الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي
نقاشات كوردية - بريطانية - عربية بعد مؤتمر القاهرة (آذار 1921م)
من محاضرات «الكورد في ولاية الموصل» – 2014
كانت بغداد لا تزال راغبة في الاعتراف بالهوية الكوردية في كوردستان العراق، وإن تكن داخل العراق، ولكن برسي كوكس، المندوب السامي البريطاني في العراق، قرر أنه من الضروري أخذ رأي الشعب الكوردي رسمياً، فأصدر بياناً في 6 أيار/مايو 1921 «للحصول على مؤشر بالرغبات الحقيقية للجاليات الكوردية، إذا ما فضّلت البقاء في ظل الحكومة العراقية العربية الجديدة…» (1). وعرض برسي كوكس تشكيل إقليم كوردي فرعي للأجزاء الكوردية من ولاية الموصل (كوردستان العراق): زاخو وعقرة ودهوك والعمادية، وترتيبات مشابهة بالنسبة لإقليم أربيل: أربيل وكويسنجق وراوندوز.
وفي كلتا الحالتين كان ينبغي استبدال الموظفين البريطانيين بآخرين من الأكراد أو من العرب الناطقين بالكوردية فور توافر المرشحين لذلك، وأن يتم كل ذلك بعد التشاور وبما يتناسب مع رغبات الشعب الكوردي في كوردستان العراق. وهكذا عُرضت على السليمانية الوضعية المقترحة للمتصرفية، التي يحكمها متصرف بالنيابة، على أن يكون المتصرف الأول في السليمانية ضابطاً سياسياً بريطانياً.
وإذا أراد الأكراد كياناً ذا حكم ذاتي في كوردستان العراق، فقد كانت تلك هي اللحظة الحاسمة للنضال من أجله. ولكن على الرغم من وصفه فيما بعد بالاستفتاء العام، فإن تشاور المندوب السامي البريطاني برسي كوكس لم يكن سوى استطلاع عام لآراء الأعيان الكورد وأعضاء المجالس المحلية المنتخبين من الكورد، إضافة إلى الآغوات الكورد المعترف بهم. فقد كان معظم الأعيان الكورد يعرفون الجهة التي تهب منها رياح السياسة البريطانية، والقلة من الكورد شعروا بالاستعداد لتحديها. وحتى لو أرادت نخبة من الأعيان الكورد تشكيل جبهة متحدة (وهو احتمال بعيد جداً في ظل تلك الظروف)، لم يكن يتوفر لديهم الوقت لحشد أنفسهم.
إن استجابات الكورد اتسمت بطابع محلي بحت، إذ بدت كلٌّ من دهوك وعقرة راضيتين تماماً بالترتيبات المحلية، حتى إنهما لم تكونا تريدان شبه انفصال عن مدينة الموصل العربية. وبينما كانت زاخو والعمادية تحملان طموحات في أن تصبحا مركزاً للمتصرفية الكوردية الجديدة، فإنهما كانتا تريان أن الانفصال عن مدينة الموصل يشكل انتحاراً اقتصادياً، بعيداً عن مسألة الأسواق للمنتجات الكوردية المنحدرة من الجبال إلى سهول بلاد الرافدين، إذ لم يكن هناك طريق يستحق الذكر من العمادية إلى السليمانية. وأصرت أربيل على الانفصال الإداري عن كركوك. أما السليمانية فقد رفضت بإصرار أي نوع من الالتحاق بالحكومة العراقية العربية الجديدة، ولكنها كانت الوحيدة في هذا الموقف.
في هذه الأثناء أغرى برسي كوكس، المندوب السامي البريطاني في العراق، أكثرية المناطق الكوردية (كوردستان العراق) بالتعاون مع السياسة البريطانية، وامتدت سلطة النظام الجديد في العراق العربي إلى ألوية كركوك وأربيل والموصل، فيما «بقي لواء السليمانية، على رغبته الصريحة، تحت السيطرة البريطانية المباشرة»، و«بُذلت كافة الجهود من أجل تطوير الإدارة المحلية وفق أسس طبيعية» (2). وكان برسي كوكس لا يزال يتعامل مع ما تبقى في لندن من إحساس بالالتزام تجاه الأكراد، فقد جادل ونستون تشرشل، وزير المستعمرات البريطاني، بأن الحكم العربي في العراق يجب أن يظل مقتصراً على المناطق العربية الخالصة فقط، أي بلاد ما بين النهرين (ميزوبوتاميا): ولايتي بغداد والبصرة فقط. لكن برسي كوكس استطاع في حينه أن يشير على ونستون تشرشل ويقنعه بأن معظم الأكراد قد استُشيروا، وأنهم اختاروا سياسة عدم الانفصال عن العراق العربي الجديد، وأنه من الصعوبة بمكان الآن تجاهل الأكراد وأمانيهم وشعورهم القومي. إضافة إلى ذلك كان القوميون العرب يتوقعون الآن عراقاً جديداً يشمل ولاية الموصل (كوردستان الجنوبية - العراق) كلها ذات الأكثرية الكوردية، وبدا أن إحباطهم قد يؤدي إلى ثورة أخرى شبيهة بتلك التي اندلعت في العراق في 30 حزيران 1920 (ثورة العشرين). كان ذلك هو الرأي في بغداد. ومع أن ونستون تشرشل ذكّر برسي كوكس بأن ضم المقاطعات الكوردية إلى المجلس الوطني العراقي الجديد (البرلمان) ينبغي أن يُراعى فيه مبدأ أن «الأكراد يجب ألا يوضعوا تحت الحكم العربي في العراق ما لم يرغبوا في ذلك» (3)، فإن مقتضيات إقامة الدولة العراقية العربية الجديدة فاقت أهمية المطالب الخاصة بالأكراد.
لقد باتت مسألة إقامة شكل مقنع من الحكم الذاتي للأكراد في العراق العربي الجديد تلقي بظلالها على كافة القضايا الأخرى في فكر البريطانيين. وبدا أن مشكلة الحاكم في العراق العربي الجديد سوف تُحل في شخص الملك فيصل الأول، فقد كان شخصاً متسامحاً دينياً، وبالتالي مقبولاً لدى الشيعة في جنوبي العراق، وهو أيضاً قومي عربي مجرَّب. ومع ذلك كان من الضروري إظهاره منتخباً من قبل الشعب العراقي، لا مفروضاً عليه من قبل الإنكليز كدمية في يد البريطانيين.
وهكذا جرت الانتخابات في أواخر شهر تموز 1921، فمنحت ما يقارب 96% من الأصوات لصالح صعود الأمير فيصل إلى العرش في العراق العربي الجديد، وبالطبع كان الكل يدرك أن الأمير فيصل هو خيار البريطانيين.
أما في كوردستان العراق فقد كانت النتيجة غير محسومة؛ فقد طالبت كركوك بحكومة كوردية على أن تكون منفصلة عن السليمانية، تماماً كما أصرت أربيل على الانفصال الإداري عن كركوك قبل ذلك بشهرين، في الوقت الذي رفضت فيه السليمانية الاشتراك في الانتخابات (لتنصيب الملك فيصل الأول) بشكل مطلق. عند ذلك بات الأمير فيصل واثقاً من العرش العراقي، أما كوردستان العراق، التي تعيش في حالة شقاق، فيمكن التعامل معها بشكل حاسم فيما بعد.
إن مسألة كوردستان العراق بالنسبة للملك فيصل الأول لم تكن مقتصرة على النفط والشؤون الاستراتيجية. ففي أيلول/سبتمبر 1921، وبعد أربعة أسابيع من تسلمه رسمياً العرش الجديد للعراق في 23 آب 1921، أعلن بشكل واضح تماماً أنه لا يريد احتمال انفصال المقاطعات والمناطق الكوردية (كوردستان) عن مملكته (العراق العربي الجديد)، وهو ما أجازته معاهدة سيفر 1920م. ومع كل تسامحه الديني، لم يكن الملك فيصل يريد أن يرى الشيعة في بلاد الرافدين (العراق الجديد) يبرزون قوةً مهيمنة في السياسة العراقية العربية الجديدة، واعتبر الوجود الكوردي في كوردستان العراق ضرورياً من أجل التوازن السني في مقابل التفوق الشيعي من دون الكورد، وهو عامل جديد وجدّي بالنسبة لواضعي السياسة البريطانية.
كذلك تخوّف الملك فيصل من أن يقيم الكيان الكوردي المستقل في كوردستان العراق، المنفصل عن العراق العربي الجديد، علاقاتٍ مع الأكراد في كوردستان تركيا وكوردستان إيران، وهو ما يشكل تهديداً دائماً للعراق العربي الجديد. ومتأرجحاً بين التأكيدات بأن الأكراد لن يُجبروا على الانضمام إلى دولة عربية وبين الأوامر السياسية بخصوص إقامة دولة كوردية قابلة للحياة، أكد بيرسي كوكس للملك فيصل أن الأكراد سيبقون في ظل الاتحاد الاقتصادي والسياسي للعرش العراقي العربي الجديد، حتى وإن كانوا يتمتعون بوضع إداري مختلف، وأشار أيضاً إلى أنه سوف يعمل من أجل إشراكهم في المجلس الوطني العراقي (البرلمان). وبذلك أصبح الأكراد بشكل جوهري يشكلون الأرضية الضرورية للمملكة الجديدة (العراق العربي). وبعد ذلك بسنة، وتحديداً في تشرين الأول/أكتوبر 1922، أصدر الملك فيصل مرسوماً يقضي بعقد مجلس تأسيسي (البرلمان)، وتقرر ضم كافة المناطق الكوردية من كوردستان العراق، بما فيها كركوك التي اعترضت على إعلان ولائها للعراق العربي الجديد، إلى عملية التسجيل الانتخابي. وقد كتب الميجر نوئيل، الضابط السياسي البريطاني في كركوك والسليمانية، في حينه:
«أنا ضد الشك العام، الذي يرقى في بعض الحالات إلى حد اليقين، بأننا مصممون على إلحاق الأكراد (كوردستان) بالعراق العربي الجديد بأية وسيلة كانت، وبأن عملية الانتخاب [للمجلس التأسيسي] مجرد ذرٍّ للرماد في العيون… أود أن أشير إلى أنه في العقلية الكوردية لا يمكن أن تنسجم التأكيدات بأنه لن يتم إجبار أي كوردي على [الانضمام] إلى العراق العربي الجديد مع مبدأ كون لواء كركوك الكوردي في كوردستان هيئة انتخابية» (4).
وينبغي التذكير هنا بأنه كان هناك في هذه المرحلة عصيان مسلح كوردي، بتحريض تركي، ينتشر بسرعة باتجاه جنوب كوردستان العراق انطلاقاً من راوندوز، وأنه تم استدعاء الشيخ محمود الحفيد من أجل إنقاذ الموقف. كذلك بدا أن بعض القوميين الكورد في السليمانية مصممون على زيادة فرصهم. ففي 2 تشرين الثاني/نوفمبر 1922 قابل وفد كوردي المندوب السامي البريطاني برسي كوكس في بغداد، طالباً منه الاعتراف باستقلال جنوب كوردستان (كوردستان العراق) في العراق الجديد، وتشكيل لجنة لرسم الحدود بين كوردستان الجنوبية (كوردستان العراق - ولاية الموصل الكوردية) والعراق العربي الجديد، والاعتراف بالشيخ محمود الحفيد حكمداراً (5) لكوردستان الجنوبية (العراق)، وأخيراً أن يشكل المنتخَبون الثانويون (المنبثقون من العملية الانتخابية التي تجري في أماكن أخرى) نواة المجلس القومي الكوردي.
اعترض المندوب السامي البريطاني طالباً من الوفد الكوردي الاعتدال في طلباته، لكنه عرف أن مصير السليمانية بحالها وكل سلسلة الجبال الكوردية مرهون بالتوازن، وأنه إذا ما استردت تركيا الحديثة المنطقة الكوردية (كوردستان العراق)، أي ولاية الموصل الكوردية، فربما يتعذر الدفاع عن بقية بلاد الرافدين (العراق العربي الجديد)، أي ولايتي بغداد والبصرة. وفي هذه الحالة لا بد من الاعتراف بحقوق الأكراد في كوردستان العراق. وهكذا، وبعد تزايد الخطر على السليمانية، تم الاتفاق على بيان أنكلو - عراقي مشترك يتعلق بالأكراد صدر في 20 كانون الأول 1922، ونص البيان على:
«إن حكومة صاحب الجلالة البريطانية والحكومة العراقية العربية الجديدة تعترفان بحق الأكراد القاطنين ضمن حدود العراق العربي الجديد (كوردستان العراق) في تأسيس حكومة كوردية مستقلة ضمن هذه الحدود (كوردستان العراق)، وأن الحكومتين تأملان أن تتوصل الأطراف الكوردية المختلفة، بأسرع ما يمكن، إلى اتفاق فيما بينها حول شكل تلك الدولة الكوردية المستقلة في كوردستان العراق وحدودها، وإرسال وفود كوردية مسؤولة إلى بغداد لمناقشة علاقاتهم الاقتصادية والسياسية مع حكومة صاحب الجلالة البريطانية والحكومة العراقية العربية الجديدة» (6).
إن هذا يتناقض مع ما أعطاه برسي كوكس، المندوب السامي البريطاني، من قبل للملك فيصل الأول، ولكن ذلك لم يكن بالأمر المهم؛ فقد أكد برسي كوكس سراً لملك العراق فيصل أن بيانه لا يعني بأي شكل من الأشكال «انفصال كوردستان الجنوبية (العراق) السياسي والاقتصادي عن العراق العربي الجديد» (7)، لأن العراق العربي الجديد لن يتحمل أي انفصال سياسي أو اقتصادي لأي جزء من كوردستان العراق عنه. وكان الذين صاغوا البيان يعرفون أن الأكراد منقسمون جداً على بعضهم، وأن البيان هو «للتوصل إلى اتفاق فيما بينهم» (8). في هذه الأثناء أظهر الشيخ محمود الحفيد أنه غير ملمّ بالمهمة الدبلوماسية التي أصبحت مطلوبة الآن. وإذا كان الأكراد قد وصفوا الشيخ محمود الحفيد بعدم الكفاءة السياسية، فإن السياسيين البريطانيين، من خلال برسي كوكس، اتُّهموا بالغدر السياسي بالأكراد.
وما إن عادت القوات البريطانية إلى السليمانية في نهاية شهر أيار/مايو 1923م حتى أُرسل رئيس الوزراء العراقي عبد المحسن السعدون لمناقشة فكرة شكل من الحكم الذاتي مع القادة الأكراد على مبدأ «الخضوع الحر» للعراق، تديره الأكراد، ولا يخضع فيه إلا كبار موظفيهم لتصديق الملك والمندوب السامي، ولن يُطالَب مندوبوها بأداء قسم الولاء، بل سيقيمون في مجلس بغداد. حتى إن الملك فيصل، الخائف من قيام ثورة كوردية قومية أخرى في السليمانية، ومن خطر أن تعطي عصبة الأمم المنطقة الكوردية (كوردستان الجنوبية - ولاية الموصل الكوردية) لتركيا الحديثة، بدا مستعداً لإعلان الحكم الذاتي للسليمانية في الحال، بشرط أن تبقى في اتحاد دائم مع العراق العربي. غير أن انهيار الزمرة المناوئة للشيخ محمود الحفيد في تموز/يوليو 1923، إثر انسحاب القوات البريطانية من كوردستان، أعفى الملك فيصل الأول من تحمل هذه المسؤوليات.
ومع ذلك واجه الملك فيصل الأول مقاومة الأكراد في كركوك وأربيل للمشاركة في انتخابات المجلس التأسيسي (البرلمان)، وقد كان اشتراكهم ضرورياً لجذبهم بشكل تام إلى الدولة العراقية العربية الجديدة، وعزل التمرد الكوردي (الثورة الكوردية) داخل السليمانية. ففي الحادي عشر من تموز/يوليو 1923، وهو اليوم الذي دخل فيه الشيخ محمود الحفيد مجدداً إلى السليمانية، قرر مجلس الوزراء العراقي بشكل رسمي ما يلي:
لن تقوم الحكومة العراقية العربية الجديدة بتعيين أي موظفين عرب في المناطق الكوردية من كوردستان العراق، ما عدا الموظفين الفنيين.
لن تجبر الحكومة العراقية السكان الكورد في تلك المناطق الكوردية من كوردستان العراق على استعمال اللغة العربية في المراسلات الرسمية.
ضمان الحقوق (غير المحدودة) للسكان الكورد في كوردستان العراق، وكذلك الحقوق المدنية والدينية للجاليات في هذه المناطق (9).
وفي شهر تشرين الأول/أكتوبر 1923 تم تجاوز الأزمة، ودفعت كل من بريطانيا والعراق العربي القضية الكوردية في كوردستان العراق إلى الوراء ضمن حدود سياستهما. فقد اعتبر البريطانيون أن فكرة الاستقلال الكوردي في كوردستان قد أصبحت لاغية في كل المناطق الكوردية من كوردستان العراق، باستثناء المناطق المحيطة بالسليمانية مباشرة، وأن المناطق الكوردية الأخرى من كوردستان العراق قد تُلحق بالعراق العربي الجديد على أساس الحد الأدنى من المرجعية. وبصرف النظر عن السليمانية، اشترك الأكراد أيضاً في المجلس التأسيسي (البرلمان)، بل إن الكثير من سكان السليمانية ذهبوا للتصويت في المناطق المجاورة، وبالنتيجة انتُخب خمسة مندوبين عن السليمانية، بينهم الشيخ قادر البرزنجي. في هذه الأثناء يبدو أن قادة السليمانية لم يقوموا بأي حركة لكسب تعهد بغداد الواقعي في عرضها المقدم في شهر أيار/مايو 1923م.
وحتى ذلك الحين كان مجلس الوزراء العراقي قد احتفظ ببيان عن الحقوق الثقافية الكوردية في كوردستان لاستخدامه في حال حدوث صعوبات في كوردستان أثناء الانتخابات. وقد ذكّرت لندن بغداد بأن ونستون تشرشل قد وعد مجلس العموم البريطاني في السنة الماضية 1922م بأن الأكراد سيُمنحون فرصة حقيقية لتحديد موقفهم بأنفسهم (بدولة) (10). في هذه الأثناء بقيت السليمانية خاضعة للمندوب السامي البريطاني مباشرة، لا للحكومة العراقية العربية. وفي سنة 1925، عندما جاءت لجنة الحدود التابعة لعصبة الأمم (لجنة تقصي الحقائق الأممية) إلى المنطقة الكوردية (كوردستان - ولاية الموصل الكوردية)، بدا وكأن المسألة الكوردية في حالة ركود مؤقت، باستثناء الشيخ محمود الحفيد. فالمدنيون الأكراد والأعيان القبليون كانوا يمثلون المنطقة الكوردية في البرلمان العراقي، مع أن عدة سحب سلبية كانت تلوح في الأفق. وقد بقيت السليمانية مركز الشعور القومي الكوردي في كوردستان، في حين كانت كركوك الكوردية تضمر شعوراً قومياً كوردياً قوياً. ولكن على المستوى التمثيلي كان عدد الذين يرون أن مصالحهم تسير بشكل أفضل من خلال الولاء للتاج البريطاني يفوق عدد القوميين الكورد. فبعد صدور حكم عصبة الأمم بشأن قضية ولاية الموصل ذات الأكثرية الكوردية (كوردستان العراق) بدت الوعود البريطانية بخصوص الموظفين الأكراد واستعمال اللغة الكوردية في المناطق الكوردية من كوردستان مقبولة بشكل عام.
عند ذلك شعرت بريطانيا بأنها قد تخلصت بكل سهولة من العواقب التي كانت تخشاها من المطالبة الكوردية بنوع من الحكم الذاتي الرسمي في كوردستان.
لقد أثبت الأكراد حتى ذلك الحين مدى أهميتهم في السياسة البريطانية في العراق العربي الجديد. وكما ذكر هنري دوبس (Henry Dobbs)، خليفة برسي كوكس في منصب المندوب السامي البريطاني في بغداد، فإن الأكراد، بعيداً عن الاعتبارات الاستراتيجية والطائفية، قد أثبتوا أنهم:
«الملاذ الأخير للنفوذ البريطاني في العراق… إذ من خلال الكتلة الكوردية المؤيدة لبريطانيا في المجلس التأسيسي (البرلمان) العراقي تمت الموافقة على المعاهدة الأنكلو - عراقية لسنة 1922، ومنذ ذلك الوقت بدؤوا يدعمون باستمرار السياسة البريطانية بأصواتهم ونفوذهم» (11).
وأصبح من الممكن الآن التخلي عن الكلمة المروّعة «الحكم الذاتي» الكوردي لكوردستان العراق، حتى من بين الكلمات المهدئة التي استخدمتها بغداد لوقت طويل مع الأكراد. ولم تحتوِ الاتفاقية الجديدة التي وُقّعت مع الملك فيصل الأول في كانون الثاني 1926، والتي أخذت في الاعتبار حكم عصبة الأمم، على أية ضمانات بخصوص الأكراد في كوردستان العراق، بل كان هناك فقط ملحق أشار إلى مطالب العصبة.
كانت علاقات العراق العربي الجديد مع تركيا الحديثة المسمار الأخير في نعش الحكم الذاتي لكوردستان. ففي أوائل كانون الثاني 1922 لوحظ أن المفاوضات مع تركيا قد تشهد انفراجاً إذا ما نُظر إلى الترتيبات المتعلقة بالأكراد داخل كوردستان العراق على أنها تتجاهل الشرط المنصوص عليه في معاهدة سيفر (10 آب 1920)، باعتبار أن ذلك سوف يقلل من خطر الحكم الذاتي عبر الحدود. وبينما كانت المفاوضات جارية، اتفق العراق وبريطانيا على بروتوكول في 23 نيسان/أبريل 1922 تضمّن «التخلي عن السياسة السابقة التي تُبقي إدارة لواء السليمانية تحت المسؤولية المباشرة للمندوب السامي البريطاني، وإعلان إدارة كوردية… يجب أن توحّد لواء السليمانية بشكل قاطع مع الحكومة العراقية» (12). وهكذا، في غضون أربعة أشهر من بيان كانون الأول/ديسمبر 1922، تم التخلي نهائياً عن وعد إنشاء حكومة (دولة) كوردية مستقلة أو حكم ذاتي للأكراد في كوردستان العراق.
لم تتردد بريطانيا في إرضاء الأتراك وتحقيق مصالحهم، فقد أشارت بلغة الغمز إلى التخلي عن مسألة الحكم الذاتي الكوردي نهائياً وعلى نحو حاسم. وكان أكثر تعهدات بريطانيا إجراماً ذلك الذي أُعطي في كانون الأول/ديسمبر 1922، والذي بات من الممكن الآن استبعاده من الفكر والوجدان:
«… إن كلاً من حكومة جلالة الملك (بريطانيا) وحكومة العراق العربي الجديد بريئتان تماماً من أي التزام قد يسمح بإنشاء دولة كوردية مستقلة في كوردستان، إثر الإخفاق الكامل للعناصر الكوردية، حتى لحظة إعداد هذا البيان، في مجرد محاولة التوصل إلى اتفاق فيما بينهم أو تقديم أية مقترحات محددة…» (13).
وهكذا، وبحلول عام 1926، تقلصت الوعود المعلنة لاستقلال كوردستان منذ عام 1918 إلى الحقوق الكوردية المتبقية التي وعدت بها عصبة الأمم الأكراد. لذلك، إن كان القادة الأكراد مقصّرين نتيجة لعدم كفاءتهم السياسية، فإن بريطانيا مذنبة بحكم خيانتها ونكثها بوعودها للأكراد.
المصادر
العراق، تقرير عن إدارة العراق، تشرين الأول/أكتوبر 1920 - آذار/مارس 1922، ص126.
تقرير العراق 1922-1923؛ وتوينبي، نظرة عامة على القضايا الدولية، ص478.
FO رقم 371/6347، وزير المستعمرات إلى المندوب السامي في بغداد، 3 تشرين الأول/أكتوبر 1921.
BHCF، أحداث في كوردستان 13/14، المجلد الثاني، مذكرة إلى بوردلن (Bourdillon)، السليمانية، 10 تشرين الأول/أكتوبر 1922، اقتبسها سلوغليت في كتابه: بريطانيا في العراق، ص120.
آثرنا «حكمدار»، كما جاء في النص الإنكليزي، على «حاكم».
نُشر ذلك بلاغاً رسمياً باللغة الكوردية من قبل بغداد، ونقله شفوياً الموظف السياسي سي. جي. إدموندز (C. J. Edmonds) إلى الشيخ عبد الكريم من قادر كرم؛ إدموندز، الكرد والترك والعرب، ص312.
FO رقم 371/9009، تقرير الاستخبارات عن العراق رقم 1، 1 كانون الأول/ديسمبر 1923.
FO رقم 371/9004، إدموندز، مذكرة حول القضية الكوردية، 4 كانون الأول/ديسمبر 1923.
FO رقم 371/15311، همفريز (Humphreys) إلى باسفيلد (Passfield)، بغداد، 27 شباط/فبراير 1931، جاء في قسم المسودة عن الأكراد لتقرير السنوات العشر الذي كان من المفروض تسليمه إلى عصبة الأمم.
أُعطي الوعد في مجلس العموم في 11 تموز/يوليو 1923.
FO رقم 371/11460، دوبس إلى شوكبيرغ (Shuckburgh)، ليزمور (Lismore)، إيرلندا، 16 آذار/مارس 1926.
FO رقم 371/15311، همفريز (Humphreys) إلى باسفيلد، مسودة القسم الخاص بالأكراد في تقرير السنوات العشر إلى عصبة الأمم، 27 شباط/فبراير 1931، المقتبس عن إدارة العراق للفترة من نيسان/أبريل 1922 - آذار/مارس 1923، ص37.
FO رقم 371/11460، دوبس إلى شوكبيرغ، ليزمور، إيرلندا، 16 آذار/مارس 1926.