الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

الأقاليم الجغرافية في العراق: حقائق تاريخية عن كوردستان (الجزء الأول)

من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2023

منذ أن تمت المصادقة على قانون إدارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية، أصبحت الفدرالية النظام السياسي والإداري لمستقبل العراق، كما بات الانتقال إلى النظام البرلماني التعددي ضرورة تفرضها المتغيرات الجديدة على أرض الواقع في العراق، وهي متغيرات تعبر عن ظاهرة توزيع الصلاحيات والمسؤوليات بين المركز (الحكومة الاتحادية) وبين الأقاليم (كوردستان) أو المحافظات العراقية. ثم جاء الاستفتاء الشعبي على دستور العراق ليقطع الطريق على كل خلاف في ذلك.

من هنا أصبحت الفدرالية في العراق وتحديد الأقاليم، ومنها كوردستان، مسألتين مترابطتين، وبات من اللازم على الحكومة المركزية الإقرار بوجود إقليم أو أكثر، كوردستان وغيرها، تتحدد في ظله حقوق مواطني الأقاليم وواجباتهم تجاه بعضهم بعضاً، وتجاه الحكومة الاتحادية في المركز (بغداد). كما يفترض، بالنتيجة، أن يكون لكل إقليم، ومنها كوردستان، حدوده الإدارية التي تقوم غالباً على أسس طبيعية أو اقتصادية أو اجتماعية.

فالإقليم، ومنه كوردستان، مساحة من الأرض تتميز عما يحيط بها بخصائص طبيعية تتمثل بالمرتفعات والجبال، أو بالأهوار والمستنقعات، أو بخصائص قومية (كوردية مثلاً)، أو لغوية (مثل اللغة الكوردية)، أو دينية (مسلمة أو مسيحية)، أو ثقافية. وفي العراق الحالي اعتاد الجغرافيون تقسيم البلاد إلى ثلاثة أقاليم طبيعية هي:

  1. الإقليم الجبلي وشبه الجبلي الكوردي: ويتمثل بالمنطقة الواقعة شمال مرتفعات حمرين ومكحول وسنجار الجبلية.
  2. إقليم السهل الرسوبي: ويضم السهول الجنوبية لما بين النهرين.
  3. إقليم الهضبة الغربية: ويشمل غرب العراق.

وفي ضوء ذلك قُسِّم العراق في أغلب العصور الإسلامية، للأغراض الإدارية والجغرافية، إلى الأقسام الثلاثة الآتية:

  1. إقليم الجبال (كوردستان العراق)، أو عراق العجم.
  2. إقليم السواد، ويضم منطقة السهل الرسوبي، وكان يطلق عليه بلاد العراق العربي.
  3. إقليم الجزيرة، وهو المنطقة الغربية من العراق.

أما في العهد العثماني، فقد كان العراق الحالي، حتى انتهاء الحرب العالمية الأولى، يتمثل في الولايات الآتية:

  1. ولاية الموصل (ذات الأغلبية الكوردية: كوردستان الجنوبية - العراق).
  2. ولاية بغداد.
  3. ولاية البصرة.

وبينما كانت ولاية الموصل ذات الأغلبية الكوردية تضم سناجق (ألوية): الموصل وشهرزور والسليمانية، كانت ولاية بغداد تتكون من سناجق (ألوية): بغداد والديوانية وكربلاء، فيما شملت ولاية البصرة سناجق (ألوية): البصرة والعمارة والمنتفك.

وجاء تقرير لجنة عصبة الأمم لحل مشكلة ولاية الموصل ذات الأغلبية الكوردية سنة 1925 ليؤكد مثل هذه التقسيمات الطبيعية والإدارية (الجغرافية)، إذ أقر بوجود ثلاثة أقاليم متميزة هي: العراق والجزيرة وكوردستان.

كما ورد في تقرير لجنة عصبة الأمم أن حدود العراق العربي لا تمتد أبعد من تكريت على نهر دجلة وهيت على نهر الفرات. وعليه فإن الإقرار بوجود أقاليم في العراق الحالي ليس أمراً جديداً، بل هو ظاهرة تاريخية عرفها العراقيون منذ القدم، كما أن قيام دولة اتحادية في العراق، كما ورد في المادة الأولى من دستور العراق، أمر تؤكده حقائق التاريخ والجغرافيا.

ومن الطبيعي أن يكون لكل إقليم حدوده الإدارية (الجغرافية)، وهذه الحدود لا يفترض أن تكون عفوية أو اعتباطية، وإنما تقوم على أسس ومعايير طبيعية أو اقتصادية أو اجتماعية، كما ذكرنا، وتخضع بالنتيجة لرغبات سكان تلك الأقاليم، كما ورد في المادة (115) من دستور العراق الجديد.

ومعلوم أن إقليم كوردستان العراق (الجغرافي) يمكن أن يُتخذ نموذجاً يحتذى به في الوصول إلى تحديد أقاليم جديدة في البلاد؛ فحدوده الإدارية (الجغرافية) الحالية كان قد أقرها قانون إدارة الدولة العراقية المؤقت، وأكدها الدستور العراقي فيما بعد، باعتبار ذلك خطوة في طريق الترسيم النهائي لتلك الحدود الجغرافية، على أمل الانتهاء من تنفيذ المادة (140) من الدستور العراقي المذكور، ليشمل النظام الفدرالي المناطق الجديدة التي ستُلحق جغرافياً بإقليم كوردستان العراق.

معلومات عامة عن كوردستان

تتوزع كوردستان بصورة رئيسية في أربع دول هي: العراق وإيران وتركيا وسوريا، فيما يوجد عدد من الكورد في بعض الدول التي نشأت على أنقاض الاتحاد السوفيتي السابق. وتقارب مساحة كوردستان في مجموعها مساحة العراق الحديث (490 ألف كم2). وتختلف التقديرات بشأن عدد الأكراد بين 35 و40 مليوناً، موزعين بنسبة 25% في تركيا، و22% في إيران، و20% في العراق، و15% في سوريا وأرمينيا.

لم تشكل كوردستان في يوم من الأيام بلداً مستقلاً ذا حدود سياسية معينة، على الرغم من أنه يسكنها شعب متجانس عرقاً. وقد ظهرت كلمة «كوردستان» مصطلحاً جغرافياً أول مرة في القرن الثاني عشر الميلادي في عهد السلاجقة، عندما فصل السلطان السلجوقي سنجر، الملك الكوردي، القسم الغربي من إقليم الجبال الكوردية، وجعله ولاية تحت حكم قريبه سليمان شاه، وأطلق عليه اسم كوردستان.

وكانت هذه الولاية (كوردستان) تشتمل على الأراضي الممتدة بين أذربيجان ولورستان (مناطق سنه ودينور وهمدان وكرمنشاه وغيرها)، إضافة إلى المناطق الواقعة غرب جبال زاغروس، مثل شهرزور وكويسنجق.

ففي كوردستان تركيا يشغل الكورد 19 ولاية من الولايات التركية البالغ عددها 90 ولاية، وهذه الولايات تقع في شرقي تركيا وجنوبها الشرقي، وهي: أرزنجان، وأرضروم، وقارص، وملاطية، وتونجلي، وألازيغ، وبينغول، وموش، وآغري (قرا كوسه)، وباطمان، وأديامان، وديار بكر، وسعرت (سيرت)، وبيتليس (بدليس)، ووان، وأورفا، وماردين، وحكاري (جولامريك)، وشرناخ. كما يوجد عدد كبير من الكورد في ولايتي سيواس وأنقرة، وفي مستوطنات قرب أضنة.

أما في كوردستان إيران، فالأكراد يشغلون بصورة مطلقة شمال غربي إيران في ولايات: أذربيجان الغربية إلى الشرق من بحيرة أورمية (رضائية) ومناطق ماكو وقطور وشاه بور، وفي جنوب البحيرة منطقة مهاباد (أو صابلا)، وولاية كوردستان (أردلان) وعاصمتها سنه أو سنندج، ومناطق بوكان وسقز وسردشت وبانه وبيجار (جروس) ومريوان وهورامان، وولاية كرمنشاه وقصر شيرين. وهناك مناطق كوردية معزولة في خراسان وفارس وكرمان.

وفي كوردستان العراق يتركز الأكراد في الألوية الشمالية والشمالية الشرقية: محافظة السليمانية، ومحافظة أربيل، ومحافظة دهوك، ومحافظة كركوك، وفي أجزاء من محافظة الموصل، وكذلك في منطقتي خانقين ومندلي من محافظة ديالى، حيث يجاورون أكراد إيران إلى الغرب من جبال زاغروس الكوردية.

وفي كوردستان سوريا يقيم الكورد في الشمال والشمال الشرقي، حيث يجاورون الأكراد في تركيا، ويشكلون حزاماً عمقه 30 كم وطوله 250 كم في إقليم الجزيرة الكوردية السورية (محافظة الحسكة)، وفي منطقتي عين العرب (كوباني) وعفرين (جبل الأكراد) قرب حلب. ويسكن في دمشق نحو مئة ألف كوردي في حي الصالحية، وفي حلب بضعة آلاف منهم.

ويعيش الكورد في أرمينيا حول العاصمة يريفان، وفي نخجوان، وفي أذربيجان في منطقة قره باغ. كما يعيش الأكراد خارج الأقطار المذكورة، إذ توجد قبائل كوردية في جورجيا وباكستان وبلوشستان وأفغانستان.

أما اللور، وهم من الشعب الكوردي، فيشغلون ولاية لورستان في إيران، كما ينتشر اللوريون الكورد في مدينتي العمارة والكوت في العراق.

جغرافية الكورد الإثنوغرافية

هناك أمثال عربية قديمة تصور المتاعب التي كان يلقاها المزارعون العرب في الأيام السالفة على أيدي جيرانهم الأكراد الرعاة، كلما حل بهم الجفاف فساقهم نحو السهول الغنية. وعلى الرغم من أن العرب لم يعودوا يتداولون تلك الأمثال في الوقت الحاضر، لانتهاء حالة القتال بين الرعاة والزراع، فإن شخصية الكوردي ومميزاته الحضارية ما تزال غامضة المعالم في أذهان الكثيرين منا نحن العرب، حتى الذين أصابوا قسطاً طيباً من الثقافة. وهذا وضع مؤسف في بلد يبلغ فيه الأكراد خمس السكان على الأقل، ولا بد من نشر دراسات إضافية عن التاريخ والتراث الكوردي.

ولقد أهمل الدارسون عموماً موضوع الأكراد، فلم تصدر عنهم سوى دراسات علمية قليلة جداً. وزعم بعض الدارسين أن العنصر الكوردي جزء من العنصر التركي، وأكد آخرون أنه جزء من العنصر الإيراني، بل ذهب بعضهم إلى القول إنه جزء من العنصر العربي، هذا على الرغم من أن لغتهم الهندية - الأوروبية لغة مستقلة ذات مميزات أصيلة.

وقد وُصفت لغتهم أيضاً بأنها فرع من اللغة الفارسية، كما وصفها آخرون بأنها لغة تركية مشوهة، مع أنها لغة كوردية مستقلة المعالم.

أما أخلاقهم وعاداتهم فقد تعرضت لتشويه بالغ على يد كتّاب متحيزين ورحالة يلعب الخيال بأقلامهم، ودأبت طائفة من أولئك الرحالة على اختلاق قصص وحكايات تدمغهم بالقسوة والوحشية، حتى أصبح اسم الأكراد، بفضل أمثال أولئك الرحالة والكتّاب، مرادفاً للعنف والقسوة والوحشية. ولا يمكن أن ننكر بالطبع أن الأكراد، شأنهم شأن بقية شعوب الأرض، قد مارسوا العادات البدائية في مجتمعاتهم المتخلفة، لكن ذلك لا يعني أن الخلق الكوردي يتميز بالقسوة والعنف كما حاول الكتّاب المتحيزون إثباته. والواقع أن بواعث تحامل أولئك الكتّاب على الأكراد لا تعزى إلى جهلهم فحسب، بل إلى دوافع أخرى سياسية ودينية. ولقد كان العالم الغربي يجهل الأكراد جهلاً تاماً حتى القرن التاسع عشر، ثم أصبح اسمهم مقترناً في أذهان الغربيين بالوحشية والقسوة منذ قاد الأمير بدرخان حملاته ضد المسيحيين في الثلاثينيات من ذلك القرن.

واشتدت الدعاية الغربية ضدهم فيما بعد بسبب اصطدامهم المتكرر بالأرمن والآشوريين، وصورتهم الدعاية المغرضة مسلمين متعصبين يتلذذون بتعذيب المسيحيين. وقد حاول قلة من الكتّاب أن يستجلوا الحقائق وراء تلك الاصطدامات، فتكشّف لهم أن مبعثها لا يرجع إلى تعصب الأكراد الديني وتعطشهم للدماء، بل إلى الصراع السياسي بين الحكومة العثمانية وحكومات الدول الغربية، فقد كانت الحكومة العثمانية تسخّر الأكراد دوماً لتحقيق أغراضها.

في ضوء هذه الظروف استبدت بالدكتور شاكر خصباك الرغبة في القيام ببحث عن الأكراد يسهم في تسليط الأضواء على مختلف جوانب تراثهم وحياتهم الاقتصادية والاجتماعية، واختار لواء (محافظة) السليمانية قاعدة لبحثه. ولواء السليمانية هذا واحد من أربعة عشر قسماً إدارياً (لواء/محافظة) كان العراق ينقسم إليها، وتبلغ مساحته (9552) كم2، كما بلغ عدد سكانه في حينها (226.600) نسمة.

ويقع لواء السليمانية في الجهة الشمالية الشرقية من العراق، وتحاذيه من الشمال والشرق الأراضي الإيرانية (ويسكنها الأكراد الإيرانيون)، كما تجاوره من الغرب والجنوب أراضي لواءي أربيل وكركوك على التوالي (ويسكنها الأكراد العراقيون أيضاً). وقد استند الباحث في اختيار هذا اللواء إلى مبررات عديدة، أهمها المبررات العنصرية، فلواء السليمانية هو الوحيد من بين الألوية الكوردية الأخرى الذي يقتصر سكانه على الأكراد.

ومما لا ريب فيه أن الوحدة اللغوية لسكان لواء السليمانية تهيئ مجالاً صالحاً لدراسة الأكراد في مواطنهم الأصلية. كذلك يهيئ البناء الطبيعي للواء السليمانية وأحواله الاقتصادية والاجتماعية غير المتطورة فرصة ممتازة للدراسة الجغرافية؛ فاللواء يقع كلياً ضمن المنطقة الجبلية، ويتراوح ارتفاع أرضه بين (2500) قدم و(7000) قدم، وتحتل أرضه حافات طويلة متوازية تقطعها أودية عميقة. وقد خلق هذا البناء الطبيعي المعقد، بمناخه المتنوع، أنماطاً متعددة من النشاطات الاقتصادية والتنظيمات الاجتماعية يتمثل فيها التفاعل بين الإنسان والبيئة الطبيعية. وهنالك عامل آخر شجع على اختيار لواء السليمانية، هو موقعه المتطرف في أقصى الشمال الشرقي من البلاد؛ فقد أتاح له هذا البعد عن مركز الحكم (بغداد العاصمة) وعن التأثير العربي الفرصة للاحتفاظ بأنماطه الكوردية الأصيلة في الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.

وهناك مزية أخرى لموقع لواء السليمانية بالنسبة للمناطق الكوردية عموماً، هي توسطه بين تلك المناطق. فقد ذكر أحد المراجع الكوردية أن الحدود الشمالية للأراضي التي يسكنها الأكراد تتمثل بخط يبدأ في جبال كرد داغ (في سوريا) متجهاً نحو الشمال، ومخترقاً منطقة كيليس ومرعش والبستان وديفريك حتى نهر كلكيت، وأن الحدود الشرقية تتمثل بخط يمتد من قارص في اتجاه جنوبي شرقي مخترقاً الشواطئ الغربية لبحيرة أورمية، ثم سنه وكرمنشاه حتى لرستان ومنطقة بختياري. أما الحدود الجنوبية الغربية فتتمثل بخط يبدأ جنوبي لرستان ويمتد باتجاه شمالي غربي مخترقاً مندلي، ويمر غربي خانقين حتى تلال حمرين وحتى السلسلة الأولى لجبال شيخان، ثم ينعطف نحو الشمال الغربي على امتداد سفوح التلال حتى فيشخابور على نهر دجلة، ثم ينعطف غرباً نحو جبل سنجار حتى ينتهي عند نهر الفرات قرب جرابلس. ومن الواضح أن هذا التحديد يجعل لواء السليمانية في قلب المنطقة.

ولقد بدا أن دراسة أكراد لواء السليمانية يمكن أن تتم على أفضل الوجوه باتباع منهج الجغرافيا الاجتماعية. وهذا الميدان الفسيح لا بد أن يعتمد بالضرورة على أبحاث من خارج ميدان الجغرافيا، كعلم الأنثروبولوجيا والاجتماع والاقتصاد والتاريخ، مما يسبغ على الموضوع فوائد أكثر شمولاً. ويقتضي تطبيق هذا المنهج توزيع الاهتمام بين العامل البشري والعامل الطبيعي، فكلاهما ذو أهمية حاسمة؛ فالعامل الجغرافي بعناصره الطبيعية المختلفة يكشف لنا عن تأثير البيئة الطبيعية في الإنسان، بينما يذكّرنا العامل البشري بمقدار الحرية المكفولة للإنسان في استجابته لمتطلبات البيئة الطبيعية وفي تعديله لآثارها. وقد التزم البحث بمنهج المدرسة المعتدلة التي لا تبالغ في تأثير العامل الطبيعي (عامل البيئة) ولا تنتقص من أهمية دور الإنسان، وطبق هذا المنهج في الموازنة بين العوامل الطبيعية والعوامل البشرية التي أثرت في خلق الأنماط الاقتصادية والسياسية والاجتماعية للمجتمعات الكوردية وتوزيعها.

ولقد اقتضى إعداد هذا البحث اتباع وسيلتين: الأولى عملية تستند إلى دراسة ميدانية، والثانية نظرية تتمثل في استشارة المراجع اللازمة. وقد أمضى الدكتور شاكر خصباك بضعة شهور يتجول في لواء السليمانية والألوية الكوردية الأخرى، ويستطلع آراء سكان المنطقة في مختلف المشاكل الاقتصادية والاجتماعية، ويسجل في الوقت ذاته ملاحظاته الشخصية. أما الجانب النظري فقد أحاطت به صعوبات كثيرة، فالمراجع العلمية عن الأكراد قليلة للغاية، وكتب الرحلات التي تتحدث عن كوردستان والأكراد حافلة بالمتناقضات والحكايات الخيالية. وقد أفاد المؤلف فائدة كبيرة من التقارير التي تحتفظ بها الدوائر الرسمية، كمجلس الإعمار ومديرية الزراعة ومديرية الغابات، كما أفاد أيضاً من بعض المعلومات التي أمده بها بعض الثقات الأكراد وبعض المختصين الحكوميين.

ولا بد لنا أخيراً أن نوضح أن هذا البحث ليس سوى مقدمة لدراسة الأكراد وأرضهم، وهو لا يخلو من نقائص كثيرة بسبب ميدانه الواسع وقلة مراجعه المتوفرة. كما أن معلوماته في بعض الجوانب أصبحت قديمة، أو ذات صفة تاريخية أحياناً، ذلك أنه كُتب في الفترة الواقعة بين عامي 1954 و1958، واستند إلى الأرقام التي كانت متوفرة يومذاك. وقد حاول المؤلف الدكتور شاكر خصباك أن يتلافى بعض هذا النقص بالرجوع إلى أحدث الأرقام الرسمية المتوفرة حالياً. وكان البحث قد هدف في حينه إلى لفت نظر السلطات المسؤولة يومذاك إلى ما يعانيه لواء السليمانية خاصة، والمنطقة الكوردية عامة، من مشاكل اقتصادية واجتماعية وسياسية، كيما توليها عنايتها الجدية، وتزيل مسببات شكاوى أبناء هذا الجزء العزيز من بلادنا (العراق). ولا ريب أن هذا الأمل قد أصبح في الوقت الحاضر وطيداً بعد صدور بيان 11 آذار التاريخي (1970)، فقد اعترف البيان بالذاتية الكوردية، وأقر كافة الحقوق القومية للأكراد بما فيها الحكم الذاتي ضمن إطار الجمهورية العراقية، وآمن بضرورة إعمار المنطقة الكوردية وإزالة كل مسببات التخلف والفقر والإهمال في الميادين الاجتماعية والثقافية والاقتصادية. لذلك فإن مقترحات هذا البحث قد تكتسب أهمية خاصة في ضوء بيان 11 آذار 1970، وقد يمكن الاستفادة من العديد منها، والله الموفق.


أجزاء «الأقاليم الجغرافية في العراق: حقائق تاريخية عن كوردستان» (2 أجزاء):

  1. الجزء الأول (هذا الجزء)
  2. الجزء الثاني

الجزء الثاني ←