموصل إلى تركيا الحديثة، وأعلنوا عزمهم على ألا يخضعوا مرة ثانية للأسياد العثمانيين الأتراك الذين قاسوا منهم الأمرّين (36).

واستمرت التحقيقات في السليمانية ثلاثة أيام، وكان كل الشهود الكورد البارزين عند كلمتهم وعهدهم، فلم يخفوا شيئاً من مشاعرهم في الجلسات العلنية مثلما تعهدوا، وشجبوا فساد الحكم العثماني التركي، وذكّروا العثمانيين الأتراك بزهو المختال بمناسبات عديدة، منها انسحاب عام 1918، عندما هزم الأكراد كل الحملات التركية التي أُرسلت لقمع انتفاضاتهم القومية الكوردية، فعرّوا جنودها من ثيابهم وأطلقوهم على هذه الحال، وذكّروهم بمرارة حادث مقتل الشيخ سعيد، والد الشيخ محمود الحفيد (37)، في الموصل سنة 1908. وقد اقتنعت اللجنة بأن الأهالي في المنطقة، وخاصة الكورد، قد عبروا عن رغباتهم تعبيراً كاملاً وحراً، ووجدت أن الشعور القومي الكوردي هو الغالب، وأنه يتطلع إلى الاستقلال في دولة كوردية مستقلة (كوردستان)، ولم تنفِ أن بعض كبار الملاك الكورد وغير المسلمين أبدوا استعدادهم للانضمام إلى العراق العربي الجديد، على شرط أن يتمتعوا بإدارتهم الذاتية في مناطقهم الكوردية، أي أن تكون لهم لغتهم ومدارسهم وموظفوهم (38).

وبعد انتهاء التحقيق رفعت لجنة تقصي الحقائق تقريرها إلى مجلس العصبة في 16 تموز/يوليو 1925، وقد ورد فيه بخصوص الأكراد ما يلي:

  1. أن خمسة أثمان سكان ولاية الموصل من الأكراد، فهم لذلك أهم عنصر في النزاع، وهم ليسوا تركاً ولا عرباً؛ فهم يختلفون عن الأتراك في عاداتهم وتقاليدهم وتاريخهم، ولا سيما مركز المرأة عندهم، ويختلفون عنهم في مظهرهم الجسدي، وهم أقرب إلى أكراد كوردستان إيران منهم إلى أكراد كوردستان تركيا، ولكنهم ليسوا إيرانيين. وقد استطاعوا أن يعيشوا عيشة راضية مع الأقوام التي سكنت في بلادهم (كوردستان).

  2. أن العراق العربي لا يمتد شمالاً إلى أبعد من خط هيت - تكريت، أو منطقة جبل حمرين (39).

  3. أن جميع المصادر الجغرافية، منذ الفتح العربي الإسلامي حتى تاريخ تحقيق لجنة تقصي الحقائق الأممية المشكلة من قبل عصبة الأمم سنة 1925، لم تعدّ الأراضي الكوردية المتنازع عليها يوماً جزءاً من العراق العربي، ولم تصفها بذلك، وأن الاسم (العراق) لم يكن مألوفاً في الماضي عند سكان ولاية الموصل الكوردية اسماً لبلادهم (إيران). كما أن مدينة كركوك مدينة كوردية بناها الأكراد، وكانت منطقة كركوك ضمن أراضي كوردستان، موطن الكوتيين أجداد الأكراد، الذين سكنوها قبل نزوح العرب من اليمن إلى جنوب العراق، وكان نزوح العرب الكبير بعد الفتوحات العربية الإسلامية.

واقترحت لجنة تقصي الحقائق المشكلة من قبل عصبة الأمم، في حالة الأخذ بالنواحي العنصرية، وجوب إنشاء دولة كوردية مستقلة.

أما إذا أُخذ بالنواحي الاقتصادية، فقد أوصت اللجنة بضم ولاية الموصل (كوردستان الجنوبية - العراق) الواقعة جنوب خط بروكسل (40) إلى العراق العربي الجديد، على أن تُراعى التحفظات الآتية:

  1. أن يبقى العراق العربي الجديد تحت الانتداب البريطاني مدة 25 سنة.

  2. أن تُراعى رغبات الأكراد فيما يخص تعيين موظفين أكراد لإدارة بلادهم (كوردستان)، وترتيب الأمور العدلية وشؤون المدارس، وأن تكون اللغة الكوردية هي اللغة الرسمية في كوردستان في هذه الأمور. وترى اللجنة أنه إذا انتهت مراقبة عصبة الأمم بعد أربع سنوات من إبرام المعاهدة العراقية البريطانية، ولم يُعطَ الأكراد تعهد يضمن لهم إدارتهم المحلية، فإن معظم أهالي ولاية الموصل الكوردية يفضلون الأتراك على حكم العرب (41).

ولم تعترف تركيا الحديثة بقرار لجنة تقصي الحقائق الأممية، المشكلة من قبل عصبة الأمم، بضم ولاية الموصل الكوردية إلى العراق العربي الجديد، إلى أن توصلت مع بريطانيا والعراق العربي الجديد إلى توقيع اتفاق ثلاثي في الخامس من حزيران/يونيو 1926، صودق عليه في أنقرة في الثامن من تموز/يوليو 1926. وقد أعطى هذا الاتفاق تركيا الحديثة، نظير اعترافها بتبعية ولاية الموصل للعراق العربي الجديد، 10% من أسهم شركة النفط التركية تُدفع مدة 25 سنة (42)، على ألا يُسمح للآثوريين الذين غادروا تركيا خلال الحرب بالعودة إليها (43).

وقد نصت هذه الاتفاقية على عدة مبادئ وبنود التزم بها الموقعون عليها، ومن ضمنها:

  1. تعيين خط بروكسل، المقرر في 29/10/1924، بصفة نهائية خطاً للحدود بين تركيا والعراق (المادة 1).

  2. التعاون المشترك للقضاء على الحركات المعادية (الكوردية) لكل من تركيا الحديثة والعراق العربي الجديد، وكان القصد منها بالطبع حركات الأكراد الاستقلالية في كوردستان (44)، وقد تضمن الفصل الذي يشرح ذلك، تحت عنوان “حسن الجوار”، عدة مواد والتزامات متفق عليها بينهم، من أهمها:

أ. تعهد الدولتين التركية والعراقية بأن تقاوما أي استعدادات يقوم بها شخص مسلح أو أشخاص مسلحون يُقصد بها ارتكاب أعمال النهب والشقاوة (قطع الطرق) في المنطقة المجاورة للحدود (المادة 6 من الاتفاقية).

ب. تتعاون السلطتان العراقية والتركية في تنبيه بعضهما بعضاً إلى أي استعدادات يقوم بها شخص مسلح أو أشخاص مسلحون في المنطقة الحدودية الكوردية (المادة 7 من الاتفاقية).

ج. التزام كل من الدولتين (تركيا والعراق) بالسعي بما لديها من وسائل إلى منع مرتكبي “أعمال النهب والشقاوة” في أراضيها بأسرع ما يمكن، وإخبار الطرف الآخر بما يتم في هذا الصدد (المادة 8 من الاتفاقية).

د. تعهد كل من الدولتين بأن تردّ إلى الدولة الأخرى كل من يلجأ إليها من رعايا تلك الدولة مرتكباً جناية أو جنحة في منطقة الحدود، هم وغنائمهم وأسلحتهم (المادة 9 من الاتفاقية).

هـ. تعهد الدولتين التركية والعراقية بالامتناع عن كل مخابرة ذات صفة رسمية أو سياسية مع رؤساء العشائر الكوردية أو شيوخها أو غيرهم من أفرادها من رعايا الدولة الأخرى الموجودين فعلاً في أراضيها، كما تعهدتا بألا تسمح أي منهما بتشكيلات للدعاية ولا باجتماعات موجهة ضد الدولة الأخرى (المادة 12 من الاتفاقية) (45) (46).

المصادر

  1. السير مارك سايكس (1879 - شباط/فبراير 1919)، كان صهيونياً متحمساً للدولة العربية برئاسة الشريف حسين وأبنائه، ومع الصهيونية وادعاءات اليهود في فلسطين، ومؤمناً باستقلال الأرمن.

  2. Hurewitz, Ibid, p. 18 & Al Marayati, Ibid, p. 48 & Peretz, Don, Ibid, p. 106.

  3. عبد الرحمن قاسملو، المرجع السابق، ص53. Hurewitz, Ibid, p. 13.

  4. عبد الرحمن قاسملو، المرجع السابق، ص53.

  5. Al Marayati, Ibid, p. 13.

  6. Hurewitz, Ibid, p. 31.

  7. معاهدة فرانكلين بويون.

  8. مذكرات رفيق حلمي، ص195. الطالباني، ص240. الحسني، تاريخ العراق السياسي الحديث، ج3، ص28.

  9. أحمد عبد الحليم مصطفى، المرجع السابق، ص29. إيجلتن، المرجع السابق، ص28.

  10. كان سفيراً سابقاً لتركيا في السويد.

  11. دانا آدمز شمدت، رحلة إلى رجال شجعان، ص82.

  12. كان مدرساً سابقاً للغة الفرنسية في المدرسة الإعدادية الملكية، ورئيس حزب هيفي فيما بعد.

  13. رفيق حلمي، مذكراته، ج1، ص70-71.

  14. بله ج. شيركوه، القضية الكوردية، ص67. أمين سامي، المرجع السابق، ص155.

  15. الحسني، عبد الرزاق، تاريخ العراق السياسي، ج3، ص280.

  16. Hurewitz, Ibid, p. 87.

  17. راجع: فاضل حسين، محاضرات عن مؤتمر لوزان سنة 1923، ص39، مشكلة الموصل.

  18. فاضل حسين، مشكلة الموصل، ص33. Edmonds, Ibid, p.

  19. جلال يحيى، العالم العربي بين الحربين العالميتين، المشرق العربي، ص176.

  20. حسين فوزي النجار، السياسة والاستراتيجية في الشرق الأوسط، ص423. جلال يحيى، المرجع السابق، ص176.

  21. Al Marayati, Ibid, p. 43. لنشوفسكي، الشرق الأوسط في الشؤون العالمية، ج1، ص107.

  22. Edmonds, C. J., Ibid, p. 386 & Peretz, Don, Ibid, p. 112.

  23. Bullard, Britain and the Middle East, p. 110.

  24. إدمونز، المرجع السابق، ص347. عبد الرحمن قاسملو، المرجع السابق، ص90.

  25. عبد الأمير هادي العكام، الحركة الوطنية في العراق 1921-1933، القاهرة، 1973، رسالة دكتوراه، ص137.

  26. عبد الحميد العلوجي، خضير غلاب، المرجع السابق، ص15.

  27. فاضل حسين، مشكلة الموصل، ص5.

  28. المصدر نفسه، ص229.

  29. العكام، المرجع السابق، ص159.

  30. إدمونز، المرجع السابق، ص373.

  31. إدمونز، المرجع السابق، ص373.

  32. جواهر لال نهرو، لمحات من تاريخ العالم، ص259.

  33. عبد الرحمن قاسملو، كوردستان والأكراد، ص80.

  34. Edmonds, Ibid, p. 434.

  35. إدمونز، المرجع السابق، ص386، والأصل.

  36. إدمونز، المرجع السابق، ص369. والسؤال الصغير هو: هل تفضل الانضمام إلى تركيا أو العراق؟ على أن تكون الإجابة: تركيا أو العراق.

  37. إدمونز، المرجع السابق، ص376.

  38. Edmonds, Ibid, p. 420.

  39. فاضل حسين، مشكلة الموصل، ص78. جلال الطالباني، كوردستان والحركة القومية الكوردية، ص34.

  40. أي الخط الذي قررته لجنة فنية في بروكسل في 29/10/1924 ليفصل بين المنطقتين التركية والخاضعة للبريطانيين في العراق.

  41. Edmonds, Ibid, p. 431. د. جابر الراوي، الحدود الدولية، ص328. الطالباني، المرجع السابق، ص229.

  42. Shaw, Stanford, Ibid, p. 376 & Hurewitz, Ibid, p. 143.

  43. عبد الرزاق الحسني، تاريخ العراق السياسي الحديث، ج3، ص311.

  44. O’Ballance, Edgar, Ibid, p. 22.

  45. O’Ballance, Edgar, Ibid, p. 22. Shaw, Stanford, Ibid, p. 376.

  46. Hurewitz, Ibid, p. 145.