الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي
معوقات توطين الديمقراطية في العراق
من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2023
لن نضيف جديداً إذا أكدنا حقيقة أن الديمقراطية الغربية نتاج للتطورات الفكرية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية التي شهدتها أوروبا الغربية منذ عصر النهضة. وقد شكّلت حركات الإصلاح الديني، وأفكار الاستنارة، والثورتان الصناعية والفرنسية، والثورات القومية في القرن التاسع عشر، والتطور العلمي الهائل، وثورة المعلومات في القرن الماضي، وغيرها، علامات مهمة على طريق تطورها وتثبيت أركانها. وجرت كل تلك التطورات في الوقت الذي كانت فيه بلدان الشرق عموماً، ومنها بلدان الشرق الأدنى، تمر بحالة جزر مريعة في ظل الحكم العثماني المتخلف المنتمي إلى قيم القرون الوسطى. وأعاق الاحتلال الاستعماري البريطاني–الفرنسي لتلك البلدان، الذي أعقب انهيار الدولة العثمانية، التطور الطبيعي للنظام السياسي فيها، ثم جاءت الدكتاتوريات العسكرية والحزبية لتزيل أية فرصة لإقامة نظام سياسي يستند إلى الإرادة الشعبية ولبناء دولة القانون. ومن هذا المدخل يمكن للمرء أن يشير إلى كم هائل من المعوقات التي ستعيق بناء الديمقراطية وتطبيقاتها في عراق المستقبل.
يشكّل عدم وجود تراث وتجارب وتقاليد ديمقراطية يُعوَّل عليها معوقاً رئيسياً على طريق إقامة النظام الديمقراطي في عراق ما بعد صدام حسين، كما أن غياب التقاليد الديمقراطية في الحياة السياسية والحزبية العراقية عامل فعال في عدم توفير بيئة مناسبة للتطبيقات الديمقراطية. فأكثرية الأحزاب السياسية العراقية لا تؤمن بالمبادئ الديمقراطية ولا تمارسها، لا في حياتها التنظيمية الداخلية مع أعضائها، ولا مع منافسيها على الساحة السياسية العراقية. ولعل التجسيد الواقعي لهذه الحالة هو عدم اتفاق القوى المناهضة للاستبداد على مبادئ العمل المشترك للوقوف بوجه النظام الدكتاتوري، أو على صياغة برامج سياسية تهدف إلى بناء أسس المجتمع المدني في عراق ما بعد النظام السابق وصدام حسين.
وهكذا فإن النظرة الحزبية الضيقة، وعدم قبول الآخر، وانعدام الديمقراطية داخل الأحزاب نفسها، تشكّل معوقات جدية على طريق بناء النظام الديمقراطي في عراق المستقبل؛ فالأحزاب التي لا تحترم إرادة أعضائها، وتحجب عنهم حق التعبير عن آرائهم وممارسة حقوقهم داخل مؤسساتهم، لا يمكن أن تصبح رائدة في ترسيخ أسس النظام الديمقراطي.
ومما لا شك فيه أن جل العراقيين يرغبون، شأنهم في ذلك شأن شعوب العالم أجمع، في التحرر من الدكتاتورية ونير العبودية في ظل النظام السابق وحزب البعث، وفي قيام نظام يحترم إنسانيتهم. غير أن بناء الديمقراطية لا يحتاج فقط إلى أناس يعلنون رغبتهم في الديمقراطية وإيمانهم بها، بل إلى أناس ديمقراطيين يجسدون السلوك الديمقراطي في حياتهم الاجتماعية والسياسية والوظيفية. ويجب علينا الاعتراف بأن عدد مثل هؤلاء الناس في العراق والمنطقة محدود جداً في مواجهة بحور من المتزمتين والمتطرفين والإرهابيين ومرددي الخطابات النارية والشعارات الجوفاء. ويعمل هؤلاء، بأساليب ملتوية بعيدة عن المنطق والمفاهيم الإنسانية، على مخاطبة الغرائز العدوانية لدى جماعات واسعة من الرعاع واليائسين من الحياة، لتعبئتهم ضد الخطوات الديمقراطية والقوى المتطلعة إلى بناء عراق مزدهر اقتصادياً ومستقر سياسياً، ينعم فيه الجميع بحقوقهم الإنسانية وحقوق المواطنة.
وما دمنا بصدد الحديث عن معوقات الديمقراطية في العراق، أعتقد أنه من المناسب أن نصغي ونعير الاهتمام إلى الآراء التي تدعونا إلى تفحص الجوانب السلبية في الشخصية العراقية، كالغضب والانفعال وإصدار الأحكام السريعة وعدم تحمل الرأي الآخر، وهي جوانب تجعل من الشخصية العراقية شخصية عاطفية متسمة بالمزاجية وقصر النظر. ويعتقد أصحاب هذا الرأي أن ذلك كله يوفر البيئة المناسبة لقيام واستمرار أنظمة استبدادية مثل نظام حزب البعث وصدام حسين، وجمع من الأحزاب والتجمعات السياسية التي تتبنى المفاهيم نفسها، ويستنتجون أن القمع الذي تمارسه السلطة العراقية ما هو إلا صورة مكبرة للقمع الممارس في الحياة اليومية، كقمع الوالدين للأبناء، والمعلم للتلاميذ، والضابط للجنود والمراتب، والرجل للمرأة، والموظف للمراجعين.
قد يبدو للكثيرين أن في هذا الرأي شيئاً من القسوة بحق الشخصية العراقية، وأنه يهمل إلى حد كبير حقيقة أن العوامل السياسية والاجتماعية والاقتصادية والبيئية السائدة هي التي تشكّل الشخصية وتميزها بسمات معينة. إلا أن الواقع المعاش يفرض على الذين يتصدون لبناء التجربة الديمقراطية في العراق أن يأخذوا بنظر الاعتبار مجمل الأوضاع التي أدت إلى خلق تشوهات كبيرة في المجتمع العراقي. فلا يمكن إهمال النتائج المدمرة لسياسات النظام التربوية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية على مدى العقود الماضية على الصعيد الاجتماعي، وليس للمرء أن يقفز على حقيقة أن تلك السياسات أدت إلى خلق أمراض اجتماعية كبيرة في النسيج الاجتماعي العراقي، وإلى خلق جيش كبير من الانتهازيين وكتبة التقارير والأفاقين والفرهودچية الذين لا يتوانون عن القيام بأي شيء من أجل الوصول إلى أغراضهم الخاصة. لذلك وجب على الحالمين بقيام نظام ديمقراطي حقيقي في عراق المستقبل أن يتفحصوا الجوانب المختلفة للشخصية العراقية، ويجتهدوا في وضع برامج علمية مدروسة لتقويمها والعمل على تطهيرها من الأدران التي علقت بها بسبب سياسات النظام السابق.
ولا بد من الاستدراك بأن الحديث عن غياب التقاليد الديمقراطية لا يعني قطعاً عدم إمكانية إقامة النظام الديمقراطي في العراق، ولكن لا بد أن نشير في الوقت نفسه إلى أن الوعي الديمقراطي لا يتحقق بين ليلة وضحاها، وأن تحقيقه الفعلي يتطلب تفاعل قوى عديدة متقاربة في رؤاها الديمقراطية. كما يستوجب الأمر القيام بجهود كبيرة على الأصعدة المختلفة لخلق هذا الوعي وتدريب الناس عليه على مدى طويل، في ظل الإيمان بالديمقراطية مفهوماً سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وثقافياً يقر بالتعددية في الميادين المختلفة، ونظامَ حكم برلمانياً يستند إلى التعددية ويجسدها، ويؤكد مبدأ تداول السلطة وكون الشعب مصدر السلطات، وينص في دستوره على مبدأ الفصل بين السلطات الثلاث: التنفيذية والتشريعية والقضائية، ويصون حقوق الإنسان وحقوق الجماعات والأفراد كما وردت في العهود والمواثيق الدولية، وفي مقدمتها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.
من المعروف تاريخياً، وعبر تجارب الشعوب، أن الفجوة بين الحكام والمحكومين كانت وما تزال، منذ ظهور الدولة، من أبرز مظاهر الصراع في التنظيم السياسي للمجتمع، ونعني به الصراع المستمر بين سيادة الدولة وسيادة الشعب. ويمثل الدستور والقوانين التي تسنّها الدولة الأدوات التي يُعوَّل عليها للتوفيق بين السيادتين اللتين تبدوان متناقضتين حتى في أكثر البلدان ديمقراطية وتمثيلاً للشعب.
يحتاج العراقيون في عملية بناء النظام الديمقراطي في عراق المستقبل إلى عقد اجتماعي يقوم على أسس جديدة تتناقض إلى حد كبير مع ما ساد هذه البلاد خلال العقود الثمانية من عمر الدولة العراقية، ويجب أن يشكّل التسامح القومي والمذهبي والسياسي والديني والاجتماعي والفكري جوهره الأساسي. ويحتاجون كذلك إلى حكومة عقلاء لا يحتكمون إلى العنف في حل المشاكل والخلافات، ويعتبرون الاختلاف في وجهات النظر اجتهاداً، لا مؤامرات أجنبية وأنشطة معادية أو أفكاراً مستوردة يجب استئصالها. إن انتهاج سياسة التسامح ونبذ العنف في حل مشاكل البلاد سيجنبها الحروب والكوارث والأزمات، كما سيسد الأبواب أمام عمليات خرق حقوق الإنسان وخنق حرية الرأي وإلقاء التهم الجاهزة.
لم يعد بالإمكان، بعد كل هذه الكوارث التي حلت بالبلاد (العراق)، القبول بأي نظام دكتاتوري أياً كان شكله، وأياً كانت الشعارات التي يختفي خلفها. ومن الضرورة بمكان الاحتكام إلى قوة القانون وسيادته لتنظيم شؤون المجتمع، وألّا تكون هناك استثناءات مهما كانت المبررات. والنظام الديمقراطي الذي يجب أن نصبو إليه ليس حكم الأكثرية فقط، بل هو النظام الذي يوفر للأقلية أيضاً المشاركة في إقرار السياسات العامة وفي إدارة شؤون البلاد، والإعلان عن رأيها ومعارضتها، ونشر الأفكار التي تؤمن بها، دون أن تواجَه بالاتهامات الجاهزة.
ليس من حق أحد في ظل النظام الديمقراطي، مهما كانت الأفكار والعقائد التي يتبناها، أن يحتكر الحقيقة ويعمل على فرضها على الآخرين بالقوة الغاشمة.
وتشكّل الفلسفة التربوية وبرامج التعليم المعتمدة في العراق خلال العقود الأخيرة، القائمة أساساً على تبني الفكر الشمولي ورفض الآخر، بل وزرع الحقد والكراهية في نفوس المتلقين تجاه الآخر، عقبة كأداء على طريق تبني النظام الديمقراطي في عراق المستقبل. ولا بد أن يشكّل حقل التربية والتعليم أول ميادين تدخل النظام الديمقراطي في عراق المستقبل، لإجراء تعديلات جذرية في المنظومة التربوية وبرامج التعليم، وزرع قيم التسامح والمحبة في نفوس جميع التلاميذ والمواطنين، وإزالة آثار الخراب الاجتماعي وعسكرة التعليم والمجتمع، إلى جانب العمل الجاد على تضييق الفجوة الكبيرة بين العراقيين وأقرانهم في العالم على الأصعدة العلمية والثقافية والفكرية.
كما أن إصلاح بنية المجتمع العراقي ومنظومة القيم والأعراف الاجتماعية، وتخليصها من الآثار السلبية للسياسات الحكومية السابقة خلال العقود الأربعة الأخيرة، لا بد أن يكون ضمن أولويات النظام القادم. ولا نعتقد بإمكانية تحقيق أي تقدم ديمقراطي حقيقي دون إخضاع هذا الكم الهائل من المحظورات الدينية والقومية والاجتماعية في المجتمع العراقي، التي ما برحت تكبّل حياة الناس وتحدّ من حرياتهم وتطورهم، لإصلاحات جذرية.
لن يكون هناك أمل بقيام نظام ديمقراطي في العراق دون القيام بجهود خارقة لإزالة آثار عسكرة المجتمع العراقي والاقتصاد، وتبديل المهام والواجبات الرئيسية للجيش العراقي من قمع المواطنين وتدمير مدنهم وقراهم إلى حماية حدود الوطن والمواطنين من العدوان الخارجي. ودون بناء قوى الشرطة والأمن على أسس ومبادئ جديدة تتقاطع كلياً مع الأسس والأساليب التي اعتُمدت في ظل الحكومات العراقية السابقة، وبخاصة في عهد النظام السابق وحزب البعث، لا يمكن للمرء أن يحلم بسيادة القانون والعدالة، فضلاً عن النظام الديمقراطي. إن مؤسسات الدولة التي قامت على أسس قمع الناس وتعذيبهم وهدر كرامتهم ومسخ إنسانيتهم وملاحقتهم وابتزازهم، والتي لا تعرف شيئاً عن قيم التسامح ومبادئ حقوق الإنسان والحريات الشخصية للمواطن وسيادة القانون، لا يمكن إلا أن تتحول إلى كوابيس على طريق بناء النظام الديمقراطي.
ومن الصعب على المرء أن يعتقد بقيام نظام ديمقراطي في عراق المستقبل دون فترة انتقالية توجَّه خلالها الجهود إلى إزالة آثار النظام الشمولي بموازاة بناء أسس النظام الديمقراطي الجديد. وأية محاولة للاكتفاء ببعض العمليات التجميلية على المؤسسات القائمة، وبخاصة الجيش والشرطة والأمن، أو حتى ببناء قوات جديدة أخرى ولكن وفق الأسس نفسها، لن يجني منها العراقيون سوى مآسٍ وكوارث جديدة، وستُظهر عمليات إعادة بناء الجيش وقوات الشرطة حقيقة التغييرات التي أصابت هاتين المؤسستين.
وبقدر تعلق الأمر بالقضية الكوردية وعلاقتها بمستقبل الديمقراطية في العراق، لا بد من التوقف عند بعض المسائل المهمة.
بدءاً لا بد من الإشارة إلى البعد القومي في ممارسة الديمقراطية وتطبيقاتها، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بمجتمعات متعددة القوميات. ويشكّل الموقف من القضية القومية في العراق عموماً، وبخاصة حق الشعب الكوردي في تقرير مصيره وإدارة شؤونه بنفسه وتحديد شكل العلاقة بالحكومة في بغداد ضمن جمهورية ديمقراطية فيدرالية، جوهر التطبيق الديمقراطي. ويمكن القول إن حل القضية الكوردية حلاً عادلاً سيكون بمثابة المدخل الصحيح إلى النظام الديمقراطي في عراق المستقبل، وإن أي تعطيل لحلها سيسهم في تعقيد الأوضاع، وظهور النزعات الدكتاتورية، وسيادة العنف، وخرق حقوق الإنسان، وخلق عقبات كبرى أمام التطبيق الديمقراطي وسيادة دولة القانون.
ولا بد من الإشارة في الوقت نفسه إلى أن تبني النظام الديمقراطي في الحكم لا يعني بالضرورة، وبصورة آلية، حل المشكلة القومية، ولدينا أمثلة عديدة في أكثر بلدان العالم ديمقراطية لا تزال تعاني من المشاكل القومية. ومن هنا لا بد من الربط بين الإقرار بالحقوق القومية المشروعة للشعب الكوردي وبين الديمقراطية الكاملة للعراق، إذ لا يمكن الشروع في حل كل الشبكة المعقدة من المعضلات في البلاد إلا بالإقرار للشعب العراقي، بعربه وكورده وقومياته الأخرى، بحقهم في تقرير مصيرهم في ظل حكم ديمقراطي في العراق.
ومن الضروري الإشارة إلى حالة عدم الاتفاق على الحد الأدنى من المفاهيم والمصطلحات المتعلقة بالقضية الكوردية وطريقة حلها، والتي يدور حولها الحوار والنقاش بين الأطراف السياسية والثقافية والعرقية. وتشكّل هذه الحالة، من وجهة النظر الكوردية، عائقاً أمام اتفاق القوى السياسية العراقية المتبنية للديمقراطية، وستشكّل في المستقبل عائقاً مهماً على طريق إقامة النظام الديمقراطي المنشود في عراق ما بعد النظام السابق وصدام حسين. ويساور الكوردَ الشكُّ في أن آلية عدم تحديد المفاهيم يُراد بها في كثير من الأحيان تسويق بعض الأفكار والطروحات وترويجها دون التوقف كثيراً عند مدلولاتها؛ فالحقوق القومية للشعب الكوردي، والشراكة في الوطن، وحل القضية الكوردية، والمنطقة الكوردية (كوردستان)، والتعددية الإثنية للدولة العراقية، كلها مفاهيم غير متفق عليها من قبل القوى الأساسية على الساحتين السياسية بل والثقافية العراقية. ويشكّل هذا التخبط في تحديد المفاهيم وتعريفها عقبة جدية أمام قيام نظام ديمقراطي حقيقي في عراق المستقبل.
ومما يثير القلق لدى الشعب الكوردي، وسيكون عاملاً معوقاً لبناء الديمقراطية في عراق المستقبل، غيابُ برامج واقعية لحل القضية القومية في العراق، وعلى رأسها القضية الكوردية، لدى أحزاب وقوى سياسية عراقية كثيرة طفت على السطح خلال السنوات الأخيرة. ومن المؤكد أن هناك قوى سياسية عديدة تحلم ببناء عراق ديمقراطي مسالم يسوده الأمن والاستقرار والرفاه الاقتصادي، الأمر الذي يستوجب سد الطريق على أية محاولة تريد أن تعيد العراق إلى عصور التناحر والقمع والاضطهاد القومي. ويشكّل التخبط وعدم الوضوح في مواقف القوى السياسية من القضية القومية الكوردية بيئة صالحة لتنامي الشكوك وعدم الثقة، وتشكّل هذه الحالة برأيي باباً مفتوحاً لبروز تعقيدات كبيرة في المستقبل على طريق حل المشكلة القومية وقيام النظام الديمقراطي.
كانت أحزاب المعارضة تبرر عدم تصديها لهذا الأمر بحجة تأجيله إلى ما بعد سقوط النظام السابق وحزب البعث، ولكن الحقيقة تشير إلى أن هناك قوى مؤثرة كانت في المعارضة العراقية لا تريد الاستجابة لكل الحقوق القومية للشعب الكوردي، وتتهرب من الإقرار بها علناً، وتكتفي ببعض الصيغ الفضفاضة والغامضة التي تثير الشكوك لدى الشعب الكوردي في نوايا تلك القوى. والكورد محقون في ذلك بعد أن تعرضوا خلال العقود الأخيرة لمحن قاسية لا يمكن إزالة آثارها بعبارات عمومية غامضة وفضفاضة.
كما أن الدعوة إلى تكريس نتائج بعض السياسات الحكومية بحق الشعب الكوردي، وبخاصة تلك المتعلقة بسياسات التعريب والتغيير الديموغرافي في بعض المناطق والمدن الكوردستانية، لا يمكن إلا أن تثير الشكوك لدى الكورد. ولا يمكن للمرء أن ينفي وجود نيات حسنة لدى بعض من يطلقون مثل هذه الدعوات، ولا أن ينكر ظهور أجيال من العراقيين وُلدوا في هذه المدن والمناطق الكوردستانية لا يجوز أن يؤخذوا بجريرة آبائهم وسياسات النظام السابق. وفي المقابل، من الصعوبة بمكان إقناع إنسان طُرد من بيته عنوة، وجيء بآخر ليحل محله، دون أن يعوَّض حتى عن ممتلكاته، بالتعايش مع هذا الظلم الذي وقع عليه دون وجه حق. لذلك يكتسب الموقف الصحيح من عمليات التهجير القسري والتطهير العرقي والتعريب للمناطق الكوردية في كوردستان العراق أهمية كبرى لدى ضحايا هذه السياسات من الكورد وغيرهم على صعيد بناء النظام الديمقراطي في عراق المستقبل.
كما يشكّل التعامل مع المسؤولين عن عذابات العراقيين خلال العقود الأربعة الأخيرة من القرن الماضي حلقة مهمة من حلقات بناء الديمقراطية. فمع تبني سياسة التسامح إزاء غير المذنبين من البعثيين، ومنع تصفية الحسابات وأعمال الانتقام، وهي عوامل ضرورية لمستقبل الاستقرار السياسي والاجتماعي في العراق، لا بد من اللجوء إلى المساءلة القانونية بحق المسؤولين عن حملات الإبادة الجماعية والتطهير العرقي والتهجير القسري وعمليات التعذيب وغيرها، في محاكم نزيهة تتسم بالشفافية وتوفر الحماية القانونية للمتهمين، وذلك لخلق الرادع القانوني أمام كل من يفكر بإعادة عجلة العنف والقسوة إلى العراق في المستقبل.
ورغم النيات الحسنة لدى البعض، فإن غياب الرادع القانوني لن يؤدي إلا إلى المزيد من المآسي. ويشكّل هذا الأمر بالنسبة للكورد، الذين تعرضوا لعمليات الإبادة الجماعية والتهجير القسري، عنصراً مهماً من عناصر الثقة بأية حكومة مقبلة في العراق.
ومن الضروري أن يجري التعامل مع الشعب الكوردي من منطلقين: أولاً كونهم يشكّلون القومية الثانية في العراق، تسكن منطقة جغرافية محددة (كوردستان العراق) مع امتدادات في مناطق العراق الأخرى، وكجزء من سكان البلاد يسهمون في تقرير السياسات العامة؛ وثانياً ألّا يُنظر إليهم فقط ككتلة بشرية تسكن منطقة جغرافية معينة (كوردستان العراق).
كثيراً ما نسمع هنا وهناك أن النموذج الديمقراطي المطبق في كوردستان العراق سيعمّ في عراق ما بعد النظام السابق وصدام حسين. وفي رأيي المتواضع، رغم جميع الجوانب المشرقة في التجربة الكوردستانية، التي يجب أن تكون موضع دراسة وتطبيق من قبل الذين سيتصدون لبناء النظام الديمقراطي في عراق المستقبل، لا بد من الإقرار بأنه لا يمكن تطبيقها بحذافيرها، لخصوصيات التجربة الكوردستانية التي جرى تطبيقها في ظل ظروف جد معقدة، كالحصار الاقتصادي المزدوج، والتهديدات العسكرية للنظام السابق، والتدخلات السافرة للدول الإقليمية، وما ترتب على كل ذلك من نتائج سلبية أثّرت فيها وعرقلت مسار تطورها. ومن المؤمل أن تُبنى التجربة الديمقراطية في عراق المستقبل في ظل إلغاء الحصار الاقتصادي، ومنع التهديدات الخارجية، وفي ظل علاقات دولية تسمح بمد يد المساعدة في عملية بناء دولة القانون وإعادة إعمار البلاد.
إن ملامح العراق الجديد الذي يراد له أن يكون بديلاً لما كان قائماً ستتوقف كثيراً على طبيعة القوى السياسية التي ستتصدى لمهمة إقامته. وتؤكد القوى السياسية المختلفة أن يكون النظام البديل في العراق نظاماً ديمقراطياً فيدرالياً تعددياً تُحترم فيه الحقوق الأساسية للإنسان.