الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي
الإطار الجغرافي للكورد (الجزء الأول)
من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2023
تقع كوردستان في الجزء الغربي من قارة آسيا، بين خطي الطول 37° و40°، وبين خطي العرض 33° و40°، وتقدر مساحتها بحوالي 409.650 كيلومتراً مربعاً. يحدها الاتحاد السوفيتي (سابقاً) شمالاً، وتركيا غرباً، وسوريا والعراق جنوباً، وإيران شرقاً.
ترتفع كوردستان عن سطح البحر ما بين 1000 و1500 متر، وتتصف بأنها أقاليم جبلية، حتى إنهم يدعونها بلاد الجبال العالية والهضاب المرتفعة. وتخترق الجبال هذه البلاد من أقصاها إلى أقصاها، وخاصة في جهاتها الشرقية، حيث توجد سلسلة جبال أرارات العالية المشهورة، التي ترتفع إلى 5168 متراً في جبل آكري، أي جبل النار، الذي يطلق عليه اسم أرارات الكبير تمييزاً له عن صنوه أرارات الصغير الذي ينخفض في جواره إلى 3914 متراً.
وتمتد في الجهات الشرقية من هذه الجبال سلسلة جبال زاجروس (زاغروس) الكوردية، المتكونة من جبال متصل بعضها ببعض، وتقع حالياً بين جزأي كوردستان الإيراني والعراقي.
وتمتد في كوردستان السهول الفسيحة الخصبة، وتربتها صالحة لمختلف أنواع الزراعة. وتقع كوردستان في المنطقة المعتدلة الشمالية، وتتبع المناخ الصحراوي. ويستمر الشتاء فيها طويلاً، حيث تتلقى أمطاراً غزيرة يبلغ متوسطها السنوي ما بين 135 و50 مم، وقد تصل إلى 1000 مم في المناطق العالية، وتكون أحياناً على شكل ثلوج سريعة الذوبان. أما الحرارة فتتبع المتغيرات الفصلية والمناطق الجغرافية؛ ففي المناطق المعتدلة تتراوح ما بين 21° و40°، أما في المنخفضات، حيث المناخ شبه الصحراوي، فتبلغ ما بين 37° و48°، بينما تكون في المناطق ذات المناخ القاري الشتوي ما بين 21° و53°، وقد تنخفض في بعض المناطق الجبلية العالية إلى ما بين 15° و20° تحت الصفر.
ومن الجدير بالذكر أن كوردستان تزخر بالموارد المائية، ففيها أكثر من عشرة آلاف ينبوع، وبها العديد من مساقط المياه والشلالات والبحيرات الطبيعية، ويشكل ذلك كله قوة صناعية هائلة. وتبدأ المنابع والروافد الأساسية لنهري دجلة والفرات من كوردستان تركيا. كما أن أكثر السدود تقع جميعها في المنطقة الكوردية، كوردستان، مثل مشروع جنوب شرق الأناضول وسد كيبان على نهر الفرات في كوردستان تركيا، وسدي دوكان ودربندي خان على نهر الزاب، وسد صدام في الموصل على نهر دجلة في كوردستان العراق.
ولقد شُيّدت عدة سدود في كوردستان تركيا لكي تتحكم حكومة أنقرة في مقادير المياه التي تخص العراق وسوريا.
كما تتعدد المعادن الموجودة في كوردستان، فالنفط يوجد في كوردستان العراق وتركيا وإيران، ويقدر احتياطي النفط في كوردستان بأكثر من خمسة وأربعين مليار برميل. ففي كوردستان العراق يوجد النفط في حقول كركوك وعين زالة وخانقين، وفي كوردستان تركيا يوجد في ديار بكر وباطمان، كما يوجد في كوردستان إيران في كرمنشاه وقصر شيرين وخانة.
وإلى جانب النفط يوجد الكبريت والفوسفات واليورانيوم والذهب والنحاس والفضة والحديد والرصاص والزنك والنيكل والرخام والمرمر. وحسب إحصاءات عام 1970م فإن هذه المنطقة تنتج 2% من إنتاج النحاس في العالم.
السكان الكورد
أما السكان الكورد في كوردستان فقد وُضعت تقديرات متباينة لعددهم، والواقع أن الحصول على إحصائية دقيقة تمثل العدد الحقيقي للأكراد من الأمور الصعبة بسبب العوامل السياسية والقبلية.
إن إحصاء عدد الكورد في كوردستان تركيا من أشق الأمور وأصعبها، لأن الحكومة التركية لا تسميهم كورداً، وإنما تطلق عليهم «أتراك الجبال»، وتنكر عليهم حقوقهم القومية الكوردية، ويُحرَّم عليهم ارتداء زيهم الوطني الكوردي في مراكز ووحدات الإدارة على الأقل. ولا يُعرف إلا عدد قليل من الضحايا الذين قُتلوا في المعارك المختلفة مع القوات التركية.
ولا تزال إيران تنكر على الكورد في كوردستان إيران حقوقهم القومية الكوردية، ولا تشير إليهم في أي إحصاءات رسمية. وهناك عقبة أخرى، وهي امتناع العشائر والفلاحين الكورد عن تسجيل أنفسهم أثناء الإحصاءات الرسمية خوفاً من التجنيد الإجباري والضرائب.
أما في كوردستان العراق فلا توجد اختلافات كبيرة بين تقديرات الكورد أنفسهم وتقديرات الحكومة العراقية، لأن العراق بلد متعدد القوميات والأديان، والقومية الرئيسية لسكانه هي القومية العربية تليها القومية الكوردية، حيث تمثل الأولى 80% من السكان، بينما تمثل الثانية حوالي 17% منهم.
وبحسب تعداد عام 1957م كان التوزيع القومي لسكان العراق كالآتي:
| القومية | 1957م | النسبة |
|---|---|---|
| العرب | 5.040.000 | 80% |
| الكورد | 1.060.000 | 17% |
| آخرون | 337.000 | 3% |
وفي عام 1965م بلغ عدد سكان العراق حوالي 8.320.709 نسمة، وعلى ذلك يقدر عدد السكان الكورد في العراق بحوالي 1.414.520 نسمة.
ويقدر عصمت شريف وانلي عدد الكورد في العراق عام 1975م بحوالي 2.800.000 نسمة.
ولقد بلغ عدد سكان العراق حسب إحصاءات عام 1980م حوالي 12.330.000 نسمة، وبلغ مجموع السكان الكورد منهم حوالي 2.091.000 نسمة، وذلك حسب الإحصاءات الرسمية العراقية. وهذا التقدير يقترب من تقدير ماك لورين، الذي قدّر كورد العراق بحوالي 20% من سكان العراق، ليصبح عددهم بناءً على ذلك في عام 1980م حوالي 2.466.000 نسمة.
وحسب إحصائية عام 1984م أصبح عدد سكان العراق يقدر بحوالي 15.2 مليون نسمة، وطبقاً لذلك يقدر عدد السكان الكورد بما يتراوح بين 2.550.000 و3.000.000 نسمة. وفي عام 1996م أصبح عدد سكان العراق حوالي 21 مليون نسمة، وبإجراء بعض العمليات الإحصائية، مع الأخذ في الاعتبار معدلات النمو السكاني في كوردستان العراق، يمكن أن يقدر عدد السكان الكورد في العراق في الوقت الحاضر بما يتراوح بين 3.5 و4.5 مليون نسمة.
أما كورد كوردستان إيران فتتضارب الآراء حول عددهم الإجمالي، وذلك بسبب الظروف السياسية التي يعيشون فيها. فقد قدرتهم لجنة عصبة الأمم عام 1925م بحوالي 700.000 نسمة، كما قدرت هذه اللجنة كورد كوردستان العراق بحوالي 500.000 نسمة، وبذلك تكون النسبة بين كورد كوردستان العراق وكورد كوردستان إيران 5 إلى 7. ويقدر الدكتور عبد الرحمن قاسملو نسبة الكورد في إيران بحوالي 17–20% من سكانها، فإذا كان عدد سكان إيران عام 1980م قد بلغ حوالي 35.210.000 نسمة، فإن عدد الكورد يكون حوالي 5.950.000 نسمة. وعلى ذلك يمكن تقدير عدد السكان الكورد في إيران في الوقت الحاضر بما يتراوح بين 8 و10 ملايين نسمة.
كما يقدر عدد الكورد في كوردستان تركيا بما يساوي مجموع عدد كورد إيران والعراق معاً، أي أن عدد كورد كوردستان تركيا يتراوح في الوقت الحاضر بين 15 و20 مليون نسمة.
وكذلك هناك كورد روسيا، الذين يتراوح عددهم بين نصف مليون ومليون نسمة.
أما كورد كوردستان سوريا فقد قدرهم مصطفى نازدار عام 1976م بحوالي مليون نسمة، وبذلك يصل عددهم الآن إلى حوالي مليون ونصف المليون نسمة.
ومما سبق يمكن أن يقدر عدد السكان الكورد في كوردستان بما يتراوح بين 25 و35 مليون نسمة، وذلك بخلاف الكورد الذين هاجروا ويعيشون في بعض الدول الأوروبية والعربية. وهناك من الكورد من يقدر عددهم بأكثر من 40 مليون نسمة.
ولقد توسعت معظم المدن في كوردستان، وازدادت كثافة السكان فيها، ومن هذه المدن الكوردية ما يحتل مركزاً تجارياً واقتصادياً مهماً، وهي مدن جميلة عامرة مثل السليمانية وأربيل ودهوك وكرمنشاه وديار بكر ومهاباد. وهناك مدن تلي هذه المدن في الأهمية، مثل وان وبايزيد وبتليس وجولامرك وماكو وخوي ودليمان وسنندج وأورمية وبولاق وسقز وبانه وزهاب والعمادية وزاخو ورواندوز ورانية وكويسنجق وغيرها.
حدود الوطن القومي الكوردي
إن الباحث في التاريخ الكوردي لا بد أن يصطدم دائماً بسؤال يحتاج إلى إجابة، ألا وهو: ما الحدود الحقيقية للوطن القومي الكوردي (كوردستان)، وما أبعاده علمياً وجغرافياً وتاريخياً؟
إن كوردستان القومية، وكوردستان العراق جزء منها، لا بد أنها تختلف في مساحتها وحدودها عن تلك التي تصورها بعض الكتاب الكورد المعاصرين والسابقين، ذلك لأنها عند بعض الكتاب تتسع بلا ضوابط صحيحة، وبشكل نظري على الخرائط غير معتمد تاريخياً وعلمياً وواقعياً. وقد يحلو لبعض الكتاب الكورد، وليس كلهم، أن يُدخل ضمن حدود كوردستان مدناً وبقاعاً هي جزء لا يتجزأ من وطن آخر، وذلك مما أوقع قضية كوردستان الوطن وحدودها في مشاكل بدأت ولم تنتهِ حتى هذه الأيام، كما أدخل في نفوس بعض الشباب الكوردي مشاعر وتصورات فيها كثير من الخطأ. ومن هذا المنطلق وصف توما بوا كوردستان في كتابه عن الكورد بأنها «أرض بلا حدود»، أي بلا حدود دولية أو جغرافية محددة ومعترف بها، وهذا مما أفسح المجال للاجتهاد والخيال الواسع في رسم حدود الوطن الكوردي.
كما أن هناك بعض الكتاب الذين يرون أنه لم يجانب الخطأ أيُّ مؤرخ أو باحث حاول تحديد معالم الوطن الكوردي، أو وضع خريطة لوطن هذه الأمة الكوردية يصح الاعتماد عليها.
كما أن بعض الكتاب والمؤرخين يمدّون رقعة كوردستان، حيث يعتبر بعضهم أحياناً مناطق اللور والبختيارية الكورد (خوزستان ولورستان الفارسية) من ضمن أرضهم القومية الكوردية، وهذا راجع إلى ادعاء شراكتهم في الخليج. ولكن الأبحاث الحديثة والدراسات الجديدة أثبتت يقيناً أنهم كورد، ومن الأصول القديمة للكورد.
وهناك من وضع خريطة للوطن الكوردي فمدّ حدوده بالنسبة للوطن العربي من الموصل إلى حلب فالإسكندرونة على ساحل المتوسط، ثم مدّها من ناحية حدود العراق الشرقية، عند مناطق كوردية فعلاً، فالحويزة فعربستان، وامتدت هذه الحدود جنوباً إلى خليج البصرة. ولكن ما الأساس الذي جعل بعض المؤرخين يمدّون رقعة كوردستان بهذا الشكل المبالغ فيه؟
لقد حدث ذلك عندما اجتمع مندوبون يمثلون الأحزاب والتجمعات السياسية الكوردية في مكان ما من جبل دله نبر، حيث تلتقي الحدود العراقية والإيرانية والتركية، لتوقيع ما أسموه اتفاق الحدود الثلاثة (بيماني سه سنور). وينص هذا الاتفاق على التعاون المتبادل ومقاسمة الموارد والرجال لمصلحة ما أسموه «كوردستان الكبرى». وكان يمثل كورد كوردستان إيران في هذا الاتفاق قاسم قادري، وكورد كوردستان العراق الشيخ عبد الله زينو، وكورد كوردستان تركيا قاضي ملا وهاب. ونتيجة لهذا الاجتماع تقرر إجراء دراسة لوضع خريطة لكوردستان الكبرى، تولّت وضعها فيما بعد لجنة كوردية في مدينة بيروت، واستعانت هذه اللجنة بعدد من المصادر والدراسات. وكان الغرض الأساسي من هذه الخريطة إرفاقها بمذكرة كوردية أُرسلت إلى هيئة الأمم المتحدة. وقد ظهرت هذه الخريطة قبل ذلك في أكثر من مكان، وفي النشرات والمطبوعات الكوردية.
وقد أثارت هذه الخريطة كثيراً من الجدل والنقاش من ناحية مدى انطباقها على الواقع، كما أُخذت عليها مآخذ كثيرة، لخّصها الصحفي الأمريكي وليم إيجلتن في كتابه «جمهورية مهاباد»، حيث أكد أن الخريطة تفتقر إلى الدقة في كثير من النواحي، منها الحدود الشمالية الغربية والجنوبية الشرقية التي ظلّلها واضعوها (المناطق المجاورة للإسكندرونة غرباً، والمناطق المجاورة للخليج العربي جنوب العراق) إقراراً منهم بتحفظاتهم عليها، وكان الغرض من ذلك تأمين منفذ إلى البحر المتوسط والخليج.
ويقول وليم إيجلتن إن سكن الكورد لا يمتد إلى جنوب كرمنشاه مسافة طويلة، وكذلك فإن قرى الكورد القليلة إلى شمال حلب (عفرين) لا تبرر ممراً إلى البحر المتوسط من هذه المنطقة. وهناك منطقة ثالثة تصلح لأن تكون موضع نقاش، وهي مدينة كركوك في كوردستان العراق، فهي تكاد تكون مقسمة بين الكورد والتركمان والعرب، وأكثر من نصف سكانها من الكورد، في حين أن المنطقة التي تقع إلى الغرب والشمال الغربي منها، حيث آبار البترول، تحتوي على خليط من القرى التركمانية والعربية والكوردية. وما سوى ذلك لا تبالغ الخريطة كثيراً في إظهار كوردستان الحقيقية التي تسكنها أغلبية كوردية.
ويمكن القول إنه لا توجد كوردستان كبرى وكوردستان صغرى، بل ثمة كوردستان واحدة، هي الوطن القومي للشعب الكوردي حسب الدراسات الصحيحة، ولكن ما يدعو إلى الأسف أنها أصبحت موضع عدم توافق مع العرب والترك، مع أنها تمثل الحقيقة لدى معظم الكورد. فماذا تضم هذه الحدود الموسعة لكوردستان الكبرى؟
أولاً: كوردستان الشمالية (كوردستان تركيا): وتشمل شمالاً أذربيجان والولايات الشرقية من تركيا، وهي خربوط وديار بكر وبتليس وأرضروم، وجزءاً من ولاية سيواس، والمناطق الجبلية من ولايتي قارص وأردهان وقره باغ، والجزء الواقع شمال خط الحدود السورية، بدءاً من سنجق الإسكندرونة غرباً وحتى الحدود السورية العراقية شرقاً، بما في ذلك منطقة عفرين وعين العرب، ومدن الباب وجرابلس وتل أبيض ورأس العين والدرباسية وعامودا والقامشلي وقبور البيض والمالكية، وجميع الولايات التركية شمال خط الحدود السورية، وهي غازي عنتاب وأورفة وماردين وديار بكر.
ثانياً: كوردستان الشرقية (كوردستان إيران): وتشمل أذربيجان الغربية والمناطق الواقعة جنوب بحيرة أورمية، بما في ذلك كرمنشاه والبختيارية جنوباً حتى عربستان (خوزستان)، ومن هناك تتصل حدودها بشط العرب على الخليج العربي.
ثالثاً: كوردستان الجنوبية (كوردستان العراق): وتشمل محافظات العراق الشمالية: السليمانية وكركوك وأربيل ودهوك وأجزاء من الموصل، وجزءاً من محافظة ديالى يضم بدرة ومندلي.
أما في العصر الحديث فإن زيادة وجود الكورد في شمال سوريا (كوردستان سوريا) بدأت عام 1926م على وجه التحديد، وذلك عندما هرب كثير من الكورد من كوردستان تركيا إلى الأراضي السورية نتيجة لفشل ثورة الشيخ سعيد بيران عام 1925، حيث توطّن هؤلاء الكورد في كوردستان سوريا مع الأكراد الموجودين فيها، واكتسبوا الجنسية السورية.
كوردستان عند مينورسكي
إن دراسات العلماء والمؤرخين الكورد تؤكد أن الكورد يعيشون في بلادهم الأصلية، وفي بلاد أخرى استوطنوها بعد هجرات عديدة جرت على امتداد تاريخهم. ومن خلال دراسة قام بها المستشرق فلاديمير مينورسكي يمكن الخروج بصورة كاملة عن كوردستان الوطن، قد تساعد في ضبط الأمور على أساس من البحث العلمي الجغرافي والتاريخي، وهي لا تخرج عن دراسات غيره أيضاً.
يرى فلاديمير مينورسكي أنه إذا كانت الأقسام العليا من نهر الفرات، أي منابعه في أقصى الشمال، ومناطق بحيرة وان (أرمينيا القديمة) هي المهد أو الأرض القديمة التي ظهر فيها الكورد، فإن الأقسام الجنوبية من طوروس والضفة اليسرى لنهر دجلة (بوتان وخربوط والزاب الأعلى) هي الوطن الأم للشعب الكوردي في الأزمنة التاريخية.
إذن هناك كوردستان مركزية، أي كوردستان (تركيا) الأصلية، وقد تواجد الكورد فيها، لكن وجودهم امتد إلى خارجها عن طريق عمليات نزوح وهجرات مستمرة منذ قديم الأزمان. ويقول فلاديمير مينورسكي في ذلك: «يعيش الكورد مع الأرمن في جميع أصقاع سلاسل جبال أرمينيا، وتنتهي حدودهم الشمالية في كوردستان تركيا بمحاذاة أرضروم، وفي الغرب حدودهم نهر قره صو (الفرات)، ولم يقفوا عند هذا الحد، وإنما أخذوا يزحفون إلى أعماق آسيا الصغرى. وبالإضافة إلى ذلك فهم لا يشغلون المنطقة الجنوبية الشرقية من سيواس فقط، وإنما هناك جماعات متفرقة منهم حول قونية وكيليكيا، وبهذه الصورة يصلون إلى البحر المتوسط».
ولكن يجب ملاحظة أن مينورسكي حين قال إن الكورد يصلون إلى البحر المتوسط لم يقصد أن بلادهم تمتد إليه، بل المقصود أن جماعات كوردية وصلت إلى البحر المتوسط عن طريق نزوحها من بلادها الأصلية. ويؤكد فلاديمير مينورسكي أن حدود الكورد الشمالية في كوردستان تركيا تنتهي بمحاذاة أرضروم، وأن حدودهم في الغرب عند نهر قره صو (الفرات)، أي أن حدودهم الغربية لم تكن البحر المتوسط، وإنما الفرات في تركيا.
ويتحدث مينورسكي بعد ذلك بدقة تامة عن الوجود الكوردي في كوردستان والعالم المحيط بها، وينوّه بنسبة عدد الكورد إلى بقية السكان كما يلي:
الكورد في روسيا (الاتحاد السوفيتي السابق)
يسكن الكورد في روسيا في مقاطعة يريفان (أرمينيا السوفيتية)، وفي الأقسام الجنوبية التي تتصل بأرارات، وكذلك في مناطق مختلفة أخرى في نواحي أردهان وقاغزمان في منطقة قارص، وفي مقاطعة إليزابيتبول. أما اليوم فإن الكورد السوفييت يتوزعون على ثلاث جمهوريات هي أرمينيا وأذربيجان وجورجيا.
الكورد في كوردستان إيران
يسكن الكورد في جميع أقسام مقاطعتي كرمنشاه وسنندج، وفي كروس، وفي قسم من أذربيجان، وجميع مناطق ساوجبلاغ (مهاباد حالياً)، وفي الأقسام الجنوبية من أورمية وسلماس وخوي وماكو.
الكورد في كوردستان العراق
يبحث فلاديمير مينورسكي في وضع الكورد في كوردستان الجنوبية (كوردستان العراق)، التي كانت في ذلك الوقت تعتبر جزءاً من ولاية الموصل في العهد العثماني، فيقول: «ويسكن الكورد في ولاية الموصل (كوردستان)، وهي منطقة كوردية خالصة».
ويمكن القول إن منطقة الشمال في كوردستان العراق منطقة كوردية خالصة، أما مدينة الموصل، عاصمة ولاية الموصل العثمانية الكبيرة، فلم تكن كوردية خالصة في أيام مينورسكي أو بعده، ولا جدال حول عروبتها الأصلية، وهي اليوم مركز محافظة نينوى.
الكورد في كوردستان تركيا
عن ولايتي وان وبتليس في شرق كوردستان تركيا يقول مينورسكي إن الأرمن يشكلون 50–60% من سكان الأراضي الواقعة حول بحيرة وان، ولكن في سنجق هكاري، الذي يمتد إلى الحدود الفارسية، وكذلك في أقسام كثيرة من المناطق الجبلية في الولايتين الكورديتين، فإن الأكثرية الساحقة من الكورد.
ويعد الكورد أكثر عدداً في ولايتي ديار بكر وخربوط من جميع الأقوام الأخرى. أما مدينة الجزيرة الكوردية (جزيرة ابن عمر) في ولاية ديار بكر، على نهر دجلة في منطقة بوتان، فتعتبر مهداً للأمة الكوردية. وفيما يتعلق بولاية خربوط يقول مينورسكي: «لا شك أنه يجب علينا أن نتطرق إلى سكان منطقة درسيم، التي تقع بين النهرين اللذين يشكلان نهر الفرات، وهما مراد صو وقره صو، فالكورد فيها أكثر بثماني مرات من السكان غير الكورد».
الكورد في كوردستان سوريا
يبحث فلاديمير مينورسكي في وضع الكورد في سوريا إبان العهد العثماني، ويؤكد أن الكورد في ولاية حلب أقل من العرب، ولكن عفرين وعين العرب وبعض القرى المنتشرة حول حلب ذات أكثرية كوردية.
وفي النهاية فإن مينورسكي، هذا العالم المتخصص بالكورد، يميل إلى الاعتقاد بأن كوردستان بمعناها الشائع تعني الأراضي التي سكنها الكورد.
فكوردستان الحقيقية يُقصد بها كوردستان الوطن التاريخي للشعب الكوردي. وهناك بعض الكتاب الذين يرون أن حدود كوردستان تعني المنطقة الجبلية الواقعة جنوبي جبال أرارات في أرمينيا السوفيتية، وقسماً كبيراً من شرقي الأناضول (كوردستان التركية)، وتنحدر جنوباً حتى مشارف الجزيرة العربية بخط وهمي يمتد من مندلي العراقية إلى كرمنشاه الإيرانية.
ولكن عند النظر إلى معاهدة سيفر، التي أقرها الحلفاء في 10 آب عام 1920، والتي أقرت وجود دولة كوردية مستقلة في كوردستان، يلاحظ أن هذه المعاهدة أقرت الحكم الذاتي للكورد في مناطق تضم منطقة هكاري وبوتان ومناطق كوردستان الجنوبية (العراق)، أي محافظات الشمال الكوردي في العراق حالياً. ودون إضافة المقاطعات الأخرى من أجزاء كوردستان الشرقية (الإيرانية)، يمكن تحديد مناطق الوطن القومي الكوردي بشكله الواقعي التاريخي الصحيح تقريباً، دون الابتعاد عن الحياد والموضوعية.
أجزاء «الإطار الجغرافي للكورد» (2 أجزاء):
- الجزء الأول (هذا الجزء)
- الجزء الثاني