الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

الاضطراب في كوردستان العراق والثورة الكوردية في ولاية الموصل (الجزء الثاني)

من محاضرات «الكورد في ولاية الموصل» – 2014

تمرد الأكراد وانتفاضتهم

دأب الناس على ردّ أخطاء الماضي إلى قصور النظام العراقي الملكي ونوري السعيد باشا، ومنها طريقة النظر إلى المشكلة الكوردية. وبعد ثورة 14 تموز 1958 سادت المحافل المعنية بالأمر موجة من التفاؤل، وعُدّت الحفاوة الكبيرة الشاملة التي قوبل بها الزعيم الكوردي الخالد الملا مصطفى البارزاني عند عودته إلى بغداد في تشرين الأول 1958 فاتحة عهد جديد في العلاقات الكوردية العربية ضمن الدولة العراقية في العهد الجمهوري.

ترجع رغبة الأكراد وآمالهم في كيان قومي كوردي مستقل لهم في كوردستان إلى عهد بعيد في التاريخ. وكان ضعف الإدارة العثمانية، وانعدام طرق المواصلات، وطبيعة المنطقة الجبلية، وضمور الموارد العامة وقلتها، كلها موانع في كوردستان تحول دون التدخل الخارجي. ولكن اكتشاف النفط بغزارة في بلاد ما بين النهرين قطع هذه العزلة، وبدأت الأطماع الاستعمارية فيها، وبدأت الأفكار الحديثة وطرق الحياة الجديدة تتسرب إلى الأكراد، بصورة غير متساوية، منذ نهاية الحرب العالمية الأولى.

ومع أن بلاد الأكراد (كوردستان) تقع في المناطق الجبلية الشمالية، فإن الانتقال من تلك المناطق الكوردية إلى المدن في جنوبها ظل مستمراً، حيث انتقل الكورد للسكن فيها، وفي بغداد بخاصة مجموعات كبيرة من الأكراد. ولأن تسرب الأفكار الحديثة إلى الأكراد كان متقطعاً ودون انتظام، فكذلك كان تأثيرها، ولم يكن مستغرباً بطبيعة الحال أن تختلف آراء قادة حركة الحكم الذاتي حول أفضل طرق التنظيم وخير وسائل العمل لتحقيق أهدافهم.

وكان رؤساء العشائر الأكراد التقليديون ما يزالون أقوياء في كوردستان العراق، وكان من الواضح أن البارزانيين أكثر القبائل نفوذاً، وأن الملا مصطفى البارزاني يحتفظ بسجل حافل من الوطنية وقيادة الحركة الكوردية المسلحة والثورة لسنين طويلة: ضد الإدارة البريطانية المؤقتة، وضد الحكومة العراقية في ظل الانتداب، وضد الحكومة القائمة قبل ثورة 14 تموز 1958. وهو ما جعل بعض المتكلمين باسم حلف بغداد عام 1955 يفسرونه بأنه توثيق لروابط العراق مع إيران وتركيا لمواجهة أي تهديد بحرب أهلية في الشمال (كوردستان العراق)، كانوا يزعمون أن الشيوعيين الروس يحرضون الزعيم والقائد الكوردي الملا مصطفى البارزاني على إثارتها (4).

ومع أن موقف القائد الكوردي الملا مصطفى البارزاني كان جيداً في نظر أكثر قطاعات الرأي العام، فإن سمة أخرى من ماضيه قوبلت بخليط من العواطف والولاء؛ ذلك أنه قضى بضع سنين من سنوات نفيه في الاتحاد السوفيتي، وهذا ما دفع الجناح اليميني المتطرف إلى النظر إليه أداةً خطرة جديدة تضاف إلى قوة الشيوعيين في البلاد، في حين ظن الجناح اليساري أنه سيعود شيوعياً، أو على الأقل مؤيداً للكتلة الشرقية في الحرب الباردة وعدواً لبريطانيا العظمى. أما المحافظون العراقيون فقد عدّوا تجربة الملا مصطفى البارزاني في الاتحاد السوفيتي سبباً إضافياً لمعارضة المطالب الكوردية، ولكنهم لم يستطيعوا أن يجهروا برأيهم هذا أثناء فترة الحماس الثوري الكوردي. ونعتقد أن كلتا النظريتين خاطئة، فالملا مصطفى البارزاني رجل دين ظل طيلة حياته وطنياً كوردياً صلباً لا يلين. أما عداوته لبريطانيا العظمى سنوات عديدة فمردّها سياسة بريطانيا وأعمالها بعد سقوط الإمبراطورية العثمانية، التي دفعتها إلى توسيع حدود العراق في كوردستان العراق (ولاية الموصل) لتشمل المنطقة التي يكوّن الأكراد غالبية سكانها، دون أن تنص على ما يضمن حقهم في الحكم الذاتي، أو على الأقل دون أن تبدي رغبة في إعمال مثل هذا النص لصالح الأكراد حتى لو وُجد مبدئياً.

ولكن هذا كله أصبح جزءاً من الماضي، والملا مصطفى البارزاني أدهى من أن يصرف وقته في التفكير بمثل هذه الاتهامات، في الوقت الذي تقتضي فيه مصلحة القضية الكوردية إقامة علاقات جيدة وصيانتها مع أقطار أخرى، ومنها بريطانيا، لكي يكسب العطف الدولي لقضيته الوطنية الكوردية والتأييد المباشر أو غير المباشر لها. وقد شهدنا وصول الملا مصطفى البارزاني إلى بغداد في تشرين الأول 1958، والاحتفال الكبير الذي استُقبل به في مطار بغداد (5). وقد أخبرنا مصدر ثقة أنه رفض طلباً من وفد من الجناح اليساري بقطع علاقاته مع بريطانيا.

ومثل هذه الاعتبارات كانت تصدق على محاولات اليساريين المتطرفين دفع الزعيم والقائد الكوردي الملا مصطفى البارزاني إلى الوقوف إلى جانب روسيا في الحرب الباردة الدائرة وقتذاك، ولم يكن الباعث على هذه المحاولات الرغبة في تقوية القومية الكوردية، وإنما الأمل في كسب تأييد إضافي لأهداف اليساريين في توسيع الصراع الطبقي داخلياً وجرّ العراق إلى الانحياز للشرق في الحرب الباردة. وكان الكفاح والضجة من أجل هذه الأهداف قد حوّلا الرأي العام عن الموضوع الرئيس، وهو وضع الأكراد في دولة العراق الجمهوري. وأدرك الزعماء الأكراد أن مسودة الدستور العراقي الجديد الذي أعلنته حكومة الثورة في تموز 1958 قد نصت، للمرة الأولى في تاريخ العراق، على أن الأكراد شركاء العرب في المجتمع العراقي، ويتمتعون وإياهم بالحقوق نفسها. ولكن الدستور لم يكتفِ بتجاهل القومية الكوردية فحسب، بل زاد على ذلك فنص على «أن العراق جزء لا يتجزأ من الأمة العربية». وقد أثار هذا النص، بطبيعة الحال، شكوك الأكراد وقلقهم؛ فالأكراد أقلية كبيرة في العراق، ولكنهم سيصبحون حتماً أقلية صغيرة جداً إذا ما انضم العراق إلى اتحاد أو وحدة مع أقطار عربية أخرى، مما يؤدي إلى التفريط بمصالحهم القومية الكوردية بل ضياعها. ومع أن الزعيم عبد الكريم قاسم أوضح مراراً أن استقلال العراق مصون ومضمون ما بقي على قيد الحياة، وأن أي تقارب للعراق مع أي قطر عربي آخر سيأخذ شكل التعاون لا الانصهار، فإن الأكراد كانوا يرون في أمثال هذا التعاون، كما جرى في حلف بغداد عام 1955، تهديداً لمصالحهم القومية وخطراً على الحركة الكوردية.

وقد غطى على هذه المسائل في الفترة الأولى من عهد الزعيم عبد الكريم قاسم تعاونُ الأكراد معه في حل المشاكل الطارئة والعاجلة، وكان لتأييد الأكراد لعبد الكريم قاسم خلال عام 1959 الدور الكبير في تغلبه على محاولات القوميين العرب المتطرفين للإطاحة به والمجيء بغيره. وفي هذا المجال وجد زعماء الأكراد أنفسهم يقفون في خندق واحد، جنباً إلى جنب، مع القوى اليسارية ومنها الشيوعيون، وقد حاول خصوم الأكراد استغلال هذا الوضع فوصفوهم بالشيوعيين. ولا شك أن بين الأكراد، كأي جماعة أخرى، بعض العناصر اليسارية، وكانت الأفكار الثورية في كوردستان نفسها تتمخض عن ثورة اجتماعية، لكن غالب الأكراد، ومنهم قادتهم، لم يكونوا مع هذا وذاك من معتنقي العقائد اليسارية؛ فالشيوعية والقومية الكوردية لا يمكن أن تتفقا ما دام الفكر الشيوعي يعطي تقليدياً الأفضلية للصراع الطبقي على التحرر الوطني (6).

وقد بدا هذا الاتجاه واضحاً عام 1959 وما بعده، حين حاولت المنظمات الشيوعية في كوردستان العراق أن «تدمج» الأكراد مع غيرهم في المنظمات المختلفة، موجّهة الجهود نحو متابعة الصراع الطبقي بدلاً من الكفاح في سبيل الهوية القومية.

ويرى البعض أن الزعيم عبد الكريم قاسم كان رجلاً وطنياً ذا أفكار بسيطة، ولكنه كان قادراً بإستراتيجية ماهرة على أن يمنحها القوة. أما القضية الكوردية فقد كان الزعيم عبد الكريم قاسم يشارك فيها هواجس الغالبية من مواطنيه القوميين العرب، ولم يكن راغباً في الاعتراف بقومية كوردية داخل العراق، ولذلك لم يكن كفؤاً لمعالجة ما كان يُعدّ مشكلة داخلية وخارجية بالغة التعقيد يمتد تأثيرها إلى الحقول السياسية والإدارية.

فالقضية الكوردية تركة ثقيلة ورثها العراق الملكي والجمهوري عن بريطانيا، التي استخدمت كل مهارتها السياسية، لأسباب تقدم شرحها، لإدخال المناطق الشمالية من كوردستان العراق المسكونة بالأكراد (ولاية الموصل) ضمن حدود دولة العراق الجديدة. وقد أيّد النظام الملكي وأعوانه بريطانيا في مسعاها هذا، وربما أيدها أيضاً غيرهم من الحكام العرب. والمهم أنه لم يُنص على ضمان حقوق الأقليات في العراق، سواء أكانوا أكراداً أم آثوريين، وكلا الفريقين أُدخل في حدود العراق الجديد بمبادرة بريطانية ودون رأي الكورد.

الزعيم الركن عبد الكريم قاسم يستقوي بالكورد عند ضعفه

كان الزعيم عبد الكريم قاسم متحفظاً في كلامه عن القضية الكوردية في خطبه العامة، فهو يتجنب بمهارة تشجيع الهدف العام للقادة الأكراد، ويقتصر في كلامه على ما يزعمه من المنافع التي قدمتها ثورة 14 تموز 1958 للأكراد، كتحريرهم، كما حررت العرب، من مساوئ العهد الملكي السابق. وكان يظن أول الأمر أن القادة الأكراد سيكونون من الشاكرين له، لكنه، على قدر معرفتنا، لم يُبدِ أية علامة أو إشارة علنية تدل على إقراره أو تأييده للحكم الذاتي لمنطقة كوردستان، وهو الأمر الوحيد الذي يرضي الأكراد. ولكنه على كل حال ظل يشيد بدور الأكراد في أحداث الأشهر الأولى من عام 1959، أما الأمر الأساسي فلم يكن موضوع بحث حينذاك.

وفي تلك الأيام بدأت محاولات في وزارة التربية والتعليم للعناية باللغة الكوردية وآدابها، وصدر في كلية الآداب قرار بإنشاء دروس جديدة لهذه المواضيع. ولكن، كما يحدث دائماً، فإن بطء العمل وطول المدة بين صدور قرار بسياسة معينة ووضعه موضع التنفيذ يجعلان الناس والمجتمع يشككون في صدق نوايا الحكومة العراقية وقيادتها.

وقد خُففت عن المطبوعات الكوردية القيود القديمة التي كانت تحدّ من انتشارها، وصدرت عدة صحف باللغة الكوردية، وكانت الجريدة الكوردية الرئيسة حرة في نشر الأخبار والشؤون السياسية وبحثها. وكانت الصحافة الحرة نسبياً، التي ظهرت في الأيام القاسمية الأولى، تطالب بإلحاح واستمرار بإصلاح المعاهد الكوردية وتعميم تعليم اللغة الكوردية ونشر الآداب الكوردية. تلك كانت مطالب الأكراد الثقافية التي تتقدم مطالبهم السياسية، لأن الحركة الكوردية كانت في هذه المرحلة بالذات، كما تقدم بنا من قبل، تهدف إلى الحفاظ على موضع قدم لها في وجه تيار اندماج العراق في دولة عربية موحدة كبرى. ومن الناحية الثانية، وفي حال قيام اتحاد بين الدول العربية، كما يدعو إلى ذلك القوميون العرب المعتدلون، فإن موقف الأكراد هو المطالبة بحق تأسيس حكم ذاتي محلي للأكراد داخل الاتحاد.

وبفشل المؤامرات الأولى ضد الزعيم عبد الكريم قاسم والقضاء عليها، عاد عبد الكريم قاسم يرسم الطريق لإثارة الفتنة بين القوميات لإضعافها، وخاصة الكورد، لتبرير عدم إعطائهم الحكم الذاتي بذريعة الأخطاء أو الدماء التي سالت في تمرد العقيد عبد الوهاب الشواف في 8 آذار 1959.

وقد أدى تجمع عوامل السخط في عام 1960 وبعضها في عام 1961، وهي عوامل بعضها يعم جميع العراقيين وبعضها مقصور على المنطقة الكوردية (كوردستان)، إلى إشعال نار الحرب بين الطرفين، الحكومة العراقية (والشرطة) والأكراد. وهي حرب وإن أثارها في واقع الأمر صدام طفيف مع مخفر للشرطة العراقية، فقد كانت حصيلة حوادث عدة يعود سببها أساساً إلى اختلاف أساسي في وجهات النظر، مردّه عدم رغبة النظام، بمن فيه عبد الكريم قاسم وأعوانه، في الاعتراف بأن العراق دولة تضم عنصرين مختلفين هما العرب والأكراد، وبوجوب تعديل الدستور العراقي وإصلاح الهياكل الإدارية وخطط السياسة المحلية لتتماشى مع هذه الحقيقة الواضحة.

وربما كانت سياسة عبد الكريم قاسم في الموازنة بين الفئات السياسية المتصارعة مصدر حيرة للأكراد، إذ تذبذبت سياسة الحكومة العراقية برئاسة عبد الكريم قاسم تجاه جماعة سياسية معينة بين وقت وآخر. وقد رحّب الأكراد، كما رحّب الشيوعيون وغيرهم من الفئات، بمنح الأحزاب السياسية حرية الظهور والعمل، ولكن عودة الزعيم عبد الكريم قاسم إلى فرض الحظر على مطبوعات الأحزاب ونشاطها السياسي أثارت في كوردستان العراق ردود فعل غاضبة. ولجأ عبد الكريم قاسم إلى أساليب الحكومات العراقية السابقة في التحريض سراً لإثارة الجماعات والقبائل الكوردية المعادية للزعيم والقائد الكوردي الملا مصطفى البارزاني ضده، وخصوصاً عشيرتي زيبار ولولان الكورديتين. وفي الوقت نفسه كان الملا مصطفى البارزاني يحاول مدّ سيطرته على جميع مناطق كوردستان العراق، مما أدى إلى نشوب معارك بينه وبين أعدائه من هاتين العشيرتين.

وعند عودة الملا مصطفى البارزاني من زيارة لموسكو عام 1960، في محاولة لم تنجح لكسب التأييد الروسي له، وجد أن عبد الكريم قاسم قد اتخذ بعض الخطوات لإضعاف مركزه بين الشعب الكوردي، فترك بغداد في الحال، وبذلك تهيأ الطرفان للاشتباك المسلح الذي استمر منذ ذلك الحين حتى سقوط حكم عبد الكريم قاسم في 8 شباط 1963.

وإذا نظرنا إلى هذه الفترة في ضوء ما تلاها من أحداث، وجدنا أن الاشتباكات بين الفريقين كانت أقل عنفاً وأكثر تراخياً مما حدث بعدها في عهود الحكومات العراقية التالية، ولكن المؤسف أن الاعتدال في الأعمال الحربية لم تصحبه مساعٍ سلمية صادقة للتسوية والمصالحة بين الشعبين الأخوين العربي والكوردي.

وكان الجيش العراقي، وكذلك عبد الكريم قاسم نفسه، يرغبان في نصر عسكري حاسم على الأكراد، وكان الأكراد من جهتهم يصرّون على انسحاب الجيش العراقي من مناطق كوردستان إلى مواقعه قبل الحرب، وتسريح العناصر المرتزقة المجندين في أفواج الدفاع الوطني الكوردي (الفرسان) من غير قبائل البارزاني وحلفائه، مع الاستمرار في المطالبة بالحريات الديمقراطية وبالحكم الذاتي للشعب الكوردي، وتعديل قانون الإصلاح الزراعي ليتماشى مع الأحوال الكوردية في كوردستان العراق.

ومع أن المطالب الكوردية لم توضع بوضوح تام أمام الحكومة العراقية، فليس في مقدور الحكومة العراقية وقيادتها الفردية المطلقة في بغداد أن تمنح الأكراد العراقيين مطالب رفضتها الحكومات والقيادات العراقية العربية سابقاً ولم تقتنع بها بعد، علماً أنها كانت مطالب عادلة وسهلة التطبيق للشعب الكوردي.

وتحتل القضية الكوردية مكاناً ملحوظاً عند تعداد الأسباب التي أدت إلى ضعف عبد الكريم قاسم وزواله؛ فقضايا الأقليات تعكّر دائماً مزاج الحكام المطلقين، وأقلية مثل الأقلية الكوردية، لها من الخصائص العنصرية والتاريخية واللغوية والاجتماعية ما يفرّق الأكراد عن العرب في العراق، لا ترضى بديلاً دون الامتيازات التي تمنحها حريات أكبر من تلك التي تمارسها الأغلبية نفسها. ولكن إذا مُنح الأكراد حريات أكبر من أجل ترضيتهم للعيش ضمن دولة كبرى يكونون فيها أقلية فقط، فمن الصعب أن يرضى العرب، وهم أكثرية السكان، باستمرار الحكم الفردي المطلق عليهم في حين خفّت قبضته على الأقلية. وإذا فرضنا، وهو ما كان قد بدأ فعلاً في العراق أيام عبد الكريم قاسم، أن الأغلبية العربية لسبب ما لم تكن راضية عن الحكم الفردي القائم، فلنا أن نزعم أن أي امتياز للأقلية الكوردية سوف يزيد السخط القائم في العاصمة بغداد، وربما يعرّض استمرار النظام للخطر.

وهنا كان عبد الكريم قاسم في وضع أسوأ مما كان عليه نوري السعيد باشا، الذي تولى رئاسة الوزراء في العهد الملكي أربع عشرة مرة، وهو من أصل كوردي.

فرغم الكثير من المساوئ التي أُلصقت بنوري السعيد باشا، فإنه لم يكن دكتاتوراً، ولا يمكن مطلقاً وصفه بذلك. وقد يصح القول إنه كان المسؤول الأول عن حلّ الأحزاب السياسية، وهي خطوة رجعية في تاريخ العراق السياسي سهّلت على خلفائه الثوريين أن يرجعوا عما وعدوا به المعارضة (7)، ولكن مع هذا ظل البرلمان العراقي يجتمع، وظل الخطباء فيه يستطيعون توجيه النقد إلى نوري السعيد باشا وسياسته. وأكثر من هذا، فلا تقع تبعة فشل النظام الملكي السابق في الوصول إلى تسوية للقضية الكوردية على عاتق نوري السعيد باشا وحده، وإنما تقع التبعة على عاتق ضباط الجيش القوميين العرب والساسة اليمينيين، وكانت آراء نوري السعيد باشا في الموضوع أكثر تفهماً ومرونة من آراء من حوله، ولو تُرك الأمر لنوري السعيد باشا وحده لوصل به إلى قرار سليم.

وقد لقي كل من نوري السعيد باشا سابقاً وعبد الكريم قاسم لاحقاً معارضة شديدة من كبار ضباط الجيش القوميين العرب، الذين يفضلون عند وقوع أي اضطراب في المنطقة الكوردية (كوردستان) أن يلجؤوا إلى الحسم العسكري، ويعتقدون بقدرتهم العسكرية على تحقيقه.

وتنبع بعض هذه المعارضة من دوافع مخلصة، ولكن بعضها الآخر ينبع من رغبة ضباط الجيش الشخصية في انتهاز مثل هذه الفرص للكسب الشخصي، إذ لا يكونون مسؤولين عن تقديم الحساب عن الأموال السرية التي توضع تحت تصرفهم لإقناع الفئات الكوردية المناوئة للبارزاني ورشوتها لقتاله. ومن الطبيعي أن عبد الكريم قاسم لا يستطيع أن يتجاهل رغبات الجيش، وخاصة قادته من القوميين العرب.

وقد أسهمت الحرب الكوردية، التي طال أمدها، في التقليل من شعبية نظام عبد الكريم قاسم؛ فقد عملت الأعداد الكبيرة من الأكراد الساكنين في بغداد، والعلاقات العديدة بين العرب والأكراد، وكبار التجار المتعاملين مع كوردستان العراق، والأحوال المضطربة في السليمانية وأربيل والمدن الأخرى التي كانت تتسرب منها الأخبار إلى بغداد، عملت هذه كلها على إضافة حطب جزل إلى نار القلق السياسي والاجتماعي في العاصمة بغداد.

المصادر

  1. لم تكن دوافع الضباط في كل حركاتهم سلبية قط، وإنما كانوا يهدفون إلى السلطة والجاه والغنى والقصور، باستثناء عبد الكريم قاسم. (الباحث)

  2. هو العقيد جلال الأوقاتي، وقد اغتيل للشك في ميوله الحزبية، والأهم من ذلك لتعطيل فعالية القوة الجوية.

  3. تاريخ يومي 8 و9 شباط 1963 (ثورة 8 شباط 1963 وإسقاط الزعيم عبد الكريم قاسم) يحتاج إلى مؤرخ محايد لتسجيل أحداثهما، فما ظهر من روايات حول الموضوع يعتمد على رواية خصوم عبد الكريم قاسم الذين تولوا السلطة بعده، وكلهم حاقدون عليه. وبالنسبة لمؤلفَي الكتاب، فرغم قربهما من موقع الأحداث فقد وقعا في خطأين جسيمين؛ فوزارة الدفاع لم تستسلم إلا في ساعة متأخرة من مساء يوم 8 شباط 1963، وكانت قد اقتحمتها دبابات الثورة صباح يوم 8 شباط 1963 بقيادة العقيد عبد الكريم مصطفى نصرت، ونشب بينه وبين قاسم وجنوده قتال استمر إلى ما بعد منتصف الليل، قُتل فيه اثنان من أقرب الضباط إلى عبد الكريم قاسم هما العقيدان عبد الكريم الجدة ووصفي طاهر، وتخلى عنه رئيس أركان الجيش أحمد صالح العبدي. ومع هذا استمر عبد الكريم قاسم في المقاومة من وزارة الدفاع، ولم يستسلم إلا بعد ظهر اليوم التالي (9 شباط 1963) بعد أن أنهكه التعب ونال منه العطش والجوع، فاستسلم للعقيد عبد الكريم مصطفى نصرت في قاعة الشعب الملاصقة لوزارة الدفاع، فنقله العقيد عبد الكريم مصطفى نصرت بدبابته إلى دار الإذاعة اللاسلكية في الصالحية في جانب الكرخ ببغداد، وكان رئيس الجمهورية الجديد عبد السلام عارف وأعضاء حكومته التي يرأسها أحمد حسن البكر مجتمعين هناك.

  4. انظر خطاباً لنوري السعيد في كتاب: Ismet Chériff Vanly, Le Kurdistan irakien, entité nationale: étude de la révolution de 1961 (1970).

  5. كشفت محاكمة عبد السلام عارف أمام محكمة الشعب عن عدم رضاه عن عودة البارزاني واستقباله استقبال الأبطال. (الباحث)

  6. إن ازدياد الشقاق في المذهب الشيوعي (وهو بحد ذاته علامة على قوة التيار الوطني في اليسار) منذ الحرب العالمية الثانية، وبعد التحرش باستقلال الدول الصغرى من قبل أكبر نظامين إمبرياليين في العالم، وهما أمريكا والاتحاد السوفيتي، قد غيّر نظرة العقيدة الشيوعية إلى دور القومية.

  7. لم يكن نوري السعيد باشا أول من حلّ الأحزاب السياسية في العراق في العهد الملكي، فقد سبقه إلى ذلك ياسين الهاشمي، رئيس وزراء العراق، في وزارته عام 1936. وبعد ثلاثين عاماً على زوال نوري السعيد باشا: ما الذي تمّ من أمر الأحزاب والحريات الديمقراطية؟ (الباحث)


أجزاء «الاضطراب في كوردستان العراق والثورة الكوردية في ولاية الموصل» (2 أجزاء):

  1. الجزء الأول
  2. الجزء الثاني (هذا الجزء)

→ الجزء الأول