الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

الاضطراب في كوردستان العراق والثورة الكوردية في ولاية الموصل (الجزء الأول)

من محاضرات «الكورد في ولاية الموصل» – 2014

كان لا بد للقلق والانقسام السائدين في بغداد، بعد أن طرد الزعيم عبد الكريم قاسم نائبَ رئيس الوزراء القومي العربي عبد السلام محمد عارف وعزله، أن ينتقلا إلى غيرها من المدن العراقية، وبخاصة المدن التي يتمايز سكانها تمايزاً كبيراً، مثل كربلاء والنجف حيث ينتشر الشيعة، أو ولاية الموصل حيث ينتشر السنة. ويمكن القول هنا، بصفة عامة جداً ومع بعض الاستثناءات الفردية، إن هوى الشيعة يكاد يميل إلى اليسار السياسي، في حين يميل هوى أهل السنة إلى اليمين والوسط السياسيين.

وإلى جانب هاتين الفئتين، الشيعة والسنة، يوجد الأكراد الذين يسكنون أطراف مدينة الموصل وما يقرب منها، وهم، شأنهم شأن أغلب العرب والعوائل العربية الكبيرة في المدينة، مسلمون سنيون. ولكن هذه الصلة الدينية تقترن باختلاف اجتماعي هائل واختلاف سياسي كبير؛ فمن الملاحظ بصورة عامة أن عرب الموصل يتشددون في نظرتهم إلى الأكراد وأمانيهم القومية أكثر مما يفعل عرب بغداد، الأمر الذي يدل على قصور الروابط والشعائر الدينية عن خلق روابط سياسية بينهم. كما أن عرب الموصل أقل تعاطفاً مع السنة الأكراد في كوردستان العراق منهم مع السنة العرب في الجنوب، وإن كانوا كثيراً ما يأخذون على حكم السنة العرب أصحاب القرار في بغداد، بل يعارضونهم بشدة، لاعتقادهم أنهم يستغلون مركزهم في وسط البلاد لإيثار العاصمة بغداد بنسبة عالية من الدخل القومي، وخاصة واردات النفط، على حساب الموصل وكوردستان العراق.

تضم مدينة الموصل عدداً من كبار التجار وغيرهم من العائلات العربية القديمة المحافظة دينياً، التي تكوّن الطبقة العليا في الكيان الاجتماعي للمدينة. ولم يكن الموصليون أنفسهم مصدر متاعب، فقد كان بينهم كثير من الرؤساء المعتدلين الذين يحاولون بث الألفة والانسجام بينهم وبين الأكراد، وبين المسلمين والمسيحيين في مدينة الموصل وما حولها. ولكن روح المحافظة هذه اصطدمت ببعض مظاهر التحديث التي جاءت بها ثورة 14 تموز 1958. ومع هذا فقد بقيت الأسر المحافظة تسود شوارع مدينة الموصل، على العكس من شوارع بغداد؛ فالحجاب لم يزل هناك، وما تزال النساء عامة يلبسن العباءة في شوارع الموصل، ويندر أن تُرى النساء في البيوت المحافظة أو في الشوارع بعد الزواج، وقد تقضي المرأة عمرها في بيتها وحديقتها فقط. وما يزال تعدد الزوجات مأخوذاً به، ولذلك كانت هندسة البيوت تقوم على أساس الفصل بين الجنسين.

لكن هذه العادات والتقاليد القديمة بدأت تتغير بانتشار التعليم الذي شمل كلا الجنسين من جميع الطبقات، وتغير تبعاً لذلك مركز المرأة في المجتمع. ورغم بساطة نوعية التعليم فقد استطاع أن يغير نظرة الشباب، وأن يقدم الأفكار الجديدة عن العالم الخارجي. وكان معدل الطلاب الموصليين المتقدمين للقبول في الكليات الجامعية ببغداد أعلى من المعدل العام. وبدأ جيل جديد بالظهور، وأدى اختلاف نظرته عن نظرة الجيل القديم إلى خلق انقسام واسع عميق بسبب تغير ظروف الحياة والعمل. ففي معظم العائلات التي لم يتلقَّ فيها الوالدان أي تعليم، أو تلقيا تعليماً بسيطاً، نجد الجيل الجديد قد دخل الكليات، وبعضه قد تخرج قبل ذلك أو عاد من بعثات في الخارج وتولى مناصب مهمة في الدولة.

لم يؤدِّ أهل الموصل دوراً بارزاً في ثورة 14 تموز 1958، ولكن الطبقة المسيطرة اقتصادياً كانت ترجو أن تتبنى الثورة سياسة عربية قومية تمكنهم من إعادة روابطهم التجارية مع سوريا. ولم يكونوا مستعدين، بطبيعة الحال، لقبول المد المتزايد لنفوذ العناصر اليسارية، وخاصة الشيوعية منها، التي يبدو أنها كانت تمارس في كثير من الأمور نفوذاً كبيراً لا يتناسب مع قلة عددها.

ولا يكوّن اليسار المتطرف محلياً إلا نسبة قليلة من السكان العرب، وربما كوّن نسبة أكبر بين الأقليتين الكوردية والتركمانية. ولكن هذه الأقلية اليسارية الصغيرة في الموصل، وبتشجيع في بعض الأحيان من الذراع اليساري (الشيوعي) الذي بدأ يتعاظم شأنه في العاصمة بغداد، استطاعت القيام بنشاط كبير أثار مخاوف العناصر العربية المحافظة وسخطها. فقد كان هناك انقسام اقتصادي واجتماعي عميق في المدينة؛ فسكان الأحياء المكتظة والطبقة العاملة الفقيرة جداً لا يشاركون كبار التجار وكبار الملاك شكهم وارتيابهم في اليساريين، بل على العكس يشاركونهم الحماس للزعيم عبد الكريم قاسم ولثورة 14 تموز 1958، وهو أمر كان واضحاً بين الطبقة العاملة والبسطاء في الأماكن الأخرى أيضاً.

لذلك لم يكن غريباً، في ظروف ذلك الزمان، أن يبدأ التمرد في الموصل، حيث أُثيرت العوائل الموصلية المسلمة أولاً بما كان يجري من تطورات في العاصمة بغداد، وثانياً بما كان يجري محلياً، وثالثاً بما كان يأتي من خارج الحدود. ولذلك جرت في مدينة الموصل المحاولة الثانية، الأكثر جدية وعنفاً، للإطاحة بنظام حكم الزعيم عبد الكريم قاسم في الثامن من آذار 1959.

لا يمكن أن يقتصر بحث تمرد الموصل على العوائل والقوى العاملة داخل العراق فقط، فالأدلة واضحة على اشتراك الجمهورية العربية المتحدة فيه. ذلك أن الرفض القاسي الذي تلقاه الرئيس جمال عبد الناصر منذ قيام ثورة 14 تموز 1958 قد خيّب الآمال الكبيرة وضيّع الخطط الطموحة التي وضعتها مصر عقب سقوط نوري السعيد، رئيس وزراء العراق الأسبق، مباشرة. ولذلك لم يكن في مقدور جمال عبد الناصر أن يتجاهل التحدي القائم في العراق، وبخاصة بعد أن أصبح رشيد عالي الكيلاني خارج القدرة على التأثير، ورُفعت صور جمال عبد الناصر من شوارع بغداد، وصار يُزج بمن يُشك في ميله لعبد الناصر من القوميين العرب في التوقيف أو يوضع تحت الرقابة. ولأن العراق محادٌّ لسوريا لا لمصر، فإن العون الذي وصل المتمردين العراقيين في الموصل إنما جاءهم من سوريا.

كان العقيد السوري عبد الحميد السراج، رئيس المجلس التنفيذي ومدير الشعبة الثانية في ذلك الحين، معنياً بنشاط المقاومة السرية، ومنه حصل المتمردون في الموصل على الوعد بتجهيزهم باللوازم العسكرية وبمحطة إذاعة. ونُصح جمال عبد الناصر، الذي كان في دمشق، بالبقاء فيها ومراقبة الأحداث (1). وسيستطيع المؤرخ في مستقبل الأيام، حين يطلع على الوثائق التي ما تزال مستورة حتى الآن، أن يحكم على مدى مساهمة جمال عبد الناصر أو عبد الحميد السراج أو غيرهما في النشاط السري للجمهورية العربية المتحدة تجاه العراق في ذلك الزمان. وكان التدخل المصري في هذه الحال، كما في حالات سابقة، يقتصر على اتخاذ إجراءات لتشجيع المتمردين المحليين ومساعدتهم.

كانت نواة التمرد في الموصل جماعة من الضباط الأحرار الموصليين، برئاسة العقيد الركن عبد الوهاب الشواف، ممن أيدوا الزعيم عبد الكريم قاسم وعبد السلام عارف عند زحفهما على بغداد والقيام بثورة 14 تموز 1958، وأيدوا أيضاً عبد السلام عارف في خطبه الداعية إلى الوحدة مع مصر وسوريا، ولذلك صدمهم سقوطه صدمة قوية. وقد عيّن الزعيم عبد الكريم قاسم العقيد الركن عبد الوهاب الشواف، وهو من الضباط الأحرار، لقيادة حامية الموصل، إلا أن الشواف لم يرضه هذا التعيين، فقد كان يطمع في منصب وزاري، أو يفضل على الأقل البقاء في بغداد. وكان الشواف على صلة بجماعتين أخريين من الضباط الأحرار ساءهم وأثارهم تولي الزعيم عبد الكريم قاسم جميع السلطات من دونهم، ونكوصه عن وعوده بتأسيس مجلس قيادة الثورة، ثم رفضه الاتصال بجمال عبد الناصر، وتستره على نشاط الشيوعيين. وكانت الجماعتان القوميتان: الأولى برئاسة العقيد رفعت الحاج سري، مدير الاستخبارات العسكرية عند الزعيم عبد الكريم قاسم، والثانية بقيادة الزعيم الركن ناظم الطبقجلي، قائد الفرقة الثانية في كركوك. وهكذا بدأ العقيد الركن عبد الوهاب الشواف وهاتان الجماعتان مؤامرتهم ضد الزعيم عبد الكريم قاسم.

وفي أوائل عام 1959 قررت جماعة تطلق على نفسها اسم «أنصار السلام»، والمعروف عنها أنها واجهة من واجهات الحزب الشيوعي، عقد اجتماع عام لها في الموصل جزءاً من حملتها ضد الاستعمار وحملتها في سبيل «الاشتراكية والسلام». ولم يُبدِ الزعيم عبد الكريم قاسم أية ممانعة لهذا القرار، وكأنه أراده عن قصد، مما اضطر العقيد الركن عبد الوهاب الشواف إلى زيارة بغداد مرتين؛ فحذّر الزعيم عبد الكريم قاسم من السماح بقيام تظاهرة شيوعية في مدينة الموصل، ورجاه أن يمنع اجتماع أنصار السلام الذي كان يراه مدعاة لإغاظة العناصر المتدينة والمسلحة والمحافظة في مدينة الموصل، وإثارة مشاعر الطبقات الفقيرة الناقمة أصلاً على الممارسات اللاأخلاقية لأفراد المقاومة الشعبية. ويظهر من عناد الزعيم عبد الكريم قاسم في أمر تجمع أنصار السلام الشيوعي في مدينة بعينها هي الموصل، أن معلومات قد وصلته بوجود مؤامرة ضده، ولكنه لم يشأ أن يأخذ تحذيرات الدوائر اليسارية مأخذ الجد، لما هو معروف من ميلها إلى توجيه مثل هذه الاتهامات اعتباطاً ودون تمييز.

وكان الكثيرون يرون أن عقد اجتماع أنصار السلام الشيوعي في مدينة الموصل دليل على تعاطف الزعيم عبد الكريم قاسم مع الشيوعيين، لذلك استعد العقيد الركن عبد الوهاب الشواف للعمل، ورأى أن انعقاد هذا الاجتماع في الموصل سيجلب لثورته تأييد الرأي العام. وعلى هذا الأساس تحدد يوم 6 آذار (مارس) 1959 موعداً للاجتماع في الموصل. وكان طبيعياً أن يجذب الاجتماع إليه عدداً كبيراً من الطلبة في بغداد، وقد انتشر الخبر بين الطلاب قبل الموعد بعشرة أيام عن أهمية هذا الاجتماع وضرورة حضورهم فيه، لأن «أعداء الثورة»، ثورة 14 تموز 1958، ما زالوا يكيدون لها، وأن أمراً ما سيحدث. وشجعت الحكومة في بغداد سفر الطلاب لحضور اجتماع أنصار السلام في الموصل، إذ خصصت لنقلهم قطاراً خاصاً بأجور مخفضة، مما شجع الكثيرين على الانتفاع من هذا الامتياز.

أما أخبار ما جرى بعد ذلك فقد وصلت بغداد في وقتها ناقصة ومن جانب واحد فقط، فلم يكن أحد غير كبار المسؤولين في الحكومة وبعض البارزين في الأوساط اليسارية يعرف بورود السلاح من سوريا تأييداً للتمرد في الموصل. وكانت دعاية الشيوعيين الواسعة وسلوكهم الشرير قد خلقا جواً من عدم الثقة بأعمالهم وأقوالهم، وكان الشعور السائد في الطبقة الوسطى ولدى قطاع القوميين العرب المحافظين من الطلاب أن التحرشات والمصادمات في الموصل سببها أعمال الشغب والعنف التي قام بها «أنصار السلام» الخاضعون لتوجيهات الشيوعيين.

ولكن الحقيقة أن مهرجان «أنصار السلام» انتهى دون اضطرابات رغم الأعداد الكبيرة التي حضرته، وأكثرها من بغداد. وقد عاد أغلب الطلاب إلى بغداد مساء اليوم نفسه في القطار ذاته الذي خُصص لعودتهم، وحين سُئلوا في اليوم التالي عمّا شاهدوه بالأمس في مهرجان الموصل لم يتطرقوا قط إلى أي عمل من أعمال العنف أو أي مظهر آخر غير عادي. وقد يكون تخلف عدد من أنصار السلام في الموصل يومين آخرين مبرَّراً بصعوبة الحصول على أماكن لهم في قطار العودة. ولكن تداعيات التجمع الشيوعي والمظاهرات الصاخبة أفضت إلى تصميم مسبق لحرب شوارع بين القوميين العرب والشيوعيين في مدينة الموصل. وكان ذلك ما دفع العقيد عبد الوهاب الشواف، ومن دون استشارة زملائه، إلى أن يبدأ التمرد صباح يوم 8 آذار 1959، فأعلن الثورة ضد الزعيم عبد الكريم قاسم، وأذيعت أخبارها من راديو دمشق، وبدأ الهجوم على العناصر المتبقية من أنصار السلام، والمعروفين منهم بميولهم الشيوعية الواضحة، وأبرزهم كامل قزانجي، وهو محامٍ موصلي قُتل وهو في السجن، وحُكم على آخرين (2). إلا أن الفوضى سادت المدينة حين دخلتها عشائر شمّر العربية القومية التوجه لنصرة الثورة والشواف، كما كان مرسوماً لها في مخطط الثورة من قبل، كما دخل المدينة عدد من القوات الكوردية. وبدأت تصل بغداد أخبار متناقضة مختلطة، منها أن سوريا قد جهزت الثوار بجهاز بث لاسلكي استمر في إذاعة أنباء مختلفة وادعاءات وهمية بانتصار العقيد عبد الوهاب الشواف حتى بعد فشل حركته وانتهائها.

كان عبد الوهاب الشواف قد ضمن إلى جانبه ولاء كبار الضباط العاملين معه في حامية الموصل، ولكنه لم يفكر في أمر صغار الضباط وضباط الصف وعموم الجنود، وما إن أعلن التمرد على عبد الكريم قاسم حتى اكتشف، بعد فوات الأوان، صعوبة الاعتماد على هؤلاء. وإضافة إلى هذا كان التنسيق والتعاون بينه وبين رفاقه المتآمرين ضعيفاً؛ فالفرقة الثانية في كركوك بقيادة الزعيم الركن ناظم الطبقجلي لم تتحرك، وكذلك العقيد رفعت الحاج سري، مدير الاستخبارات العسكرية ورأس المتمردين في بغداد، الذي كان المفروض، حسب الخطة الموضوعة، أن يقوم من جانبه بانقلاب مشابه في بغداد حالما تحقق ثورة الموصل نصرها الأول الموعود، فقد ظل دون حراك. في حين ظل الجيش والقوة الجوية في بغداد موالين للزعيم عبد الكريم قاسم، وصُدت محاولة طائرتين من طائرات العقيد الركن عبد الوهاب الشواف للإغارة على بغداد، وقامت طائرات القوة الجوية في بغداد بقصف مقر عبد الوهاب الشواف في حامية الموصل قصفاً ناجحاً أدى إلى إصابته بجراح نُقل على أثرها إلى المستشفى، حيث أطلق عليه أحد الجنود الموالين للزعيم عبد الكريم قاسم النار فقضى عليه في الحال.

وتبع ذلك يوم من القتال العنيف في شوارع مدينة الموصل، انضمت فيه القوات الكوردية إلى مجموعات أنصار السلام واليساريين من أهل الموصل، في حين بعثر القصف الجوي أفراد قبيلة شمّر وأجلاهم عن المدينة، فأصبحت مدينة الموصل خالية ممن يدافع عنها، فسقطت بأيدي العناصر المناوئة للشواف، التي بدأت تثأر لقتلاها في اليوم السابق، مثل كامل قزانجي وغيره من المعارضين لثورة الشواف. وقد سيطرت هذه القوات المشتركة على مدينة الموصل عدة أيام، تعرضت فيها العوائل الموصلية الكبيرة، التي اتُّهمت في كثير من الأحيان بالتعاون مع أنصار عبد الوهاب الشواف، للتعذيب والتمثيل، وتعرضت أملاكها للسلب والنهب والسرقة، ولم تخلُ هذه الأعمال الوحشية من دوافع انتقامية.

وقد عُرف سراً من الطلاب الموصليين ما حلّ بمدينتهم من خسائر في الأرواح والأموال، لم تُقدَّر تقديراً مضبوطاً بعد، وإن كانت تربو كثيراً على ما حدث في بغداد يوم 14 تموز 1958 (3).

دلالة التمرد في الموصل وانقلاب العقيد الركن عبد الوهاب الشواف

تبقى ثورة العقيد الركن عبد الوهاب الشواف في الموصل، كما أسماها وأرادها القوميون العرب، حدثاً يستأثر باهتمام المؤرخين والباحثين؛ فقد كشفت الغطاء عن أحقاد دفينة وعداوات متنوعة قديمة وحديثة، وكانت أيضاً نتيجة تفاعل عوامل خارجية وأخرى داخلية. فلولا المدد العسكري الذي أرسله جمال عبد الناصر عن طريق سوريا إلى الموصل لما نشب التمرد في الموصل مطلقاً.

وكانت المشاعر التي دفعت إلى تمرد الشواف وثورته تنبع من أصول مختلفة: فمنها المنافسة التاريخية على السيطرة على الصحراء السورية الكبرى، ومنها المنافسة بين القاهرة وبغداد، والمنافسة بين القبائل البدوية الرحالة والحضر المستقرين في المدن، والمنافسة بين العرب والأكراد، والنزاع العقائدي بين اليمين واليسار، والنزاع بين القوميين العرب أنفسهم، وإن لم يصرح القوميون العراقيون بذلك علانية.

استمرت الإذاعة والصحافة المصرية في حملتها العنيفة قبل محاولة عبد الوهاب الشواف وانقلابه في الموصل وخلالها وبعدها، مستغلة كل حدث أو حديث لتبرهن أن عبد الكريم قاسم وأعوانه قد خانوا قضية القومية العربية، كما تراها القاهرة التي ترفع لواءها منذ انتصارها في تحرير أراضيها من القواعد الأجنبية ووقوفها في وجه الغزاة الأجانب عام 1956. وقد اشتدت الحملة وبلغت مداها حين قررت حكومة العراق، بموافقة المعتدلين اليساريين وحتى بعض أنصار العهد الملكي القديم، إقامة علاقات دبلوماسية مع دول الكتلة الشرقية ومع الاتحاد السوفيتي والصين الشعبية. وجرت مفاوضات اقتصادية بين هذه الأقطار والعراق انتهت إلى اتفاقات اقتصادية لتبادل السلع وإلى اتفاقات ثقافية. وقد رأس الوفد العراقي الدكتور إبراهيم كبة، وزير الاقتصاد، وهو أستاذ في كلية التجارة في بغداد معروف بميوله الماركسية، واستطاع بأسلوبه الماركسي أن يصل إلى نتائج طيبة مع الروس والدول الأوروبية الشرقية، رغم اتهامات الدعاية المصرية والأوساط البرجوازية المحافظة له بالشيوعية. ولكننا اكتشفنا بعد ذلك أن الشيوعيين لا يعدّونه منهم، وإن كان على وفاق معهم، مفاوضاً أولاً، ثم مؤيداً لهم في مطالبتهم الزعيم عبد الكريم قاسم بالاشتراك في الوزارة. ولا نشك في تزامن ثورة عبد الوهاب الشواف في الموصل مع التغيير الجذري للسياسة العراقية تجاه الاتحاد السوفيتي ودول الكتلة الشرقية، الذي جعل موقف الدكتور إبراهيم كبة محل خلاف كبير.

وكان الجو الدولي المتأزم في ذلك الوقت يشجع التفسيرات المبسطة المبنية على المذاهب التقليدية، التي كان ينادي بها دالاس، وزير خارجية الولايات المتحدة، ويردد صداها حليف مؤقت له غير متوقع هو جمال عبد الناصر، وتتلخص في أن عبد الكريم قاسم «حليف الشيوعية»، وأن الاتحاد السوفيتي كان في ذلك الوقت منهمكاً بالتعاون مع الأحزاب الشيوعية في العراق ومصر وسوريا في مؤامرة كبرى تهدف إلى تحقيق المصالح الروسية وبسط النفوذ السوفيتي الكامل على الشرق الأوسط. ولذلك بدا للمراقبين في الداخل والخارج أن الشيوعيين يمارسون نفوذاً متزايداً في إدارة الشؤون في العراق.

ولكن، كما حاولنا أن نوضح من قبل، فإن اضطراب الأحوال في ربيع عام 1959 (آذار) لا يمكن أن يُنظر إليه ببساطة على أنه محاولة يائسة من الشيوعيين لتولي زمام الحكم في العراق فقط، بل كان هناك صراع من نوع آخر يقوده الجناح المتطرف من القوميين العرب، ويؤيده جمال عبد الناصر، ضد أي وفاق أو ائتلاف يضم جميع العناصر، بمن فيهم الشيوعيون، الذين كانوا على درجة كبيرة من التنظيم ولهم الدور الرئيس، كما يضم آخرين غيرهم ممن يؤيدون قيام روابط خاصة بين الشعوب العربية، ولكنهم لم يكونوا على استعداد للاندماج في الجمهورية العربية المتحدة وإخضاع العراق للسيطرة المصرية.

ومنذ بداية مسيرة 14 تموز 1958 اختار الزعيم عبد الكريم قاسم أن يقوم بدور المحافظ على التوازن بين القوى المتخاصمة، بهدف القضاء على التطرف من كلا الجانبين، وكان تحقيق هذا الهدف الرئيس هو السبيل الوحيد لإنقاذ البلاد من الحرب الأهلية، مع أن محاولات التدخل الخارجية كانت تشغل باله كلياً، وخاصة في أعقاب أحداث ثورة عبد الوهاب الشواف في الموصل في 8 آذار 1959. لكن وقوع هذه الأحداث قلّل من الضغط الذي كان عبد الكريم قاسم يمارسه منذ بدء العام على الشيوعيين وعلى من هم أقل تنظيماً من الجانب اليساري المتطرف، وقد اكتشف عبد الكريم قاسم أن أحداث الموصل أدت إلى زيادة نشاط الشيوعيين.

وعلى هذا كانت الحرب الأهلية في الموصل في آذار 1959 طعنة رئيسة للآمال المعقودة على تأسيس حكومة مستقرة خلفاً للحكم الملكي الهاشمي القديم. وقد امتدت أعقاب هذه الحرب إلى بغداد وأواسط العراق وشماله، وساد البلاد خلال الأسابيع التالية جو من فقدان العدالة وانتشار الفوضى، وجاوز التعسف في ملاحقة المشاركين في الأحداث والقبض عليهم اعتباطاً كل حدود النظام والقانون. ولعل ما أظهرته عواقب أحداث الموصل أنها عرقلت جهود عبد الكريم قاسم لإيجاد توازن بين الفئات المتخاصمة داخل العراق، بل عرّضت هذا الهدف العظيم لأكبر خطر واجهه منذ ثورة 14 تموز 1958. فالأمر بالنسبة إلى عبد الكريم قاسم هو أن اليساريين هرعوا إلى نصرته حين أراد أهل اليمين الإطاحة به، ومن الطبيعي إذن أن يميل إليه أهل اليسار ولو لوقت ما.

حوكم المشتركون في تمرد العقيد الركن عبد الوهاب الشواف أمام محكمة الشعب، ولأول مرة وافق الزعيم عبد الكريم قاسم على تنفيذ حكم الإعدام في أربعة من الضباط المحكومين. ومع أن سمعة محكمة الشعب قد انهارت بسبب سلوك رئيسها العقيد فاضل عباس المهداوي، ولم تعد تصلح حتى لتحقيق الأغراض السياسية التي أُنشئت من أجلها، فإنها في هذه المرة فسحت للمتهمين مجال الدفاع عن أنفسهم، رغم وضوح ارتكابهم ما أدينوا به.

أما الحزب الشيوعي فقد تبنى سياسة رعناء عنيفة، عبر ميليشيات المقاومة الشعبية التي زاد عددها على (110) آلاف، جلّهم من عناصر الحزب الشيوعي، لاستئصال كل أشكال المعارضة من أية جهة كانت، وهذا ما أوقع الفزع في قلوب القوميين العرب، وخاصة من كان منهم في الموصل. وقد انقطع الطلاب الموصليون عن الدوام في الكليات، ويمكن معرفة الجو السائد تلك الأيام من تسمية الشيوعيين لهؤلاء الغائبين بـ«الخونة». وكانت المعارك تنشب في ساحات الكليات بين حين وآخر، إلا أن أكثر الطلبة كانوا ينأون بأنفسهم عن ذلك العراك، وقد يتدخلون أحياناً بسرعة لمنع الأطراف من التشابك أو لفك الاشتباك إن حصل. وكانت هناك أخبار عن طلقات متفرقة تُسمع أثناء الليل، وخاصة في المناطق التي يسيطر عليها القوميون العرب المتطرفون الذين يأبون أن يدخل أحياءهم من يشكّون في كونه شيوعياً. واشتد الصراع في كل أنحاء العراق، وبخاصة في الموصل، وتعقّد بسبب الانقسام الديني، حيث بُدئ بمهاجمة المسيحيين بزعم أنهم شيوعيون.


أجزاء «الاضطراب في كوردستان العراق والثورة الكوردية في ولاية الموصل» (2 أجزاء):

  1. الجزء الأول (هذا الجزء)
  2. الجزء الثاني

الجزء الثاني ←