الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

من سيفر إلى لوزان ومشروع دولة الكورد

من محاضرات «مؤتمر القاهرة 1921 والقضية الكوردية» – 2014

برز اسم كوردستان بوضوح في مؤتمر السلام (مؤتمر الصلح) في باريس بعد الحرب العالمية الأولى عام 1919، إذ عُدّ الكورد في كوردستان كياناً يستحق التعامل معه مثل باقي الأقاليم والشعوب في المنطقة، حيث اقترح لويد جورج، رئيس وزراء بريطانيا، إدخال كوردستان الكبرى ضمن البلدان التي تستحق الاستقلال. وعلى الجميع أن ينتبهوا إلى تدويل القضية الكوردية في جميع المحافل الدولية، وكان هذا أشد الأدلة وأقواها على أهمية المسألة الكوردية وبروزها في السياسة الخارجية البريطانية.

وقد اتصل البريطانيون بالكورد في وقت مبكر من الحرب العالمية الأولى، حينما وجّه شريف باشا السليماني (السياسي الكوردي)، في 23 تشرين الأول عام 1914، مذكرة إلى السير برسي كوكس، الضابط السياسي البريطاني المرافق للحملة البريطانية على منطقة العراق (ولاية البصرة ثم بغداد، وأخيراً ولاية الموصل - كوردستان العراق) التي كانت تابعة للإمبراطورية العثمانية في حينها. وطلب فيها مساعدتهم للكورد وجمع شملهم، كما عرض خدماته عليهم، وقدّم بعض المقترحات بخصوص متطلبات الشعب الكوردي القومية.

ثم جدّد شريف باشا السليماني (السياسي الكوردي من أهالي السليمانية) مطالبه بصدد القضية الكوردية والحقوق القومية الكوردية في حزيران عام 1918، حين التقى بالسير برسي كوكس في مرسيليا. وكان ذلك واضحاً مما قاله أرنولد ولسن، الحاكم البريطاني في العراق، في ذلك الوقت، ومن جواب السير برسي كوكس على مذكرة شريف باشا السليماني، عندما ذكر أنه مهتم بمناقشة أي اقتراح يقدمه شريف باشا حول الكورد وقضيتهم. وفي الوقت ذاته توقع أرنولد ولسن أن تفعل بريطانيا للكورد ما تنوي فعله للعرب، أي أسوة بالعرب.

وبعد هذا الظهور القوي للقضية الكوردية والشعب الكوردي على الساحة الدولية، أصبح شريف باشا ممثلاً عن الكورد لدى الحلفاء. وفيما بعد أرسلت عصبة الأمم لجنة سُمّيت بلجنة «كنج - كرين» في 13 آب 1919، فالتقت ممثلين عن الحزب الديمقراطي الكوردي (ممثلي الشعب الكوردي)، وأعطتهم وعوداً بتأسيس دولة كوردية مستقلة في المناطق التي يشكل الكورد فيها أغلبية مطلقة، على أن تكون تلك الدولة تحت الانتداب البريطاني.

وقد ذكر الباحث الأمريكي هاوارد أن إنشاء دولة كوردية شاملة ومستقلة في كوردستان، بين أرمينيا وبلاد ما بين النهرين (العراق العربي الجديد، أي ولايتي بغداد والبصرة فقط)، كما اقترحه لويد جورج رئيس وزراء بريطانيا، سيجعل من دولة كوردستان حاجزاً أميناً بين تركيا الحديثة والعراق العربي الجديد. وحينما طلبت فرنسا موطئ قدم لها في كوردستان، رفض اللورد كرزن، وزير خارجية بريطانيا، الطلب الفرنسي بشدة، إذ كانت بريطانيا تنوي إقامة كيان كوردي مستقل في ولاية الموصل (كوردستان العراق) بعيداً عن النفوذين التركي والفرنسي.

وقد جاء في المذكرة التي قدمتها دائرة الشرق الأوسط إلى اللجنة السياسية (المرتبطة بوزارة المستعمرات البريطانية): «إن المناطق الكوردية، ولاية الموصل الكوردية الخالصة القوام، يجب ألا تدخل في الدولة العربية التي ستقام في ميسوبوتاميا (العراق العربي الجديد، أي ولايتي بغداد والبصرة فقط)، بل يجب أن تعمل حكومة صاحب الجلالة، بقدر المستطاع، على تشجيع مبدأ الوحدة الكوردية ورعاية الهوية القومية للشعب الكوردي».

وتحدث برسي كوكس في 15 آذار 1921 في مؤتمر القاهرة قائلاً إن الكورد هم أغلبية فحسب في مناطق كركوك والسليمانية وأربيل والمناطق الشمالية من ولاية الموصل (دهوك الحالية وغيرها)، أي ولاية الموصل (كوردستان العراق)، وإن هذه المناطق تؤلف جزءاً لا يتجزأ من ولاية الموصل (كوردستان العراق الحالي) ومن العراق العربي الجديد. فاعترض هوبرت يونك، واقترح إقامة دولة كوردية مستقلة فوراً ومن دون تأخير في ولاية الموصل (كوردستان العراق الحالي)، على أن توضع هذه الدولة تحت الوصاية المباشرة للمندوب السامي البريطاني في العراق الجديد، لا أن تكون جزءاً من العراق العربي الجديد أو ضمن مسؤولية حكومته، وأيده الميجر نوئيل في ذلك.

وكان من رأي ونستون تشرشل، وزير المستعمرات البريطاني، أنه يفضّل حكماً ذاتياً كاملاً لكوردستان الجنوبية (ولاية الموصل) ذات الأغلبية الكوردية، لخلق دولة كوردية عازلة أمام الضغوط التركية من الخارج، وأمام قيام حركة عراقية عربية معادية لبريطانيا من الداخل. وأعرب تشرشل عن موافقته على ما أبداه كل من الجنرال يونك والميجر نوئيل من رأي، وعقّب بقوله إن حكومة المستقبل العراقية العربية الجديدة، ومن ورائها جيش عربي، ستتجاهل الطموحات والأماني الكوردية في ولاية الموصل (كوردستان العراق) وستضطهد الكورد كأقلية.

وأضاف محذراً: «إن لم يُتَح للكورد المجال لتشكيل دولتهم الكوردية المستقلة في ولاية الموصل (كوردستان العراق) ليحكموا أنفسهم بأنفسهم، وأُلحقت كوردستان بالدولة الجديدة (العراق العربي الجديد)، فإن ابن الشريف حسين بن علي، شريف مكة، ويقصد هنا الأمير (الملك) فيصل، مهما بدا ديمقراطياً ومتسماً بروح الحياد، ما إن يجد نفسه في موضع قوة ولديه جيش قوي حتى يقف في سبيل الطموح القومي الكوردي ومصالح الكورد كأقلية عنصرية في العراق العربي الجديد». ولذلك يبدو ألّا سبيل إلى توفيق المصلحة البريطانية إلا بإقامة دولة كوردية مستقلة في ولاية الموصل (كوردستان العراق)، عازلة بين العراق العربي الجديد وتركيا الكمالية.

وقد ختمت اللجنة السياسية في مؤتمر القاهرة اجتماعها بتبني اقتراح هوبرت يونك بإبقاء جنوب كوردستان (ولاية الموصل - كوردستان العراق) منفصلاً عن العراق العربي. وساند هذا الاقتراح كل من ونستون تشرشل والميجر نوئيل والعقيد لورنس، وهم الأغلبية في مؤتمر القاهرة، وعارضه السير برسي كوكس (المندوب السامي في العراق الجديد) وكيرترود بيل (مس بيل، السكرتيرة الشرقية في العراق). ولكن هذا القرار وُضع على أن يبقى استقلال جنوب كوردستان غير معمول به حتى يتيسر الوقت، أي بعد ثلاث سنين، ليتهيأ للكورد في ولاية الموصل (كوردستان العراق) أن يكون لهم رأي تمثيلي قد يحبّذ الانضمام إلى العراق العربي الجديد أو لا يحبّذه.

واستقر الأمر على هذا في الأول من أيار 1921، وكانت الأغلبية الكوردية تحبّذ، بل تريد في الواقع، أن يكون جنوب كوردستان منفصلاً ومستقلاً عن العراق العربي الجديد، على أن توضع مسؤولية الشعب الكوردي على عاتق المندوب السامي البريطاني في العراق برسي كوكس. وقد ساندت دائرة الشرق الأوسط المرتبطة بوزارة المستعمرات البريطانية، ووزيرها ونستون تشرشل، هذا الرأي مساندة قوية.

وبعد مراسلات عديدة بين ونستون تشرشل وبرسي كوكس حول الوضع في كوردستان الجنوبية (ولاية الموصل) ذات الأغلبية الكوردية، التي كانت تشمل الموصل وأربيل وكركوك والسليمانية ودهوك الحالية وأجزاء من ديالى، كتب إليه تشرشل أخيراً أن الحكم العربي في العراق الجديد يجب أن يقتصر على الأرض العربية فقط (ولايتي بغداد والبصرة)، لا على المناطق الكوردية (ولاية الموصل) ذات الأغلبية الكوردية. فرد عليه برسي كوكس بأن معظم الكورد استُشيروا في 6 أيار 1921 فاختاروا عدم الانفصال عن العراق الجديد (وأعتقد أن هذا غير صحيح، بل كان رأي برسي كوكس الشخصي)، وأن من الصعب تجاهل رغبتهم، فضلاً عن أن القوميين العرب والكورد صاروا الآن يعتمدون على بناء عراق جديد تدخل فيه ولاية الموصل ذات الأغلبية الكوردية، وأن خيبة مبتغاهم الآن تعني المخاطرة بانفجار شديد مثلما حدث في الثورة العراقية الكبرى، ثورة 1920.

وعاد تشرشل يذكّر برسي كوكس بأن اعتماد خطة إشراك الكورد في المجلس التأسيسي العراقي، المقرر عقده لوضع دستور الدولة العراقية الجديدة، يجب أن يُحترم فيه مبدأ أن الكورد لا يجوز أن يوضعوا تحت حكم العرب في العراق العربي الجديد ضد رغبتهم. وقد طالت المكاتبات بين تشرشل وكوكس حتى بداية عام 1922 حول الموضوع: هل يجب على بريطانيا مساندة قيام دولة كوردية مستقلة في ولاية الموصل (كوردستان العراق)، أم أن تُضم المنطقة الكوردية (جنوب كوردستان - ولاية الموصل) إلى العراق العربي الجديد؟ وفي آخر المطاف لم يستطع برسي كوكس إنجاح مشروعه بدمج جنوب كوردستان (ولاية الموصل) بالعراق العربي الجديد داخل أروقة وزارة المستعمرات البريطانية. لذلك اشترط قيام مفاوضات بين تركيا وبريطانيا حول ولاية الموصل ذات الأغلبية الكوردية، ولكن تلك المفاوضات باءت بالفشل وبلغت طريقاً مسدوداً، فطلب رمزي مكدونالد من مجلس العصبة إصدار قرار بهذا الشأن.

ومن جانب آخر ظل كرزن، وزير خارجية بريطانيا، على موقفه السابق تجاه كوردستان في جميع المؤتمرات اللاحقة بين الحلفاء، مثل مؤتمر لندن 1919، والمؤتمر المنعقد في وزارة الخارجية البريطانية، واجتماع المجلس الأعلى للحلفاء المنعقد في سان ريمو 1920، ومعاهدة سيفر 1920. وقد تضمنت الأخيرة اسم كوردستان في القسم الثالث من الباب الثالث، كما تناولت ثلاث مواد من معاهدة سيفر المسألة الكوردية، وهي المواد 62 و63 و64.

وكان هدف بريطانيا من قيام دولة كوردية مستقلة، أو عدة كيانات كوردية تتمتع بالحكم الذاتي، واضحاً، وهو تكوين منطقة (دولة) كوردية عازلة بين أتراك الأناضول وآسيا الوسطى والقفقاس، كما مرّ سابقاً، هذا من جهة.

ومن جهة ثانية كانت بريطانيا تولي القضية الكوردية اهتماماً كبيراً، لأن كوردستان تركيا (كوردستان الشمالية) كانت قد أصبحت من نصيب روسيا القيصرية في اتفاقية سايكس-بيكو 1916. كما أن الدولة الكوردية التي ستقام في المنطقة (المناطق الكوردية في كوردستان تركيا الجديدة وكوردستان العراق الجديد) ستجلب لبريطانيا فوائد كثيرة من الناحيتين السياسية والجغرافية، إذ ستكون عامل إضعاف لخطورة إيران وتركيا، وحتى العراق العربي الجديد أيضاً، وستحرم تركيا الحديثة من كافة الأراضي الكوردية (كوردستان الشمالية - تركيا) التي تدّعيها لنفسها، وستكون حاجزاً بين الغرب وروسيا السوفيتية. ففي حال اندلاع الحرب بين الغرب وروسيا مستقبلاً ستكون هذه المنطقة الكوردية نقطة انطلاق لعمليات عسكرية سريعة من جانب الحلفاء ضد روسيا.

إن ما جاء في معاهدة سيفر 1920 لصالح الكورد لا يقل عما جاء لصالح شعوب المنطقة (العرب)، ولا عما كان يتوقعه أحد في ذلك الحين، ولكن لم يُنفّذ منها شيء على الإطلاق، بل إنها ماتت في ساعة ولادتها، لأن الجهة التي وقّعت على بنود تلك المعاهدة كانت حكومة السلطان العثماني محمد السادس (وحيد الدين) في إسطنبول، وما كان حكمها في ذلك الوقت يتعدى حدود البصر. وإلى جانب حكومة السلطان العثماني كانت شوكة الحركة الكمالية تتقوى في الأناضول يوماً بعد يوم، حتى أجبرت حكومة فريد باشا، التابعة للسلطان العثماني والموقِّعة على معاهدة سيفر، على تقديم استقالتها. ومن أبرز العوامل التي أدت إلى وأد معاهدة سيفر بهذه السرعة:

  1. قيام الحركة الكمالية التركية في الأناضول ضد حكومة السلطان العثماني.

  2. الصراع المحتدم على المصالح بين الدول الكبرى في المنطقة.

  3. ولاء الكورد ودعمهم المطلق للحركة الكمالية التركية.

  4. اتخاذ مصطفى كمال أتاتورك منطقة الأناضول (كوردستان تركيا) قاعدة لانطلاق حركته.

  5. استمالة زعماء الكورد إلى جانب الكماليين الترك، سواء بإثارة مشاعرهم الدينية أو ببذل الوعود الزائفة لهم بنيل حقوقهم القومية الكوردية في كوردستان تركيا.

فقد أطلق مصطفى كمال أتاتورك على نفسه تسمية «منقذ كوردستان» والمدافع عن خليفة المسلمين والتراب الإسلامي الذي دنّسه «المسيحيون الملحدون» (والمقصود قوى الاحتلال، وخاصة بريطانيا العظمى). ومن جهة أخرى قطع مصطفى كمال للكورد وعوداً بتلبية مطالبهم في الاستقلالية بحدود أكبر من تلك التي خطّتها لهم معاهدة سيفر، وأثار فيهم الشكوك عندما حذّرهم من أن الأرمن سوف يؤسسون دولة يدعمها الحلفاء المسيحيون على حساب مناطق كوردستان المسلمة.

ومن المعلوم أن بريطانيا هي التي أثارت مشروع إقامة دولة كوردية مستقلة في المناطق التي يسكنها الكورد (كوردستان)، وهي نفسها التي تراخت عزيمتها في مشروعها فيما بعد، لأنها ما كانت تهتم بالقضية الكوردية إلا بالقدر الذي يخدم مصلحتها. فقد استغل الإنكليز طموحات الكورد المشروعة في إقامة دولة كوردية مستقلة لضرب الحركة الكمالية فقط. وقد تبيّن هذا مما جاء في إحدى برقيات الميجر نوئيل السرية: «في حالة تعرضنا للخطر من جانب الكماليين الترك، فإننا نستطيع استخدام البدرخانيين الكورد والأكراد الآخرين بتعيينهم ولاة وقضاة أو متصرفين للأقضية الكوردية، وبموافقة الحكومة التركية».

وكانت دبلوماسية بريطانيا براقة إزاء القضية الكوردية وشعار كوردستان المستقلة في كافة المحافل الدولية حتى أوائل سنة 1921، ثم بدأت تضمحل وتضمر شيئاً فشيئاً إزاء الكورد وقضيتهم، وقد تبيّن ذلك بوضوح في مؤتمر لندن عام 1921، بعد نحو نصف سنة من معاهدة سيفر 1920. ومن الدلائل على تراجع موقف بريطانيا تجاه المسألة الكوردية ما جاء في البرقية الموجهة من لندن إلى وكيل وزارة المستعمرات: «هناك احتمال بتعديل المادة 64 من معاهدة سيفر عام 1920، وحذف كل ما يهدف إلى إقامة دولة كوردية مستقلة في المستقبل».

وقد حاول بكر سامي، وزير خارجية حكومة أنقرة، أثناء انعقاد جلسات مؤتمر لندن عام 1921، إقناع دول الحلفاء بأن المسألة الكوردية ليست بحاجة إلى مناقشتها مع الدول الكبرى، فهي مسألة داخلية تخص تركيا فقط، حيث قال: «إنني لا أمثل تركيا في هذا المؤتمر فحسب، بل أمثل كوردستان أيضاً، لأن وفدنا هذا يضم في عداده وفوداً وشخصيات من المناطق الكوردية من البلاد (تركيا)». إلا أن كرزن، وزير خارجية بريطانيا، لم يقتنع بما قاله نظيره التركي، فقد خصّص يوم 26 شباط 1921 لمناقشة المسألة الكوردية بشكل منفرد.

وأثناء انعقاد جلسات المؤتمر حاول القوميون الكورد في إسطنبول من جانبهم إقناع الوفد البريطاني بعدم تصديق أقوال الأتراك (وزير خارجية تركيا بكر سامي) بشأن كوردستان، حيث عبّر الوفد الكوردي عن مخاوفه من التراجع الذي أصاب موقف الحلفاء إزاء القضية الكوردية حينما التقى رامبولد، المفوض السامي البريطاني، في آذار 1921 بمدينة إسطنبول. ورفض الوفد كلياً أن يكون الوفد الممثل لحكومة أنقرة ممثلاً للشعب الكوردي في الأساس، وقال أيضاً: لا يحق لأحد إحداث أي تغيير في المادة 64 من معاهدة سيفر 1920، التي تنص على دمج المناطق الكوردية من كوردستان التي يشكل الكورد أغلبية سكانها وتوحيدها، لغرض تشكيل دولة كوردية مستقلة لهم في كوردستان.

وحينما كانت المناقشات تدور على أشدها بين البريطانيين والأتراك (تركيا الحديثة)، كانت المحاورات داخل وزارة المستعمرات البريطانية تدور بين المسؤولين البريطانيين أنفسهم بصدد الاستفادة من الشعب الكوردي، في حال فشل المناقشات داخل المؤتمر، للضغط على الأتراك بغية الحصول على أكبر قدر ممكن من المكاسب. وبعد انتهاء مؤتمر القاهرة في 24 آذار 1921 ظهرت تلك المحاولات للاستفادة من الكورد في المناقشات اللاحقة مع الأتراك بصورة أكثر جدية، بعد أن جاءت نتائج المؤتمر بخلاف رغبات البريطانيين.

وقد تبيّن فيما بعد، وبكل وضوح، أنه لم يبقَ في جعبة البريطانيين أي شيء من هذا القبيل يهدف إلى قيام كيان كوردي مستقل في أية بقعة من بقاع كوردستان، وأن كل ما كانت تقوم به بريطانيا آنذاك بشأن الكورد كان هدفه الحفاظ على موقعها ومصالحها في المنطقة الكوردية (كوردستان). وأثناء ذلك تمكنت الحركة الكمالية التركية من دمج كوردستان الشمالية (كوردستان تركيا - الأناضول) بتركيا الحديثة، وهي المنطقة الكوردية التي كانت ضمن مشروع قيام دولة كوردية مستقلة عليها في معاهدة سيفر 1920.

وبعد مرور بعض الوقت، أي في أواخر عام 1921، لم يكن أمام بريطانيا سوى الاستسلام للأمر الواقع والانفتاح على الكماليين الأتراك، إذ قادتها رغبتها في السلام مع تركيا إلى تغيير سياستها إزاء كوردستان تغييراً كاملاً. وقد قال آرنولد ولسن (المندوب السامي البريطاني في العراق) بهذا الصدد: «علينا أن نترك الأكراد الموجودين خارج ولاية الموصل وشأنهم، حفاظاً على المصالح البريطانية في كوردستان الجنوبية (ولاية الموصل - كوردستان العراق)»، والمقصود بالأكراد خارج ولاية الموصل ذات الأغلبية الكوردية كوردُ كوردستان الشمالية (كوردستان تركيا).

وبعد تلك التطورات في المنطقة أصبح مشروع كوردستان المستقلة باهتاً بشكل واضح، وبدأ يفقد قوته وصوته، نتيجة الغموض والازدواجية في السياسة البريطانية تجاه الكورد، ونجاحات مصطفى كمال أتاتورك على اليونانيين والحلفاء بمساندة القوات الكوردية ومساعدتها، وابتعاد إيطاليا وفرنسا عن بريطانيا ومعارضتهما لمشاريعها في المنطقة. فقد وقع البريطانيون بين خيارين: إما الصداقة مع الأتراك، وإما تركهم للنظام الجديد في روسيا الشيوعية، وكان الخيار الثاني كارثياً بالنسبة لبريطانيا، ولهذا رأت أن تعطي الأسبقية لمصالحها الاستراتيجية في المنطقة.

وأخيراً حددت بريطانيا سياستها تجاه الكورد، فتخلت نهائياً عن أي مشروع يهدف إلى إقامة دولة كوردية مستقلة في المنطقة، بل تمسكت بالجزء الجنوبي من كوردستان (ولاية الموصل) ذي الأغلبية الكوردية وألحقته بالعراق العربي الجديد، وتركت القسم الشمالي (كوردستان الشمالية في تركيا الحديثة) ليكون للأتراك.

وبعد تعقّد الأوضاع في المنطقة، وما حققه الأتراك من انتصارات مهمة بمساعدة الصفوة من الشعب الكوردي، وصولاً إلى مودانيا، وعدم إيجاد حل جذري لمشكلة المضائق البحرية، وأسباب أخرى، اندفعت دول الحلفاء إلى عقد مؤتمر جديد لبناء جبهة موحدة جديدة وفعالة إزاء متطلبات المرحلة، فاتفقوا على عقد ذلك المؤتمر في مدينة لوزان السويسرية. وكانت بريطانيا من أكثر الدول توقاً إلى عقد مؤتمر لوزان بأسرع وقت ممكن، بسبب تكبّدها خسائر فادحة في سياستها تجاه الأتراك من خلال بنود معاهدة سيفر 1920.

وبسبب تعقد الأوضاع في المنطقة وكثرة المسائل العالقة، عُقد مؤتمر لوزان على مرحلتين: المرحلة الأولى بدأت في 20/11/1922، والمرحلة الثانية في 23 نيسان 1923. وفي كلتا المرحلتين لم تحتل القضية الكوردية (دولة كوردستان) موقعاً بوصفها قضية مستقلة محددة في جدول أعمال المؤتمر، إذ إن الحلفاء، منذ عام 1921، تركوا الشعب الكوردي ليلاقي مصيره وحده، وتخلوا نهائياً عن المطالبة بتقرير مصيره وحقوقه القومية المشروعة.

فقد تخلت بريطانيا عن طرحها السابق بإقامة دولة كوردية مستقلة في المناطق التي تسكنها الغالبية الكوردية (كوردستان)، بل أصبحت تعدّ العدة لإلحاق كل تلك المناطق الكوردية بالدول التي تكوّنت حديثاً على أنقاض الإمبراطورية العثمانية الخاسرة في الحرب، كالمملكة العراقية الجديدة وسوريا وتركيا، وإيران، مراعاةً لمصالحها التي اقتضت التخلي عن إقامة دولة كوردية مستقلة في المنطقة إلى جانب الدول الأخرى المشكَّلة مثل الدولة العراقية. بل أصبح الكورد وقضيتهم في الوقت ذاته وسيلة رابحة في يد كل من يحسن استخدامها ويجيده.

وعلى هذا الأساس أسدلت معاهدة لوزان عام 1923 الستار على قضية الكورد، دون أن يرد فيها أي ذكر واضح لهم ولقضيتهم، ولا يوجد بين طياتها أي تطرق إلى كيفية تقديم الضمانات للشعب الكوردي لحقوقه السياسية والقانونية والثقافية وغيرها. بل لم يرد في بنودها أي ذكر لحماية الأقليات، أو لحق تقرير المصير للشعوب المضطهدة، أو لإقامة دولة للشعب الكوردي الأكثر عدداً من غيره، ولا في أية وثيقة رسمية أخرى بين صفحات تلك المعاهدة، التي طالما تسببت في معاناة الشعب الكوردي فيما بعد طيلة عقود من السنين، دون أن تُقال كلمة واحدة حول مصيره.

المصادر

جريدة الاتحاد، جورين نقيب.