الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي
الأطماع العثمانية أدت إلى سقوط الإمارات الكوردية (الجزء الثاني)
من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2023
الحملة العثمانية على سوران ونهاية الأمير محمد باشا
بدأ القائد العثماني محمد رشيد باشا هجماته على المناطق التابعة لإمارة سوران في ربيع عام 1836م، فهاجم زاخو واستولى عليها بعد أن حاصرها، ثم توجه نحو الموصل. وعندما علم الأمير محمد باشا بذلك انسحب إلى رواندوز، وأمر بتحصين المناطق التي كانت تقع في طريق الجيش العثماني. وفي خطوة دبلوماسية من جانبه أرسل مبعوثاً إلى الحكومة القاجارية عارضاً عليها العمل المشترك ضد الجيش العثماني، مقابل تعهده بإعلان انضمامه إلى الدولة القاجارية، ولكنه جوبه بالرفض، نظراً لعداء المسؤولين القاجاريين له وعدم نسيانهم هجماته على المناطق التابعة لهم، وبتأثير الضغط البريطاني والروسي. فرغبة روسيا في المحافظة على مصالحها في إيران جعلتها تعادي الحركات المناوئة للحكومة القاجارية، ولذلك لا نستغرب أن نرى السلطات الروسية تزود محمد تقي خان زنكنة، المعروف بـ«أمير نظام» وحاكم جنوب أذربيجان الإيرانية، بالذخائر الحربية عندما طلبها منها، إذ أراد الإفادة من الموقف ليوجه ضربة إلى الأمير السوراني. أما بريطانيا فقد أرادت الحفاظ على الوضع الراهن في المنطقة، الذي كانت إمارة سوران تهدده بالتغيير، وذلك حفاظاً على مصالحها في تلك المنطقة أيضاً، ولتأمين الطريق الذي يمر عبرها إلى بلاد الهند التي كانت تعد درة التاج البريطاني. وقد عبر أحد المسؤولين الإنكليز عن تلك السياسة بجلاء حين قال: «ليس هنالك أي شعب يمكن أن يحل محل الأتراك الذين يجب أن يظلوا باقين على طريق الهند، لأنهم ضعفاء ولا يستطيعون إلحاق الضرر بنا». كما أن الساسة البريطانيين كانوا يقفون ضد الحركات المناوئة للدولة العثمانية، لأنها قد تؤدي إلى تفكك تلك الدولة، مما يهيئ الأرضية لزحف النفوذ الروسي باتجاه الجنوب على حساب نفوذ بريطانيا ومصالحها. وكان عداء البريطانيين لمحمد علي باشا حاكم مصر يأتي في هذا الإطار أيضاً. ولذلك نجد الدبلوماسية البريطانية تنشط في سبيل تضامن الدولتين العثمانية والقاجارية للقضاء على الأمير محمد باشا وحركته الكوردية التوسعية، فقد أظهر السفير البريطاني في طهران رغبة بلاده الملحة في تحقيق ذلك التضامن، وذلك في رسالة بعثها إلى وزير الخارجية القاجاري. فالتضامن المنشود يؤدي إلى تكوين سد منيع في وجه زحف النفوذ الروسي باتجاه الجنوب. وهناك من يرى أن خوف بريطانيا من احتمال إعلان أمير سوران الولاء للحاكم المصري القائم في سوريا أدى إلى محاولتها الإسراع في القضاء على الأمير محمد باشا، لأن المسألة قد تتفاقم حينئذ أكثر من ذي قبل.
وقد رحبت الحكومة القاجارية بتلك المبادرة رغبةً في الانتقام من الأمير محمد باشا وتعويض الخسائر التي تكبدتها نتيجة هجماته على الأراضي التابعة لها. فقد أرسل حاكم جنوب أذربيجان الإيرانية محمد تقي خان زنكنة، المعروف بـ«أمير نظام»، رسالة إلى القائد العثماني محمد رشيد باشا، يعرض فيها المشاركة الإيرانية في العمليات العسكرية الموجهة ضد أمير سوران، وذلك باختراق الحدود وتضييق الخناق عليه من جانبهم. وطالب الدولة العثمانية بعدة التزامات في حالة رفض تلك المبادرة، من بينها ضمان الأمن والاستقرار من جانبها في المناطق الحدودية الكوردية، وإجبار الأمير محمد باشا على إخلاء المناطق الكوردية الإيرانية التي لا يزال يتمسك بها، وكذلك دفع مبلغ أربعة آلاف تومان للدولة القاجارية تعويضاً عن الأضرار المادية والبشرية التي لحقت بها جراء هجمات الأمير المذكور.
وفي ظل غياب الرد العثماني الإيجابي على تلك المبادرة الإيرانية، طلب السفير البريطاني في طهران من السلطات القاجارية عدم خرق الحدود العثمانية في خضم حملاتها الموجهة ضد القوات السورانية، والتريث لحين ظهور نتائج المساعي التي بذلها لدى الدولة العثمانية كي تضع من جانبها حداً لتحركات الأمير محمد باشا. وعندما وصلت أنباء استيلاء الجيش العثماني على قلعة آميدي، أرسل السفير البريطاني السكرتير الأول للبعثة البريطانية في تبريز، الكابتن شيل، إلى معسكر القائد العثماني محمد رشيد باشا للوقوف على تطورات الموقف هناك، ولإطلاع القائد العثماني على الأضرار التي نجمت عن هجمات أمير سوران على الأراضي التابعة لإيران، حسبما يفيد السفير المذكور في الرسالة التي بعثها إلى وزير الخارجية القاجاري. ولكن المرجح أن تلك المهمة، التي نُفذت في تموز 1836م، كانت ضمن الجهود المبذولة لإقناع الجانب العثماني بالعمل المشترك مع الجيش القاجاري.
وفي تلك الأثناء هاجمت القوات القاجارية الإيرانية - التي كانت تضم عدداً من الفرسان الكورد - المناطق الكوردية الإيرانية التي كانت تحت سيطرة القوات السورانية والقبائل الكوردية المتحالفة معها، فتمكنت من استعادتها وطرد ممثلي الأمير السوراني منها، مستغلةً اندحار قوات سوران أمام الجيش العثماني في مناطق بادينان. وبالرغم من تلك الانتصارات التي تحققت لهم، لم يقتنع المسؤولون القاجاريون بانتهاء تهديدات محمد باشا السوراني، إذ كانوا مصرين على القضاء التام على مصدر تلك التهديدات الكائن في رواندوز، ولذلك لم يتخلوا عن المطالبة بدور لهم في الحملة العسكرية المتوجهة إلى مركز إمارة سوران. فبينما كانت القوات الإيرانية المرابطة على الحدود تراقب التطورات، أرسل وزير الخارجية القاجاري رسالة إلى السفير العثماني في طهران يخيّر فيها العثمانيين بين السماح للقوات الإيرانية بخرق الحدود لقمع محمد باشا السوراني وإجباره على دفع غرامة عن الأضرار التي سببها في إيران، وبين دفع تكاليف القوات الإيرانية المرابطة على الحدود.
إلا أنه يبدو أن جميع هذه المساعي قد رُفضت من السلطات العثمانية، وخاصة من القائد العثماني محمد رشيد باشا، الذي لم يكن مستعداً لتقاسم انتصاراته مع أية جهة أخرى، بحجة أن هذه الوساطة تعد تدخلاً في شؤون الدولة العثمانية. كما عُدّ العرض الإيراني مناورة تهدف إلى التدخل في كوردستان العثمانية، وحذرت السلطات العثمانية إيران من محاولة دخول أراضيها.
وعندما وصل الجيش العثماني إلى مناطق بادينان، أرسل الأمير محمد باشا جيشاً بقيادة أخيه رسول بك، مع سعيد باشا وإسماعيل باشا أمير بادينان - وكان الأخير قد صالح الأمير السوراني مؤخراً - لملاقاة الجيش العثماني. إلا أنهم لم يصلوا في الوقت المناسب، إذ سبقهم الجيش العثماني الذي هاجم آميدي من الموصل واستولى عليها، مستغلاً غياب إسماعيل باشا الذي كان مسؤولاً عن الدفاع عنها. وترك العثمانيون حامية صغيرة في قلعة آميدي ليهاجموا المناطق الأخرى، فتحيّن إسماعيل باشا أمير بادينان الفرصة حين وصله المدد، فهاجم القلعة وأعاد السيطرة عليها، وتمكن من الدفاع عنها ضد المحاولات العثمانية لإعادة احتلالها.
ولكن القائد العثماني محمد رشيد باشا أعاد تنظيم قواته، وهاجم المناطق الأخرى في طريقه إلى رواندوز، فحاصر عقرة مدة ثلاثة أشهر ثم احتلها، وعبر الزاب الكبير بعد ذلك إلى سهل حرير، حيث انضمت إليه قوات والي بغداد علي رضا باشا، وكان الأخير قد استولى في طريقه على آلتون كوبري وأربيل. أما قوات والي الموصل محمد باشا إينجه بيرقدار فكانت قد التحقت بالحملة الرئيسة قبل ذلك. وتشير بعض المصادر إلى أن معركة وقعت في سهل حرير بين قوات إمارة سوران، بقيادة أخي الأمير محمد باشا المسمى أحمد بك، وبين القوات العثمانية، فأسفرت عن انهزام العثمانيين وتراجعهم. ولكننا نستبعد وقوع تلك المعركة، لعدم ذكرها في المصادر الأخرى التي تصدت للموضوع، بل - على العكس من ذلك - تشير بعض المصادر إلى أن المعنويات قد تدنت في إمارة سوران، وتعدى ذلك إلى الأمير محمد باشا نفسه.
ومهما كان الأمر، فقد بدأ القائد العثماني محمد رشيد باشا يلجأ إلى الأساليب الدبلوماسية لتحقيق أغراضه حينما اقترب من معقل الأمير محمد باشا، خاصة وأن الأخير قد حصّن بقوات كافية «كه لى عه لى به كَـ» - أي مضيق علي بك - الكائن في طريقه إلى رواندوز، حسبما تفيد بعض المصادر. وقد خاطب القائد العثماني العاطفة الدينية لدى الكورد، مستغلاً قدسية مكانة السلطان العثماني المسلم لديهم، فوجه رسالة إلى الأمير محمد باشا طالبه فيها أن يمتثل لوازعه الديني ولا يقف في وجه إرادة السلطان، الذي يعد خليفة المسلمين حسب زعمه واعتقادهم. وقطع للأمير العهود والمواثيق بأنه إذا سلم نفسه فإنه سوف يستحصل له عفو السلطان العثماني ورأفته، وسوف يعيده سالماً إلى إمارته سوران ومعه الفرمان الرسمي بالإمارة.
ويبدو أن الأمير محمد باشا قد أخذ يستشير ذوي الرأي والوجاهة لديه في الأمر، فأشار عليه الملا محمد الخطي بعدم جدوى المقاومة، وحثه على تسليم نفسه حقناً للدماء. ويرجح أنه قد اقتنع بهذا الرأي، وخاصة عندما أدرك أن الأمور لا تسير في صالحه. إذ يشير الرحالة الإنكليزي فريزر إلى ذلك بقوله: «ولو كانت جيوشه مخلصة له لاستطاع أن يزدري القوى التي زحفت عليه كلها. كان البعض من ضباطه ميالين إلى الخيانة، كما كان من المؤكد أن يكون أولئك الذين وقفوا إلى جانبه إلى الأخير في المناسبات الاعتيادية قد أفزعتهم رؤية أعلام السلطان العثماني وهي ترفرف أمامهم. أضف إلى ذلك أن بقايا التبجيل لخليفة الرسول وزعيم الإسلام الديني منعت الأكراد من مقاومة جنود السلطان العثماني بالسلاح. وقد شعر الأمير السوراني بهذا كله، وبعد أن أضاع قلاعه الحصينة واحدة بعد أخرى استسلم في نهاية 1836». وتشير بعض المصادر الأخرى إلى أن الأمير السوراني لم يستسلم إلا بعد أن حاصره العثمانيون في رواندوز وعانى من نقص الماء والمؤن.
وفيما يتعلق بعوامل استسلام الأمير محمد باشا للجيش العثماني المهاجم، يتحدث بعض المؤرخين عن فتوى دينية أصدرها الملا محمد الخطي تفيد بأن «محاربة جيش الخليفة تخل بالدين والإيمان وبالعصمة الزوجية»، فأثرت الفتوى في نفوس المقاتلين الكورد، وامتنع كثير منهم عن القتال، وصار ذلك سبباً لضعف الأمير السوراني، فاضطر إلى الاستسلام حسب رأيهم. ولكن هذا الرأي مبالغ فيه دون شك، إذ لم يستسلم الأمير السوراني إلا عندما أدرك عجزه عن المقاومة، وخاصة عندما فقد الجزء الأعظم من مناطق نفوذه على يد القوات العثمانية. ومن جانب آخر يمكننا أن نتساءل: لماذا لم يبادر الملا محمد الخطي إلى إصدار فتوى مماثلة في الاصطدامات الأولى مع الجيش العثماني، حين احتل العثمانيون آميدي وعقرة والمناطق الأخرى بقوة السلاح خلال تلك الحملة؟ ومما لا شك فيه أن هذه المرة لم تكن المرة الأولى التي يواجه فيها المقاتلون الكورد جيوش الدولة العثمانية، فكيف قاتل الكورد في المرات السابقة؟ وبالرغم من ذلك فمن غير المستبعد أن يكون الملا محمد الخطي قد أشار على الأمير السوراني بالاستسلام حقناً للدماء، حينما بلغ الأمير حالة يائسة. ويبدو أن الأمير السوراني قد خذله بعض مقاتليه وأعوانه، خوفاً من المصير الذي سيلاقونه إذا استمروا في مواجهة الجيش العثماني الذي كان انتصاره يلوح في الأفق.
وقد استقبل القائد العثماني محمد رشيد باشا الأمير محمد باشا السوراني بالحفاوة والإكرام، وأخذه معه إلى إسطنبول، حيث مصيره المجهول الذي اختلف المؤرخون في تحديده. ولكن معظمهم يتفقون على أن الأمير السوراني قد قُضي عليه بأمر من السلطان العثماني محمود الثاني وهو في طريق عودته إلى إمارته سوران ومعه تفويض بالإمارة. وهناك مصدر قريب من الأحداث زمنياً ينفرد بذكر تفاصيل كاملة عن مصير الأمير السوراني في إسطنبول، ملخصها أن الأمير، وهو تحت الإقامة الجبرية في إسطنبول، حصل على العفو من السلطان العثماني بوساطة أحد أمناء الدولة الذي كان جاراً له، إذ اغتنم هذا الأمين ليلة كان السلطان محمود الثاني يخلو فيها بنفسه، فأعاد السلطان إلى الأمير حكم إمارة سوران وأذن له بالرحيل. ولكن والي بغداد علي رضا باشا تدخل في الأمر، وبعد مداولات مطولة نجح في حث السلطان محمود الثاني على إصدار الأمر بقتله، فوصل هذا الأمر إلى والي سيواس متزامناً مع وصول الأمير محمد باشا، فربطوه وألقوه في البحر.
وبعد رحيل الأمير محمد باشا دخلت إمارة سوران طور الاحتضار، ولكنها لم تنهر مباشرة، فقد اجتمع أولو الأمر في رواندوز وعيّنوا أحمد بك، أخا الأمير محمد باشا، أميراً جديداً على سوران، مما يدل على أن العثمانيين قد اكتفوا باستسلام الأمير محمد باشا ولم يقضوا على إمارة سوران في تلك الحملة. وجاء بعد أحمد بك أخوه سليمان بك إلى الحكم، ثم رسول باشا الذي ظل يحكم سوران إلى عام 1852م، حيث نُصّب حاكماً على رواندوز وحرير وشيروان وبالك وبرادوست بموجب فرمان عثماني رسمي، ولكنه اختلف مع والي بغداد في عام 1856م، فالتجأ إلى إيران بعد هزيمته أمام القوات التي وجهها الوالي العثماني إليه. فدخلت تلك القوات العثمانية رواندوز، وعُيّن عليها متصرف عثماني، وأُدخلت أجهزة الدولة إليها.
سقوط إمارة بادينان
لقد أعاد إسماعيل باشا أمير بادينان السيطرة على مدينة آميدي في سنة 1836م، ودافع عنها ضد المحاولات العثمانية لإعادة احتلالها. ويبدو أن العثمانيين قد غضوا النظر عنها بعد ذلك، وتوجهوا للقضاء على الأمير محمد باشا السوراني، الذي كان الهدف الرئيس لحملتهم، وعندما تم لهم ذلك في آب 1836م عرّجوا على قلعة آميدي. وفيما يتعلق بالهجوم العثماني على هذه القلعة في تلك الأثناء تتضارب آراء المؤرخين؛ فيذهب بعضهم إلى أن القائد العثماني محمد رشيد باشا حاصرها لدى عودته من رواندوز، ثم سيطر عليها فقضى بذلك على إمارة بادينان. وهناك من يرى أن والي بغداد علي رضا باشا هو الذي هاجم آميدي في عام 1837م، بعد القضاء على محمد باشا أمير سوران، وتمكن من احتلالها وأسر إسماعيل باشا أمير بادينان وأخذه إلى بغداد، ولكنه أعاده إلى منصبه في آميدي بعد ذلك، لأن ظروف الدولة العثمانية وانشغالها بحرب المصريين لم تكن تسمح بتطبيق الحكم المباشر حينذاك. أما المؤرخون الآخرون فيذكرون الحملة العثمانية التي وُجهت إلى آميدي بعد إنهاء مسألة الأمير محمد باشا السوراني، إلا أنهم لا يشيرون إلى اسم قائدها، كما أنهم ينكرون اعتقال إسماعيل باشا أمير بادينان أثناء تلك الحملة. ويذكر لونكريك: «وتولى في 1838م محمد باشا إينجه بيرقدار والي الموصل إتمام العمل غير الكامل في كوردستان، فأُلحقت في الأخير العمادية بعد أن حوصرت، ثم تبعتها عقرة ودهوك».
ولكننا نرجح الرواية الأخيرة، رواية لونكريك، مما يعني أن القوات العثمانية قد هاجمت آميدي بقيادة والي الموصل محمد باشا إينجه بيرقدار بعد العودة من رواندوز، وذلك لأن تلك المنطقة كانت تدخل في نطاق نفوذ إيالة الموصل في تلك الفترة. أما الأمير الباديني إسماعيل باشا فلم يتمكن من الصمود طويلاً أمام الحصار العثماني، فنزل من القلعة ليلاً عن طريق نفق سري مع بعض رجاله المعتمدين، متوجهاً إلى الأمير البوتاني بدرخان بك في مدينة جزيرة. فدخلت القوات العثمانية قلعة آميدي، وبعد أن بقي فيها والي الموصل محمد باشا إينجه بيرقدار أياماً معدودة، أقام عليها أحد وجهاء بادينان، وهو يونس آغا الكيلي، حاكماً مؤقتاً، ثم قفل راجعاً إلى الموصل.
ولكن يبدو أن يونس آغا الكيلي قد أدرك أن سكان آميدي، وخاصة وجهاءها، يميلون إلى إسماعيل باشا أمير بادينان الأصلي، فأخذ يرسل إليه سراً من يدعوه إلى العودة إلى آميدي، وحدث ذلك في عام 1842م. ثم سعى إسماعيل باشا إلى أن يجعل حكمه رسمياً ومعترفاً به من السلطات العثمانية، ولكن هذا الأمر جوبه بالرفض من والي الموصل محمد باشا إينجه بيرقدار، لأن الدولة العثمانية كانت تحاول جاهدة القضاء على الإمارات الكوردية. فجهز والي الموصل حملة لإنهاء حكم إسماعيل باشا، والتقى بقوات بادينان عند قرية إيتوت (أو عين توتا)، فدارت رحى معركة حامية أسفرت عن هزيمة قوات بادينان، فأسرع إسماعيل باشا بالعودة إلى آميدي ليتحصن فيها. ولحق به والي الموصل بقواته بعد أن أحدث كثيراً من التدمير والنهب في القرى الكوردية الواقعة في طريقه، فحاصر قلعة آميدي مدة أربعة شهور، اضطر إسماعيل باشا بعدها إلى تسليم نفسه، بعد أن تعهد له والي الموصل بضمان سلامته وأملاكه، وببذل الجهود لدى السلطات العثمانية ليُعيَّن على إحدى إيالات الدولة العثمانية. وقد تم ذلك فعلاً، إذ أرسل البيرقدار الأمير الباديني المعزول إسماعيل باشا مع أفراد أسرته وحاشيته وكافة ممتلكاته إلى بغداد، حيث توفي فيها عام 1872م بعد أن تقلد مناصب عدة في إيالات الدولة. أما مصير إمارة بادينان، فقد دخلت القوات العثمانية مدينة آميدي في عام 1842م، واستولت بعد ذلك على جميع المناطق التابعة للإمارة، وأُلحقت بإدارة إيالة الموصل.
حملة حافظ باشا على كوردستان
لقد وصلت قوات القائد العثماني محمد رشيد باشا إلى حالة سيئة من التعب وهبوط المعنويات، نتيجة تلك المسيرة الطويلة والشاقة عبر المناطق الكوردية الجبلية الوعرة إلى رواندوز. ومما زاد في سوء حالتها انتشار وباء الكوليرا بين أفرادها، وإزاء تلك الحالة أمرت السلطات العثمانية بوقف العمليات الحربية في كوردستان بصورة مؤقتة. وقد تعدى هذا الوباء الفتاك إلى قائد الحملة العثمانية محمد رشيد باشا نفسه، فمات متأثراً به في كانون الثاني 1837م في ديار بكر. وقد حل المشير حافظ باشا، الصدر الأعظم، محله في قيادة الحملة، ولم يكن هذا أقل غطرسة وخشونة من سلفه في تعامله مع الكورد.
استأنفت القوات العثمانية تنفيذ مهماتها في كوردستان في صيف عام 1837م، فوجهت هجمات عقيمة عدة إلى بعض المناطق الكوردية، أفهمت القيادة العثمانية ضرورة إعادة النظر في مسألة تقوية الجيش وزيادة عدد أفراده وإكمال نواقصه. والجدير بالذكر في هذا المجال أن العثمانيين استفادوا من العلاقات الإقطاعية القائمة في كوردستان مرة أخرى، عندما استغلوا الطموحات الشخصية والحرص على الامتيازات الإقطاعية لدى بعض الزعماء الكورد لكسب ودهم واستمالتهم، ليوجهوهم ضد بني جلدتهم، ولذلك ضم الجيش العثماني كثيراً من المقاتلين الكورد إلى جانبه. وهو ما عدّه الضابط البروسي مولتكه مبعث قوة للجانب العثماني، وذكر أن افتقار قوات المقاومة الكوردية إلى التخطيط والتنظيم كان لصالح العثمانيين المتفوقين من الناحية التسليحية أيضاً. ومن الأمور الأخرى التي ساعدتهم انقسام الرؤساء الكورد فيما بينهم وعدم تكوين جبهة كوردية موحدة ضد العثمانيين. يضاف إلى ذلك مساندة بعض الدول الأوروبية للعثمانيين، وعلى الأخص بريطانيا التي أمدت الحملة العثمانية بالمهندسين والخبراء في الشؤون العسكرية وبعض الأطباء العسكريين، ليزودوا الجيش العثماني بخبراتهم العسكرية والتقنية. وتدل مرافقة الضابط البروسي (الألماني) الرفيع المستوى مولتكه لتلك الحملة على أن بروسيا كان لها الموقف نفسه أيضاً.
وبعد أن اتُّخذت كافة الاستعدادات، وجّه العثمانيون هذه القوة الضخمة إلى منطقة صغيرة هي منطقة سنجار التي كان يقطنها الكورد الأيزيديون، وقد ارتكب فيها العثمانيون جرائم بشعة، إذ قتلوا أكثر من نصف سكانها الكورد رمياً بالرصاص أو بالقنابل، ولم يسلم حتى الذين لجأوا إلى المغاور والكهوف، إذ حوصروا وأُضرمت النار فيها، فماتوا حرقاً أو خنقاً بالدخان، ثم ساقوا النساء والأطفال إلى المدن حيث عُرضوا للبيع. ويذكر أحد شهود العيان بصدد تلك الجرائم: «هُدمت القرى الكوردية، وهتك الجنود أعراض النساء، وقُتل الرجال».
وبالإضافة إلى قوات القائد العثماني حافظ باشا، كانت هناك قوات عثمانية أخرى تسهم في قمع الانتفاضات الكوردية، وهي القوات التي كانت بقيادة قائد بايزيد، والتي كانت تحاول قمع انتفاضة عشيرة سبيكي في منطقة أرضروم، وتم لها ذلك في السنة نفسها (1837م)، فاعتُقل زعماؤها وفُتك بأفرادها.
وبعد أن انتهى حافظ باشا من مجزرة سنجار، زحف باتجاه الشمال الغربي مهاجماً بقوة الدفاعات الكوردية التي كانت تعترضه. وعندما حل الشتاء عسكر في ضواحي ملطية، وقدّم المدينة لقمة سائغة لجنوده، فأمضى الجنود الشتاء في نهب سكانها وسلبهم. وعندما جاء ربيع عام 1838م بدأ حملاته متوجهاً إلى الشرق لقمع الانتفاضات الكوردية التي كانت منتشرة في أنحاء واسعة من كوردستان ضد السياسة العثمانية الهادفة إلى النيل من حرية الكورد. وكانت المقاومة الكوردية لتلك الهجمات شديدة إلى درجة أن الجيش العثماني كان يقابل خصمه في بعض المواقع «بقلوب خائفة وأرجل مرتجفة»، بل إن تلك المقاومة البطولية دفعت الضابط الألماني المرافق للحملة العثمانية مولتكه إلى إبداء إعجابه الشديد بالشعب الكوردي وبمهاراته القتالية وشجاعته. وبالرغم من ذلك لم تكن تلك المقاومة مجدية في أغلب الأحيان، بسبب غلبة الجانب العثماني من حيث العدد والعدة، إلى جانب الانقسام الذي كان الكورد يعانون منه. فعندما مر الجيش العثماني بمنطقة موش لاقى في إحدى ضواحيها، الواقعة في منطقة جبلية وعرة، مقاومة باسلة من سكانها الكورد، الذين قرروا التصدي للقوات العثمانية بالرغم من وقوف زعيمهم وجماعته إلى جانب حافظ باشا، ولكنهم انهزموا نتيجة الانقسام الذي حدث في صفوفهم. ومما يجدر التنويه به أن بعض الزعماء الإقطاعيين الكورد كانوا يلجأون أحياناً إلى موالاة الجيش العثماني حرصاً على امتيازاتهم كما رأينا، بل كانوا يدفعون الرشى في سبيل تلك الامتيازات في أحيان أخرى. ويروي لنا جيمس برانت ما يصلح مثالاً على ذلك حين يقول: «إن الإخوة - أي إخوة أمين باشا الذي كان حاكماً على موش - كانوا قد عقدوا اجتماعاً للتباحث في الوضع الجديد الذي آل إليه أمين باشا بتحول باشويته إلى حافظ باشا، وكذلك لجمع المزيد من الأموال لشراء أفخم الهدايا لتكريم رئيسهم الجديد، بما يضمن تعيين أمين باشا من جديد على الباشوية نفسها».
ويجب ألا ننسى الإشارة في هذا المجال إلى أن العثمانيين كانوا يميزون هؤلاء الأمراء والزعماء الإقطاعيين الكورد عن الناس البسطاء، فنجد أنهم لا يعمدون - قدر الإمكان - إلى قتلهم أو التنكيل بهم عند وقوعهم في قبضتهم إثر مقاومة أبدوها ضدهم، بل كانوا في غالب الأوقات يطلقون سراحهم ويعيدونهم إلى أماكنهم السابقة. ويعطينا برانت مثالاً على هذا التصرف العثماني أيضاً عندما يتحدث عن زعيم عشيرة كوردية قاوم العثمانيين ثم اضطر إلى الاستسلام، فيقول: «إذ حُجز في ديار بكر لمدة عام كامل، ثم أُرسل مرة أخرى إلى منطقته الأصلية مستعيداً سلطاته القبلية السابقة». ويعلل خالفين ذلك بمحاولة العثمانيين ضمان مساعدة الكورد لهم في حروبهم المستقبلية ضد إيران وروسيا من جهة، واستهدافهم من جهة أخرى استمالة زعماء العشائر والإقطاعيين الكورد إلى صفوفهم بغية ضرب الحركات والانتفاضات الكوردية. أما عامة الشعب الكوردي فكانوا يتعرضون للغطرسة والقسوة العثمانية بعنف، إذ يروي لنا أحد شهود العيان مصير سكان إحدى القلاع الكوردية بقوله: «لقد تمت إبادة الرجال، وأُرسل الأطفال البنون إلى إسطنبول والنساء إلى ملطية». وقد تعرضت كوردستان جراء هذه الحملة لتدمير بشري ومادي مريع، فيذكر أحد الذين زاروا كوردستان خلال تلك الفترة أنه «تنتشر القرى الكوردية المحروقة والأراضي الجرداء في كافة المناطق الكوردية، مما أدى إلى انتشار المجاعة في كوردستان، وكانت الأودية مملوءة بجثث قتلى الكورد».
لقد استمر بؤس كوردستان على يد حافظ باشا وجنوده إلى سنة 1839م، حين حدثت تطورات على ساحة الشام دعت السلطان العثماني محمود الثاني إلى استدعاء حافظ باشا من كوردستان، ليتوجه بجيوشه المنهكة إلى ملاقاة الجيش المصري بقيادة إبراهيم باشا بن محمد علي باشا في نصيبين. وكان العثمانيون على علم بضعف جيشهم وإنهاكه بسبب سوء التغذية والأوبئة والتعب، لذلك حاولوا جمع أعداد أخرى من المقاتلين في كوردستان، ولكنهم لم يستطيعوا إلا تشكيل قوة كوردية صغيرة من بعض العشائر الكوردية. وحين وقعت المعركة في حزيران 1839م مُني الجانب العثماني بهزيمة نكراء، ولم ينس الكورد الذين كانوا في صفوف الجيش العثماني الجرائم العثمانية التي اقتُرفت ضدهم مؤخراً، وخاصة على يد حافظ باشا وجنوده، فبادروا إلى توجيه نيران بنادقهم إلى ضباطهم أنفسهم، ولم يستطع حافظ باشا أن يدفع عن نفسه غائلة هجوم الكورد المنتفضين إلا بمشقة كبيرة.
أجزاء «الأطماع العثمانية أدت إلى سقوط الإمارات الكوردية» (4 أجزاء):
- الجزء الأول
- الجزء الثاني (هذا الجزء)
- الجزء الثالث
- الجزء الرابع