الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

موقف الأكراد في ولاية الموصل (كوردستان الجنوبية - العراق)

من محاضرات «الكورد في ولاية الموصل» – 2014

كان موقف الأكراد مثل موقف العرب؛ فقد أنكروا مطالبة تركيا بولاية الموصل (كوردستان العراق)، وأكدوا الحفاظ عليها، وعبّروا عن آرائهم بالمذكرات والبرقيات التي قدموها إلى لجنة التحقيق الأممية وعصبة الأمم.

ففي الأول من تشرين الأول 1924 أرسلت الجمعية الكوردية في السليمانية إلى عصبة الأمم مذكرة تعارض فيها المطالبة التركية بولاية الموصل (كوردستان الجنوبية - العراق) ذات الأغلبية الكوردية، وأنكرت وجود أية علاقة بين الأكراد والأتراك سوى الدين الإسلامي، فلما أصبحت تركيا لا دينية (علمانية) لم تبقَ أية رابطة على الإطلاق بين الكورد والترك. وشكت الجمعية من تتريك أكراد كوردستان تركيا ومن معاملتهم الجائرة. ووصفت المذكرة إعطاء ولاية الموصل (كوردستان الجنوبية - العراق) ذات الأغلبية الكوردية إلى تركيا الحديثة بأنه جريمة ضد الحقوق الإنسانية عامة وضد حقوق الأكراد خاصة، وختمت بالتماس من مجلس عصبة الأمم أن يساعد على تحسين حالة الشعب الكوردي في كوردستان المنسية المهجورة، ليخدم السلم والرقي في الشرق الأدنى بالتفاهم مع مجاوريه من الأرمن والكلدان والعناصر الأخرى (1).

كما أرسلت الجمعية الكوردية في السليمانية مذكرة ثانية إلى مجلس عصبة الأمم جاء فيها: ترى الجمعية الكوردية من واجبها أن توصل إليكم صوت الأكراد في تلك البلاد النائية، وإن كان هذا الصوت ضعيفاً لا يُسمع في العالم المتمدن. لكن جمعيتنا قامت بالمقاومة في وجه الأتراك، وإن بلاد الكورد (كوردستان) تحررت أخيراً من مظالمهم العثمانية التركية، وما زالت قائمة في وجههم. ولكون الجمعية الكوردية في السليمانية تأسست للدفاع عن منافع القوم والشعب الكوردي، فإنها تعارض بشدة مطالب الحكومة التركية في أنقرة بامتلاك ولاية الموصل (كوردستان العراق)، لأن أكثرية سكان هذه الولاية من الأكراد (2).

وأُرسلت برقية أخرى من كويسنجق إلى لجنة التحقيق عند زيارتها لأربيل، جاء فيها: «إن حياتنا الاقتصادية والتجارية، بل الطبيعية، مرتبطة بالعراق العربي الحالي، وإننا جزء من العراق ومع العراق وفي العراق، ولا نريد إلا المشاركة بعدالة مع حكومة العراق وملّته؛ حياتنا حياتهم، وحماتنا حماتهم، وبقاؤنا بقاؤهم. امتزجنا مع إخواننا العراقيين امتزاج الروح بالجسد، لا نتجزأ ولا ننفصل ولا ننقسم، وبالله وبعون الله وبعصبة الأمم نعتصم». ووقّعها عدد من العلماء، منهم محمد توفيق ومحمد صالح، ومن الأشراف جميل وأحمد، ومن التجار أمين وتوفيق ومحمود وعلي، ومن العشائر بسيران سوار رئيس عشيرة بشتكالي، ورشيد رئيس عشيرة آكومامند (3).

كما قامت مظاهرات كوردية وطنية في كركوك الكوردية عند زيارة لجنة التحقيق التابعة لعصبة الأمم للمدينة، وأظهر المتظاهرون تمسكهم بالوحدة العراقية التي لا يرضون عنها بديلاً (4).

وأرسلت مدينة راوندوز برقية إلى لجنة التحقيق الأممية لعصبة الأمم جاء فيها:

«لقد بايعنا الأمير فيصل الأول، الذي هو من نسل نبينا محمد (ص)، وربطنا مقدراتنا وحقوقنا القومية الكوردية بالعراق العربي الجديد كل الارتباط، بصورة لا تردها أية قوة قاهرة كانت. وإذا أراد الأتراك الاستيلاء على قضاء راوندوز فنحن مستعدون للدفاع عنه إلى آخر درجة، وعند الاضطرار نحن متهيئون للهجرة إلى أبعد نقطة في العراق الجديد». ووقّعها أحمد خورشيد من آل آغا، ورئيس البلدية محمد علي، ومحمد سعيد ومحمد خورشيد من العلماء، وشوكت رئيس دولي هروين موير من الأشراف (5).

وألقى مفتي عقرة عبد الله أفندي كلمة عند مقابلته رئيس لجنة التحقيق الأممية لعصبة الأمم بحضور الخبير التركي، جاء فيها:

«إننا أكراد عراقيون نطلب الاستظلال بعرش الملك فيصل الأول والعيش تحت لوائه، ولا نرضى بسلطة أي أحد ونفوذه، لأننا معاشر الأكراد العراقيين مرتبطون منذ قرون عديدة بولاية الموصل (كوردستان الجنوبية - العراق) ذات الأغلبية الكوردية، فلا نعيش منفكين عن ولاية الموصل (كوردستان العراق) والعراق الجديد. فنرجو إثبات مطالبنا هذه، وهي الوحدة العراقية والاستقلال التام العاري من كل نفوذ وسلطة، ولعلكم تحققون أملنا هذا بكل عدل وإنصاف» (6).

وألقى رئيس العلماء كلمة ذكر فيها: «إن الأكراد والعرب مشتركون في كل مقصد، وإنهم متحدون تحت ظل العلم العراقي الجديد وحول عرش الملك فيصل الأول». ثم قال: «نحن واثقون بأن زملاءكم في مجلس العصبة الأممي محافظون على حقوقنا القومية، وأن بلادنا (كوردستان العراق) مرتبطة بالجنوب (العراق) ارتباطاً وثيقاً، ونحن ننشد الاستقلال التام لبلادنا العراقية، ونرفض كل طلب ينافي ذلك» (7).

وأُرسلت برقية ثانية من راوندوز إلى لجنة التحقيق الأممية أكد مرسلوها فيها أن ولاية الموصل (كوردستان العراق) جزء لا يتجزأ من العراق، وأنه يستحيل على العراق العربي الجديد أن يعيش بدونها (8).

ونشرت جريدة «المفيد» مقالات بعنوان «الغاية الفاسدة» نقلاً عن جريدة «زيانه وه» (الحياة) التي تصدر في السليمانية، جاء فيها:

«ربما يقول الأتراك: إننا نريد حماية هذه الأمة الكوردية في كوردستان ونظامها وترتيبها، ولكننا نقول لهم: اذهبوا وفتشوا عن مربٍّ يتعهد تربيتكم وحامٍ يحمي بلادكم، فأنتم أحق بالحماية من أية أمة أخرى، فما كان التركي في مدرسة العالم الكبرى إلا تلميذاً بسيطاً لا يزال في آخر صف بين أبناء الشعوب المتمدنة» (9).

أما مفتي السليمانية (مفتي كوردستان) عبد العزيز أمين المفتي، فقد طلب منه الإنكليز إصدار فتوى بعدم مقاتلة المحتل الإنكليزي في كوردستان، فكان موقفه الرفض التام، وأفتى بأنه لا يجوز التعاون مع الإنكليز وتجب مقاومتهم، مما أدى إلى قصف مدينة السليمانية وقصف داره ومكتبته العامرة في 19 أيار/مايو 1922، ثم في 4 آذار/مارس 1923 أيضاً.

تقرير لجنة التحقيق الدولية لعصبة الأمم (لجنة تقصي الحقائق الأممية)

على إثر تقديم تقرير لجنة التحقيق الدولية إلى عصبة الأمم ونشره، استقبلته الصحافة العراقية ببعض الانتقادات.

فقد حاولت جريدة «العراق» أن ترد رأي اللجنة بأن تركيا أكثر استقراراً من العراق العربي الجديد، فقالت إن تاريخ الإمبراطورية العثمانية يُظهر أنه كانت فيه ثورات كوردية دائمة وانقلابات كثيرة، واستشهدت بالثورة الكوردية سنة 1925 لتثبت أن تركيا الحديثة لا تختلف عن الإمبراطورية العثمانية السابقة في قمع القوميات (10).

وقالت جريدة «العراق» في مقال آخر إن العراقيين كانوا قبل مجيء لجنة التحقيق الدولية يتوسمون في رجالها الخير والإنصاف وسعة الاطلاع، ولكن سرعان ما انقلبت هذه الثقة إلى ريبة شديدة. ثم هاجمت التقرير، فقالت إن فيه سخائف الآراء وفواسد النظريات ومعوجّات النتائج، مما يأسف له كل من كان يتوقع من مندوبي عصبة الأمم أن يمثلوا صفوة العقول المتمدنة، فيحق، والحالة هذه، أن يُنعت التقرير بالأخرق. وذكرت الجريدة أن لجنة التحقيق الدولية افترت على النصارى واليهود بقولها إنهم يفضلون الحكم التركي على الحكم العراقي الجديد من دون الانتداب، وأكدت أن نصارى العراق كلهم بقلب واحد يفضلون البقاء مع إخوانهم المسلمين العرب مهما كان مصيرهم، ويفضلون أن يموتوا بين إخوانهم المسلمين العراقيين ومع العرب على أن يعودوا إلى براثن النمر التركي الضاري الذي لا يروي جشعَه دمُ القوميات الأخرى (11).

ووصفت جريدة «العالم العربي» التقرير بأنه مليء بالغوامض والمتناقضات والمغالطات، وعزتها إلى الكونت بول تيلكي، ليساعد أصدقاءه الأتراك (12).

ونشرت جريدة «المفيد» مقالات قالت فيها إن لجنة التحقيق الدولية لو شاءت اختصار تحقيقها وترجيح الحق الطبيعي للعراق الجديد على كل اعتبار آخر، لما وصل تضارب الآراء إلى هذا الحد (13). وقالت جريدة «العراق» إن التقرير، على الرغم من احتوائه على التناقضات والأغراض والسياسات المتعارضة، أوصى بإبقاء الأراضي المتنازع عليها جزءاً متمماً للعراق، بسبب الحجج القوية المؤيدة للعراق الجديد، ولا سيما رغبات سكان ولاية الموصل من الكورد (14). وذكرت جريدة «المفيد» أنه من غير المحتمل أن تُعطى ولاية الموصل (كوردستان العراق) إلى تركيا الحديثة، لأن بريطانيا ستحافظ على العهود التي قطعتها للعرب والأكراد والآثوريين في ولاية الموصل ذات الأغلبية الكوردية (15).

وعقد مجلسا النواب والأعيان العراقيان جلسة مشتركة سرية في 31 آب 1925 قررا فيها اتباع نصيحة بريطانيا، فعبّرا بالإجماع عن تصميمهما على الدفاع عن ولاية الموصل ضد الأتراك ولو أدى ذلك إلى الحرب (16). وأرسل المجلسان برقية شكر إلى إيمري، وزير المستعمرات البريطاني ومندوب بريطانيا في مجلس عصبة الأمم، لدفاعه عن حقوق العراق الجديد.

ودُهش حزب الاستقلال العراقي ورُوِّع عندما وجد أن بعض الصحف البريطانية تعارض تحديد التحالف بين بريطانيا والعراق الجديد، وقد فسّر بعضهم موقف تلك الصحف بأنها تتسلم مخصصات من الحكومة التركية الحديثة (17).

وأرسل رؤساء المسيحيين في ولاية الموصل الكوردية برقيات إلى الملك فيصل الأول وإلى المندوب السامي البريطاني في العراق وإلى رئيس الوزارة العراقية وإلى عصبة الأمم، يكررون فيها الاعتراف بعروبتهم وكورديتهم، ويحتجون على ما نُشر عنهم في تقرير لجنة تقصي الحقائق من رغبتهم في الرجوع إلى تركيا الحديثة وينكرونه، ويصرّحون بأنهم عرب وأكراد يريدون أن يعيشوا تحت العلم العراقي مع إخوانهم المسلمين، ولهذا يرجون من عصبة الأمم أن تعلم أن هذه هي رغباتهم الوطنية الحقيقية ومصلحتهم الوطنية. ووقّع هذه البرقيات مطران السريان الكاثوليك، ومطران السريان اليعاقبة، ومطران الكلدان، ونائب البطريرك، وقس الأرمن، وحاخام اليهود، وغيرهم من الأطباء والمحامين والقسس من المسيحيين واليهود (18).

التعليق على قرار مجلس عصبة الأمم

استقبل الشعب العراقي قرار مجلس عصبة الأمم المؤرخ في 16 كانون الأول 1925، الذي أعطى ولاية الموصل (كوردستان العراق) إلى العراق الجديد، بسرور وابتهاج عظيمين، فأقام الولائم والأفراح وعطّل الأشغال العامة. ولكن بعض العراقيين استنكروا التدابير الموصى باتخاذها في بقية فقرات القرار، ولا سيما الفقرة الثانية التي أوصت بتحديد أجل الانتداب على العراق بخمس وعشرين سنة (19).

فقد أرسل الملك فيصل الأول برقية إلى جورج الخامس ملك بريطانيا معرباً عن شكره وامتنانه لجهود بريطانيا في إنهاء قضية الحدود العراقية التركية (ولاية الموصل - كوردستان العراق). وأبرق عبد المحسن السعدون، رئيس الوزراء، إلى كل من المستر بولدوين رئيس الوزراء البريطاني، والسكرتير العام لمجلس عصبة الأمم، والمستر إيمري وزير المستعمرات البريطاني، يشكرهم على الجهود التي بذلها كل منهم في إنهاء قضية الحدود العراقية التركية (ولاية الموصل - كوردستان العراق) حسب رغبات الشعب العراقي (20).

وأبرق حزب الاستقلال وجمعية الدفاع الوطني إلى الملك فيصل الأول وإلى رئيس الوزارة العراقية عبد المحسن السعدون وإلى عصبة الأمم، يشكرونهم على مساعيهم المجيدة التي بذلوها في سبيل قضية ولاية الموصل (كوردستان العراق) وجعلها ضمن حدود العراق العربي الجديد (21).

وأرسل رئيس بلدية الموصل ورئيس بلدية أربيل وبطريرك بابل ومطران اليعاقبة وحاخام اليهود برقيات شكر إلى المستر إيمري وزير المستعمرات البريطاني (22).

وفي اجتماع مجلس الأعيان في 20 كانون الأول 1925 قرأ رئيس وزراء العراق عبد المحسن السعدون قرار مجلس العصبة، ووعد بأن تدافع حكومته عن حقوق العراق في المعاهدة المقبلة مع بريطانيا سنة 1926م (23).

وقابلت الصحف الوطنية العراقية قرار عصبة الأمم بشيء من التحفظ، ولا سيما الشروط المرفقة به؛ فقد كتبت جريدتا «المفيد» و«العالم العربي» مقالات كثيرة انتقدتا فيها الفقرة الثانية من القرار، وعند نشر قرار العصبة أهملتا من النص جملة تحديد أجل الانتداب على العراق بخمس وعشرين سنة (24).

القضية الكوردية ونظرة تاريخية عن الأكراد

الأكراد شعب أصيل يعيش على أرضه في المنطقة الكوردية التي عُرفت باسم كوردستان منذ آلاف السنين. وكما هو الحال مع أجزاء المنطقة الأخرى، قُسمت كوردستان وأعيد تقسيمها عدة مرات ضد رغبة أبنائها الأكراد، وأُخضعت للحكومات والدول التي حكمت المنطقة. وكان آخر تقسيم ذلك الذي جاء نتيجة لمعاهدة لوزان في 24 تموز 1923م، والتي قسمت كوردستان على الشكل الذي نعيشه الآن، وأصبحت دولة العراق الحديث، التي وُضعت تحت الانتداب البريطاني، تتكون من ثلاث ولايات عثمانية هي: ولاية الموصل (كوردستان الجنوبية) ذات الأغلبية الكوردية، وولاية بغداد، وولاية البصرة. وكانت ولاية الموصل ذات الأغلبية الكوردية (كوردستان الجنوبية) قد قُسمت بعد احتلال الإنكليز للعراق إلى أربع محافظات (ألوية) هي: الموصل، ومدينة الموصل ذات أغلبية عربية عدا دهوك الكوردية التي أصبحت محافظة لاحقاً، وأربيل والسليمانية وكركوك ذات الأغلبية الكوردية الكبيرة، إضافة إلى أجزاء من محافظة ديالى فيها نسبة كوردية أيضاً (25).

منذ بداية الاحتلال البريطاني أظهر أكراد السليمانية وأربيل رفضاً واضحاً له لأسباب مختلفة. وكان السبب في البداية دينياً، إذ إن غالبية القيادات الكوردية العشائرية والقبلية، بل الشعب الكوردي بصورة عامة، متمسكون بالدين الإسلامي الحنيف، ولذلك وجدت الدعوة إلى الجهاد الإسلامي إلى جانب الدولة العثمانية المسلمة وضد المحتل الغربي استجابة كبيرة. ولما وجدت القيادات العشائرية الكوردية أن القوات العثمانية قد هُزمت، وأن النية متجهة إلى تأسيس دولة عراقية جديدة وتقسيم المنطقة إلى دول، انتفض الأكراد مطالبين بدولتهم الكوردية المستقلة في كوردستان أسوة بالدول والشعوب الأخرى. ثم كانت هناك المحاولات الرافضة لتنامي قوة السلطة المركزية للدولة العراقية العربية الجديدة، والمحاولات التي مثّلت الاحتجاج الكوردي على عدم منح الأكراد حقوقهم السياسية والثقافية، واللغوية منها خاصة. والأمر اللافت للنظر في تلك الفترة أنه في الوقت الذي حرصت فيه القيادات العراقية على التفاهم والتقارب مع الشعب الكوردي، باعتباره جزءاً لا يتجزأ من الشعب العراقي مع احتفاظه بخصوصيته الكوردية، كانت الإدارة البريطانية تستخدم الورقة الكوردية أداةً للتأثير والضغط على الحكومات العراقية المتعاقبة، وإجبارها على توقيع المعاهدات والاتفاقات الطويلة الأمد مع بريطانيا التي تصب في مصلحتها. وبعبارة أخرى، كانت الإدارة البريطانية تحرّض الأكراد من جهة، وعندما تحصل على ما تريد كانت ترسل القوات المسلحة والقوة الجوية الملكية البريطانية لقصف المناطق الكوردية ونفي القيادات الكوردية إلى خارج كوردستان العراق أو إلى خارج العراق. وفي الحقيقة فإن الدور الأجنبي السيئ ظل يؤثر في الحركة القومية الكوردية بالأسلوب نفسه، ولو بطرق مختلفة، على طول مسيرتها.

وعند بداية الحكم الوطني في العراق (في 23 آب 1921) أصرت الإدارة البريطانية على إبقاء مسألتين معلقتين: الأولى مصير ولاية الموصل ذات الأغلبية الكوردية والمطالبة التركية بها، والثانية انضمام المحافظات (الألوية) الكوردية إلى الدولة العراقية الجديدة بشكل كامل وتحت إدارة ملك عربي هو الملك فيصل الأول. وظلت الإدارة البريطانية آنذاك تروّج أن النفوذ التركي كبير في كوردستان العراق، وأن رغبة الغالبية الكوردية هي الانضمام إلى الدولة التركية الحديثة، وبقي السبب الحقيقي غير المعلن رفض القيادات الوطنية العراقية الفتية توقيع معاهدة طويلة الأمد مع بريطانيا، مثل معاهدتي 1922م و1926م. وحاول الملك فيصل أن يتحقق من هذا الأمر، فأرسل وزير الداخلية آنذاك (رئيس الوزراء فيما بعد) عبد المحسن السعدون إلى السليمانية، فكتب إليه قائلاً: في اليوم الأول لزيارتي التقيت وجوه السليمانية وتجارها، فأخبروني بأنهم «مستعدون لحلف يمين الولاء لجلالتكم والانضمام إلى الدولة العراقية الفتية، وإنهم مستعدون لإرسال المضبطات التي تؤيد ذلك (أي تأييد الملك فيصل الأول وولايته على العراق العربي الجديد والمناطق الكوردية) إلى بغداد، أسوة بالأجزاء الأخرى من العراق الجديد، مع مراعاة حقوقنا القومية الكوردية. واتفقنا على فعل ذلك في اليوم التالي». كما أكد للملك فيصل «أن الخطر التركي غير موجود في السليمانية»، وأن الغالبية العظمى ممن التقاهم ترفض أن تكون كوردستان جزءاً من الدولة التركية الحديثة التي عانوا منها الكثير سابقاً. ثم يقول له: «ولما اجتمعنا في اليوم التالي رفض الجميع التوقيع على المضبطات، وقالوا بالحرف الواحد: بما أننا ما زلنا لا نعرف كيف نميز بين الخير والشر وحقوقنا القومية المشروعة كأكراد ضمن العراق، فإننا نوكل أمورنا إلى المندوب السامي البريطاني في العراق لكي يقرر لنا ما هو مفيد وصالح لشعبنا الكوردي وحقوقه القومية الكوردية».

والمهم أنه بعد أن وافق مجلس النواب على المعاهدة العراقية - البريطانية بغالبية (37) عضواً، ورفض (24)، وامتناع (8)، وتغيّب الباقين، انضمت محافظة السليمانية إلى الدولة العراقية. وصدر قرار مجلس عصبة الأمم في 16 كانون الأول 1925 بحل مشكلة ولاية الموصل المتنازع عليها مع تركيا بضمها إلى العراق الجديد، علماً بأن غالبية سكان ولاية الموصل العثمانية، وهم من الأكراد، كانت قد صوتت إلى جانب البقاء ضمن الدولة العراقية الجديدة في الاستفتاء الذي أجرته لجنة تقصي الحقائق الأممية التابعة لعصبة الأمم، والتي نظرت في النزاع بين العراق الجديد وتركيا الحديثة حول هذه الولاية، على أن يحصل الأكراد على حقوقهم القومية (حق تقرير المصير) ضمن العراق الجديد دستورياً. وسُوّيت المشاكل الحدودية بين العراق الجديد وتركيا الحديثة بصورة نهائية في عام 1925 (خط بروكسل). وكان قد صدر قبل ذلك بيان عراقي - بريطاني مشترك يعطي الأكراد الحق في تشكيل حكومة كوردية لهم في كوردستان العراق، وأن يرسلوا من يمثلهم إلى بغداد، إلا أن هذا الاتفاق لم يُطبق، لتعارضه مع المصالح البريطانية في المنطقة الكوردية في ذلك الوقت.

وبحلول عام 1930 طُرحت مسألة انضمام العراق العربي إلى عصبة الأمم دولةً مستقلة، واستوجب الأمر توقيع معاهدة جديدة بين العراق وبريطانيا (معاهدة 1930م) واجهت المعارضة بعض بنودها، وفي الوقت نفسه أثيرت اعتراضات كوردية كثيرة حول الحقوق الثقافية الكوردية في العراق الجديد. وتصاعد الأمر حتى بلغ حد الانتفاضة الطلابية في السليمانية، وعاد الشيخ محمود الحفيد إلى الساحة ليعلن ثورة كوردية أخرى ضد ما وُصف بالإهمال الواضح للحقوق القومية والثقافية الكوردية، وعدم إدراج هذه الحقوق أو الضمانات الكوردية المطلوبة في طلب العراق الانضمام إلى عصبة الأمم. وبعد أن وُقّعت المعاهدة الجديدة بين بريطانيا والحكومة العراقية عام 1930، وانضم العراق إلى عصبة الأمم عام 1932، انطلقت طائرات القوة الجوية الملكية البريطانية لتفتك بمدينة السليمانية وبالمناطق الكوردية الأخرى، وتخمد ما أطلقت عليه «تمرداً كوردياً آخر» (الثورة الكوردية).

إن ما قيل أعلاه عن التمرد أو الثورات الكوردية، والذي تكرر مرات ومرات في حقبة الحكم الملكي، وبخاصة في الفترة ما بين 1939 و1946، حين وقفت القيادات العسكرية والمدنية الوطنية العراقية ضد الدخول في الحرب العالمية الثانية إلى جانب بريطانيا، بل وصل الأمر إلى التمرد على القيادة والوجود البريطاني، وإلى الحرب الدامية التي جرت بين الجيش العراقي الفتي والقوات البريطانية عام 1941 (حركة رشيد عالي الكيلاني) والتي انتهت باحتلال العراق مرة ثانية - كل ذلك يجب ألا يُفهم منه أن الحركة الوطنية القومية الكوردية كانت تأتمر بالأوامر البريطانية، وأنها كانت تظهر فقط عندما تطلب منها بريطانيا ذلك، كما يحلو للبعض القول.

لقد كان الشعور الوطني الكوردي في العراق، شأنه شأن الشعور الوطني العربي، رافضاً للسياسة البريطانية، ورافضاً لتهميش دور الأحزاب الوطنية في العراق، ورافضاً لعدم فسح المجال أمام الأحزاب المعارضة للمشاركة السياسية في حكم العراق. وإن تخفيف الضغط عن هذه الحركات في بعض الأحيان، أو زيادته في أحيان أخرى إلى حدود لا تطاق، كان يؤدي إلى إشعال فتيل ثورات شعبية ومسلحة لا يمكن الاستهانة بدوافعها الوطنية والقومية الصادقة. وإن القسوة التي مارستها فيما بعد القوات البريطانية والحكومات العراقية المتعاقبة لدليل على التعارض الكبير بين قوة الاحتلال والحكومات التابعة لها من جهة وهذه الحركات من جهة أخرى. علماً بأن الحركة الوطنية العراقية آنذاك، والتي كان يمثلها الحزب الشيوعي العراقي والحزب الوطني الديمقراطي وحركة الضباط الأحرار، كانت كلها حركات عمل فيها العرب والأكراد معاً من دون تمييز أو تفريق.

المصادر

  1. العالم العربي، 4 آذار 1925.

  2. الاستقلال، 8 شباط 1925.

  3. الاستقلال، 16 شباط 1925.

  4. المصدر نفسه، 17 شباط 1925.

  5. المصدر نفسه، 27 شباط 1925.

  6. الاستقلال، 3 آذار 1925.

  7. المصدر نفسه، 3 شباط 1925.

  8. المصدر نفسه، 9 شباط 1925.

  9. المفيد، 27 شباط 1925.

  10. العراق، 11 آب 1925.

  11. العراق، 13 آب 1925.

  12. العالم العربي، 15 آب 1925.

  13. المفيد، 16 آب 1925.

  14. العراق، 19 آب 1925.

  15. المفيد، 16 أيلول 1925.

  16. فاضل حسين، مشكلة ولاية الموصل، ص234.

  17. Report on the Administration of Iraq 1925, p. 15.

  18. العالم العربي، 4 أيلول 1925.

  19. العراق، 18 و19 كانون الأول 1925؛ فاضل حسين، مشكلة ولاية الموصل، ص237.

  20. هنري دوبس، مذكرة تكوين العراق الحديث، ص96.

  21. العالم العربي، 25 كانون الأول 1925.

  22. العراق، 18 كانون الأول 1925.

  23. الوقائع العراقية، 29 كانون الأول 1925.

  24. انظر: المفيد، والعالم العربي، 19 كانون الأول 1925.

  25. أعدّ الورقة الأولية الدكتور سعد ناجي جواد، وناقشتها لجنة مؤلفة من الإخوة (حسب التسلسل الأبجدي): د. خليل الحديثي، د. خير الدين حسيب، د. سعد ناجي جواد، د. عبد الحسين شعبان، د. وميض نظمي، وأدخلت تعديلات عليها، فأصبحت بهذا الشكل النهائي بموافقة إجماعية. كما نوقشت في الندوة موضوع الكتاب، وقد تُرجم كثير من الأفكار الواردة في هذه الدراسة إلى نصوص قانونية في مشروع الدستور البديل المنشور في كتاب برنامج لمستقبل العراق بعد إنهاء الاحتلال، ص259-277.