الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

الألوية الحميدية الكوردية (الجزء الأول)

من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2023

سياسة السلطان عبد الحميد الثاني: الاحتيال على الكورد بالألوية الحميدية (1881–1909)

تُعدّ فترة حكم السلطان عبد الحميد الثاني (1876–1908م) مرحلة مهمة في تاريخ الكورد، إذ ظهر فيها صراع استعماري مرير على الولايات الشرقية في الأناضول (كوردستان تركيا)، وذلك حين أرادت الحركة القومية الأرمنية، بدعم من الدول الأوروبية ولا سيما روسيا القيصرية، إنشاء كيان أرمني في المنطقة التي تُسمّى اليوم شرق تركيا، والتي تسكنها غالبية كوردية. وهذا ما جعل للسلطان عبد الحميد الثاني وللألوية الحميدية التي أسسها دوراً حاسماً في هذا الصراع، وتمخّض عنه حرب أهلية مريرة بين الأرمن والكورد دامت أكثر من عقد من الزمان.

ويحاول الباحث هنا عرض السمات الرئيسية لسياسة السلطان عبد الحميد الثاني داخل الدولة العثمانية، ثم ربط هذه السياسة بسياسته تجاه الكورد، ثم يتطرق إلى أسباب ظهور التشكيلات الحميدية في كوردستان، والنتائج التي ترتبت على تأسيسها.

وصل السلطان عبد الحميد الثاني إلى الحكم نتيجةً لمحاولة انقلابية دبّرها دعاة الإصلاحات الغربية داخل الدولة ضد السلطان القوي عبد العزيز. وكان السلطان عبد الحميد من دعاة الإصلاح أيضاً، لذلك عيّن مدحت باشا، الوالي السابق في بغداد والمعروف بكفاءته الإدارية، صدراً أعظم (رئيساً للوزراء)، ووافق على سنّ الدستور وتشكيل مجلس المبعوثان ومجلس الأعيان. ويقول السلطان عبد الحميد في مذكراته إنه تبيّن له بعد فترة قصيرة من حكمه أن مدحت باشا وزملاءه من جماعة دعاة الإصلاح يريدون فرض استبدادهم على الدولة، وأن مدحت باشا والمتنفذين معه في الحكم يدينون بولاء مطلق للمحفل الماسوني والسفارة البريطانية في إستنبول. كما اعتقد السلطان أن الدستور والبرلمان ليسا إلا غطاءين لتدمير ما تبقّى من الدولة العثمانية، ولفرض القيم اللادينية الغربية (العلمانية) على المجتمع العثماني المسلم؛ لذلك عزل مدحت باشا، المدمن على الخمر، وأوقف العمل بالدستور.

كانت أهم التحديات الداخلية التي واجهها السلطان عبد الحميد ظهور المحافل الماسونية وانتشارها في الولايات العثمانية. وكان أنصار هذه المحافل يعملون تحت شعار الجمعيات الإصلاحية التي تنادي بالتغيير وإشاعة قيم الحرية والمساواة، ولكن هذه الجماعات كانت في حقيقتها مرتبطة باليهود وبالسفارات والقنصليات الأوروبية. وفي الوقت نفسه ورث السلطان عبد الحميد اقتصاداً هزيلاً، إذ بلغت الديون الخارجية عند تسلّمه الحكم 300 مليون ليرة ذهبية عثمانية. ولم تكن التحديات الخارجية أقل خطورة من التحديات الداخلية، وقد لخّص السلطان ذلك بقوله: «بالأمس قطعوا (الأوروبيون) أيدينا بفصلهم بلغاريا وصربيا ومصر عن جسم الدولة، وقطعوا أرجلنا بفصلهم المقاطعات العثمانية في أوروبا، واليوم يريدون، بإثارتهم مشكلة الأرمن في مقاطعات الأناضول الآسيوية في الشرق، أن يشقّوا بطوننا ويُخرجوا منها الأحشاء لنموت».

وقد صاغ السلطان عبد الحميد إستراتيجية طموحة لمجابهة تلك التحديات، استندت إلى ما يأتي:

  1. مكافحة الفساد الإداري، والتخلص من البذخ وسوء التصرف بالأموال. ولتحقيق ذلك أكّد السلطان ضرورة إحياء قيم الإسلام الأصيلة في النفوس، وبدأ بنفسه، فاتخذ قصراً متواضعاً، وترك الحريم، وواظب على حضور صلاة الجمعة، وحوّل القصر السلطاني الكبير الذي ورثه عن أجداده في طوب قابي سراي (إستنبول) إلى جامعة للعلوم الشرعية والطبيعية، ووظّف ما ورثه من الذهب والنقود في إصلاح الأراضي المعروفة بـ«الأراضي السَّنيّة»، التي تديرها هيئة إدارية كفوءة، وزُوّدت بالمكائن والطرق ومشاريع الري. كما أعطى القروض السخية للمزارعين، وخفّف عنهم الضرائب. وباختصار، أراد السلطان عبد الحميد أن يجعل إدارة الأراضي السنية نموذجاً لما يجب أن تكون عليه الأجهزة الحكومية الأخرى.
  2. إحياء فكرة الخلافة الإسلامية بين الشعوب الإسلامية، إذ لم يكن سلاطين آل عثمان قبل السلطان عبد الحميد يُولون مؤسسة الخلافة أهمية كبيرة. لذلك عيّن عبد الحميد العديد من الشخصيات الإسلامية من العرب والكورد في الديوان السلطاني، وكان حريصاً على بناء أواصر المحبة في كل أنحاء الإمبراطورية. كما أولى الطرق الصوفية أهمية خاصة، وقرّب شيوخها إليه.
  3. وضع خطة اقتصادية لإنعاش الاقتصاد العثماني المنهار، فاهتم كثيراً بفتح المدارس والمعاهد العلمية في كل أنحاء الإمبراطورية، وأعطى امتيازات للشركات الأوروبية لاستخراج المعادن، واهتم اهتماماً خاصاً بفتح الطرق ومدّ خطوط السكك الحديدية. ويُعدّ خط بغداد–برلين وخط دمشق–الحجاز من مآثر السلطان.
  4. تعزيز القوة العسكرية، إذ استمر السلطان عبد الحميد في سياسة عمّه السلطان عبد العزيز في تحديث مؤسسات الجيش وأسلحته، واهتم اهتماماً خاصاً بالبحرية العثمانية.
  5. انتهاج سياسة خارجية حكيمة تستند إلى مبدأ الحياد، فقد أدرك عبد الحميد أن الدولة العثمانية لم تعد تستطيع وحدها الوقوف في وجه القوى الأوروبية جميعاً، فأراد أن يستغل قوة بعض خصومها في صراعها مع الخصوم الآخرين. وكان ذلك سرّ التقارب الذي حصل بين الإمبراطورية العثمانية والإمبراطورية الألمانية في تلك الفترة.

تعرّض السلطان عبد الحميد عدة مرات لمحاولات اغتيال على يد العصابات الأرمنية والماسونية المتحالفة مع الصهيونية، لذلك أسست الدولة العثمانية لأول مرة جهازاً أمنياً متطوراً. وكان السلطان تحت ضغط شديد من الصهيونية العالمية للسماح لليهود بالهجرة الجماعية إلى فلسطين. وعندما التقى تيودور هرتزل، رئيس المنظمة الصهيونية العالمية، بالسلطان عبد الحميد، حاول إغراءه ببيع فلسطين لليهود مقابل أن يدفع اليهود كل الديون الخارجية المترتبة على الدولة العثمانية، ولكن دون جدوى. ثم حاول هرتزل أن يرشو السلطان مرة أخرى، فرفض السلطان العرض الصهيوني، وقال لهم: «إن كان هدف الصهيونية العالمية السماح بهجرة اليهود هرباً من اضطهاد أوروبا لهم، فكل أبواب الدولة العثمانية مفتوحة. أما إذا كانوا يريدون أن يشتروا مني فلسطين، فإني أنصحهم بأن يحتفظوا بأموالهم، لأن ذلك لن ينفعهم ما دمتُ على قيد الحياة. لكن إذا متُّ أو عُزلت عن الحكم فإن اليهود سيحصلون على فلسطين بلا ثمن».

لذلك اقتنع الصهاينة بأن بقاء السلطان عبد الحميد في الحكم عائق رئيسي في طريق اغتصابهم لفلسطين، فنشط اليهود في مسعاهم لإسقاطه، وبذلوا في هذا الإطار جهوداً كبيرة من خلال المحافل الماسونية للتشهير به، وساعدتهم في ذلك السفارات والقنصليات الأوروبية. فبدأت حملة شعواء على شخصه، ووصفته الصحافة الغربية بأسوأ النعوت، فأُطلق عليه لقب «السلطان الأحمر» و«المستبد». ثم جاءت الحرب الكوردية–الأرمنية وأحداث الشغب التي وقعت في إستنبول ضد الأرمن والمصالح الأرمنية لتزيد الاتهامات الموجهة إلى السلطان، مع أن هذه الأحداث كانت من صنع القوى الخارجية. ولإفشال خطة السلطان عبد الحميد في إحياء فكرة الأمة الإسلامية في إطار سياسي تمثّله الخلافة، عمد اليهود والماسونيون والدول الأوروبية المساندة لهم إلى ترويج القيم اللادينية (العلمانية الغربية) وإثارة النعرات القومية والطائفية بين المسلمين.

غير أن السلطان عبد الحميد لم يكن فوق النقد، فهو، كما يقول في مذكراته، كان مقصّراً في بعض الأمور، لكنه كان رجلاً ذكياً وطموحاً أراد أن يبثّ الروح في الدولة العثمانية التي كانت تحتضر، فجاء متأخراً. وقد اتصف بالسماحة والعفو وعدم الحزم مع أعدائه، فلم تكن الإعدامات في عهده عُرفاً من أعراف الدولة، بل كان أقصى ما يفعله بخصومه السجن المؤقت أو النفي؛ لذلك سقط فريسة الانقلاب الماسوني الذي قاده حزب الاتحاد والترقي عام 1908. وبعد أن جاء هذا الحزب القومي إلى الحكم باسم الحرية والدستور بدأت مرحلة جديدة من الاستبداد الفعلي في البلاد الإسلامية، إذ أقام هؤلاء القوميون الترك حمّامات الدم للشعوب غير التركية، وورّطوا الدولة في حرب أوروبية (الحرب العالمية الأولى) لم يكن للمسلمين فيها ناقة ولا جمل، فأدّى ذلك إلى تفتّت الأمة وضياع العديد من أقاليم دار الإسلام، وفي مقدمتها فلسطين.

الألوية الحميدية: الخيالة الكوردية

تطرّق عدد من الباحثين الغربيين إلى مسألة تشكيل الألوية الحميدية من الكورد، والدور الذي خُطّط لهم للقتال أو التنكيل بالخصوم نيابةً عن الجيش العثماني. ودراساتهم تعكس، بصورة عامة، التصور السلبي الذي خلّفته الدوائر الرسمية الأوروبية عن الألوية الحميدية. فقد كتب الباحث السوفيتي فيريانوف بحثاً مستفيضاً عن الألوية الحميدية، ولكنه، كسائر البحوث السوفيتية عن الكورد، يعتمد بصورة أساسية على وثائق الحكومة الروسية القيصرية وعلى بيانات الجماعات الأرمنية وتقاريرها. إن أي بحث موضوعي عن الألوية الحميدية يجب أن يستفيد من الأرشيف الروسي، ولكنه لا يستطيع بأي حال أن يستغني عن وثائق الدولة العثمانية الموجودة في تركيا.

ففي عام 1891 أصدر السلطان عبد الحميد فرماناً يقضي بتشكيل الألوية (الخيالة) من القبائل الكوردية في المناطق المتاخمة للإمبراطورية الروسية (في شرق تركيا الحالية). ونصّت التعليمات على أن تكون هذه القوة غير النظامية قوةً مساندة للجيش النظامي في أثناء الحروب، فكان على كل فرد من أي عائلة كوردية أن يبقى في الخدمة مدة 23 سنة (بشكل متقطع) وفق التصنيف الآتي:

  1. الإحضارية: مدتها 3 سنوات للبالغين من العمر 17 عاماً، على أن يكون التدريب في مناطق سكناهم.
  2. النظامية: مدتها 12 عاماً (على فترات متقطعة)، لمن كانت أعمارهم بين 20 و32 عاماً عند التحاقهم. وكان هؤلاء يخضعون للتدريب بين الحين والآخر، وكانوا ملزمين بالحضور بكامل عتادهم وأسلحتهم وخيولهم في غضون 24 ساعة من استدعائهم.
  3. الاحتياط: مدتها 8 سنوات لمن بلغت أعمارهم بين 33 و40 عاماً. ولم يكن هؤلاء خاضعين للتدريب، إلا أنهم كانوا يُستدعون للخدمة الفعلية في الحالات الضرورية.

وكان على الفارس في جميع الأحوال أن يملك حصاناً (أو فرساً)، وتتولى الدولة الإنفاق عليه في أثناء التدريب الذي يستمر بين شهرين وثلاثة أشهر. وكان معدل حجم اللواء الحميدي بين 800 و1000 فارس. أما تنظيم الخيالة الكوردية فكان على أساس الفوج، ويتكون كل فوج من 3 إلى 6 سرايا، وكل سرية من 3 إلى 30 فارساً. ويقف على رأس كل فوج ضابط خيالة نظامي يُختار عادةً من أكفأ الضباط.

ومُنح أفراد الألوية الحميدية امتيازات عديدة، منها الإعفاء من جميع الضرائب والرسوم الحكومية ما عدا ضريبتَي العُشر والكودة. وكانت الحكومة في عهد السلطان عبد الحميد تغضّ النظر عن الفرسان الحميديين الذين لا يستطيعون دفع هاتين الضريبتين، وتمنحهم في العادة أراضي الدولة (الأراضي الأميرية) غير المستغلة بعد إصلاحها، على أن يستغلها الفارس ما دام يؤدي التزاماته تجاه الفوج الحميدي الذي يتبعه. كما نصّ الفرمان الحكومي على ألّا يخضع أفراد الألوية الحميدية، أسوةً بالجيش النظامي، للمحاكم المدنية.

وقد أولى السلطان عبد الحميد الألوية الحميدية اهتماماً خاصاً، وجعلها حجر الزاوية في سياسته الرامية إلى إحياء الخلافة الإسلامية، إذ منحها اسمه إقراراً منه بأهميتها، وعيّن زكي باشا، زوج أخته وقائد الجيش العثماني الرابع المتمركز في أذربيجان، قائداً عاماً للقوات الحميدية. ولتشجيع العشائر الكوردية على الانخراط في صفوف التشكيلات الحميدية وجّه السلطان وعلماء الدين بياناً إلى الكورد يطلبون فيه منهم الانضمام إلى هذه الألوية لأنها تدافع عن الإسلام وعن شرفهم، حتى عُدّ الانضمام إليها جهاداً مقدساً. كما أدّى علماء الدين وشيوخ الطرق الصوفية دوراً مهماً في تشجيع الكورد على الدخول في الألوية الحميدية. وفي عام 1891 عُقد في إستنبول مؤتمر كوردي واسع النطاق حضره رؤساء العشائر والوجهاء فضلاً عن علماء الدين، والتقى السلطان بالمؤتمرين، وذكّرهم بواجبهم تجاه عقيدتهم الإسلامية وتجاه بلادهم التي بدأ الأعداء يهددونها.

وقد يسأل سائل: لماذا اقتصرت التشكيلات الحميدية على الكورد؟

أسباب ظهور التشكيلات الحميدية

يعتقد الباحث السوفيتي لازاريف أن إقدام السلطان عبد الحميد على تأسيس الألوية الحميدية كان محاولة منه لتفادي تطبيق المادة 61 من معاهدة برلين لعام 1878م، التي أُجبر على توقيعها من قبل الدول الأوروبية. وقد نصّت هذه المعاهدة على إعطاء الأرمن نوعاً من الإدارة الذاتية، وعلى وجوب قيام الدولة العثمانية بمجموعة من الإصلاحات الإدارية والقضائية التي ترفع المظالم عن كاهل الأرمن. ونصّت فقرة فيها أيضاً على وجوب تعهّد الحكومة العثمانية بمنع المسلمين الكورد من القيام بما أسمته «الاعتداءات على الأرمن».

إن الترجمة العملية لهذه المعاهدة كانت تعني إعطاء الأرمن، على الرغم من كونهم أقلية في الولايات الشرقية، اليد الطولى في إدارة المنطقة. ومن الجدير بالذكر أن الوفد الروسي جلب بطريركاً أرمنياً إلى المؤتمر الذي عُقد في (سان ستيفانو) ببرلين، ومع أن البطريرك لم يحضر الجلسات الرسمية للمؤتمر، فقد سُمح له بلقاء الوفود. وطلب الوفد الأرمني من الدول الأوروبية استغلال اندحار القوات العثمانية أمام الروس في حرب عام 1878، وذلك بإلحاق الولايات الشرقية في الأناضول بالمناطق الأرمنية الواقعة تحت سيطرة روسيا القيصرية.

لذلك كان عبد الحميد يدرك جيداً أن مسألة الإصلاحات في الولايات الشرقية والمسألة الأرمنية كانتا غطاءً تتستر به الدول الأوروبية لفصل أجزاء أخرى من الدولة العثمانية، ولا سيما أن القوى الأوروبية سلكت المسلك نفسه في صربيا ومقدونيا وبلغاريا، إذ دعم الأوروبيون، تحت ستار الإصلاحات في هذه الأقاليم، القوى القومية عسكرياً وسياسياً للانفصال عن الدولة العثمانية. لهذا لا يُستبعد أن يكون السلطان عبد الحميد قد وجد في الألوية الحميدية وسيلة لتفادي تطبيق ذلك القرار. وبتعبير آخر، وكّل السلطان عبد الحميد الكورد بالدفاع عن بلادهم.

ويميل آخرون إلى القول إن السلطان عبد الحميد أدرك أن الأمن والاستقرار لن يتحققا في الولايات الكوردية في الأناضول من دون كسب ودّ الكورد ورؤسائهم؛ فالألوية الحميدية وفّرت لأبناء العشائر فرصاً لكسب الرزق، وأعادت الاعتبار لرؤسائهم. كما أوصى السلطان عبد الحميد الثاني زكي باشا بأن يتّبع أسلوب انتقاء العشائر للتشكيلات الحميدية بصورة تضمن نوعاً من التوازن بين القبائل، حتى لا تكون الألوية الحميدية عاملاً آخر لزيادة الحروب القبلية. ونتيجةً لذلك خفّت حدة المعارك القبلية المزمنة على الأراضي، وخفّت عمليات الثأر.

ويميل الباحثون الروس، والكتّاب الكورد الذين حذوا حذوهم في منهجية البحث، إلى القول إن السبب الرئيسي الذي دفع السلطان عبد الحميد إلى تشكيل الألوية الحميدية هو رغبته في استخدام الكورد آلةً طيّعة في يده لقمع الحركات القومية للشعوب غير التركية، واتخاذ هذه الألوية جيشاً احتياطياً لحروب الدولة العثمانية المقبلة مع الروس. وليس هناك شك في أن الألوية الحميدية شُكّلت بأمر السلطان لردع روسيا القيصرية عن شنّ هجمات عدوانية توسعية على الولايات العثمانية في الشرق. ولكننا لا نستطيع أن نتفق مع القائلين إن الألوية الحميدية جاءت لضرب الحركات القومية للشعوب غير التركية، ومنها الحركة القومية الكوردية، لأن ذلك يفترض أموراً غير ممكنة أساساً:

  1. إن السلطان عبد الحميد لم يكن قومياً تركياً حتى يفكر في ضرب القوميات الأخرى، بل كان معظم مستشاريه المقربين من العرب والكورد.
  2. لم تكن هناك عام 1891 حركة قومية كوردية فعالة، لا فكرةً بين النخبة ولا بين عموم الجماهير الكوردية، ولم تظهر طوال عهد السلطان عبد الحميد حركة قومية متبلورة بين الكورد. وإصدار بعض أبناء الأمير بدرخان جريدة «كوردستان» في الخارج سنة 1898 دليل على ظهور حركة قومية بين قسم من النخبة المتغرّبة خارج كوردستان، ومن المتأثرين بحركة تركيا الفتاة. علماً أن الجريدة المذكورة كانت تحظى بدعم الإنكليز، وكانت الأطراف الأرمنية تُدخلها إلى كوردستان عبر سورية، لأنها كانت مناهضة للسلطان وتتبنى القضية الأرمنية.

ويميل كاتب هذه السطور إلى الاعتقاد بأن الدافع الذي حمل السلطان عبد الحميد على تأسيس الألوية الحميدية هو شعوره بصدق الكورد وإخلاصهم، وبالقدرة العسكرية العالية التي يتميزون بها. فقد سبق للسلطان أن شهد بأمّ عينه مدى إخلاص الكورد له في أثناء الحرب الروسية–العثمانية في 1877 و1878م، وفي أثناء انتفاضة الشيخ عبيد الله النهري عام 1881م؛ إذ أدّت العشائر الكوردية في الحرب الروسية–العثمانية دوراً مهماً ومشرّفاً في الدفاع عن الدولة العثمانية. ولم يكن انتصار الروس على العثمانيين في هذه الحرب بسبب قلة الحماسة الإسلامية بين قوات المجاهدين الكورد، الذين كانوا تحت قيادة رؤسائهم من شيوخ الطرق الصوفية، بل كان سببه الفساد الإداري في إستنبول، وانعدام التنظيم والتعبئة الجيدة بين القوات النظامية وقوات المجاهدين الكورد، فاستطاع الجيش الروسي الأفضل تدريباً وعُدّةً أن يحقق النصر عليهم. ومع ذلك أبلى المجاهدون الكورد بلاءً حسناً في هذه الحرب بقيادة الشيخ عبيد الله النهري. علماً أن الأرمن، الذين عاشوا في ذمّة المسلمين أكثر من ألف وأربعمئة سنة في سلام ووئام، انضموا بالألوف إلى القوات الروسية الغازية التي كانت تنتهج سياسة الأرض المحروقة في زحفها على أرضروم.

ولم يقتصر تطوع العشائر الكوردية للجهاد ضد الروس والأرمن في حرب 1878 على الكورد الساكنين على الحدود مع روسيا، فقد أسهم المجاهدون من ولاية الموصل (كوردستان العراق) أيضاً في الحرب. وقد أدّى الشيخ كاك أحمد البرزنجي وابنه الشيخ سعيد دوراً مهماً في حثّ الكورد على التطوع للجهاد، فشاركت القبائل الكوردية في المنطقة بعدة أفواج في المعارك. وأدرك السلطان عبد الحميد ضرورة الاستفادة من طاقات المسلمين الكورد وتنظيمهم وتعبئتهم في جيش شبه نظامي على طراز القوات غير النظامية المعروفة في روسيا بالقوزاق. ووفّرت هذه الألوية أيضاً نوعاً من آلية الربط بين السلطان شخصياً والكورد.


أجزاء «الألوية الحميدية الكوردية» (2 أجزاء):

  1. الجزء الأول (هذا الجزء)
  2. الجزء الثاني

الجزء الثاني ←