الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

الأقاليم الجغرافية في العراق: حقائق تاريخية عن كوردستان (الجزء الثاني)

من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2023

اتجاهات النمو السكاني للكورد

لا يمكن تقدير اتجاهات النمو السكاني إلا بدراسة الإحصاءات السكانية الشاملة والطويلة المدى، وفي بلادنا لم تُدرك أهمية الإحصاء إلا في عهد متأخر، فقامت الحكومة لأول مرة بإجراء إحصاء عام للسكان في عام 1947. وبما أنها كانت التجربة الأولى، فقد أحاطت بها العقبات واعترتها نواقص كثيرة ولم تحقق الدقة المطلوبة، وكان أبرز تلك العقبات عدم تعاون السكان، وهو موقف أملته عليهم تجاربهم السابقة مع الدولة العثمانية التي كانت تقوم بإحصاء السكان لأغراض الضرائب والتجنيد. وقد بلغ سكان لواء السليمانية حسب إحصاء عام 1947 حوالي (246.400) نسمة، ولم يكن ذلك الرقم حقيقياً.

ويمكن أن يقارن هذا الرقم برقمين سابقين فقط: الأول أوردته لجنة عصبة الأمم التي تولت إجراء الاستفتاء في مصير ولاية الموصل، وكان 191.525 نسمة، والثاني أورده تقرير عن «الإحصاءات الحيوية» نشرته مديرية الصحة العامة عام 1935 معتمدة على تسجيلات المراكز الصحية، وكان 184.204 نسمة.

إن مقارنة هذه الأرقام بعضها ببعض تكشف عن توقف في اتجاه النمو السكاني تقريباً، فهو يزيد أحياناً زيادة بسيطة، وينخفض أحياناً أخرى انخفاضاً طفيفاً.

ويمكن أن نرسم لاتجاهات النمو السكاني صورة أكثر وضوحاً ودقة بمقارنة رقم 1947 برقم 1955 الذي بلغ 238.306 نسمة. وتكشف هذه المقارنة عن زيادة طبيعية قدرها 0.99% في العام. وبما أن هذه الأرقام ليست دقيقة ولا طويلة الأمد، فلا يمكن الاعتماد عليها في تحديد اتجاهات النمو السكاني. ويمكن تقديم صورة أفضل للنمو السكاني عن طريق مناقشة العوامل المؤثرة في نمو السكان، وهي العامل السياسي والعامل الاقتصادي والعامل الديموغرافي، ومدى تأثير كل منها في سكان اللواء.

العامل السياسي

إن أبرز صفة للتاريخ السياسي للواء السليمانية هي عدم الاستقرار. ويمكن أن تعزى هذه الظاهرة إلى الموقع الجغرافي للواء، فقد كان دائماً جسراً للجيوش القادمة من الغرب نحو الشرق. ولقد دمرت جيوش القائد اليوناني زينفون (Xenophon) المنطقة عام 401 قبل الميلاد، كما دمرتها أيضاً جيوش الإسكندر المقدوني الكبير عام 331 قبل الميلاد. وبلغ عدم الاستقرار في المنطقة قمته في بداية القرن الخامس عشر عند قيام الإمبراطوريتين المتنافستين: العثمانية والفارسية. ونظراً لوقوع لواء السليمانية بين الدولتين المتنافستين، فقد كان يتعرض دائماً للاجتياح ولتغير الحكام. والواقع أن منطقة السليمانية كانت، شأنها شأن بقية أنحاء كوردستان، ساحة للمعارك بين الإمبراطورية الإيرانية والإمبراطورية العثمانية. وقد تركت تلك الحروب المتصلة أثراً عظيماً في سكان لواء السليمانية، فقد كان كل من الجيشين، المنتصر والمهزوم، يمارس أقصى ما في إمكانه من وسائل التدمير والقتل تجاه مواطني المنطقة الكوردية (كوردستان)، بما في ذلك حرق الحقول وتخريب القرى.

ولم يؤدِّ ظهور إمارة بابان الكوردية في المنطقة خلال القرن السابع عشر إلى إعادة الاستقرار إليها؛ فقد كان من أبرز صفات الحياة السياسية القصيرة لتلك الإمارة التنافس الداخلي والخارجي، فشهدت المنطقة نتيجة لذلك حروباً عديدة، وكان حكام الإمارة الكوردية مشغولين دائماً بالقتال، إما مع الجانب العثماني، أو مع الجانب الإيراني، أو ضد كلا الجانبين. كذلك أدى التنافس بين أعضاء الأسرة الحاكمة إلى صراع مستمر. وقد علق المؤرخ الكوردي محمد أمين زكي على أوضاع الحياة السياسية لإمارة بابان وآثارها على السكان بقوله:

«لقد أدى الصراع المستمر بين الحكومتين العثمانية والإيرانية الصفوية من جهة، والتنافس المتصل بين الرؤساء البابانيين من جهة أخرى، إلى عرقلة ازدهار الإمارة. ولم يكن التنافس الداخلي مسؤولاً عن انهيار الإمارة وإعادة السيطرة العثمانية فحسب، بل كان مسؤولاً أيضاً عن تدمير المنطقة وتخريبها، مما نجم عنه الفقر الشديد والتعاسة المُرة».

ولقد شهد لواء السليمانية منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر فترة من الاستقرار النسبي تحت الحكم العثماني، إلا أن حلول القرن العشرين واندلاع نار الحرب الكبرى الأولى كلّف اللواء خسارة فادحة في الأرواح والاقتصاد؛ فقد استُنفر معظم شباب الأكراد في الجيش العثماني، وضُم أغلبهم إلى الألوية الحميدية ونُقلوا إلى الخطوط الأمامية، ولم يبق في القرى سوى الأطفال والنساء والشيوخ. وقد أثرت هذه الخسارة في القوى البشرية في الزراعة تأثيراً سيئاً، وأدت إلى نقص في المواد الغذائية. وتدهور الموقف تدهوراً عظيماً في أواخر الحرب، إذ اجتاحت المنطقة الأوبئة والمجاعة وحصدت آلافاً من السكان.

ولقد أصبح لواء السليمانية في أعقاب الحرب الكبرى الأولى جزءاً من الدولة العراقية العربية الجديدة، إلا أن الغليان السياسي ساد المنطقة فيما بين عامي 1918 و1931؛ فقد قام الشيخ محمود الحفيد مرات عديدة بثورات مسلحة ضد الحكومة أشاعت الاضطراب في المنطقة. وقد تخلى الشيخ محمود الحفيد عن ثوراته منذ عام 1932، فتمتعت المنطقة باستقرار نسبي.

من الواضح إذن أن لواء السليمانية قد قاسى من الاضطراب السياسي قروناً عديدة، فترك هذا الوضع أثراً مزدوجاً في السكان، اقتصادياً وبيولوجياً. ويتمثل الأثر الاقتصادي في تدهور الوضع الزراعي في اللواء؛ فالزراعة عملية تستغرق وقتاً طويلاً وتتطلب عملاً متصلاً، فكان من المتعذر على السكان أن ينصرفوا إليها في ظل تلك الظروف التي يسودها عدم الاستقرار ويُفتقد فيها الأمن والسلامة. هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن الاضطراب السياسي لم يشجع الزراع على بذل أقصى جهودهم لزراعة حقول واسعة وإن توفرت لديهم حبوب كافية، إذ كانت تلك الحقول عرضة للتدمير في أية لحظة. وقد أدى التدهور الزراعي إلى نقص دائم في المواد الغذائية، وأثر ذلك بدوره في صحة السكان الريفيين، فكان أغلبهم يعاني من سوء التغذية الحاد.

ويتمثل الأثر البيولوجي فيما كان يفقده اللواء من أبنائه أثناء الحروب، وما تنطوي عليه تلك الخسارة من عرقلة لنمو السكان، كما أوضحه كار سوندرز (Carr-Saunders). ويعتقد كار سوندرز أن فقدان من لم يبلغوا درجة النضج بعد من السكان، في مثل تلك الظروف، يؤدي إلى عرقلة قوة التكاثر السكاني بدرجة فعالة.

تاريخ الكورد وكوردستان: نشأته وجذوره وجغرافيته

كوردستان تعني أرض الكورد، وهي المنطقة الجغرافية التي يقيم فيها الأكراد في الشرق الأوسط. والمنطقة موزعة على خمس دول هي: العراق، وإيران، وسوريا، وتركيا، وأجزاء من دول الاتحاد السوفيتي السابق. ومن الصعب تحديد المنطقة الجغرافية لكوردستان لعدم اعتراف الدول آنفة الذكر بهذا الكيان.

ويعتقد الأكراد أن كوردستان قُسمت على الدول الأربع قسراً في اتفاقية لوزان 1923 المبرمة بين الدول المنتصرة في الحرب العالمية الأولى.

وتعترف إيران والعراق بمنطقة كوردية على أراضيهما، أما سوريا، التي تضم أقل عدد من الأكراد بين الدول الأربع، ونظيرتها تركيا فترفضان ذلك.

اشتقاق كلمة «الكورد»

تندرج اللغة الكوردية ضمن مجموعة اللغات الإيرانية التي تمثل فرعاً من أسرة اللغات الهندو-أوروبية. وكلمة كوردستان مؤلفة من جزأين: الأول هو «كورد» نسبة إلى الشعب الكوردي، والثاني هو «ستان» ويعني منطقة جغرافية أو موطناً أو مكاناً. لذلك عُرفت المنطقة الجغرافية للأكراد منذ زمن بعيد بأرض الكورد (لورستان)؛ ففي عصر حضارة ما بين النهرين، على سبيل المثال، عُرفت المنطقة الكوردية (كوردستان) بهذه التسمية، فقد كان السومريون يسمون المنطقة كورا أو قوتيوم أو أرض كاردا، أما الآشوريون فكانوا يسمونها كورتي، والبابليون قاردو، والإغريق قاردوتشوي، والرومان كوردرين، والعرب أرض الأكراد. ويعتقد أن أول من استخدم مصطلح «كوردستان» هو السلطان سنجر السلجوقي، الملك الكوردي، في القرن الثاني عشر.

والمصطلح الذي يرادف كلمة «العروبة» في اللغة العربية هو في اللغة الكوردية «كوردواري» (Kurdewarî) أو «كوردايتي» (Kurdayetî).

الكورد

الأكراد شعوب كوردية تعيش في بعض دول الشرق الأوسط، وهي: إيران (جنوب الغرب)، والعراق (الشمال الشرقي)، وتركيا (الجنوب الشرقي)، وسوريا (أقلية صغيرة). ويطلق القوميون الأكراد على الأراضي التي يقطنها الكورد حالياً اسم «كوردستان الكبرى»، وهو مسمى جدلي. ويرى العلامة محمد أمين زكي (1880-1948) في كتابه «خلاصة تاريخ الكورد وكوردستان» أن الكورد يتألفون من طبقتين من الشعوب: الطبقة الأولى كانت تقطن المنطقة الجغرافية لكوردستان منذ فجر التاريخ، ويسميها محمد أمين زكي «شعوب جبال زاكروس» (الكوردية في كوردستان). وحسب رأي المؤرخ المذكور فإن شعوب جبال زاكروس الكوردية هي: «لولو، كوتي، كورتي، جوتي، جودي، كاساي، سوباري، خالدي، ميتاني، هوري أو حوري، نايري»، وهذه الشعوب الكوردية هي، كما يراها، الأصل القديم جداً للشعب الكوردي. والطبقة الثانية هي طبقة الشعوب الهندو-أوروبية التي هاجرت إلى كوردستان في القرن العاشر قبل الميلاد، واستوطنت المنطقة الجغرافية لكوردستان مع شعوبها الكوردية الأصلية، وهم «الميديون والكاردوخيون» الأكراد، وامتزجوا مع الشعوب الكوردية الأصلية هناك ليشكلا معاً الأمة الكوردية.

وهناك نوع من الإجماع بين المستشرقين والمؤرخين والجغرافيين على اعتبار المنطقة الجغرافية الجبلية الواقعة في شمال الشرق الأوسط بمحاذاة جبال زاكروس وجبال طوروس هي المنطقة الكوردية (كوردستان) التي سكنت فيها الشعوب الكوردية التي يحتمل كونها أسلافاً للأكراد منذ القدم، ويطلق الأكراد تسمية كوردستان على هذه المنطقة الجغرافية. وهذه المنطقة الجغرافية الكوردية عبارة عن أجزاء من كوردستان العراق، وشمال غرب إيران، وشمال شرق سوريا، وجنوب شرق تركيا. ويوجد الأكراد، بالإضافة إلى هذه المناطق الكوردية، بأعداد قليلة في جنوب غرب أرمينيا وبعض مناطق أذربيجان ولبنان. ويعتبر الأكراد إحدى أكبر القوميات التي لا تملك دولة مستقلة أو كياناً سياسياً موحداً معترفاً به عالمياً.

وهناك الكثير من الجدل حول الشعب الكوردي، ابتداءً من منشئهم، وامتداداً إلى تاريخهم، وحتى في مجال مستقبلهم السياسي. وقد ازداد هذا الجدل التاريخي حدة في السنوات الأخيرة، وخاصة بعد التغيرات التي طرأت على واقع الأكراد في العراق عقب حرب الخليج الثانية، وتشكيل الولايات المتحدة منطقة حظر الطيران التي أدت إلى نشأة كيان إقليم كوردستان في كوردستان العراق.

منشأ الكورد

وهنا يُطرح السؤال حول منشأ الكورد، الذي يدور حول فرضيتين: فجذور الكورد نشأت من الشعوب الناطقة باللغات الهندو-أوروبية (وهي الشعوب التي تتكلم لغة كوردية أصلها، نظرياً، المنطقة الواقعة بين الهند وشرق أوروبا).

وهناك عدد من النظريات حول نشوء الأكراد:

  1. تيار مكون من القوميين العرب وأصحاب حضارة وادي الرافدين القديمة وبعض المستشرقين والمؤرخين، مقتنعون بأن الأكراد أتوا إلى المناطق الكوردية المعروفة الآن في زمن حديث، وأنهم قدموا من مناطق خارج البقعة الجغرافية الكوردية (كوردستان) التي يقطنونها حالياً، وبالتحديد من القوقاز. وقد ثبت علمياً خطأ هذا الرأي.
  2. تيار مكون من القوميين الأكراد، مقتنعون بأنهم شعب كوردي مستقل بذاته، لهم خصائص تميزهم عن بقية الشعوب، وقد حافظوا على جميع مظاهر هذه الخصوصية الكوردية من الزي واللغة والعادات والتقاليد، على الرغم من التشابه في بعض النواحي اللغوية مع الشعوب المجاورة. ويورد الأكراد الاحتفال بعيد نوروز مثالاً على ذلك؛ فعلى الرغم من احتفال الشعوب المجاورة بهذا العيد، فإن للأكراد مفهوماً مختلفاً تماماً لعيد نوروز مقارنة بمفهوم إيران وأفغانستان وألبانيا وباكستان لهذا العيد.
  3. تيار مكون من الأكراد أنفسهم، مقتنعون بأن أصول الأكراد هندو-أوروبية. وقد نشأ هذا التيار ردةَ فعل على ما اعتبره تهميشاً ومحاربة من قبل الشعوب المجاورة، فهو يحاول إرجاع أصول الأكراد إلى عروق آرية أو أوروبية.

أجزاء «الأقاليم الجغرافية في العراق: حقائق تاريخية عن كوردستان» (2 أجزاء):

  1. الجزء الأول
  2. الجزء الثاني (هذا الجزء)

→ الجزء الأول