الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي
نظرية التقسيم الناعم للعراق (كوردستان، شيعستان، سنستان)
طرحت مجموعة من الأسباب لتبرير فكرة التقسيم الناعم للعراق
أ- نظرية التقسيم الناعم للعراق (كوردستان، شيعستان، سنستان)
كتب جوزيف بايدن عضو بمجلس الشيوخ الأميركي؛ ونائب رئيس لجنة العلاقات الخارجية مقالاً قال فيه: قبل أربعة أشهر عرضت في مقال لي مشاركة مع الرئيس المتقاعد لمجلس العلاقات الخارجية خطة مفصلة للمحافظة على وحدة الصف العراقي، وحماية المصالح الأمريكي، واعادة الجنود الأميركيين إلى وطنهم، وقد تبنى عدد كبير من الخبراء الأفكار التي طرحناها. ومنذ ذلك الوقت جعلت الأحداث المتلاحقة التي تشهدها الساحة العراقية تلك الخطة أكثر إلحاحاً ومناسبة للتطبيق عن الوقت السابق الذي عرضت فيه. فالحقيقة الجديدة الجوهرية في المشهد العراقي هي تزايد العنف بين الشيعة والسنة وتجاوز خطره ما عداه من الهجمات التي ينفذها المسلحون حيث بات هو التهديد الأساسي الذي يواجه العراق. ويبقى الطريق الوحيد للحفاظ على العراق وتوفير الظروف الملائمة لسحب قواتنا (الامريكية) من العراق متمثلاً في تقديم حوافز ومبادرات للشيعة والسنة والأكراد تلبي مصالحهم في إطار سلمي وتدفع باتجاه إرساء قواعد وضع سياسي مستقر والخطة التي طرحناها تتألف من خمس نقاط تعرض/تعد خياراً أفضل.
أولاً: تدعو الخطة للمحافظة على العراق موحداً بتطبيق اللامركزية ومنح الأكراد والشيعة والسنة أقاليمهم على أن تترك المصالح المشتركة مثل أمن الحدود وتوزيع عوائد النفط للحكومة العراقية المركزية.
ثانياً: يلتزم السنة بالاتفاق على أساس ضمان حصتهم في عوائد النفط وتمنح كل مجموعة حوافز خاصة لرفع إنتاج النفط الأمر الذي يجعل من النفط رابطاً يجمع أقاليم العراق معاً.
ثالثاً: تضع الخطة برنامجاً ضخماً لتوفير وظائف في الوقت الذي تزيد فيه من مساعدات إعادة الأعمار خاصة من دول الخليج على أن تربط ذلك بحماية مصالح الأقلية.
رابعاً: توجه دعوة لعقد مؤتمر دولي لتوقيع معاهدة إقليمية لعدم وقوع اعتداءات وتشكيل مجموعة اتصال لفرض الالتزامات الإقليمية.
خامساً: تبدأ عمليات ممرحلة لإعادة انتشار القوات الأمريكية خلال العام 2006 على أن يتم انسحاب معظم هذه القوات الامريكية بنهاية 2007 بينما تظل قوة محدودة لمتابعة التزام الجيران وللتصدي لأي تجمعات إرهابية... وعلى هؤلاء الذين يرفضون هذه الخطة أن يجيبوا على سؤال واحد بسيط: ما هو البديل؟
ب- طرحت مجموعة من الأسباب لتبرير فكرة التقسيم الناعم للعراق من بين هذه الأسباب هي:
1. اليوم يرتفع العلم الكردستاني فى سماء كوردستان، بجانب العلم العراقي، بينما يتحدث الأطفال لغتهم الكردية الأصلية في نظامهم التعليمي، ويتعلمون الإنجليزية والعربية كلغة ثانية. إلى ذلك يجني الإقليم فوائد مالية كبيرة من الاستثمارات التركية المتدفقة عليه، فضلاً عما يجنيه من موارد هائلة تضخها عليه السياحة.
2. أما المنطقة الجنوبية من العراق، لاسيما مدينة البصرة والأجزاء المتاخمة لها، فقد تحول افتراضاً إلى ما يشبه الدولة الشيعية خلال العامين الماضيين. وعلى الرغم من أنها ليست بالعنف الذي تتسم به بغداد. فإن البصرة تخضع عملياً لحكم مجموعة من الميليشيات الشيعية التي تخوض حرباً شرسة ودامية فيما بينها لفرض هيمنتها على الموارد النفطية الهائلة المتوفرة في الجنوب العراقي وخاصة البصرة. وفقاً لدراسة أعدتها "مجموعة الأزمات الدولية" مؤخراً، فإن مدينة البصرة، تعد حالة نموذجية لدراسة تعدد وتنامي أشكال العنف المنتشرة في العراق اليوم. والمؤسف أنه لا علاقة تذكر لنشاط وأهداف هذه الميليشيات، بالعنف الطائفى من حيث هو، أو بالمقاومة الوطنية للاحتلال الأجنبى، وجاء في الدراسة المشار إليها "أن فترات الاستقرار النسبي، لا تعكس وجوداً كبيراً للسلطة الحاكمة بقدر ما تعكس حالة التوازن الهش والنسبي البادي الآن، بين المصالح المتضاربة المتنافسة فيما بينها، وكذلك حالة الإرهاب الجاري بين الميليشيات المتناحرة".
3. آليات التنفيذ: وكتب جوزيف بايدن وغيلب في مقالة الرأي التي نشرت في 1 مايو 2006 إن هذا التقسيم يمكن تطبيقه مع محليات غير قابلة للمقاومة من قبل السنة فهي خطة تستدعي سحب الجيش الامريكي واعادة تموضع القوات الأميركية وتوقيع معاهدة عدم اعتداء إقليمية وتقر الخطة بما يقوله الخبراء في الشرق الأوسط أن الشيعة والسنة العراقيين لا يسيرون نحو التصالح وما زالوا غير قادرين على تمرير قانون النفط وعملية التطهير الطائفي جارية حيث يفر السنة من المناطق ذات الأغلبية الشيعية ويفر الشيعة من المناطق ذات الأغلبية السنية.
4. معوقات خطة التقسيم الناعم للعراق: بيد أنه يتعذر على إستراتيجية "الفصل الناعم" هذه أن تترجم إلى واقع فعلي ملموس في التربة العراقية، من دون الحصول على الموافقة الضمنية عليها من قبل الدول المجاورة للعراق، لاسيما تركيا وايران على أنها وفي كل الأحوال، تظل إستراتيجية محفوفة بالخطر والمغامرة إلى ذلك تظل الإستراتيجية مثيرة لخيبة الآمال، لكونها تعد انحرافاً عن الخطة الأصلية التى حركت دعاة الغزو في واشنطن عام 2003، إذ كان المبرر والأمل، هما بناء عراق موحد، علماني وديمقراطي مزدهر. فتلك هي الأهداف التي عكفت على صياغتها إدارة جورج بوش، قبيل خوضها لمغامرتها العسكرية في صيف عام 2003. فأنظر كيف ضمرت الآمال وتواضعت عملياً إلى حد القبول بعراق ممزق الأوصال، وأبعد ما يكون عن الوحدة والديمقراطية والعلمانية؟!. لكن ووفقاً لمبدأ الأخذ بأخف الضررين. فربما كان الفصل التقسيم الناعم للعراق، خياراً واقعياً مفضلاً على ترجيح استمرار دوامة العنف الدائرة فيه حالياً، وربما كان خياراً لدرء تدخل عسكري خارجي في شؤونه من قبل جيرانه المتربصين به من جميع الجهات.
1. لم يؤخذ بالخطة عندما طرحت قبل فترة معينة. وكان العنوان الرئيسي لعمود "جورج جشمه" لصحيفة غلف نيوز المتخصصة في شؤون الشرق الأوسط: "خطة التقسيم مرفوضة" وقال أن كلمة تقسيم في ذاتها لها وقع سيء على الآذان العربية وتعيد إلى الذاكرة خطة تقسيم فلسطين التي أدت إلى إيجاد دولة إسرائيل.
2. وأشار خبراء السياسة الخارجية أيضاً أن تقسيم العراق يمكن أن يسفر عن مذابح دموية في المناطق المدنية فرغم أن السنة يشكلون الغالبية الساحقة في الجزء الغربي من العراق والأكراد في كوردستان والشيعة في الجنوب, إلا أن المدن العراقية ليست متجانسة ديمغرافيا، فبغداد والموصل وكركوك ولا توجد خطوط جغرافية واضحة تفصل بين المكونات الرئيسية الثلاث. أو على الأقل لم تكن في السابق، ولكن حقيقة الأمر حالياً أنها أصبحت أكثر تجانساً لأن السكان المرعوبين فروا من المناطق التي لا تهيمن عليها طائفتهم. فالضواحي الواقعة على أطراف بغداد شهدت الكثير من التطهير الطائفي والعرقي.
3. رسمياً يقول المسؤولون في إدارة جورج بوش أنهم ملتزمون بموقف جورج بوش الذي يأمل أن تتمكن القوات الأميركية المعززة بأعداد إضافية من كبح العنف وخلق الظروف السياسية للشيعة والسنة والأكراد للتوصل إلى حل سياسي، ولكن الشهادات والمقابلات حول الظروف السائدة في العراق أشارت إلى أن الإدارة الأميركية شرعت فعلياً في اتخاذ خطوات فعلية نحو التقسيم. الخارجية الامريكية تحديداً شددت على اقتراح تشكيل فرق بناء مناطقية في المحافظات العراقية بهدف تقوية زعماء القبائل المحلية، وهذا في حد ذاته يؤشر نحو إلغاء مركزية سلطة الدولة في العراق.
4. من باب التحذير يقول خبراء أن التقسيم الناجز للعراق لن يكون أمراً هَيناً ويتطلب مشاورات حذرة مع جيران العراق ومن ضمنهم إيران والسعودية ناهيك عن تركيا التي لها حساسيات قومية حول المسألة الكردية. وكما يلي:
أ- للوهلة الأولى تبدو هذه الفكرة (التقسيم الناعم) معقولة كون العراق مقسماً فعلياً على الأرض من الناحية السياسية والديمغرافية والعرقية والطائفية فالتقسيم يعني جعل هذا الوضع رسمياً بما يسمح للأميركيين بإبعاد أنفسهم وترك العراقيين يقتلون بعضهم البعض. المسؤولون من السنة والشيعة يحتفظون بالمناصب الحكومية والأمنية العليا لأنفسهم تاركين ميليشياتهم تتصارع وتتصادم من أجل السيطرة على الأراضي ومن الناحية النظرية فإن التقسيم سيسمح لكل جماعة بإقامة حكومتها المصغرة الخاصة بها لإدارة شؤونها بنفسها والتخلص بالتالي من العوامل المسببة للعنف الطائفي.
والدستور العراقي نفسه يسمح بإقامة فيدرالية مستقلة ذاتيا وغالبية الأكراد ترحب بالوضع القائم حالياً ولا تخفي استعدادها للانفصال (كوردستان العراق) في المستقبل إذا سمحت الظروف بذلك، في المقابل نجد أن المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق هو حزب شيعي يدعو إلى إقليم فيدرالي جنوبي. وهناك الكثير من الأطراف الشيعية التي تفضل التقسيم وترى فيه فكرة جيدة التنفيذ على اعتبار أن السنة لن يكفوا عن محاولة السيطرة على الحكومة المركزية، ومن وجهة نظرهم فإن جعل السنة يخسرون هو وحده الكفيل بجعل السلام يستتب. كما أن بعض اللاجئين الشيعة الذين فروا من مناطق الغالبية السنية ويعيشون الآن في معسكرات في الجنوب أو خارج البلاد ويأملون في أن يسمح لهم التقسيم بالاستقرار بصورة دائمة في المنازل التي أخلاها السنة الفارون.
ب- التقسيم ليس بالفكرة المجنونة؛ فيمكن للبعض أن يقول إن بريطانيا أوجدت كيانا سياسياً موحداً أسمته العراق في العشرينيات من القرن الماضى لكن هذا الكيان محكوم عليه بالفشل منذ البداية (عند تشكيلها) والشيء الوحيد الذي استطاع الإبقاء على التمسك الظاهري لهذا الكيان (العراق) هو القبضة الحديدية لصدام حسين، وعليه وإذا كان البديل هو الاختيار ما بين ديكتاتورية أخرى أو حرب مدنية لا تنتهي فإن خيار التقسيم يعد جذاباً.
إذا لم تكن فكرة التقسيم فكرة مجنونة فإنها بالتأكيد فكرة سيئة؛ فالتقسيم لن يكون نظيفاً ولن يكون دون إراقة دماء، فالسنة والأكراد والشيعة موجودون ويتعايشون بصورة مختلفة في الكثير من المناطق بما فيها بغداد وما سبق للعالم أن عرفه من سوابق لا يشجع على ولوج هذا الطريق ومحاولة ففي فلسطين والهند ويوغسلافيا لم يؤد التقسيم فقط للحرب وإنما أدى أيضاً لعمليات هجرة واسعة النطاق وسلسلة لم تنته من الحروب وهناك أيضاً التعقيدات الناشئة عن وجود جيران متحفزين للتدخل فالاستقلال للأكراد في كوردستان يعد أمراً مرفوضاً من قبل إيران وتركيا. ووجود دولة شيعية أمر مخيف بالنسبة للسعودية بسبب وجود طائفة شيعية فيها ملاصقة للحدود مع العراق مع ما قد يحمل ذلك من تململ محتمل لهذه الطائفة وما الذي سيكسبه سنة العراق الموجودين فى الوسط إذا حدث التقسيم كونهم يقيمون في مناطق تخلو من ثروة نفطية؟ فهم يعيشون اليوم في خوف دائم. فهناك عمليات قتل يومية تجري على أساس المذهب وهم لن يهتموا أكثر بالديمقراطية مقابل استتباب الأمن والنظام وحكم القانون في بلادهم.
يدفع دعاة "التقسيم الناعم" للعراق بحجة أن الفيدرالية الواهنة. القائمة على هذا الأساس العرقى الديني. تعكس الواقع الفعلي للعراق، طالما أن الحقيقة هي أنه يستحيل الحفاظ على وحدته، بآلية الدولة المركزية الموحدة ويقيم هؤلاء حجتهم على العداءات والتحرشات الطائفية العرقية المستشرية بين شتى المجموعات؛ ومحاولة كل مجموعة لإبادة الأخرى وتطهيرها عرقياً ودينيا. ثم يضيف دعاة هذه الفكرة وأنصارها القول، إن هذا الحل ليس أميركياً يراد فرضه فرضاً على العراقيين، وانما هو فكرة عراقية نابعة من صلب نصوص الدستور الوطني الجديد غير أن الحقيقة الباقية، رغم كل هذه الحجج، هي أنه بمجرد التفكير في "التقسيم الناعم" للعراق، هناك قراءة خاطئة للواقع العيني المعاش.
اولا. فالشاهد أن العراقيين، وعلى رغم محاولات التطهير العرقي الإبادة الجماعية التي تستهدفهم: ظلوا خليطاً اجتماعياً، تثير الزيجات المختلفة بين فئاته وطوائفه، وظل العراقيون قادرين على تشكيل تلك الفسيفساء الاجتماعية، التي لا سبيل لتغييرها إلا بوسائل التخويف والعنف وحملات القتل الجماعي المستمرة.
ثانيا. وكما تشير سلسلة استطلاعات الرأي التي أجريت بينهم خلال السنوات الأربع الماضية، أكدت الغالبية العراقية رغبتها في أن تظل بلادهم موحدة. فعلى سبيل المثال، أشار التقرير الصادر عن "المعهد الجمهوري الدولي" في يوليو عام 2006، إلى أن نسبة 66 في المائة من العراقيين، تعارض فكرة تقسيم العراق، سواء على أساس طائفي أو عرقي.
ثالثا. أما اللغة الدستورية الواردة حول صيغة الفيدرالية وتوزيع الموارد الطبيعية للبلاد في الوثيقة المذكورة، فقد جاءت انعكاساً لصفقة سرية أبرمت وراء الكواليس، بين التحالف الكردي، وطرف واحد من الأطراف الشيعية، ألا وهو "المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق". وقد أبرمت هذه الصفقة النهائية، في تجاهل تام لكافة الأطراف الأخرى، ولكافة فئات المجتمع العراقي نفسها.
1. الأكراد: لا ريب في أن الأكراد يرغبون في الاستقلال بإقليمهم (كوردستان)، وأن في وسعهم تقديم حجج قوية داعمة لتحقيق رغبتهم هذه. لكن وعلى رغم رغبة الاستقلال هذه، فقد دفعت الواقعية السياسية قياداتهم الكوردية إلى تفضيل البقاء في ظل الوحدة العراقية حالياً. وتستغل الأحزاب الكردية قدرتها السياسية في زيادة فرصها المستقبلية في الاستقلال. ويفترض ألا تواجه انفصال الإقليم الكوردي إلى منطقة استقلال ذاتي، تتمتع بالمزيد من السلطات الإقليمية، أية عقبات أو تعقيدات تذكر، إلا في حال فشل الأكراد في تقديم التنازلات السياسية اللازمة، بشأن السيطرة على مدينة كركوك التاريخية، التي توجد بها نسبة 12 في المئة من احتياطات النفط العراقية الأكيدة.
2. الشيعة: أما موقف "المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق" فيمثل حالة مختلفة في هذه الصفقة المشار إليها آنفاً. فعلى رغم تمتعه بسطوة سياسية، مردها إلى الميلشيات المسلحة المدعومة من قبل إيران، فإنه يفتقر إلى التأييد الشيعي الداخلي. وللتعويض عن هذا الضعف، لجأ المجلس الاعلى للثورة الاسلامية المذكور إلى اقتراح الصيغة المحددة التي وردت فى نص الدستور: ألا وهي إقامة "إقليم شيعي كبير" يغطي كافة المحافظات الشيعية التسع، الواقعة جنوبي البلاد، مع العلم أن هذه المنطقة، تحوي ما يتراوح بين 70 إلى 80 في المائة من احتياطيات النفط العراقي. وكانت تلك الصيغة التي تم تضمينها إلى صلب الدستور، هي التي أثارت الخلاف أو النزاع الطائفي الجاري اليوم؛ مع ضرورة الإشارة إلى أن هذا النزاع، يشمل الطائفة الشيعية نفسها. وبالنتيجة فقد رفض غالبية التحالف الشيعي، تلك الصيغة، على رغم تأييدهم النسبي لفكرة لا مركزية السلطات.
3. السنة: أما المسلمون السنة العرب، فهم ليسوا أقل خلافاً ولا انقساماً فيما بينهم. إلا أنهم يتفقون على أمر واحد، هو رفضهم المؤكد لأي صيغة فيدرالية، لا تؤمن لهم نصيبهم من عائدات النفط، بينما تحرمهم تماماً من السلطة. وعلى رغم علمهم بأنه لم يعد من سبيل أمامهم اليوم لاستعادة قبضتهم السابقة على جهاز الدولة المركزية القوية، بحكم طغيان الأغلبية الشيعية، إلا أنهم يرفضون في الوقت ذاته، الصيغة الفيدرالية التى مررها إلى الدستور، "المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق"؛ والحال هكذا، فإن السؤال الذي لا بد منه هو: أي فيدرالية يقصد دعاة التقسيم الناعم إذن؟!
لقد كشف استطلاع للرأي العام العربي؛ أجرته في الآونة الأخيرة "مؤسسة زغبي العالمية لاستطلاعات الرأي" فى خمس دول عربية، هي المملكة العربية السعودية، ومصر، والإمارات العربية المتحدة، والأردن، ولبنان. وقد شمل الاستطلاع عينة من 3400 شخص من الدول الخمس، التي تعد جميعها حليفة للولايات المتحدة الأميركية. وفي كل واحدة منها، عبرت الأغلبيات عن مشاعر سلبية إزاء الدور الذي تؤديه كل من الولايات المتحدة وايران حالياً في العراق... وما أن وجه السؤال إلى المستطلعة آراؤهم عما هو الجانب الأكثر إثارة لقلقهم ومخاوفهم إزاء العراق؟ حتى جاءت إجابات ما يقارب نسبة 50 في المئة منهم: أن يتم تقسيم العراق وتمزيقه إلى ثلاثة أقاليم مستقلة ذاتياً، أو ينحدر إلى حرب أهلية شاملة؛ تمتد تأثيراتها إلى خارج حدوده؛ مؤدية إلى نشوء أزمة إقليمية. واحتل الخوف من احتمال احتلال أميركي دائم للعراق؛ المرتبة الثانية من هواجس وقلق المستطلعين. وعن هذه الهواجس الأخيرة جاءت النسب المعبرة عنها كما يلي: 47 في المئة في الأردن، و38 في المئة في مصر، ثم 25 في المئة من الرأي العام السعودي.
كذلك تقول جوديث يافي، وهي محللة سابقة متخصصة في شؤون الشرق الأوسط في وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية ومدرسة حالياً في جامعة الدفاع الوطني، إن فكرة جوزيف بايدن (فكرة فظيعة في أكثر من وجه بحيث يصعب على من يريد انتقادها أن يعرف من أين يبدأ فإذا كان لنا أن ندفع العراق بهذا الاتجاه فإن الحرب الأهلية ستصبح أمراً مؤكداً، وما نواجهه اليوم سيبدو عندها مجرد لعب أطفال). ويقول باتريك لانغ، الخبير بالشأن العراقي والمحلل السابق في وكالة الاستخبارات الدفاعية، أنه (لا يوجد شيء مشابه للحل الذي يقترحه السناتور جوزيف بايدن في العالم العربي، واعتقد أن ذلك يعود لسبب وجيه، فالأمر لا يروق للعقل السياسي العربي) ويضيف باتريك لانغ قائلاً (فإذا ما سلكنا هذا الطريق فإنه لن يقدم لنا إلا محطة على طريق تفكيك الدولة العراقية وزوالها).
طرح مؤلفا كتاب مستقبل العراق وهما الاول ليام اندرسون، أستاذ العلوم السياسية في جامعة رايت واختصاصي بدراسة شؤون العراق، أما الثاني غاريث ستانسفيلد فهو عضو في معهد الشؤون الخارجية بجامعة اكستر، وعمل مستشاراً لدى الحكومة البريطانية بالنسبة للشؤون العراقية والكوردية عدة خيارات لحل الأزمة في العراق منها:
(أ). تولي حاكم دكتاتوري جديد زمام الأمور في العراق.
(ب). نظام حكم ديمقراطي: ويصل المؤلفان إلى اعتبار تحقق هدف نشر الديمقراطية في العراق أمراً شبه مستحيل؛ انطلاقاً من رؤيتهما لطبيعة الأوضاع في العراق والتي تتمثل في الطبيعة الغريبة لتركيبة الشعب العراقي ثم مجموعة متعددة من الطوائف والأعراق المتناحرة فيما بينها، فالشعب العراقي منقسم على المستوى العرقي إلى عرب وأكراد، وعلى المستوى الطائفي إلى سنة وشيعة الأمر الذي يعقد أي عملية سياسية في البلاد لا تعترف بهذه الحقيقة والتركيبة، وهو ما ثبتت صحته، وفقاً للمؤلفين، على مدار التاريخ العراقي الحديث الذي أهمل الاعتراف بهذه الحقيقة.
(ج). التقسيم: وعلى هذا الأساس يصل المؤلفان إلى الرؤية التي يحاولان بالتالي إقناعنا بها والمتمثلة في أن الحل الوحيد الممكن فى العراق ليس الديمقراطية وإنما التقسيم الأمر الذي يعززه من وجهة نظرهما أن العراق مقسم بالفعل، فالجنوب عربي شيعي فى الأساس، والوسط عربي سني رئيسي، أما كوردستان فهو كوردي سني. وهناك ثلاث نتائج محتملة لهذه العملية: الأولى: بقاء الوحدات الثلاثة كلها معاً كدولة مترابطة، والثانية انسحاب الأكراد بينما تبقى الوحدات الباقية للسكان العرب معاً، والثالثة وجود ثلاث طرق للانقسام تنتج في كوردستان الدولة الكوردية ودولة السنة في المركز وفي الجنوب دولة للشيعة.
وهما يشيران بناء على رؤية تاريخية شاملة على مدى عقود القرن الماضي إلى أن ما يحدث في العراق يجد جذوره مترسخة في التاريخ العراقي، معتبرين أن ما يسميانه أمراض العراق المعاصرة والمتمثلة على حد تشخيصهما، في القمع الداخلي والاستخدام الواسع للعنف؛ فضلاً عن التهديد الذي يمثله العراق لجيرانه. ووفقاً لهذا الطرح، يمكن حكم العراق كثلاثة أجزاء بسهولة كبيرة وأقل استبداداً عن حكمها كوحدة واحدة. وبتطور الموقف فإن كل وحدة تحسم اختياراتها بنفسها بخصوص أولوياتها لإعادة إعمار العراق وبداية صياغتها لعلاقاتها الاقتصادية مع الأقاليم المحيطة. وبعد فترة معينة ربما عامين أو ثلاثة أعوام سيأتي الوقت الذي يحدد العراقيون أنفسهم المستقبل السياسي للعراق. وهذا يفترض الحاجة إلى استفتاء ويسبقه تحاور مفتوح وأمين بين العراقيين أنفسهم عما إذا كان هناك أي مستقبل لدولة العراق وسوف يتم إجراء الاستفتاء في كل من الوحدات الثلاث ولو صوتت الأغلبية في أي وحدة للانسحاب من العراق فيجب قبول هذا القرار.
إلا أن هذه التصورات والأفكار رغم صدورها من محللين سياسيين مرموقين، لم تجد بعد تأييداً ملحوظاً لدى صناع القرار السياسي في البيت الأبيض الذين لا زالوا يؤكدون أنه من واجبنا أن نساعد الساسة العراقيين على تقديم وحدة بلادهم على أولوياتهم الطائفية، وأنه ينبغي على الحكومة العراقية أن تدير حواراً ومحادثات حتى مع أقبح اللاعبين الأساسيين من دول الجوار، لما لهم من نصيب في حل مأزق بلادهم الراهن. وباستثناء تلك القوى المتطرفة التى ليست لها أدنى مصلحة في وحدة العراق ولا استقراره، من أمثال تنظيم "القاعدة" وما إليه، فإنه يجب مشاركة الجميع في هذه العملية السياسية الرامية للخروج من المأزق الحالي. كما يجب حل كل المشكلات والخلافات المتصلة بالدستور الفيدرالي، وبتوزيع الموارد الاقتصادية الوطنية، وكذلك بدور المليشيات غير الرسمية وغيرها، في اتجاه الحفاظ على وحدة العراق أولاً وقبل كل شيء... وفيما لو رفض هؤلاء، وغادرت قوات التحالف أراضي بلادهم، فإن عليهم أن يدركوا جيداً أن بقاءهم هم أنفسهم سيكون مهدداً جراء الفوضى التي ستعقب الانسحاب.
ذلك هو الثمن الباهظ من الدماء العراقية التي سالت لتطبيع الحرية والديمقراطية في بلد قبلي متنوع الأعراق والديانات وقد تنبه إليه. بعد فوات الأوان. رموز الحكم في واشنطن ولندن. وباتت القناعة كاملة إذا ما أرادت الثورة السورية التي بدأت في آذار 2011 أن تنال الحرية والديمقراطية فما على النظام السوري ورئيسه بشار الأسد إلا أن يدمر الدولة بنفسه وليس عن طريق غزو أمريكي بريطاني جديد.
الدكتور عبد العزيز المفتي
الهوامش
(1) جوزيف بايدن، تقسيم العراق من أجل وحدته، عضو بمجلس الشيوخ الأميركي ونائب رئيس لجنة العلاقات الخارجية، خدمة لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست خاص بـ (الوطن).
(2) جيفري كمب، إستراتيجية "التقسيم الناعم"... هل تصلح للعراق؟
(3) هيلين كوبر، خطة أميركية لتقسيم العراق.
(4) إدوارد هيرست، تقسيم العراق غير ممكن على الصعيد التطبيقي.
(5) اندروز هندرسون، أميركا ومصير العراق... خيارات بالغة الصعوبة. جوست هلترمان، العراق والحجج الواهية لأنصار "التقسيم الناعم"، نائب مدير برنامج دراسات الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في "مجموعة الأزمات الدولية"، ينشر بترتيب خاص مع خدمة "كريستيان ساينس مونيتور".
(6) جيمس زغبي، العراق... هاجس الأميركيين والعرب. هوارد لافرانشي، تخبط الأمريكيين في البحث عن الحل الملائم.
(7) ليام اندرسون وغاريث ستانسفيلد، ثلاثة سيناريوهات تحير المراقبين، دور بريطانيا في تشكيل العراق الحديث وراء أمراضه.
(8) ليام اندرسون وغاريث ستانسفيلد، هكذا يزداد المأزق الأميركي عمقاً، هل تقسيم العراق إلى ثلاث وحدات خيار؟ خدمة لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست.