الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي
معاهدة سيفر 10 آب 1920 والقسم الثالث الخاص بالكورد
من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2023
نص اتفاقية سيفر
المكان: ضاحية سيفر قرب باريس.
الزمان: 10 آب 1920.
عندما وُقّعت هدنة مودروس في 30 تشرين الأول 1918، بدا وكأن مصير الإمبراطورية العثمانية قد تقرر باتفاقات مختلفة موقّعة بين الحلفاء، كان من أهمها معاهدة سيفر التي نتحدث عنها، والاتفاق الإنجليزي الفرنسي المعروف باتفاق سايكس بيكو الموقع في 16 أيار/مايو 1916، واتفاق سان جان دي موريان الفرنسي الإنجليزي الإيطالي الموقع في نيسان 1917. وقد اعترف هذا الاتفاق الأخير بحقوق إيطاليا في جزء كبير من جنوب الأناضول مع سميرنا وأضاليا وقونية، وكان مشروطاً بموافقة الحكومة الروسية التي نقضته، فسارع الإنجليز والفرنسيون إلى تأييد النقض لإخراج إيطاليا من المنطقة. وبدت الحكومتان الفرنسية والإنجليزية مؤيدتين للادعاءات اليونانية التي تمتد حتى منطقة سميرنا، وكانت اليونان قد احتلت هذه المدينة التركية في أيار 1919، وقام الإيطاليون بإنزال في منطقة أضاليا. وأخيراً تقرر في مؤتمر لندن في شباط 1920 أن يحتفظ الأتراك بالقسطنطينية، وأن يقيم اليونانيون في منطقة سميرنا، والإيطاليون في أضاليا، والفرنسيون في كيليكيا. وفي نيسان 1920 أضاف مؤتمر سان ريمو تحديدات أخرى: أن تمتلك اليونان كامل تراقيا الشرقية، وأن تُنزع أسلحة المضائق وتُحيَّد تحت إشراف لجنة دولية. ورفضت الولايات المتحدة عرضاً بالانتداب على أرمينيا والقسطنطينية والمضائق.
معاهدة سيفر (10 آب 1920) – القسم الثالث الذي يخص الأكراد
لقد انتظمت الحركة الوطنية الكوردية بعد الحرب العالمية الأولى في منظمات وأحزاب وتكتلات كوردية جديدة قامت على أنقاض الأحزاب والجمعيات الكوردية القديمة. وهبّ الوطنيون الأكراد يطالبون بحق الشعب الكوردي واستقلال كوردستان تحت الإشراف البريطاني، وذهب وفد كوردي برئاسة الجنرال شريف باشا السليماني إلى مؤتمر الصلح في باريس 1919م، وكان هذا الوفد يتمتع بتأييد القوى الوطنية في كوردستان العثمانية. وقد بذل الوفد الكوردي جهوداً كبيرة لتوضيح عدالة مطالب الشعب الكوردي، وبيان حقيقة القضية الكوردية وحق الشعب الكوردي في تقرير المصير، مما أدى إلى نجاحه في إدخال المواد (62 و63 و64) ضمن معاهدة سيفر 1920م، التي نصت على إعطاء الشعب الكوردي نوعاً من الحكم الذاتي قابلاً للتحول إلى الاستقلال التام (دولة مستقلة في كوردستان)، مع السماح لسكان كوردستان الجنوبية (ولاية الموصل، أي كوردستان العراق اليوم: محافظات نينوى وأربيل والسليمانية وكركوك ودهوك) بالانضمام إلى هذه الدولة الكوردية إذا رغبوا في ذلك، «وبالرغم من أنها لم تنفذ قط، فإنها كانت أول اعتراف رسمي ودولي بالهوية الكوردية والشعب الكوردي».
كان الفشل في تنفيذ معاهدة سيفر (آب 1920) يعود إلى حد كبير إلى نجاح ثورة تركيا بقيادة مصطفى كمال أتاتورك، والفشل في إقامة دولة أرمنية مستقلة ذاتياً تحت الانتداب الأمريكي. وقد استُعيض عن معاهدة سيفر (10 آب 1920) بمعاهدة لوزان (24 تموز 1923) التي تجاهلت المطالب القومية الكوردية في كوردستان. وبعد ذلك قُسّمت منطقة كوردستان بين تركيا وإيران والعراق وسوريا والاتحاد السوفيتي سابقاً. وكان الأكراد في العراق أكثر تقدماً، إذ تأسست في لواء (محافظة) السليمانية إدارة كوردية برئاسة الشيخ محمود الحفيد تحت الإشراف البريطاني.
بنود معاهدة سيفر الخاصة بالكورد (10 آب 1920م)
البند 62:
«ستُحضّر لجنة مركزها القسطنطينية، مؤلفة من ثلاثة أعضاء، تعيّن كل واحد منهم إحدى الحكومات الثلاث: الإنجليزية والفرنسية والإيطالية، تقريراً خلال ستة أشهر من تاريخ تنفيذ المعاهدة عن الاستقلال الذاتي للمناطق الكوردية في كوردستان التي يقيم فيها العنصر الكوردي، الكائنة شرقي الفرات وجنوب الحد الجنوبي لأرمينيا، كما يمكن تحديده فيما بعد، وشمال الحد التركي مع سوريا والعراق طبقاً للوصف المبين في النصين الثاني والثالث من الفقرة الثانية، البند رقم 27. أما في حالة عدم الاتفاق على أي موضوع، فإنه يحال بمعرفة أعضاء اللجنة كلٌّ منهم إلى حكومته. ويجب أن يشمل هذا المشروع الضمانات الكافية لحماية الكلدان والآثوريين والأقليات الأخرى، جنساً وديناً، في داخل هذه المناطق الكوردية. ولهذا الغرض ستعاين لجنة من ممثلي بريطانيا وفرنسا وإيطاليا والعجم والكورد الأماكن، لتفحص وتقرر التصحيحات، إذا رُئي أنه يجب إجراؤها على حدود تركيا، إذ إنه بناءً على نصوص هذه المعاهدة ينطبق الحد المذكور على حدود العجم (بلاد فارس)».
البند 63:
«تتعهد الحكومة العثمانية ابتداءً من اليوم بأن تقبل وتنفذ قرارات كل من لجنتي القومسيون المذكورتين في البند رقم 62 في خلال ثلاثة أشهر من تاريخ التبليغ الذي ستعلن به».
البند 64:
«إذا قدّم الشعب الكوردي المقيم في المناطق المعينة بالبند رقم 62، في ميعاد سنة ابتداءً من تاريخ تنفيذ هذه المعاهدة، طلباً لجمعية الأمم مفصحاً بأن أغلبية شعب هذه المناطق الكوردية يرغب في أن يكون مستقلاً عن تركيا، وإذا آنست الجمعية المذكورة أن هذا الشعب الكوردي قادر على الاستقلال وأوصت بذلك، فتتعهد تركيا من الآن بأن تعمل بهذه التوصية، وتتنازل عن جميع حقوقها وامتيازاتها في هذه المناطق الجغرافية الكوردية، وستكون تفصيلات هذا التنازل موضوع اتفاق خاص يُعقد بين أهم دول الحلفاء وبين تركيا. ففي حالة حصول التنازل وعندما يحصل، لا تُرفع أي معارضة من قبل دول الحلفاء المذكورة نحو اتحاد الأكراد المقيمين في جزء من أراضي كوردستان الداخلة إلى اليوم في ولاية الموصل ذات الأغلبية الكوردية، اتحاداً بمحض إرادتهم، مع حكومة كوردية للأكراد مستقلة في كوردستان».
وقد أدرك مصطفى كمال باشا (أتاتورك)، الذي قام بحركة الأناضول عقب قبول الباب العالي لمعاهدة سيفر 1920 التي تعترف، ولو اعترافاً ناقصاً، بحق الحياة للكورد والاستقلال لكوردستان، أنْ لا قِبَل له بمقاومة الكورد من جهة والباب العالي من جهة أخرى. فأخذ بعد مؤتمر أرضروم 1919 يؤثر بدهائه وفكره في زعماء الأكراد وأعضاء المؤتمر المذكور، مبيّناً لهم لزوم إرجاء القضية الكوردية إلى أن تطهر البلاد التركية كلها من الأعداء، وينعقد الصلح العام، وذلك لا يكون إلا باتحاد العنصرين الكوردي والتركي أصحاب البلاد، قاطعاً لهم الوعود الصريحة باعتراف تركيا للكورد وكوردستان بالاستقلال بمساحة أكبر وأوسع من التي وردت في معاهدة سيفر 1920م المذكورة.
ولا ريب في أن الصحف كلها آنذاك، خارجاً وداخلاً، كانت تكتب شيئاً كثيراً عن المصائب التي تلحق بالإسلام والمسلمين إذا لم يتحد الكورد والترك إزاء الأعداء المحدقين بتركيا، ضاربين كلهم على النغمة القديمة من أن العواطف الدينية في الأكراد، وتمسكهم الشديد بتقاليد الإسلام والمسلمين، وما بين الأمتين الكوردية والتركية من علاقات عديدة قديمة، وما جُبل الكورد عليه من الشهامة والشمم، كل ذلك يمنع الكورد من أن يتركوا الترك وحدهم في ميادين القتال. بمثل هذه الأقوال المنمقة أثّر مصطفى كمال (أتاتورك) في نفوس الأكثرية الكوردية. ولكن كانت هناك أقلية من الأكراد المتنورين الذين عرفوا الترك حق المعرفة من القديم، ولم يبرح أذهانهم شبح الخيانات التركية قط، ولا سيما اللعبة التركية الأخيرة التي أرادت الهيئة الوزارية التركية أن تلعبها مع الجمعيات الكوردية، فلم تنطلِ عليهم ألاعيب مصطفى كمال (أتاتورك)، فاشترطوا لقبول ما يعرضه عليهم انسحاب القوى التركية العسكرية والمدنية حالاً من كوردستان، عربوناً للوعود التركية للأكراد. ولكن، والأسف يملأ الفؤاد، انخدعت الأكثرية الكوردية بتلك الوعود التركية الكاذبة، وتغلبت عليهم عواطفهم الدينية الإسلامية والإنسانية. وهكذا أوقع القدر الشعب الكوردي البائس مرة أخرى في براثن من لا يرحمه من الطورانيين الأتراك.
إن هؤلاء الوطنيين الأكراد الذين لم يكونوا مؤمنين بأقوال مصطفى كمال (أتاتورك) ووعود الترك قط، فكّروا في اتخاذ التدابير اللازمة للدفاع بالقوة المسلحة عن حقوق كوردستان التي اعترفت بها معاهدة سيفر 1920 المذكورة بعد تضحيات كبيرة ومساعٍ عظيمة، ولكنهم وجدوا أنفسهم أمام الحلفاء الذين ما كانوا يتصورون أن يكونوا عقبة كأداء في سبيل أمانيهم الوطنية.
فقد كان قسم كبير من جنوبي كوردستان تحت احتلال الإنجليز، كما أن الفرنسيين كانوا يحتلون السواحل، وأما شمالي كوردستان فكان يحتله الروس والإيرانيون والترك.
وكان رؤساء وفود الحلفاء في باريس يؤكدون لممثل الكورد الجنرال شريف باشا السليماني، رئيس الوفد الكوردي لدى مؤتمر الصلح في باريس 1919م، أن إخلاد الكورد إلى السكينة والهدوء ضروري للحصول على الآمال والحقوق القومية الكوردية، وهي حق من الحقوق القومية للشعوب المضطهدة في العالم، وأن كل محاولة مادية للإخلال بالسكون تعرّض المطالب الوطنية الكوردية للمخاطر. وكان قادة الحلفاء ومندوبوهم السامون في الأستانة يضربون على النغمة نفسها لمندوبي الجمعيات الكوردية.
وقد نشر قائد القوات الإنجليزية في كوردستان حينئذ، الجنرال ماك أندرو، منشوراً باللغة الكوردية ورد فيه ما يأتي:
«بما أن مصير الأراضي في المنطقة الجغرافية لكوردستان داخل الدولة العثمانية، التي أكثرية سكانها وأهاليها من العنصر الكوردي، سيتقرر في مؤتمر الصلح في باريس 1919م الذي سوف يحقق الأماني القومية الكوردية والحقوق الطبيعية للكورد وكوردستان، فإنه والحالة هذه يجب على الأكراد أن يلتزموا السكينة والهدوء، وأن يطمئنوا إلى عدالة إنكلترا التي ستحافظ على حقوق الأكراد».
ولكن من جهة أخرى منع المير آلاي بل (Bell)، رئيس وحدة الاستخبارات الإنجليزية في حلب، منشوراً كوردياً أراد الأمير ثريا بدرخان، سكرتير جمعية الاستقلال الكوردي في حلب، نشره وإصداره لكشف ألاعيب مصطفى كمال (أتاتورك) مع الكورد، قائلاً له إن أكبر خدمة وأعظم فائدة تقدَّم للشعب الكوردي الآن هي عودته إلى الإخلاد إلى الهدوء والسكينة.
وكذا حضر المير آلاي بل، مدير الاستخبارات الإنجليزية في حلب، إلى ملاطية لمّا شعر بأن الأمراء الكورد، ومنهم جلادت بدرخان والأمير كامران بدرخان وأكرم بك جميل باشا زاده، مندوبو جمعية تعالي كوردستان، يقومون في جبال كاخته بحشد قوات كوردية لرد هجمة تركية كان مصطفى كمال باشا (أتاتورك) يريد أن يقوم بها بغتة وبدون سبب معلوم على الوطنيين الأكراد. فأرسل البكباشي (الميجر) نوئيل، الضابط السياسي البريطاني في كوردستان، إلى المندوبين الأكراد المذكورين ليبلغهم باسم حكومته (بريطانيا) وجوب تفريق القوى الكوردية حالاً، وأن أقل محاولة مسلحة تعرّض القضية الكوردية، الحائزة الآن على رضا الدول الأوروبية، للمخاطر الشديدة.
ولكن الوطنيين الأكراد الذين عرفوا الترك تمام المعرفة، ولم يكونوا ينخدعون بأقوالهم ووعودهم الكاذبة، قد انخدعوا مع الأسف أمام تصريحات رجال أوروبا ووعودهم، الذين لم يعرفوهم إلا بواسطة خطبهم السياسية وتصريحاتهم الرسمية، ولم يُتَح لهم الاتصال بهم شخصياً في مسائل سياسية وعمرانية وشؤون كونية أخرى تبيّن حقيقة الذين يشتركون فيها.
ولمّا كانت دول الحلفاء قد قطعت على نفسها وعوداً صريحة بأن تحقق الآمال الوطنية للشعب الكوردي، واشترطت في ذلك إخلاد الشعب الكوردي إلى السكينة والهدوء ريثما يتم مؤتمر الصلح عمله في باريس 1919م، وصرّحت بأن الأتراك إذا لم ينفذوا معاهدة سيفر 1920م سيُحرمون من الأستانة أيضاً، لم يكن في استطاعة الكورد والحالة هذه إلا الاعتماد على هذه التصريحات والوعود، والإخلاد إلى السكينة والهدوء. وهكذا ضيّعوا فرصاً كثيرة وظروفاً مناسبة مهمة جداً لتحقيق الآمال الوطنية. وقد صدقت مرة أخرى كلمة «التاريخ يعيد نفسه»، إذ إن التنافس الأوروبي وسياسة التوازن الدولي، اللذين كان لهما أثر كبير في بقاء الدولة العثمانية، قد عادا إلى الظهور عقب الهدنة بأجلى مظاهرهما، وجعلا الدول التي كانت حلفاء في الحرب متنافسين في السلم، لأن أطماعهم الأشعبية التي أيقظتها الحرب لم يحققها السلم. نعم، إن هذين العاملين قد استطاعا مرة أخرى إنقاذ تركيا من ورطة الاضمحلال والانقراض.
وهكذا أصبحت كل الوعود والتصريحات الخاصة بحق كل أمة محكومة في تقرير مصيرها، وبالأخص الشعب الكوردي، وكذا القرارات الصادرة بشأن عدم إبقاء أية أمة غير تركية تحت الإدارة التركية، أصبح كل هذا في خبر كان، وحبراً على الورق.
وأظن أن ما كتبه المسيو إميل بورجوا، أستاذ التاريخ السياسي والعلوم السياسية في جامعة باريس، في المجلد الثاني من كتاب له في تاريخ السياسة الخارجية، في نقد وتحليل لوقائع السياسة الخارجية في المئة سنة الأخيرة، ينطبق تمام الانطباق على وقائع هذه السنين الأخيرة، فقد قال:
«… أخذت الدول تعدّ أنفسها من أنصار الحقوق الوطنية والقومية التي كانت تحاربها في السابق بكل قواها، لأنها شعرت بالمخاطر المحدقة بها، ولمّا زالت الأخطار وكسبت الدول الأحزاب، أخذ بعضها يبادل بعضاً الصداقة والمصالح المتقابلة. وإن اتفاق الملوك الذي ادّعوه لم يكن في الحقيقة سوى عقد شركة من عقود الأعمال المادية الخسيسة، كاتفاق فريدريك الثاني ضد بولونيا، التي كانت في كل دقيقة معرّضة للفسخ والتمزيق بفضل النزاع الناشئ عن اقتسام الغنيمة، وتحقيق الأطماع العديدة والمساومات المختلفة. وقد لهجوا كثيراً بهذا الاتفاق المقدس الذي يقبل كثيراً من الجدل والنقد، كما أن الأسباب الباعثة لعقده لا تخلو من كثير من الشبهات والريب».
ومن الطبيعي أن المعاهدة التي تُعقد بين تركيا ودول أوروبية كهذه، بعدما زالت الأخطار المحدقة بها، وتحركت أطماعها الاستعمارية، وبعدما انخدع الأكراد بها وضيّعوا الفرص الثمينة، نقول: من الطبيعي ألا يجد الكورد وكوردستان محلاً بين موادها. وفعلاً وقع هذا، فإن معاهدة لوزان (24 تموز 1923م) التي أعقبت معاهدة سيفر (10 آب 1920م) لم يُذكر فيها شيء عن كوردستان سوى خداع الكرد بنصوص لا قيمة لها. وهكذا ابتدأ دور دموي للأكراد بفضل معاهدة لوزان 1923. على أن مصطفى كمال باشا (أتاتورك) لم يكن ليُظهر شيئاً من نياته نحو الأكراد إلى حين عقد هذه المعاهدة، حتى إنه هو وأعضاء المجلس الوطني التركي في أنقرة قابلوا بالهتاف والتحبيذ تصريحات حسين عوني بك، نائب أرضروم الكردي في المجلس، القائل: «إن حق التكلم من فوق هذه المنصة هو للأمتين الكردية والتركية فقط».
وكذا صرّح فتحي بك، رئيس الوفد التركي في مؤتمر الترسانة بالأستانة الذي انعقد فيها لحل مسألة ولاية الموصل (كوردستان العراق)، في المؤتمر نفسه، بقوله: «إن هذا الوطن (تركيا) يخص الأمتين الكوردية والتركية فقط».
ولمّا تم إبرام معاهدة لوزان في 24 تموز 1923م من قبل جميع الدول الأوروبية، لم يبقَ لدى مصطفى كمال باشا (أتاتورك) ما يمنعه من إظهار نياته الدموية نحو الشعب الكوردي في تركيا الحديثة.
كوردستان في اتفاق سيفر (10 آب/أغسطس 1920)
تضمنت اتفاقية سيفر 1920 فيما يختص بكوردستان، والموضحة في المواد 62 و63 و64، ما يلي:
أ. فقدان تركيا الحديثة مناطق ما بين النهرين (كوردستان الجنوبية/العراق) وجنوب شرق الأناضول (كوردستان الشمالية/تركيا) وسوريا (كوردستان الغربية/سوريا)، وهي المناطق التي يقطنها الأكراد في كوردستان، المنطقة الجغرافية الكوردية، بالإضافة إلى المناطق العربية الأخرى التي كانت تحت سلطة العثمانيين.
ب. كان المقصود بكوردستان في اتفاق سيفر 1920 المنطقة الواقعة جنوب شرق الأناضول، «أي كوردستان المركزية الشمالية».
ج. منح الاستقلال الذاتي للأكراد في كوردستان، والتنويه بإمكان منحهم الاستقلال إذا ما أثبت الشعب الكوردي في كوردستان رغبته في ذلك.
وكان الاستقلال الذاتي للأكراد في كوردستان، كما ورد في معاهدة سيفر 1920، مشروطاً بتحفظات قوية هي:
أ. استفتاء أهالي المنطقة الكوردية (كوردستان) فيما إذا كان الأكراد يريدون الانفصال عن تركيا الحديثة أم لا.
ب. أن تعرض لجنة تقصي الحقائق الأممية نتيجة الاستفتاء على عصبة الأمم، لتقرر في ضوء ذلك ما إذا كان الأكراد جديرين باستقلال كوردستان أم لا.
ج. إذا ما قررت عصبة الأمم جدارة الأكراد بالاستقلال في كوردستان، يُبلَّغ ذلك إلى تركيا الحديثة التي عليها أن تنفذ قرارات عصبة الأمم في هذا الشأن، ولا يمانع الحلفاء المنتصرون عندئذ من انضمام أكراد ولاية الموصل إلى الدولة الكوردية المستقلة المقترحة (كوردستان).
أما كوردستان إيران والجزء الكوردي من سوريا فقد استُبعدا من الدولة المقترحة، ولم ترد بشأنهما إشارة في اتفاق سيفر (10 آب 1920).
وينشأ سؤال عمّا إذا كانت بريطانيا وفرنسا مهتمتين حقاً، كما أكدت اتفاقية سيفر 1920، بضمان حق تقرير المصير للشعب الكوردي المضطهد أسوة بالآخرين، أم كان همّهما الحقيقي الحيلولة دون اتساع الأثر الذي أحدثته ثورة أكتوبر الاشتراكية في روسيا القيصرية سنة 1917. وقد رأت الدولتان (بريطانيا وفرنسا) إقامة دولة كوردية مستقلة (كوردستان) متخلفة إقطاعية تكون بمثابة العازل بين تركيا الحديثة وروسيا السوفيتية، ونقطةً استراتيجية محتملة ضد الاتحاد السوفيتي قريبة من حقول النفط في القوقاز. وقد أرعبهم التعاون بين الأكراد والكماليين الأتراك، فرموا بهذه الخطة إلى فصل الأناضول الشرقي، أي كوردستان تركيا، فيُضعفون بذلك موقف الكماليين الأتراك. وكان البريطانيون بوجه خاص يعتقدون بأن هذه الدولة الكوردية ستكون لدى قيامها تحت نفوذهم، في الوقت الذي كانت بريطانيا تسعى فيه إلى انتزاع ولاية الموصل ذات الأغلبية الكوردية (كوردستان العراق) من تركيا الحديثة بصفة نهائية.
كانت اتفاقية سيفر 1920 واهية، لم تكن لتُطبَّق على غير حكومة السلطان العثمانية، وهي حكومة لم يبقَ لها من السلطان سوى الاسم بعد أن فقدت سيطرتها على أكثر مناطق الأناضول الشرقي (كوردستان تركيا). وقد وصف مصطفى كمال أتاتورك اتفاقية سيفر 1920 بأنها حكم بالإعدام على تركيا الحديثة، ولذلك رفضها، واتهم كل من قبلها بالخيانة، ومنهم الصدر الأعظم العثماني، كما رفضها المجلس الوطني التركي الكبير. وبدأ مصطفى كمال أتاتورك في اتخاذ الإجراءات التي تجعل هذه الاتفاقية غير قابلة للتطبيق، فقد تحرك أتباعه بدعم الجيش التركي المعاد تنظيمه إلى ديار بكر وإلى غيرها من المناطق الكوردية في كوردستان تركيا، وصفّى نشاط العصبة الكوردية، كما جرّد قواته لمقاتلة اليونانيين في غرب الأناضول، حيث أحرزت القوات التركية انتصاراً كبيراً على الجيش اليوناني عند نهر سقاريا في صيف سنة 1921، وما إن حلّ أيلول/سبتمبر سنة 1922 حتى كانت تركيا برمتها تقريباً قد تحررت من أيدي القوات الأجنبية.
ولم تكن انتصارات الكماليين الأتراك وموقف الأتراك من الأكراد السبيل الوحيد لتعطيل بنود اتفاقية سيفر 1920، بل إن انقسامات الأكراد على أنفسهم حول رغباتهم وخططهم من أجل الحصول على الاستقلال الذاتي لكوردستان كانت سبباً لتعطيل تنفيذ هذه الاتفاقية. فقد كان الأكراد في حيرة من أمرهم، إذ عمل الأتراك بمهارة وبذلوا كل جهودهم ليطبعوا في أذهان الأكراد أن هذه الاتفاقية لا تساوي الحبر الذي كُتبت به، مع التهديد بغزو واسع النطاق لديارهم (كوردستان)، ومخابرات سرية مع وجوه المدنيين وأعيانهم من الكورد باسم السلطان، وهو خليفة المسلمين. وكان من نتيجة هذه الجهود التركية أن وجد الأكراد أنفسهم تتنازعهم كل ما يتصوره المرء من ميول متضاربة، كالإخلاص لدينهم الإسلامي، والخوف من جبروت أسيادهم السابقين العثمانيين، وأحلامهم في نيل الاستقلال لكوردستان، وهو مما لا يمكن الحصول عليه إلا بمساعدة البريطانيين.
دعا البريطانيون إلى عقد مؤتمر في لندن يشترك فيه الوطنيون الأتراك «الكماليون» لإنقاذ اتفاقية سيفر 1920، وقد أرسلت حكومة إسطنبول ممثلين عنها إلى مؤتمر لندن أيضاً، الذي عقد جلساته في الفترة من 21 شباط/فبراير إلى 12 آذار/مارس سنة 1921. وقد حاولت بريطانيا التوفيق بين مواقف حكومتي أنقرة وإسطنبول، ولكن هذا المؤتمر انتهى بالفشل بسبب إصرار وفد أنقرة برئاسة بكر سامي على ألا تكون معاهدة سيفر 1920 أساساً لأي تسوية. لذلك أدى فشل هذه المحاولات إلى تجميد اتفاقية سيفر وعدم انتقالها إلى حيز التنفيذ. وبرغم ذلك، فلا شك أنها كانت مرحلة خطيرة في تطور المسألة الكوردية، فلأول مرة في التاريخ بحثت وثيقة رسمية سياسية دولية القضية الكوردية واستقلال المناطق الكوردية في تركيا (كوردستان).
لقد كانت النهاية الرسمية لاتفاقية سيفر 1920 توقيع معاهدة لوزان في 24 تموز/يوليو سنة 1923.