الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

الإصلاح الديني للكنيسة الكاثوليكية والدولة العثمانية الناهضة (الجزء الأول)

من محاضرات «الكنيسة والإسلام والسياسة» – 2012

اهتمام الكنيسة بالاستشراق الديني بداية القرن الرابع عشر

كثرت التعريفات الموضوعة لمفهوم الاستشراق، إلا أنه يظل في دائرة الوفاق بين مختلف الباحثين، فهو ينطوي على معرفة شعوب الشرق، أي الرقعة التي يشملها الوطن العربي في آسيا وإفريقيا وصولاً إلى الهند والصين (1).

ويرى الكاتب إدوارد سعيد أن الاستشراق كان نتاجاً لقوى ونشاطات سياسية معينة، وأنه مذهب سياسي مورس إدارياً على الشرق لأن الشرق كان أضعف من الغرب (2).

وترجع البدايات الاستشراقية الأولى إلى أعمال ومحاولات فردية يمتزج فيها العلم بقصص مبالغ فيها من الصور والأساطير والخرافات.

ولكن صدور قرار مجمع فيينا الكنسي عام 1312م يُعدّ، من الناحية الرسمية، الميلاد الرسمي للاستشراق، وقد جاء بعد حملات عنيفة من الحروب الصليبية، وبعد سقوط بغداد عاصمة الخلافة العباسية على يد المغول عام 1258م. وكان الأساس الذي خرج به مجمع فيينا الكنسي تأسيس أقسام لدراسة اللغات العربية واليونانية والعبرية والسريانية في جامعات باريس وأكسفورد وبولونيا (3).

ثم ظهرت لهذه الدراسات نتائج جدية أسهمت في صنع القرار السياسي والديني بعد الفترة المسماة عهد الإصلاح الديني الأوروبي خلال القرن السادس عشر (4).

إلا أن ذلك لا يعني إهمال المجهودات الفردية للرهبان المسيحيين الذين عايشوا العرب المسلمين في إسبانيا (مهد الحضارة الإسلامية) أربعة قرون.

وكان من بينهم الراهب الكاثوليكي الفرنسي جربرت دي أورياك، الذي حمل لقب سلفستر الثاني عام 999م وانتُخب حبراً أعظم (999-1003م)، فكان أول بابا فرنسي يجلس على كرسي البابوية (5).

أما دور الراهب جربرت دي أورياك الديني الاستشراقي، فإنه عبّد الطريق لذلك الجهد المبرمج، وكان في ذهنه أن تدمير الإسلام إنما يتم بمعرفة الإسلام، الأمر الذي دفعه إلى إنشاء مدرستين لتدريس اللغة العربية وعلومها:

  • الأولى في روما مقر البابوية.
  • والثانية في موطنه الأصلي فرنسا.

أما هو فقد ترجم بعض الكتب العربية المختصة بالرياضيات والفلك، وإليه يرجع الفضل في انتشار الأعداد العربية في أوروبا التي كان ينقصها الصفر.

ولعل انتشار اسم الراهب ثم البابا جربرت دي أورياك بين كنائس فرنسا قد ألهب راهباً آخر هو بيير موريس دي مونبواسييه، الذي ذاع صيته في أوروبا باسم بطرس المبجل، أي المحترم، وكان رئيساً لدير كلوني جنوب فرنسا. وقد أمر بأول ترجمة لاتينية للقرآن الكريم، وكان هدفه من الترجمة الطعن فيه وبيان ما زعمه من نقاط ضعفه وتناقضاته. وكان في تفكيره يؤمن بحتمية الصراع والصدام مع الإسلام، ولكن لا بالسيف، وإنما بالكلمة والإقناع والحجة.

هذا مع قناعة بطرس المبجل بأن المسلمين ليسوا أكثر من هراطقة، وأن الأمل قائم في إمكانية عودتهم إلى الكنيسة (6).

إن فشل الصليبيين في الاستحواذ على بيت المقدس خلال فترة الحروب الصليبية الطويلة قد هيأ الدافع القوي للبابوات ورواد الكنيسة لتغيير أسلوب المواجهة بين المسيحية والإسلام، فاحتلت الكلمة والحوار لسبر الأغوار، واستخدام المنهج المدروس، المكانة الأولى للوصول إلى أفضل المسالك التي توصل الغرب إلى المواجهة الدينية (وإن تحول ذلك إلى جهد سياسي) دون استخدام القوة العسكرية (7).

لقد فرض هذا الأسلوب في المواجهة دراسة أحوال الشرق: لغته ودينه وحضارته وتاريخه وفلسفته وعلومه وأصول عقيدته. وكان رجال الكنيسة، وهم القائمون على الحروب الصليبية، طليعة المهتمين بأمر الشرق وطليعة المستشرقين، فهم قساوسة ورجال دين، وقد سلكوا لتحقيق الهدف البابوي أربعة مسالك هي:

  • الأول: حجب حقيقة الإسلام وأهدافه السلمية عن جمهور العوام في أوروبا، وذلك من خلال مؤلفات جدلية باطلة وضعها الرهبان، مع التركيز على الترجمات المغلوطة للقرآن الكريم.
  • الثاني: تشويه صورة المسلمين بوصفهم بالعديد من الأوصاف المنفرة المخيفة، كوصفهم بالمقاتلين المحمديين الذين لا يعرفون الرحمة، وبأنهم من سكان الصحراء غير المتمدنين.
  • الثالث: البحث عن كتّاب مطعون في ولائهم يتحدثون عن رموز الإسلام بشيء من الاستخفاف.
  • الرابع: تنصير المسلمين تحت مختلف الذرائع والأغطية.

وما يمكن التركيز عليه هنا أن الهجوم على رسول الله محمد (ص) كان لغرض زعزعة الثقة به، أما التركيز على القرآن فكان الهدف منه نزع مصدريته الإلهية، والادعاء بأنه كُتب من قبل مذاهب وملل كانت موجودة في جزيرة العرب.

وقد أطلق المبشر جون تاكلي عبارته الشهيرة: «يجب أن نستخدم كتابهم، وهو أمضى سلاح في الإسلام، ضد الإسلام نفسه لنقضي عليه تماماً. يجب أن نُري الناس أن الصحيح في القرآن ليس جديداً، وأن الجديد فيه ليس صحيحاً» (8). وهي كلمات أراد بها جون تاكلي أن يبرر لأوروبا المسيحية أن الأناجيل الثلاثة، مرقس ومتى ولوقا، التي شكك فيها المسلمون دوماً، أكثر دقة من قرآن محمد (ص) الذي كُتب في جزيرة العرب.

1. الاستشراق الديني القديم – نماذج

أولاً: ترجمة مشوهة مقصودة للقرآن الكريم (الراهب روبرت الكيتوني)

أثارت ترجمة الراهب روبرت الكيتوني للقرآن الكريم إلى اللغة اللاتينية، بأمر من الراهب بيير موريس دي مونبواسييه الذي ذاع صيته في أوروبا باسم بطرس المبجل (المحترم أو المكرم)، استياء معظم الكتّاب المسيحيين المعاصرين الذين كتبوا عن أوروبا وتاريخها في العصور الوسطى، فأفردوا صفحات من كتبهم للحديث عنها وعن مساوئها والمآخذ عليها (9):

  1. أن المترجم، الراهب الإنجليزي روبرت الكيتوني، عمد عن قصد إلى ترتيب سور القرآن من جديد، وقسّم بعض السور القرآنية الطويلة إلى مجموعة من السور القصيرة، وبذلك وصل عدد السور القرآنية في ترجمته إلى مائة وثلاث وعشرين سورة، بدلاً من العدد الحقيقي وهو مائة وأربع عشرة سورة.

  2. لم يُدخل الراهب روبرت الكيتوني سورة الفاتحة في إحصائه للسور القرآنية، إذ عدّها مجرد دعاء تمهيدي يتلى قبل شروع المسلم في الصلاة، وقرنها بالدعاء المسيحي «أبانا الذي في السماوات».

  3. أورد الراهب روبرت الكيتوني الآية 45 من سورة آل عمران: «إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم وجيهاً في الدنيا والآخرة ومن المقربين»، ولكنه فسّر كلمة «وجيهاً» على أنها من الوجه، وعبّر عنها باللغة اللاتينية بكلمة Facies.

  4. وفي ترجمته للآية 14 من سورة آل عمران: «زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين…» جعل المترجم معناها الأبناء ومعانقتهم.

  5. وفي ترجمته لسورة الهمزة، ترجم قوله تعالى: «يحسب أن ماله أخلده» بمعنى أن الذي يخلده هو ماله، والسبب في ذلك أنه حذف في ترجمته كلمة «يحسب»، فأعطت الترجمة عكس المعنى المراد من الآية الكريمة. وهو ما أوحى إلى الكثير من القراء في أوروبا بأن مثل هذه السور لا يمكن أن تكون من الله، وإنما هي من صنع البشر.

  6. وفي سورة الغاشية: «فذكر إنما أنت مذكر، لست عليهم بمسيطر»، انتقل الراهب روبرت الكيتوني فجأة إلى الهجوم على الرسول محمد (ص)، فقال مخاطباً النبي: «فلِمَ تُعلِّم إذن أن هداية الناس إلى دينك يجب أن تتم بحد السيف؟ إذا كنت مذكراً ولست بمسيطر، فلِمَ تخضع الناس بالقوة كأنهم الحيوانات أو الوحوش الضارية، لا بالحجة كما يُخاطَب الآدميون؟ إنك مثل الكذاب، تناقض الحقيقة بنفسك في كل شيء».

  7. أعطى الراهب روبرت الكيتوني معنى غامضاً لخطاب «يا أهل الكتاب»، وجعله يبدو في معظم الأحيان وكأنه موجه إلى المسلمين.

  8. أضاف الراهب روبرت الكيتوني إلى الآيات المتعلقة بأحكام الزواج والطلاق معاني جنسية داعرة، بحيث تبدو للقارئ الغربي، ولا سيما الرهبان، مثيرة للاشمئزاز والنفور، مثل:

    • أ- الآية (230) من سورة البقرة: «فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ»، ترجمها روبرت: «فلا تحل له حتى يطأها رجل غيره».
    • ب- الآية (220) من سورة البقرة: «…وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ»، ترجم روبرت «تخالطوهم» بمعنى أن تمارسوا معهم اللواط.
    • ج- الآية (223) من سورة البقرة: «نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ»، ترجمها روبرت بمعنى «آتوهن في أدبارهن».
    • د- الآية (50) من سورة الأحزاب: «يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ…»، ترجمها الراهب روبرت الكيتوني هكذا: «نحن نجيز لك أزواجك اللائي آتيتهن مهورهن، وجميع إمائك اللاتي أعطاكهن الله، وبنات عمك، وبنات عماتك، وبنات خالك، وبنات خالاتك اللائي اتبعنك، وكل امرأة مؤمنة إذا هي رغبت أن تقدم جسدها أو نفسها للرسول، وإذا رغب الرسول أن يضطجع معها فليفعل، وهذا خاص لك وليس للمؤمنين الآخرين».

وإذا كان هذا رأي الراهب روبرت الكيتوني، وهو ما أراده رواد الكنيسة منه، فلماذا يحتج عليه الكتّاب المعاصرون؟ إن طرح هذا الموضوع الحساس، والتحريف في سور القرآن، قد يفيد ويقنع المجتمعات الأوروبية بعض الوقت.

ولكن الوجه الآخر للأمر أن الله سبحانه وتعالى هو الذي حفظ القرآن من التغيير، لقوله: «إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون». فقد طافت فيما بعد مجموعات مثقفة من العرب والمسلمين أرجاء العالم المسيحي، وفسرت آيات الله بغير الطريقة التي أرادها الراهب روبرت الكيتوني، ففتحت بذلك ثغرة في جدار الكنيسة، وتبيّن أن الأمانة العلمية قد غابت، وأن حبل الكذب قصير.

وهو ما جعل العرب والمسلمين أكثر التصاقاً بقرآن دينهم. أما قوله تعالى في الآية (20) من سورة آل عمران: «فَإنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ للَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ»، فقد علّق عليه الراهب روبرت الكيتوني بقوله: «ثم ما هذا؟ إذا شاء أحدهم أن يحاججك تقول إنك تسلم وجهك ووجوه التابعين لك إلى رب العالمين! أيا محمد، إذا أبيت الرد فيما خلا أنك توجه وجهك ووجوه أتباعك لله، فهل أصدق أن ما تقوله صحيح؟ هل أصدق أنك نبي الله حقاً؟ وهل أصدق أن الدين الذي نقلته إلى قومك سُلّم إليك من رب السماء؟ سأكون في الحقيقة أكثر من حمار لو وافقتك، وسأكون حتماً أكثر من سائمة لو سلّمت معك» (10).

وتناول بطرس المبجل، وهو الراهب بيير موريس دي مونبواسييه، بعد ذلك الجنة والنار والتعاليم الأخلاقية، فهاجم التصوير القرآني للجنة والنار قائلاً: «محمد يصف عذاب جهنم كأنها تسرّه حتى يصفها، وكأنه كان ملائماً لرسول زائف كبير أن يخترع تلك الأوصاف. وهو يصور جنة ليست من مجتمع ملائكي، ولا من تجلّي الرب، ولا من ذلك الخير الأعلى الذي لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.

وبهذه الطريقة وصفها مثلما رغب أن تكون معدّة لنفسه، فهو يعد أتباعه هناك بالأكل من اللحم وكل أنواع الثمرات، وهناك أنهار من اللبن والعسل والمياه المتدفقة.

وهناك العناق والإشباع الشهواني من النساء العذارى الأجمل، فيها أشياء كثيرة، وجنته كلها حسية». ثم يتناول الراهب بطرس المبجل تعدد الزوجات في الإسلام باعتباره عملاً من أعمال الزنى وفق المنظور الرهباني (11).


أجزاء «الإصلاح الديني للكنيسة الكاثوليكية والدولة العثمانية الناهضة» (2 أجزاء):

  1. الجزء الأول (هذا الجزء)
  2. الجزء الثاني

الجزء الثاني ←