الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي
الألوية الحميدية الكوردية (الجزء الثاني)
من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2023
النتائج والآثار المترتبة
كان للتشكيلات الكوردية الحميدية أثرها البالغ في الكورد من عدة وجوه. يقول الأستاذ الدكتور كمال مظهر إن تجربة الألوية الحميدية قد فشلت، ويضيف: «جاء الوليد الجديد هزيلاً بالطبع، وشريراً أيضاً». ويذهب الأستاذ إلى القول إن تشكيل هذه الألوية كان صفحة سوداء في تاريخ الكورد، لأنهم لطّخوا أيديهم من خلالها بدماء الأرمن، وهذا ما أضرّ بالمصالح الكوردية، إذ لا يزال الكورد يُنعتون بسببه بـ«البرابرة» وسفّاكي الدماء.
وفي الحقيقة إن سمعة الكورد في الغرب لم تكن جيدة منذ عام 1843، بسبب قيام الجمعيات التبشيرية والمسؤولين الإنكليز والفرنسيين برسم صور مشوّهة عن صراع الأمير بدرخان مع النساطرة (الآشوريين)، إذ نقل هؤلاء تقارير مليئة بالأكاذيب وأنصاف الحقائق عن مجازر وهمية ارتكبتها العشائر الكوردية بحق الآشوريين. لذلك امتلأت الصحافة الغربية بالعبارات القاسية التي تنعت الكورد بـ«البرابرة» والوحوش المتعطشة «لدماء المسيحيين». وهذا هو حال القوى المستعمرة: إذا لقيت مقاومة من الناس ذوي الكرامة والشجاعة نعتتهم بـ«التعصب» و«البربرية»، وإذا وجدت من يقلّدونها في الفكر كالقردة ويتعاونون معها أعطتهم الألقاب الرفيعة، كـ«المتنوّرين» و«المعتدلين» و«الوطنيين».
وبخلاف الدكتور كمال مظهر يُجمع الباحثون على أن السلطان عبد الحميد أفلح في إقناع العشائر الكوردية المتنفذة على الحدود الروسية–العثمانية بالانخراط في التشكيلات الحميدية، فأصبحت هذه القوة فعلاً قوة رادعة منعت الروس من الإقدام على مغامرات أخرى لاحتلال الولايات الشرقية. كما كان للقوات الحميدية «سجلّ رائع، ولا سيما في معارك البوسنة وصربيا واليونان، وقد عبّر هذا السجلّ بحقّ عن روح الفروسية والعسكرية العالية التي عُرف بها الكورد»، على حدّ قول الكاتب وحيد الشيخ. وظلت هذه القوة غير النظامية في نموّ متصاعد إلى بداية القرن العشرين، إذ كانت القبائل الكوردية تتنافس على شرف الانضمام إلى الألوية الحميدية، فتوسّع حجمها من 40 فوجاً عام 1892 إلى 63 فوجاً سنة 1899. وقد أدّت الامتيازات الكثيرة وتأييد علماء الدين وشيوخ الطرق الصوفية دوراً مهماً في نجاح التجربة. وبما أن الهدف من هذه القوة كان ردع الروس والعصابات الأرمنية المتسللة من الحدود الروسية، فقد صرف السلطان عبد الحميد الكثير من جهده لكسب العشائر الكوردية في كوردستان العراق، ما عدا العشائر الساكنة على الحدود العراقية–التركية التي انضمت إلى الألوية الحميدية. وفي عام 1912 استطاعت حكومة الاتحاد والترقي إقناع معظم العشائر الكوردية الساكنة في لواء السليمانية بالانضمام إلى الألوية الحميدية، التي تبدّل اسمها آنذاك إلى «الأفواج الحدودية الخفيفة».
ومن أهم نتائج التشكيلات الحميدية في المجتمع الكوردي عودة الاعتبار للكورد بصورة عامة، ولقيادتهم التقليدية المتمثلة برؤساء العشائر وعلماء الدين. وكانت الدولة العثمانية منذ عهد السلطان محمود الثاني (1812–1839) قد انتهجت تجاه الكورد سياسة تقضي بإزالة الإمارات الكوردية التي ظلت تتحكم في الشؤون الداخلية للمنطقة مئات السنين، وأحلّت محلها الحكم المركزي المباشر من خلال موظفين ومسؤولين مارسوا القمع بلا حدود ضد الناس، الأمر الذي أدى إلى انتفاضات كوردية عديدة ضد السلطة المركزية. فكان تشكيل الألوية الحميدية، التي أعطت الكورد ورؤساءهم مزيداً من الامتيازات، بمثابة إيقاف للعمل بتلك السياسة الجديدة وعودة إلى السياسة القديمة. ويورد الرحّالة الغربيون العديد من القصص التي تحكي كيف كان زكي باشا والسلطان العثماني يحميان الكورد لا من الروس والعصابات الأرمنية فحسب، بل حتى من الموظفين المحليين. وكانت الدول الغربية تطالب بإلحاح وباستمرار بإنزال العقوبات برؤساء العشائر الكوردية وأفرادها، على مسمع من المسؤولين العثمانيين في إستنبول، إلا أن السلطان عبد الحميد وزكي باشا كانا يرفضان تطبيق تلك السياسة.
لذلك يقول مارتن فان برونسن، الباحث الذي زار المنطقة الكوردية في تركيا مرات عديدة، إن الكورد لا يزالون ينظرون إلى السلطان عبد الحميد بوصفه الأب الحنون لهم: «بابي كوردان».
ومن القادة الكورد البارزين الذين ظهروا في هذه الفترة يورد الباحثون اسم مصطفى باشا ميران، الذي كان موضع ثقة السلطان، وكان يقود عدة آلاف من القوات الحميدية. وقد استطاع مصطفى باشا أن يحلّ محلّ الأمير بدرخان في منطقة بوتان، فلم يستطع الموظفون الحكوميون ولا الوالي العثماني التدخل في الشؤون الداخلية للمنطقة. وظهر كذلك إبراهيم باشا الملّي، رئيس عشيرة الملّي (على الحدود التركية–السورية–العراقية)، قائداً متنفذاً وموضع ثقة السلطان، فكان إبراهيم باشا (الذي كانت أمه عربية من عشائر شمّر) الحاكم الفعلي لمعظم المنطقة الواقعة بين أورفة والرقة وحلب وديار بكر، وكان قادراً على تعبئة عشرين ألف مقاتل حميدي عند الضرورة. وقد غار القوميون الترك العاملون في المنطقة الكوردية (ومن تترّك من كورد ديار بكر، من أمثال ضياء كوك ألب) من سطوة إبراهيم باشا ومن حماسته للخلافة الإسلامية، فنظّموا عام 1894 مظاهرة يطالبون فيها الحكومة في إستنبول بإبعاد إبراهيم باشا وقواته الحميدية عن ضواحي مدينة ديار بكر. وكما يقول فان برونسن، فإن سماح الدولة بظهور إبراهيم باشا بهذه القوة والسطوة السياسية والعسكرية دليل على أن السلطان عبد الحميد كان يثق بالكورد، ولا يراهم مصدر تهديد.
وتركت الألوية الحميدية أيضاً بصماتها على الحياة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية في كوردستان، فقد أمر السلطان عبد الحميد بفتح المدارس العسكرية والعلمية لتطوير القدرة القتالية والإدارية للألوية الحميدية، فافتُتحت في إستنبول والمدن الكوردية الرئيسية معاهد ومدارس سُمّيت «عشيرت مكتبلري» (مدارس العشائر)، لإعداد أبناء العشائر الكوردية التابعة للألوية الحميدية إعداداً إسلامياً، فضلاً عن تأهيلهم علمياً. وقد أدّى ذلك إلى التفاف الشباب المثقف والجماهير الكوردية عامةً حول فكرة الخلافة الإسلامية، وظل الكورد من أخلص حُماتها ودعاتها في وقت كان الفكر القومي قد تغلغل إلى حدّ ما بين الشعوب المجاورة. لذلك لم يكن مستغرباً أن يقوم قادة الألوية الحميدية بعد الانقلاب على السلطان عبد الحميد عام 1909 بانتفاضات عدة لإعادته إلى سلطته خليفةً للمسلمين، فكانت ردّة الفعل عدة ثورات لصالح السلطان، مثل ثورة الشيخ سعيد البرزنجي عام 1909م، وثورة ملا سليم في خيزان، وثورة إبراهيم باشا في العام نفسه؛ وكانت كلها ثورات من أجل الخلافة.
استهدفت الدول الأوروبية الألوية الحميدية أيام السلطان عبد الحميد، وحين وقع الانقلاب كان أول ما أقدم عليه الانقلابيون إلغاء الألوية الحميدية، وتبع ذلك حملة ضد كبار الضباط الكورد في الجيش النظامي، لأنهم كانوا موضع شك حكومة الاتحاد والترقي. ولكن الحميدية والمدارس التابعة لها كانت قد أحدثت أثرها العميق في المجتمع الكوردستاني.
لقد ظل الكورد حتى عام 1925 يسعون إلى الخلافة، حين قاد الشيخ سعيد بيران، أحد أنصار السلطان عبد الحميد، أكبر انتفاضة جهادية سنة 1925 مطالبةً بإعادة الخلافة. وكان معظم قادة هذه الانتفاضة من ضباط الألوية الحميدية أو من خرّيجي المدارس الحميدية، من أمثال الجنرال إحسان نوري باشا وخالد جبرائيلي. ويقول البروفيسور روبرت أولسن: «إن الألوية الحميدية والمدارس التابعة لها قد أعطت الكورد القيادة السياسية والعسكرية الكفوءة».
الألوية الحميدية والدم الكوردي المُراق في الاعتداء الأرمني (مذابح الأرمن)
يميل بعض الكتّاب والقادة الكورد من أصحاب الفكر العلماني إلى عدّ الألوية الحميدية وبالاً على المصالح الكوردية، لأنها في رأيهم أصبحت الأداة المنفّذة لإبادة الشعب الأرمني، وأدّت إلى عداء الغرب و«العالم المتحضر» للكورد. وهذا ما حاول الأستاذ كمال مظهر أن يثبته في كتابه «كوردستان في سنوات الحرب العالمية الأولى».
ونورد هنا بعض النماذج الشائعة في الوسط العلماني الكوردي، التي احتواها الكتاب المذكور. يقول الأستاذ الدكتور كمال مظهر في الصفحة 257: «قام أحد مشايخ الكورد واسمه ملا سعيد بتاريخ 28/1/1859 بافتتاح مذبحة للأرمن في مدينة أورفة، حيث أمر بإحضار أرمني بريء طرحوه على الأرض، وفصل رأسه عن جسده بيده، وحرّضهم على قتل الأرمن لأنهم لا يخضعون لسلطان الخليفة»، ويُسند الأستاذ الدكتور كمال مظهر هذا الخبر إلى دبلوماسي إيطالي في مدينة حلب. ويضيف قائلاً: «كان هناك آغوات أكراد يشترون قوافل الأرمن من الجندرمة، وبعد أن يسلبوا منهم كل ما معهم يقتلونهم… وبعد القتل كانوا يبقرون بطونهم بحثاً عن الليرات الذهبية»، ويوثّق الأستاذ هذه المعلومة بكتاب ألّفه فائز الغصين، وهو بدوره ينقل الخبر عن المصادر الأرمنية (ص 258). وفي الصفحة 261 يعزو الأستاذ كمال مظهر الدور الكوردي المزعوم في المذابح الأرمنية إلى «التعصب الأعمى» و«أحاسيس الكورد الدينية إزاء الأرمن… كان الملالي وأصحاب الفتاوى من (العلماء) ورجال الدين يثيرون، وفق أوامر صادرة لهم من الحكومة، مشاعر الناس ويحرّضونهم جهاراً على قتل الكفار…»، ويستند الأستاذ في سرد هذا الخبر إلى وثيقة بريطانية صادرة عن أحد القناصل في الدولة العثمانية. وأخيراً يكتب الأستاذ ما يلي: «إن معظم الأكراد الذين أسهموا في مذابح الأرمن كانوا من فرسان الحميدية، هذه التشكيلة العسكرية التي أُنشئت في الأساس للقيام بمثل هذه الأعمال ولإلهاء الكورد».
ومع جليل احترامي وتقديري للأستاذ البروفيسور الدكتور كمال مظهر، يبدو أنه أخذ هذه المعلومات والأخبار ووظّفها في كتابه كأنها حقائق مسلَّم بها، من دون الوقوف عندها وإخضاعها للمراجعة والتدقيق والتمحيص العلمي. ومن المعروف أن الأطراف الأرمنية والكتّاب الروس وقناصل الدول الأوروبية المتعاطفين مع الأرمن كانوا في كثير من الأحيان يلجؤون عمداً إلى التضخيم والمبالغة لإثارة الرأي العام الأوروبي، وذلك لدفع حكوماتهم إلى التدخل لصالح الأرمن على تراب الدولة العثمانية. ومن المؤسف جداً أن يخلو كتاب الدكتور كمال مظهر من ذكر الحقائق المتعلقة بالمذابح المروّعة التي ارتكبتها العصابات الأرمنية والقوات الروسية ضد الكورد في نهاية القرن التاسع عشر وفي أثناء الحرب العالمية الأولى، والتي يقدّر ضحاياها بعض الباحثين الغربيين المنصفين، أمثال الكاتب الأمريكي ستانفورد شو، بإحصائيات ميدانية دقيقة، بأكثر من 600 ألف مسلم.
ويُقرّ الكتّاب الغربيون بالإجماع بأن الأرمن عاشوا في ذمة المسلمين (الكورد والترك) بسلام ووئام مئات السنين ضمن نظام الملّة العثماني، وكان السلطان يعطيهم نوعاً من الحكم الذاتي، وكان البطريرك الغريغوري يتابع مصالح الأرمن في إستنبول، ويلقى كل الاحترام والتقدير من السلطان العثماني. ولكن منذ بداية القرن التاسع عشر بدأت الدول الأوروبية، وخاصة روسيا، تشجّع الفكر القومي بين الأرمن، على أمل استغلالهم واستخدامهم جسراً لبسط النفوذ الروسي في شرق الأناضول. كما أن استقلال الصرب والبلغار زاد من تطلعات الأرمن، فأسهم التجار الأغنياء من الأرمن والسفارات الأوروبية داخل الدولة العثمانية إسهاماً كبيراً في نشر روح العداء للدولة العثمانية بين الأرمن. لذلك تشكّلت منظمتان إرهابيتان أرمنيتان (الهنشاك سنة 1886 والطاشناق سنة 1890) في روسيا لضرب المؤسسات الحكومية العثمانية، ولإجبار الحكومة أو الجيش على القيام بأعمال انتقامية ضد الأرمن، فيجد الغرب ذريعة للتدخل في شؤون الدولة العثمانية.
كانت النشاطات الإرهابية الأرمنية شبيهة جداً بنشاطات العصابات الصهيونية، كمنظمة «شتيرن» اليهودية الإرهابية. ففي الغالب كانت هذه العصابات الأرمنية تتسلل إما من الأراضي الجورجية وإما من الأراضي الأذربيجانية الروسية، وتهاجم ليلاً القرى الكوردية الآمنة، فتحرق البيوت وتذبح الأطفال وتغتصب النساء، وذلك لإرهاب أهل القرية المهاجَمة وتخويف أهل القرى المجاورة لحملهم على إخلاء قراهم. وكانت هذه السياسة (التطهير العرقي) تهدف إلى إقناع الكورد بترك قراهم وإخلاء الساحة للهجرة الأرمنية إلى ما أسموه «أرمينيا القديمة». وفي الوقت نفسه كانت العصابات الأرمنية تريد بقتلها الكورد وحرقها قراهم استفزاز مشاعر الكورد ودفعهم إلى الانتقام من الأرمن، من أجل تدويل القضية الأرمنية.
إن المجال لا يتسع هنا لسرد الملف الكامل لمذابح الكورد على يد الأرمن، ولكن يكفي أن نذكر مثالاً واحداً فقط، هو ما حصل في قضاء ساسون الكوردي في جنوب شرق تركيا، ليكون شاهداً من شواهد عدة على اعتداءات أولئك الذين أساؤوا إلى الكورد بقتلهم وبتشويه سمعتهم ببثّ الادعاءات والافتراءات الكاذبة ضدهم. ففي عام 1894م أعلنت العصابات الأرمنية، بإيعاز من الروس، العصيان العام، وطردت مسؤولي الدولة من مناطق سكناها. وحين دخل الجيش العثماني إلى جانب الموظفين وقعت معركة قصيرة داخل المدينة، وانسحب المسلحون الأرمن باتجاه الجبال المحيطة بها، ولكنهم في طريقهم إلى تلك الجبال قتلوا الناس وأحرقوا ممتلكاتهم في أكثر من 30 قرية. وحين وصلت الألوية الحميدية إلى المدينة وسمعت بالمذابح في القرى الكوردية المحيطة هاجمت هي بدورها الأرمن، فقُتل نتيجةً للثأر المئات من الأبرياء في الطرفين. فاستغلت المنظمات الأرمنية الحادث، ونشرت عنه أخباراً ملفّقة، وعن عدد الضحايا الذين بلغوا، حسب الدعاية الأرمنية، 20 ألف أرمني، مما أثار الرأي العام الأوروبي، فطالب حكوماته بالتدخل لإيقاف المسلمين الكورد «البرابرة» (وهو وصف أرمني) عن قتل الأرمن. وشكّلت الدولة العثمانية لجنة لتقصّي الحقائق شارك فيها خبراء من الدول الغربية، وجاء تقرير اللجنة بما يفنّد المزاعم الأرمنية.
واستمرت الحرب الأهلية بين الكورد والأرمن إلى نهاية القرن التاسع عشر، وراح ضحية هذه الحروب القبلية المفتعلة كثير من الأبرياء من الطرفين، وكان المستفيد الوحيد هو الدول الأوروبية التي أرادت تكبيل الدولة العثمانية المسلمة بالاتهامات المثيرة للإجهاز عليها، على ظهر الشعب الأرمني.
لذلك فإن الحرب الأهلية الأرمنية–الكوردية في أيام السلطان العثماني عبد الحميد الثاني كانت مؤامرة خارجية لزعزعة الأوضاع داخل الدولة العثمانية، استُدرج إليها الأرمن والجيش العثماني والألوية الحميدية، حتى تنبّه إليها بعض الباحثين من ذوي الضمائر الحية فأزاحوا الستار عن بعض فصول هذه المؤامرة. غير أن القصة الكاملة لهذه الحرب المأساوية لن تكتمل فصولها إلا بعد فتح كل ملفات الحكومة العثمانية وروسيا القيصرية، لكن الدلائل الحالية تشير، كما يذهب البروفيسور فان برونسن، إلى أنه لم تكن لدى السلطان عبد الحميد الثاني سياسة منظمة تهدف إلى إبادة الأرمن.
والسؤال الذي يتبادر إلى الذهن: هل كانت لدى الأرمن فعلاً نيّة وإمكانية، بدعم خارجي، لتحويل كوردستان تركيا إلى دولة أرمنية؟ وإلى أي مدى أسهمت الألوية الحميدية، بوصفها قوة ردع، في صدّ الاعتداء الأرمني على كوردستان؟
في الحقيقة إن المنظمات الأرمنية، قديماً وحديثاً، لم تُخفِ رغبتها في إحياء المملكة الأرمنية القديمة في المنطقة، التي هي في مجملها منطقة كوردية منذ مئات السنين.
وكما أشرنا فيما تقدم، طلب القادة الأرمن من الدول الأوروبية في مناسبات عديدة مساعدتهم على بناء كيان أرمني في المنطقة الكوردية. ففي عام 1895 مثلاً عرضت الدول الأوروبية على السلطان عبد الحميد الثاني الموافقة على صيغة للحكم الذاتي للأرمن في الولايات الشرقية من الأناضول، ونصّت الصيغة المذكورة على برنامج لتنفيذ بنود معاهدة برلين 1878م المتعلقة بالأرمن. فطالبت الدول الأوروبية، وخاصة روسيا وبريطانيا، بتعيين والٍ أوروبي (أو عثماني بموافقة الدول الأوروبية) تكون مهمته إجراء الإصلاحات السياسية والإدارية والقضائية لصالح الأرمن في المنطقة. وتضمنت المطالب الأوروبية أيضاً تأليف لجنة من الأرمن والمسلمين (الكورد والترك) مناصفةً للإشراف على الإصلاحات، مع العلم أن نسبة الأرمن في المنطقة لم تكن تتجاوز آنذاك 18% من مجموع السكان.
وفي عام 1912م استطاعت بريطانيا أن تقنع حكومة الاتحاد والترقي الحاكمة في إستنبول بإحياء صيغة عام 1895 لتنفيذ الإصلاحات الأرمنية، وطالبت الدول الأوروبية بتعيين مفتش عام للولايات الشرقية يساعده على إدارة المنطقة فريق من الخبراء الأوروبيين، إلا أن ألمانيا شجّعت السلطان على عدم الرضوخ للضغوط الروسية–البريطانية. علماً أن المشروع البريطاني المقدَّم كان مستوحى من التجربة المقدونية، التي انتهت باستقلال مقدونيا.
كما نوقشت مسألة هجرة الأرمن إلى الولايات الشرقية في الأناضول في السنين القليلة التي سبقت الحرب العالمية الأولى، وأُعطي القسم الأكبر من كوردستان الشمالية للروس في اتفاقية سايكس–بيكو 1916، على أمل أن تُلحق روسيا تلك المنطقة بأرمينيا الروسية. وفي السنين الأخيرة من الحرب العالمية الأولى، وفي أثناء مؤتمر سان ريمو ومؤتمر لندن عام 1920، ناقشت دول الحلفاء مسألة الدولة الأرمنية بإسهاب، وكان هناك إجماع بين ممثليها على أن ولايات المنطقة الكوردية (وان وبتليس وديار بكر وأرضروم) أجزاء حيوية من الدولة الأرمنية التي كان من المزمع تأسيسها. إلا أن دول الحلفاء اصطدمت بواقع مرير، وهو أن المنطقة قد أُفرغت من الأقلية الأرمنية في أثناء الحرب، وأن مصطفى كمال (أتاتورك) قد شكّل من الكورد جيشاً كبيراً، وأن الحلفاء كانوا بحاجة إلى وضع مئة ألف جندي في الولايات الشرقية لإخلاء المنطقة من الأكثرية الكوردية والدخول في حرب مع قوات الجنرال مصطفى كمال أتاتورك.
الخلاصة
- أدرك السلطان عبد الحميد بذكائه أهمية الكورد في سياسة الدولة العثمانية الرامية إلى إحياء الخلافة الإسلامية، واستطاع بفطنته وبُعد نظره أن يحوّل الكورد إلى أخلص الدعاة لسياسته، فجاءت ولادة الألوية الحميدية تجسيداً لتلك السياسة الحكيمة.
- إن التشكيلات الحميدية تركت أثرها في المسلمين الكورد، إذ زرعت في قلوبهم الإخلاص والوفاء للخلافة الإسلامية وعزّزتهما، إلا أن ما أعاق ذلك هو نموّ الفكر القومي اللاديني (العلماني) بين الكورد مدةً تاريخية غير قليلة.
- لو أخذنا بالاعتبار التجربة الصهيونية في اغتصاب فلسطين، وما حدث في البوسنة، لأدركنا خطورة المطامع الأرمنية في كوردستان في الماضي والمستقبل. لذلك فإن ما قامت به الألوية الحميدية والسلطان عبد الحميد (مهما كانت نواياه) قد أنقذ الجزء الأكبر من كوردستان من خطر اغتصاب حقيقي على يد الأرمن وحلفائهم الأوروبيين.
- على الدول والحركات الإسلامية المعاصرة أن تتجاوز الطروحات الوطنية والقومية والمذهبية في تعاملها مع المسألة الكوردية، وأن تتعظ من تجربة السلطان عبد الحميد مع الكورد.
أجزاء «الألوية الحميدية الكوردية» (2 أجزاء):
- الجزء الأول
- الجزء الثاني (هذا الجزء)