الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

أثر الموقع الجغرافي والتاريخي للعراق على التكوين القومي للسكان (الجزء الأول)

من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2023

يحتل العراق القسم الجنوبي الغربي من القارة الآسيوية، ويقع بين تركيا شمالاً، والسعودية والكويت والخليج جنوباً، ويمتد بين إيران شرقاً، وسوريا والأردن والسعودية غرباً. والعراق بموقعه هذا يمثل الجسر الأرضي الذي يربط جنوب القارة الأوروبية بآسيا الجنوبية، والبحر المتوسط بالمحيط الهندي، وذلك قبل فتح قناة السويس سنة 1869م. كما يقع على طريق الحرير التاريخي الذي يربط الأقطار المتوسطية بالمراكز التجارية في كل من إيران والهند.

ومن جانب آخر، فإن ما يتميز به موقع العراق هذا من خصائص جغرافية، تتمثل في المناخ الدافئ المعتدل الملائم للإنتاج الزراعي، وخصوبة التربة، ووفرة الموارد المائية، جعلته محط أنظار الشعوب المهاجرة والأقوام الغازية عبر التاريخ، فاتخذته موطناً لها ومستقراً، لا سيما أن المنطقة محاطة بسلاسل جبلية وأراضٍ وعرة في الشمال والشرق، تتمثل في مرتفعات أرمينية وجبال طوروس من جهة، وسلاسل جبال زاكروس من جهة أخرى، مثلما تحيط بها البوادي المقفرة والهضاب الجرداء في جزيرة العرب وبلاد الشام.

ويعود تاريخ الاستيطان في كوردستان العراق إلى حقب قديمة سبقت ظهور الإنسان الحديث، فقد وجدت الجماعات البشرية القديمة مواقع مناسبة لها للعيش والاستقرار عند مقدمات الجبال والسهول الجبلية، وبالقرب من مصادر المياه. وكشفت التنقيبات الآثارية عن لُقى وأدوات حجرية في قرية جرمو شرقي قصبة جمجمال قرب السليمانية، تشير إلى قيام الزراعة في هذه الجهات منذ أكثر من ستة آلاف سنة قبل الميلاد.

ويرى الباحثون أن القسم الشمالي من العراق (كوردستان العراق) كان مأهولاً بالسكان في الوقت الذي كانت فيه أقسامه الأخرى لا تزال تحت مياه البحر. ومع انحسار هذه المياه وظهور اليابسة فيها، أخذت الجماعات تنزح من القسم الشمالي وتستقر على أرضه الرسوبية التي ظهرت، وتعمل على تعميرها.

يتضح مما سبق أن موقع منطقة الدراسة (كوردستان العراق) الجغرافي المتوسط وبناءها الفيزيوغرافي قد جعلا منها «معبراً» للوافدين والغزاة والمهاجرين، الأمر الذي انعكس على بنائها الإثنولوجي والإثنوغرافي.

البعد التاريخي للموقع الجغرافي لكوردستان

من المعروف أن الأرض تُعدّ العنصر الأساس في تكوين الشخصية القومية لأي شعب من الشعوب، فالمكان أو الحيّز الجغرافي يمثل القاعدة التي تقوم عليها نشاطات الأفراد أو الجماعات وفعالياتهم، وما ينجم عن ذلك من وحدة في الأهداف والمصالح والثقافات. ومن هنا كان الشعور بالانتماء القومي موجوداً منذ أقدم العصور، ما دامت الأرض التي يقيمون عليها أرضهم، واللغة لغتهم، والتاريخ تراثهم، وهي بمجموعها تشكل الأركان الفعلية لأية قومية.

لقد سبقت الإشارة إلى أن للموقع الجغرافي للعراق أثره الفاعل، ولا يزال، في كونه حلقة ربط بين دول الشرق ودول الغرب. وكان العراق يومها طريقاً للفاتحين والغزاة، مثلما كان مستقراً للتجار والزوار والسائحين، بحيث ترك ذلك بصماته على تكوين سكانه القومي والديني. فما من أمة أو جماعة مرّت به إلا واتخذته مستقراً لها، وتفاعلت مع أهله وأبنائه، وأضافت إلى حضارته خصائص وسمات جديدة، بدءاً من ظهور السومريين والموجات السامية، ومروراً بحملات كورش الفارسي والإسكندر المقدوني، إلى جانب السلوقيين والبارثيين ثم الساسانيين، قبل أن تدفع الفتوحات العربية الإسلامية في القرن السابع الميلادي بموجات متتالية من القبائل والعشائر العربية إلى البلاد. كما شهد موجات مماثلة من الزحف المغولي منذ سقوط الدولة العباسية سنة 1258م وحتى انتهاء الحكم العثماني للعراق سنة 1918م.

ومن الملاحظ أن منطقة الدراسة (العراق القديم) كانت في كل تلك الأحداث قواعد للحكم ومراكز للإدارة والاستقرار؛ فقد اتخذ الفرس بابل عاصمة ثانية لهم، وجعل السلوقيون سلوقية مركزاً لحكمهم، وكانت طيسفون عاصمة للبارثيين، والمدائن عاصمة للساسانيين. وما كادت الفتوحات العربية الإسلامية تستقر حتى انتقلت عاصمتهم إلى الكوفة ثم إلى بغداد.

ومن أبرز الموجات البشرية التي استوطنت العراق وأثّرت في تكوينه القومي:

  1. السومريون: وهم من أقدم الجماعات التي استوطنت العراق، وأقامت الأسس الأولى لحضارته القديمة. وعلى الرغم من تباين آراء الباحثين حول الجهة التي قدموا منها، فإنهم يتفقون على أن قدومهم كان في أوائل الألف الثالث قبل الميلاد. وبينما ينسبهم بعضهم إلى شعوب وسط آسيا، يرى آخرون أنهم من السلالات الدرافيدية في الهند. ويرى طه الهاشمي أن العراق الأسفل كان موطناً للسومريين منذ سنة (4500) قبل الميلاد.

  2. الساميون: ويمثلون المجموعات الأكثر أهمية في التكوين القومي والديني لسكان العراق. وقد زحفوا على شكل موجات قادمة من الجزيرة العربية وبلاد الشام، ومنهم: الأكديون والبابليون والآراميون والآشوريون. ويظهر أن الأكديين عاصروا السومريين، وكان بينهما صراع طويل على الأرض، تمكّن الأكديون في نهايته من توحيد مملكتي سومر وأكد في دولة واحدة حوالي سنة 2800 قبل الميلاد. ويُعدّ العرب آخر الموجات السامية التي زحفت من جزيرة العرب باتجاه العراق، لكنهم لم يتجاوزوا نهر الفرات إلا بعد الفتوحات العربية الإسلامية.

  3. الشعوب الهندو-أوروبية: وهي مجموعة تنتمي إلى الجنس القوقازي، انتشرت في فترات مختلفة باتجاه وسط آسيا، وتوزع قسم منها في هضاب أرمينية وإيران ومرتفعات كوردستان، حيث اختلطوا بشعوب زاكروس الكوردية القديمة، كاللولو والكوتي والكاساي. ويُعدّ اللولو والكوتيون الجذور الأولى للأمة الكوردية.

ومن الملاحظ أن شعب اللولو الكوردي تعرّض لهجمات الأكديين من الجنوب، قبل أن يتولى الكوتيون الكورد إزالتهم فيما بعد. ويرى (بايزر) أن القسم الأوسط من جبال زاكروس الكوردية كان وطناً قومياً للشعب الكوتي الكوردي، الذي انصهر في ظل الموجات الهندو-أوروبية التي استطاعت فرض خصائصها الكوردية، الجنسية واللغوية، منذ الألف الأول قبل الميلاد.

  1. الفرس: وهم مجموعة أخرى وقعت تحت تأثير الشعوب الهندو-أوروبية. وقد حكموا منطقة العراق فترات متباينة قبل الإسلام وبعده، تحت أسماء مختلفة، منهم: الأخمينيون (538-331 ق.م)، والفرثيون (247 ق.م - 226م)، ثم الساسانيون (226-637م)، وأصبح العراق بعدها جزءاً من الدولة العربية الإسلامية. ويُعدّ الصفويون آخر تلك الموجات التي حكمت منطقة العراق بين (1508-1638م)، قبل أن تخضع البلاد للسيطرة العثمانية حتى نهاية الحرب العالمية الأولى.

  2. اليونانيون: كانت منطقة العراق، بحكم موقعها الجغرافي، ممراً للغزاة والفاتحين كما ذكرنا، وقد شقّ الإسكندر المقدوني طريقه عبر العراق في زحفه باتجاه وسط آسيا، وكان العراق مستقراً للسلوقيين بعد الإسكندر المقدوني، إذ اتخذوا من سلوقية مقراً لحكمهم.

  3. التتر والمغول: شهدت منطقة الدراسة، كوردستان والعراق القديم، غزواً شاملاً من وسط آسيا، إذ زحف المغول باتجاه الغرب وسيطروا على بغداد سنة 1258م، فانهارت بذلك الدولة العباسية. واستمرت الموجات المغولية في هذا الاتجاه، وكان آخرها الأتراك والعثمانيون الذين استمروا في حكم العراق حتى نهاية الحرب العالمية الأولى.

الأمن القومي العربي والمشكلة الجغرافية

لو تتبعنا حركة الأحداث في منطقتنا خلال العقود الأخيرة من القرن الماضي لَلاحظنا مدى الخطورة المتفاقمة على الأمن القومي العربي نتيجة لبقاء المشكلة الكوردية دون حلّ.

إننا لن نجاوز الحقيقة كثيراً أو قليلاً إذا قلنا إن تلك المشكلة هي إحدى المسببات الرئيسية للعديد من تلك الأحداث، مما تسبب في أخطار بالغة على الأمن القومي العربي في الماضي، وبدرجة أشد في الحاضر. أما في المستقبل فلا يعلم حدود هذا الخطر إلا الله سبحانه وتعالى، وإن كانت كل الشواهد تؤكد أن هذا الخطر المستقبلي، إن بقيت المشكلة الكوردية هكذا بلا حل وفي حدود عبثية الأحداث والوقائع، سيكون حينئذ أكبر من كل تصور.

إن معطيات الواقع تتفاقم يوماً بعد يوم في ظل صمت عربي مريب أحياناً، وأبله في أغلب الأحيان. وإذا كانت لتلك القضية هذا القدر من التأثير الفادح علينا وعلى أمننا، فإن من حقنا، نحن الذين ندفع في نهاية الأمر فاتورة كل حدث، أن نجلس معاً نتحاور ونتفاوض ونبحث عن سبيل للخروج بهذه المشكلة الكوردية المأساوية إلى حل واقعي وعقلاني وإنساني يرضي جميع الأطراف.

والعجيب أن العرب على اختلافهم يتفقون فيما بينهم في الأغلب، بالنسبة لأكراد العراق، على أن الأكراد يملكون الشعور بالانتماء إلى الوطن الواحد والأصل الواحد والتاريخ المشترك، وتؤلف بينهم اللغة والعقيدة الروحية ووحدة المصالح القومية والأهداف الوطنية والسياسية.

والأكراد حيثما كانوا أو أقاموا يعتزون بكورديتهم ويفتخرون بالانتماء إليها، وقد تُرجمت هذه النظرة إلى الأكراد في العديد من المواقف والنظريات، فجمال الأتاسي مثلاً يقول: «في كوردستان العراق يوجد شعب آخر غير الشعب الذي في بغداد أو مدينة الموصل».

وفي المقابل، فإن تصريحات الأكراد بشأن العرب والعلاقات المشتركة معهم أشبه بردّ التحية بأحسن منها، إذ يقول الزعيم الكوردي الملا مصطفى البارزاني: «نحن نفخر بإخواننا العرب، ونتوجه في المقام الأول إلى أولئك الناس ذوي التفكير السليم الذين يدركون الحقيقة. نريد من إخواننا العرب أن يعرفوا بشكل صحيح تعرجات سياسة الحكومة، هذه السياسة التي تلحق الضرر بالشعب العراقي كله عرباً وأكراداً. على أصدقائنا أن يعلموا أنه لا توجد بيننا عداوة».

وجاء في أحد المنشورات الكوردية: «نعترف بحقوق العرب ونحترمها، ونحترم نضالهم في سبيل الانعتاق من النير الاستعماري وفي سبيل نيل الاستقلال الحقيقي، وينبغي علينا نحن الأكراد أن نقاتل جنباً إلى جنب مع الشعب العربي لإسقاط الرجعية والدكتاتورية والاستعمار».

ولا أريد أن أسترسل كثيراً في ذكر المواقف والأحاديث المتبادلة التي تؤكد هذه الحقيقة، وهي أنه لم تكن هناك أبداً في يوم من الأيام خصومة بين العرب والأكراد، بل إن العرب والأكراد كانوا على مرّ التاريخ يحاربون عدواً مشتركاً، متوحدين أو في خطوط متوازية.

لذلك فإن السؤال المنطقي الذي لا بد أن يفرض نفسه هو: لماذا بقيت هذه المشكلة إذاً بلا حلّ حتى الآن، رغم ما شكّلته وما زالت تشكّله من مخاطر لا حدود لها على الأمن القومي العربي، كما سيرد فيما بعد؟

وعندما نتحدث عن المشكلة الكوردية في كوردستان العراق وتأثيرها على الأمن القومي، فإننا نتحدث هنا عن حالتين:

  1. الصراع الكوردي مع الحكومات العراقية المتعاقبة.
  2. الصراع الكوردي - الكوردي.

وسنحاول في السطور القادمة التعرف على ما تشكّله كل حالة من هاتين الحالتين من مخاطر على الأمن القومي العربي.

أولاً: الصراع مع الحكومات العراقية المتعاقبة

إن بقاء المشكلة الكوردية بلا حلّ في ظل حكومات ونظم عراقية متعاقبة في توجهاتها أدى إلى حدوث تدخلات خارجية، أغلبها من دول الجوار، وبالتحديد إيران وتركيا، ومن دول أخرى تأتي في مقدمتها إسرائيل. وقد سعت كل هذه الدول بشكل أو بآخر إلى استخدام الثورة الكوردية للضغط على الحكومات العراقية المتعاقبة، من أجل النيل من قوتها أحياناً، أو التأثير على توجهها القومي أحياناً أخرى، أو لتحقيق بعض المطالب والأطماع الإقليمية في أغلب الأحيان. ونتوقف هنا عند بعض الأحداث أمثلةً على ما نقول:

أ. حلف بغداد عام 1955

تعاملنا مع حلف بغداد (1955)، الذي تم توقيعه بين تركيا وإيران والعراق، على أساس أنه حلف استعماري خرج إلى الوجود نتيجة لنظرية دالاس في ملء الفراغ في الشرق الأوسط، والعمل على ربط المنطقة بالدوائر الاستعمارية من خلال سياسة الأحلاف، وأن هذا الحلف إنما قام لمواجهة المدّ القومي العربي المتنامي في المنطقة. وفي ظل هذا الخطاب الإعلامي والسياسي العالي النبرة تم إغفال أن القضية الكوردية كانت من أسباب قيام هذا الحلف. فقد جاء في المادة الأولى من ميثاق حلف بغداد ما يلي: «التعاون في مجال مكافحة الحركة الديمقراطية المتنامية، بما في ذلك نضال الأكراد في سبيل حقوقهم القومية».

وفي هذا السياق يقول عصمت شريف وانلي: «بوسعي أن أؤكد لكم أن وجود المسألة الكوردية كان السبب الرئيسي لعقد حلف بغداد عام 1955 بين تركيا الكمالية وإيران الشاهنشاهية وعراق نوري السعيد، التي توحدت لكي تقمع معاً الحركة القومية الكوردية».

ولنتذكر معاً ماذا فعل حلف بغداد في المنطقة، وحجم الأخطار التي شكّلها على أمنها، وكم من المقدّرات بُذلت لمواجهة هذا الحلف ومخططاته.

ب. اتفاقية الأمن المتبادل بين تركيا والعراق عام 1982

تم توقيع هذه الاتفاقية عام 1982، وهي تعطي كل دولة الحق في أن تطارد الأكراد داخل أراضي الدولة الأخرى لمسافات حددتها تلك الاتفاقية (20 كم تقريباً).

إن هذه الاتفاقية هي التي تعطي تركيا الآن غطاءً قانونياً كي تنتهك أراضي كوردستان العراق بين وقت وآخر لمطاردة حزب العمال الكوردستاني (PKK) وقواعده، وسط عجز عراقي واضح، وصمت عربي مطبق، وصمت دولي مريب.


أجزاء «أثر الموقع الجغرافي والتاريخي للعراق على التكوين القومي للسكان» (2 أجزاء):

  1. الجزء الأول (هذا الجزء)
  2. الجزء الثاني

الجزء الثاني ←