الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

الأطماع العثمانية أدت إلى سقوط الإمارات الكوردية (الجزء الأول)

من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2023

المرحلة الأولى

إمارة سوران في عهد محمد باشا: توسعها واضمحلالها

تولى الأمير محمد باشا إمارة سوران في سنة 1813م، فكان ذلك إيذاناً ببدء عهد جديد في الإمارة. ويعود ذلك إلى الطموحات القومية الكوردية التي كان يحملها الأمير محمد باشا، والتي يؤكدها كثير من المؤرخين والمتصدين لتاريخ إمارة سوران الكوردية في عهده. وسنورد هنا بعض ما قيل بصدد ذلك على سبيل المثال: فقد ذكر ميجر سون: «خلال سنين قليلة امتلك الأمير السوراني (محمد باشا) سطوة عظيمة في رواندوز، وطالب بالاستقلال القومي للكورد». ويذكر خالفين: «كان أمير رواندوز محمد باشا يطمح إلى تكوين كوردستان مستقلة». ويؤكد الأمير محمد باشا ذلك بنفسه حينما كان يرد على مطالبة أهالي العراق له بأن يسيطر على البلاد ويخلصهم من الحكم العثماني الجائر، قائلاً: «ليس لي دخل في منطقة حكومة ملك الإسلام - أي السلطان العثماني - ولكن إذا وفقني الله فإنني سوف أسيطر على الحكومات التي هي تحت تصرف الإقطاعيين الكورد في كوردستان». وهذا يدل على أنه كان ينوي توحيد المناطق الكوردية تحت حكمه، سعياً وراء تأسيس كيان كوردي موحد.

وقد اقترنت تلك الطموحات القومية بجملة عوامل ساعدت الأمير محمد باشا في السعي إلى تحقيقها، منها ضعف الدولة العثمانية في تلك الفترة، وانشغالها بالتصدي للتقدم المصري في بلاد الشام، وإنهاكها بسبب كثرة الانتفاضات الداخلية والتدخلات الخارجية في شؤونها. وكانت الدولة القاجارية كذلك منهمكة تماماً بالصراعات الداخلية حول العرش القاجاري، ومنشغلة بحروبها الدامية في شمال شرقي إيران. يضاف إلى ذلك ضعف الإمارات الكوردية المجاورة خلال تلك الفترة، وخاصة إمارتي بابان وبادينان، وانشغالهما بمنازعاتهما الداخلية حول منصب الإمارة. كما أن موقع رواندوز الحصين - وهي مركز الإمارة - والمناعة التي تمتاز بها المدينة جعلاها بمنأى عن التهديدات الخارجية، وصعبة المنال على من يريد غزوها. وذلك إلى جانب مرور إحدى الطرق التجارية عبرها، مما أدى إلى غناها الاقتصادي، وخاصة من خلال فرض الضرائب والمكوس على البضائع التجارية، كما أدى هذا الموقع إلى تمتع مركز الإمارة بوضع سياسي بارز أيضاً. يضاف إلى ذلك قوة شخصية الأمير محمد باشا وذكاؤه السياسي والإداري، الذي كان له تأثير كبير في الأحداث.

وقد شجعت كل تلك العوامل الأمير محمد باشا على التفكير جدياً في تأسيس كيان سياسي كوردي مستقل، على أساس توسيع حدود إمارته سوران، إذ تدل أعماله وإنجازاته على ذلك التفكير، حتى وإن لم يصرح به. وقد اتخذت أعماله ثلاثة محاور أساسية: كان المحور الأول جهوده التي شغلت السنوات الأولى من حكمه، وتدخل ضمن إطار توطيد مركزه السياسي والقضاء على المناوئين من أقاربه، الذين كانوا يرفضون الخضوع لسلطانه وأوامره. فقد قضى في حزيران 1815م على تمرد عمه تمرخان (أو تيمور خان)، ثم وجه جهوده بعد ذلك إلى عمه الآخر يحيى بك، الذي لم يستطع الصمود كثيراً، فاستسلم بعد هزيمته في المعركة الدامية التي دارت بينه وبين قوات الأمير محمد باشا. ثم وطد الأمير نفوذه بعد ذلك، وأصبح في مركز لا ينازعه فيه أحد، جراء القسوة التي كان يعامل بها معارضيه.

أما المحور الثاني لأعماله فيمكن تصنيفه ضمن الإجراءات الداخلية لتقوية كيان إمارة سوران ومؤسساتها، وإليها تعود - في رأينا - معظم النجاحات التي حققها الأمير. ولكثرة هذه الإجراءات وتنوعها سنكتفي بالإشارة إلى أهمها فيما يأتي:

أراد الأمير محمد باشا تحصين عاصمته رواندوز قبل كل شيء، فبنى داخلها قلعة منيعة مزودة بالقوات الكافية والأسلحة والذخائر، وأعاد بناء سور المدينة بصورة محكمة، وبنى عدة مراكز وقلاع في بعض المناطق الأخرى من الإمارة، وزودها بالجنود المسلحين الذين كانت مهمتهم حفظ النظام وحماية أمن الأهالي. وكانت تلك القلاع مراكز للإنذار المبكر من هجمات الأعداء، ولنقل الأخبار إلى مركز الإمارة.

وفي المجال الحربي اهتم بالجيش وتسليحه، فزاد عدد أفراده. ويقول فرايزر حين زار المنطقة عام 1834م: «والقول بصورة أكيدة أن ما يقارب خمسين ألف رجل يقفون الآن تحت تصرفه». ويورد علاء الدين سجادي الرقم نفسه أيضاً، في حين يشير موكرياني إلى خمسة عشر ألف مقاتل. أما الدكتور روس فيذكر أن القوة الموجودة في معسكر الجيش السوراني كانت بحدود عشرة آلاف رجل، «وهي أقل من نصف الجيش النظامي، فقد أُرسلت البقية إلى المنازل لحصاد المحصول الزراعي». ونظراً لأن الأخير كان قد زار المعسكر المذكور بنفسه، فيمكننا الاعتماد على معلوماته، وبناءً على ذلك يمكن القول إن الجيش السوراني كان يبلغ تعداده حوالي خمسة وعشرين ألف مقاتل. ويتطابق هذا الرقم مع ما يذكره أسعد خيلاني، الذي كان قريباً من الأحداث زمنياً. ولكن ذلك لا يمنع ارتفاع ذلك الرقم فيما بعد لتصل قوات سوران بمجموعها إلى خمسين ألفاً كما ذكر فرايزر، أو إلى ستين ألفاً كما يذكر الدملوجي، وذلك في حالة الاستنفار القصوى، وخاصة حين حقق الأمير محمد باشا العديد من الانتصارات التي كفلت له توسيع رقعة إمارته - كما سنأتي إلى ذلك فيما بعد - وانضمام قوى أخرى إليه. ومما يدل على ذلك أن إحدى الوثائق القاجارية تشير إلى أن قوات أربيل والمناطق المجاورة، إضافة إلى بعض العشائر العربية، قد انضمت إلى جانب الأمير محمد باشا عندما كان ينوي الاستيلاء على كويه (كويسنجق) وحرير.

كان هذا الجيش أشبه بالجيوش النظامية إلى حد بعيد، إذ كان الجنود يرتدون ملابس خاصة ولهم رتب عسكرية، وكان ما يقارب نصف الجيش السوراني يعملون بصورة دائمة ويتقاضون رواتب منتظمة. كما كان الانضباط وتقسيم الجيش إلى صنفين (المشاة والفرسان) معتمدين في ذلك الجيش أيضاً. ولغرض تأمين تسليح هذا الجيش أنشأ الأمير محمد باشا معملاً لصنع الأسلحة والذخائر الحربية، فكانت تُصنع فيه الأسلحة الخفيفة كالخناجر والسيوف، والأسلحة الثقيلة كالمدافع التي صُنع منها عدد لا بأس به.

هذا فيما يتعلق بالأمور الدفاعية والعسكرية، أما في المجالات الأخرى، وخاصة الشؤون الإدارية والأمنية والمالية، فقد خطا الأمير محمد باشا خطوات عدة، فأخضع جميع أقاليم الإمارة لإدارة مركزية قوية، وعين ممثلين ينوبون عنه في حكم تلك الأقاليم. وأنشأ دواوين أو مجالس عدة مختصة بشؤون الإمارة المختلفة، أهمها «مجلس الرؤساء» الذي كان بمثابة مجلس الوزراء، وكان يتكون من أشخاص مقربين من الأمير ويترأسه بنفسه، وكان لكل واحد منهم اختصاص معين في الإدارة. وأوجد ديواناً لإدارة الشؤون الداخلية، كما أسس مجلساً للعلماء والحكماء أصدر عدداً من القوانين والقرارات لتتبعها الرعية. وشكل كذلك مجلساً حربياً من خمسة أعضاء للشؤون العسكرية. كما نظم الأمور المالية، وأسس جهازاً لإدارتها، وأصلح نظام الضرائب.

وقد شهدت إمارة سوران تطوراً من الناحية الأمنية، فقد أمن الأهالي على أرواحهم وممتلكاتهم، وانعدمت أعمال السرقة وقطع الطرق. ويشير فرايزر إلى ذلك بقوله: «البلاد أصبحت خالية من أية سرقة أو سارق، فقد قضى على اللصوصية من أصلها بعملية بتّارة». ويؤكد ذلك رحالة ومؤرخون آخرون أيضاً.

وبعد كل هذه الترتيبات اتخذ الأمير محمد باشا خطوات مشهودة في طريق الاستقلال، إذ كان اسمه يُذكر في خطب الجمعة، كما ضرب النقود باسمه، فأصدر قطعاً نقدية متعددة ذهبية وفضية ونحاسية، كما تشير إلى ذلك بعض المصادر. وفيما يتعلق بمسألة الاستقلال يُلحظ أن أغلب المؤرخين الكورد يؤكدون أن الأمير محمد باشا قد أعلن استقلاله عن الدولة العثمانية. ولكن لا يمكن التأكيد على ذلك بصورة قطعية، إذ لا توجد لدينا دلائل ملموسة على إعلانه الاستقلال صراحةً، ولا يستند المؤرخون الذين يشيرون إلى ذلك إلى تصريح أو قول يُنسب إلى الأمير محمد باشا نفسه، ولذلك لا يمكننا القول إنه قد أعلنه. ولكننا في الوقت نفسه نستطيع الجزم بأنه كان يطمح إلى الاستقلال ويناضل في سبيله، وأن النتيجة كانت ستؤدي إلى ذلك في النهاية لو أفلح الأمير في مسعاه. ونستند في ذلك إلى دراسة أعمال الأمير السوراني وإنجازاته، وفي مقدمتها ضرب السكة والخطبة له في المساجد، وهما من أهم الدلائل التي تبرهن على ذلك. كما أن إنشاءه مصنع الأسلحة الحربية، وبناء القلاع، وتحقيق العدالة، وعقد التحالف مع حاكم مصر محمد علي باشا، تعد كلها من أعمال الحكام المستقلين. وقد تعاملت الدولة القاجارية معه حاكماً لكيان سياسي قائم بذاته، كما حاول والي بغداد داود باشا كسب وده، فمنحه رتبة «مير ميران» التي تخوله حمل لقب الباشا، مما يدل على اعتراف السلطات العثمانية بحكمه على إمارته الكوردية سوران.

وبعد أن وطد الأمير محمد باشا نفوذه داخل الإمارة، وجه جهوده نحو توسيع رقعة نفوذه بالاستيلاء على الأقاليم المجاورة، فبسط هيمنته على العشائر الكوردية المجاورة، ومنها عشائر شيرواني وبرادوست وسورجي وخوشناو. وطرد الحاكم الباباني من حرير، ومد سيطرته إلى أربيل والمناطق المجاورة لها، ثم سيطر على بلدة آلتون كوبري (بردى)، وهدد مدينة كركوك أيضاً، إلا أنه لم يسيطر عليها، وذلك لحدوث حالة طارئة في إمارة بابان دفعته إلى توجيه حملة على أراضيها الشمالية، فاقتطع منها منطقتي رانية وكويه، فأصبح نهر الزاب الصغير حداً فاصلاً بين الإمارتين، سوران وبابان، واتفقتا على ذلك.

ركز الأمير محمد باشا جهوده في بدايات العقد الرابع من القرن التاسع عشر على المناطق الواقعة إلى الشمال والغرب من إمارته، وبالتحديد الأقاليم التابعة لإمارة بادينان والمناطق الكوردية الأيزيدية في سنجار والشيخان. فقد جذبت حوادث تلك المناطق اهتمامه، وذلك عندما قتل أمير الأيزيديين علي بك زعيمَ العشائر المزورية علي آغا الباله ته يى غيلةً، مما أدى إلى لجوء ابن أخيه ملا يحيى المزوري إلى الأمير محمد باشا طالباً الانتقام له من علي بك الأيزيدي ومن أمير بادينان، الذي كان له ضلع في هذه الحادثة حسب اعتقاد الملا يحيى المزوري. وكانت تلك الحادثة بمثابة الحجة التي تذرع بها الأمير محمد باشا لمهاجمة تلك المناطق التي كان ينوي الاستيلاء عليها دون شك. وزاد في تشجيعه على ذلك لجوء موسى بك إليه طالباً معاونته للحصول على منصب إمارة بادينان وخلع أخيه سعيد باشا، الذي كان يحكم الإمارة آنذاك. كما لا يمكننا أن نستبعد العامل الديني في الهجوم السوراني على تلك المناطق، فقد وصف أغلب المؤرخين الأمير محمد باشا بأنه كان متديناً، وحاول تطبيق نصوص الشريعة الإسلامية في حكمه، وخاصة عندما أفتى له عالمه الديني ملا محمد الخطي باستباحة دماء الأيزيديين، الأمر الذي حرك الحمية الدينية لديه ولدى قواده وجنوده أيضاً.

ولذلك كله عبر الأمير محمد باشا الزاب الكبير في عام 1832م على رأس حملة عسكرية تألفت من جيشين: كان الجيش الأول بقيادة أخيه رسول بك، ومهمته مهاجمة الكورد الأيزيديين وبلدة عقرة (ئاكرى) ثم آميدي، أما الجيش الثاني فكان تحت قيادته، ويتولى مهمة المناطق الأخرى. وقد ارتكب الأمير محمد باشا مجزرة مروعة بحق الكورد الأيزيديين، قُتل جراءها أعداد كبيرة منهم، كما أمر بقتل زعيمهم علي بك، واستولى على مناطقهم في الشيخان وسنجار. واستولى كذلك على عقرة وزاخو ودهوك، وبعد أخذ ورد أحكم سيطرته أخيراً في عام 1834م على مدينة آميدي، وبذلك تمكن من إلحاق إمارة بادينان بأكملها بإمارته سوران. وخلال تلك الحملة حاصر مدينة الموصل أيضاً، ولكنه لم يسيطر عليها. ويذكر أحد المؤرخين أن والي الموصل محمد باشا إينجه بيرقدار راسل الأمير محمد باشا وحاول كسب وده بالهدايا، فعقد معه الصلح وبقي الوالي في إيالته. وتؤيد الوثائق المصرية ذلك حينما تشير إلى أن جنود الأمير محمد باشا اكتفوا بأن طالبوا الموصل بشيء من المال فأخذوه.

ويشير بعض المؤرخين إلى أن الأمير محمد باشا قد سيطر على جزيرة بوتان (مركز إمارة بوتان) خلال تلك الحملة الواسعة النطاق، كما هدد البوتانيين في حصن كيفا، بالإضافة إلى إغارته على مدينتي ماردين ونصيبين. إلا أنهم لم يشيروا إلى موقف أمير بوتان بدرخان بك من تلك الأحداث، كما لم يذكروا نتيجة السيطرة السورانية على تلك المناطق وما آل إليه الأمر. في حين يذهب المؤرخ جليلي جليل إلى أن بدرخان بك أمير بوتان قد اتصل بالأمير محمد باشا وطلب منه العون للقضاء على أحد مناوئيه. وفيما يتعلق بعلاقة الأمير محمد باشا بإمارة بوتان، يمكن القول إن تلك العلاقة قد توترت بينهما أول الأمر حينما تعرض الأمير محمد باشا لممتلكات بوتان وأميرها بدرخان، ولكنها تحسنت فيما بعد إلى درجة أن بدرخان بك قد أرسل فعلاً أحد أبناء عمومته إلى رواندوز لطلب المساعدة من الأمير محمد باشا ضد مناوئيه، وأظهر الأخير استعداده لتقديم تلك المساعدة.

وهناك مسألة أخرى جديرة بالتنويه، وهي أن الأمير محمد باشا لم يصطدم بقوات الدولة العثمانية أو بالولاة العثمانيين خلال عملياته لتوسيع نفوذه، باستثناء الحملة العثمانية التي قادها محمد رشيد باشا، والتي أدت إلى إنهاء حكمه كما سنرى فيما بعد. ويعود ذلك في رأينا إلى أسباب عدة، في مقدمتها أن الدولة العثمانية كانت منشغلة حينذاك بحروبها كما بينا سابقاً، الأمر الذي لم يمكّنها من التواجد العسكري في المنطقة مبكراً. ومن جهة أخرى فإن الإمارات الكوردية القائمة في جنوبي كوردستان كانت تتبع إدارياً إيالة بغداد في تلك الفترة. وكان الأمير محمد باشا يحتفظ بعلاقات ودية مع داود باشا، الذي كان والياً على بغداد فيما بين سنتي 1816 و1831م، وذلك لأنه كان يشارك والي بغداد عداءه للبابانيين وللدولة القاجارية أيضاً، ولذلك عندما هاجم الأمير محمد باشا إمارة بابان واقتطع منها رانية وكويه أظهر داود باشا تأييده له في ذلك. أما علي رضا باشا، الذي تولى إيالة بغداد في عام 1831م، فقد اضطر إلى الاعتراف بسلطات الأمير محمد باشا المتنامية، لعدم قدرته على الوقوف في وجهه كما يذكر لونكريك. ولذلك لم تحاول إيالة بغداد في عهد علي رضا باشا التصدي للأمير السوراني والوقوف ضد محاولاته التوسعية. ويبدو أن العامل الديني كان له تأثير في ذلك أيضاً، ونقصد بذلك حرص الأمير محمد باشا على عدم الاصطدام بجيوش الدولة العثمانية قدر الإمكان، باعتبارها جيوش خليفة المسلمين، أو «ملك الإسلام» كما يشير إلى ذلك بنفسه حين يقول: «ليس لي دخل في منطقة حكومة ملك الإسلام». وهذا ما يفسر لنا امتناعه عن التقدم والتوسع في المناطق الواقعة بين ماردين وديار بكر، رغم هلع حكام تلك المناطق من قواته، إذ إن تلك المناطق كانت تحت الإدارة المباشرة لإيالة ديار بكر.

وبالرغم من ذلك الحرص لم يتمكن من تجنب الاصطدام بالعثمانيين، فقد وقف أخيراً وجهاً لوجه أمام قوات الدولة العثمانية، وذلك عندما كلفت السلطات محمد رشيد باشا بالقضاء عليه كما ذكرنا سابقاً. ولا شك في أن تلك المهمة تعد من المحاولات العثمانية لتقوية السلطة المركزية، وفرض الحكم المباشر على أقاليم الإمبراطورية العثمانية، ومنها كوردستان، في إطار إصلاحات السلطان العثماني محمود الثاني كما ذكرنا سابقاً. ولكننا نستطيع الإشارة إلى عوامل أخرى أسهمت في توجيه تلك الحملة أيضاً، منها أن الدولة العثمانية أرادت تقوية سيطرتها في كوردستان لتأمين ظهر جيشها عندما تبدأ الجولة التالية من المواجهة في الشام مع قوات إبراهيم باشا بن محمد علي باشا، والي مصر وحاكمها الكوردي الأصل.

ومما يرجح هذا العامل وجود إشارات تفيد بأن اتفاقاً قد تم بين الأمير محمد باشا وإبراهيم باشا بن محمد علي باشا في الشام على تقديم المساعدة لبعضهما ضد الدولة العثمانية. ولا شك في أن المسؤولين العثمانيين قد أحيطوا علماً بذلك، فأرادوا القضاء أولاً على الأمير محمد باشا السوراني ليتفرغوا بعد ذلك للقوات المصرية في الشام بقيادة إبراهيم باشا.

وبغض النظر عن ذلك، كان من البديهي أن تخشى الدولة العثمانية توسعات إمارة سوران الكوردية، التي قد تؤدي إلى بناء كيان سياسي كوردي موحد يهدد النفوذ العثماني في كوردستان. ومما كان يزيد الأمر خطورة لدى السلطات العثمانية خوفها من استيلاء إمارة سوران على إيالة بغداد نفسها، بل على العراق كله. فهناك إشارات تفيد بأن علماء بغداد ووجهاءها كتبوا إلى الأمير السوراني يحرضونه على التوجه للاستيلاء على بغداد. وتشير بعض الوثائق إلى أن اتفاقاً عُقد بين الأمير محمد باشا وبين المماليك أتباع داود باشا، والي بغداد السابق. وقد لاحظ بعض المراقبين المعاصرين أن أولئك الحلفاء كانوا «يريدون الاستيلاء على بغداد والبصرة وسائر العراق بعد استيلائهم على الموصل، وأن هذه الحركة ليست جزئية، إنما هي حركة واسعة النطاق يحتاج القضاء عليها إلى وصول الجيش السلطاني».

ومهما كانت درجة صحة هذه المعلومات، فلا شك في أنها قد ألقت الرعب في قلوب المسؤولين العثمانيين، فعملوا على معالجة الوضع بالقضاء على الأمير محمد باشا السوراني. وفي المقابل هناك من يذكر أن قيام الأمير محمد باشا بإلقاء القبض على حاكم سنجق أربيل يعقوب آغا بعد الاستيلاء على المدينة، ثم فرار الأخير إلى والي الموصل الذي أخبر الباب العالي بالموضوع، كان من العوامل الرئيسة التي دفعت العثمانيين إلى التفكير في التخلص من الأمير السوراني.

لقد ذكرنا أن وصول حملة القائد العثماني محمد رشيد باشا إلى هدفها الرئيس قد تأخر كثيراً لأسباب ذكرناها في حينها، فاغتنم الأمير محمد باشا هذه الفرصة ليحقق مزيداً من التوسع لإمارته، فاستدار هذه المرة نحو الشرق لمهاجمة الأراضي الكوردية التي كانت تحت سيطرة الدولة القاجارية، مستغلاً استياء السكان الكورد في تلك المناطق من السلطات الحاكمة التي كانت سبباً في بؤسهم وشقائهم، الأمر الذي سهّل مهمته. فقد استولى في عام 1835م على منطقة كوتور الواقعة على حدود الدولتين، وهزم القوة التي أرسلها الشاه القاجاري من مدينة خوي لمجابهته. وسيطر كذلك على مدينة سلدوز ومناطقها المجاورة، بالإضافة إلى بعض النواحي القريبة من أورمية، حسبما جاء في أحد المصادر. أما الوثائق القاجارية فتشير إلى هجمات عدة للأمير محمد باشا على الأراضي الكوردية التابعة لإيران، وتؤكد سيطرته على مدينة سردشت وعدد من قرى منطقة لاجان التابعة لمدينة مهاباد، وإغارته على منطقة مركور ومدينة مهاباد نفسها.

كانت تلك المبادرة خطوة غير حكيمة من الأمير محمد باشا، لأنه أثار بها عداء الدولة القاجارية له في الوقت الذي كانت الدولة العثمانية تتربص به، مما كان يعني حرمانه من المساعدة الإيرانية المحتملة، بل وقوعه بين فكي كماشة إذا ما قررت الدولة القاجارية استغلال الموقف والوقوف إلى جانب الدولة العثمانية في محاربته. ورغم محاولته إصلاح الموقف فيما بعد، وعقده معاهدة سلام مع الحكومة الإيرانية تنازل بموجبها للدولة القاجارية عن بعض المناطق التي كان قد استولى عليها، فإن ذلك لم يبدل الموقف القاجاري العدائي منه، كما سيتبين فيما بعد.


أجزاء «الأطماع العثمانية أدت إلى سقوط الإمارات الكوردية» (4 أجزاء):

  1. الجزء الأول (هذا الجزء)
  2. الجزء الثاني
  3. الجزء الثالث
  4. الجزء الرابع

الجزء الثاني ←