الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي
التعامل الحكومي الرسمي مع المشكلة الكوردية في كوردستان العراق (الجزء الأول)
من محاضرات «الكورد في ولاية الموصل» – 2014
عندما استقر الحكم الملكي في العراق الجديد في 23 آب 1921، وبعد أن تم إخماد جميع الحركات والثورات والانتفاضات والتمردات الكوردية في كوردستان العراق، وجد النظام الملكي أنه لا بد من وضع أسس تقوم عليها السياسة الرسمية للحكومة العراقية العربية تجاه الأكراد في كوردستان العراق، وتوصل إلى إمكانية استيعاب الشخصيات الكوردية النافذة عن طريق استقطابها في النظام العراقي العربي وتمكينها من اعتلاء أعلى المناصب في الحكومة العراقية. وقد نجحت هذه السياسة بالفعل في إرضاء أوساط من الطبقة البرجوازية والإقطاعية من الأكراد، فكان يندر أن تُشكَّل وزارة ملكية في العراق دون أن يكون فيها كوردي رئيساً للوزراء، أو وزيراً للدفاع أو للداخلية، أو رئيساً لأركان الجيش. وفي الحقيقة فإن نسبة الأكراد في الجيش ظلت طوال تلك الفترة أعلى بكثير من نسبتهم في الشعب العراقي، بسبب كفاءتهم وخلفيتهم العسكرية في الجيش العثماني. كما سُمح للإقطاعيين الأكراد بالاحتفاظ بمساحات شاسعة من الأراضي في جميع أنحاء كوردستان العراق.
وهكذا ظلت الحركة الوطنية الكوردية المعارضة سرية أولاً، وضعيفة التأثير ثانياً، ومتعاونة مع الحركة الوطنية العربية العراقية من أجل إحداث تغيير لمصلحتهما المشتركة. وبكلمة أخرى، فإن النظام الملكي العراقي فرّق بين نوعين من الأكراد العراقيين: «الأكراد الموالين»، وهؤلاء لا يوجد أي حاجز أمام تسلمهم أي منصب أو امتياز في الحكومات العراقية العربية؛ و«الأكراد المعارضين»، وهؤلاء لا يوجد أي مجال لاستيعابهم أو لفسح المجال لهم للمشاركة في الحكومات العراقية العربية المتعاقبة. وبالتأكيد فإن الأحزاب الكوردية كافة، ابتداءً من حزب هيوا (الأمل) ووصولاً إلى الحزب الديمقراطي الكوردستاني (البارتي)، كانت من ضمن الفئة الثانية.
وبسبب هدوء المنطقة الكوردية (كوردستان العراق) بعد أحداث الحرب العالمية الثانية وأحداث 1943–1947، فإن الحكومات العراقية العربية الملكية المتعاقبة لم تشعر بأنها في حاجة إلى وضع خطة أو برنامج لحل المشكلة الكوردية في كوردستان العراق، ولا إلى تأهيل العرب والأكراد في العراق الجديد على أنهم شركاء في هذا الوطن، لكي يعيشوا في عراق موحد ومستقر. وكذلك الأمر مع بريطانيا، الدولة المحتلة ثم المتنفذة في العراق الجديد؛ فبعد أن نجحت في احتلال القواعد والمطارات العسكرية واستثمار النفط في العراق، ووقّعت المعاهدات طويلة الأمد مع الحكومات العراقية المتعاقبة (1922، 1926، 1930)، لم تشعر بأنها في حاجة إلى الورقة الكوردية في كوردستان العراق فأهملتها.
ولم تختلف الصورة في العهد الجمهوري الأول (عبد الكريم قاسم 1958م). فعلى الرغم من أن الأحزاب والشخصيات والتنظيمات المهنية العراقية، ومن ضمنها الكوردية، شعرت بحرية أكبر في التحرك والعمل على الساحة السياسية، وعلى الرغم من أن الحزب الديمقراطي الكوردستاني (البارتي) بدأ يعمل بصورة علنية لأول مرة في تاريخه النضالي حتى قبل إجازته في عام 1960، فإن الموقف الرسمي ظل كما هو غير مبرمج وغير واضح، ويعتمد على ما تمنحه الدولة (الحكومة العراقية) من حقوق قابلة للسحب في أية لحظة.
لقد اعتقد الزعيم عبد الكريم قاسم أن الحرية التي منحتها ثورة 14 تموز/يوليو 1958م للأكراد، وتثبيت مسألة مشاركتهم في الوطن في الدستور العراقي، والسماح لهم بإصدار صحفهم، والسماح للمبعدين من الأكراد، وعلى رأسهم الملا مصطفى البارزاني، بالعودة إلى العراق، وإطلاق سراح المسجونين من الأكراد، وإعادة المهجرين إلى أراضيهم في كوردستان العراق، هي أمور كافية لإرضاء الشعب الكوردي وجعله ممتناً لما يحدث. وبالتالي لم تفكر الحكومة العراقية مثلاً في وضع تفاصيل المشاركة مع الشعب الكوردي ووضع أسسها العلمية والعملية، ولم تفكر حكومة عبد الكريم قاسم في توضيح الحقوق القومية الكوردية المشروعة وتثبيتها في القوانين العراقية، ولا في تثبيت الحقوق الثقافية للأكراد وحقهم في التعلم باللغة الكوردية. بل إنه حتى عندما أُجيز الحزب الديمقراطي الكوردستاني للعمل، فإن إجازته تمت بعد تعديل اسم الحزب وبرنامجه.
إن هذا التفكير الأبوي المتعالي من قبل الحكومة العراقية مع الشعب الكوردي والقضية الكوردية في كوردستان العراق لا يمكن أن يحل المشكلة. صحيح أن الأكراد كانوا فرحين بما تحقق لهم، وصحيح أنهم رضوا بالعمل بالبرنامج الذي وضعته لهم الدولة والحكومة العراقية (عبد الكريم قاسم)، مبررين ذلك بأن الحصول على الإجازة للحزب الديمقراطي الكوردستاني (البارتي) أهم من المسائل المبدئية الأخرى التي يمكن أن تبقى مبادئ غير مكتوبة للحزب، إلا أنه صحيح أيضاً أن كل هذه المنجزات كانت رهناً بموافقة الحاكم العربي في بغداد (عبد الكريم قاسم) ومباركته، وأن باستطاعته أن يسحبها الواحدة تلو الأخرى متى شاء وحسب رغبته الشخصية، ما دام لا يوجد دستور وقوانين تحمي هذه المكتسبات للشعب الكوردي. وهذا ما حدث بالفعل بعد أن ساءت العلاقات بين عبد الكريم قاسم والملا مصطفى البارزاني ثم الحزب الديمقراطي الكوردستاني (البارتي)، وانتهت الأمور إلى حرب دامية بين الطرفين.
كما أن هذا الأسلوب الاستعلائي من قبل الحكومة العراقية كان أوضح أثناء القتال الدامي الذي استمر منذ الحادي عشر من أيلول/سبتمبر 1961 حتى نهاية حكم عبد الكريم قاسم في الثامن من شباط/فبراير 1963، إذ لم يفكر عبد الكريم قاسم في أن يطرح أية مبادرة أو برنامج لحل المشكلة الكوردية، وظل مصراً على موقفه المبني على مشاعر شخصية، فقد اعتبر أن الملا مصطفى البارزاني وقادة حزب البارتي «ناكرون للجميل»، وأنهم «أساؤوا إلى الأيدي والصدور التي مُدّت وفُتحت إليهم ومكّنتهم من العمل الحزبي بعلنية وبحرية في العهد الجمهوري للعراق». ونسي أنهم أصحاب قضية قومية ووطنية، ومسؤولون أمام الله عن قضية شعبهم وأمتهم الكوردية.
ومما زاد عبد الكريم قاسم تصلباً في موقفه شعوره الشخصي بأن بريطانيا تقف وراء ما يجري في كوردستان العراق، وأن السفير البريطاني دفع الأموال لإثارة المشكلة الكوردية وإضعاف النظام الجمهوري (عبد الكريم قاسم) ومن ثم إسقاطه، بسبب مطالبة عبد الكريم قاسم بالكويت عام 1961. علماً بأن شعوره الشخصي هذا لم يكن له أي نصيب من الصحة في ذلك الوقت، إذ كانت قضية قومية كوردية ينادي بها الشعب الكوردي في كوردستان بأجمعه. وكان ذلك رغم إصداره القانون رقم (80) في عام 1961، الذي حرم شركات النفط البريطانية من الأراضي غير المستثمرة في العراق الجمهوري.
وهكذا فشل عبد الكريم قاسم في أن يتصرف كرجل دولة ويحافظ على العراق جميعاً، وأن يفرّق بين ما هو شعور شخصي وما هو رسمي، وفشل أكثر في وضع البرنامج الصحيح لحل المشكلة الكوردية، التي اعتمد في حلها على القوة العسكرية فقط، دون أي محاولة للحوار من أجل حلها حلاً سلمياً عادلاً. ولم يستطع أن يستوعب حقيقة أن استمرار المشكلة الكوردية في كوردستان العراق سيضعفه وسيزيد من التغلغل الأجنبي فيها. هذا هو الغرور القاتل الذي وقعت فيه جميع الحكومات العراقية المتعاقبة، لإيمانها بأن القضية الكوردية في كوردستان العراق تُحَلّ بقوة السلاح، في حين كان يتوجب عليها كسب الأكراد وفهم وجهة نظرهم بدلاً من تركهم مكشوفين، مضطرين إلى التعاون مع الآخرين لحماية أنفسهم. وهذا شيء طبيعي وحق لكل من يحاول أن يحمي نفسه من العدو الأقوى منه.
بل والأدهى من ذلك أنه حتى عندما حاول البارتي أن ينأى بنفسه عن الأعمال المسلحة العشائرية وغيرها في كوردستان، اتهمت الحكومة العراقية العربية تلك الأعمال بأنها أعمال رجعية استعمارية ضد مكتسبات ثورة 14 تموز/يوليو 1958، ولم تعترف أبداً بأنها حركة قومية لشعب كوردي مضطهد. ولم يعمل عبد الكريم قاسم على الاستفادة من موقف البارتي هذا، وإنما نظر إليه كمعارض له ولحكومته، وقرر أن يضعه مع العشائر والمعارضين الأكراد لسياسته في سلة واحدة.
عندما سقط عبد الكريم قاسم ووصل حزب البعث إلى السلطة للمرة الأولى في الثامن من شباط عام 1963 (14 رمضان 1382هـ) مع مجموعة من الضباط القوميين العرب، لم تكن لدى نظام حزب البعث الجديد أي خطة واضحة للتعامل مع المشكلة الكوردية في كوردستان العراق. وكان جلّ تفكيرهم في هذا الخصوص ينصبّ على ما كتبوه أثناء حكم عبد الكريم قاسم عن المشكلة الكوردية، ويتلخص فيما يلي: أن ما يحدث في كوردستان العراق تمرد عشائري كوردي يمثل خلافاً بين حليفين سابقين هما عبد الكريم قاسم والملا مصطفى البارزاني، وأن عبد الكريم قاسم لم يستخدم القوة العسكرية الكافية لقمع هذه الحركة القومية الكوردية.
وبدلاً من البحث عن حل للمشكلة الكوردية بدأ نظام حزب البعث الجديد يبحث عن السبل الكفيلة بإسكات البارتي والملا مصطفى البارزاني وتهدئتهم، حتى يتمكن من إعداد القوة العسكرية الكافية لقمع الحركة الكوردية في كوردستان. وهذا فعلاً ما تفكر به دائماً الحكومات العراقية المتعاقبة تجاه حل المشكلة الكوردية. وعندما وجد القادة الجدد في العراق (نظام حزب البعث) أن هناك ضغطاً عربياً لإيجاد حل للمشكلة الكوردية، طرحوا فكرة اللامركزية الإدارية حلاً للمشكلة الكوردية في كوردستان العراق، وهو حل استخدمه السودان قبل ذلك، ولكن هذه الفكرة جاءت أيضاً في سياق التسويف.
ومن الإنصاف القول أيضاً إن الطرف الكوردي كان هو الآخر رافضاً للحلول المطروحة أو لمناقشتها، لعدم ثقة الأكراد بالحكومة العراقية وبصدقيتها معهم. ولم يُبدِ أية مرونة في التعامل مع الوضع الجديد، وبدأ يصعّد المطالب الكوردية، مع ظهور منابر كوردية مختلفة يطرح كل منها فكرة أو حلاً مختلفاً عن الآخر. وكان البارتي قد طرح شعاراً أساسياً للحركة القومية الكوردية هو: «الديمقراطية للعراق والحكم الذاتي لكوردستان العراق»، وبقي متمسكاً بهذا الشعار من أجل صالح العراق.
ومن اللافت للنظر أن حزب البعث لم يُقدِم على دراسة عملية لحل المشكلة الكوردية في كوردستان العراق أثناء إعداده للانقلاب على عبد الكريم قاسم، ولم يفكر في وضع برنامج لها، ولم يفعل ذلك أيضاً عندما وصل إلى الحكم. بل إن حزب البعث، بالرغم من وصوله إلى الحكم في الثامن من شباط عام 1963 وخروجه منه في العام نفسه (انقلاب 18 تشرين الثاني 1963 بقيادة عبد السلام عارف)، وكان الفشل في حل المسألة الكوردية في كوردستان العراق أحد الأسباب الرئيسية في ذلك، وبالرغم من عمله الجاد على العودة إلى الحكم وإجرائه انفتاحات سياسية عديدة، لم يفكر في وضع دراسة جدية عن المسألة الكوردية في كوردستان العراق إلا في عام 1969، وسنأتي إلى شرح ذلك فيما بعد.
ربما كان ما طرحه الدكتور عبد الرحمن البزاز، رئيس وزراء العراق للفترة 1965–1966، المحاولة الجدية الأهم حتى ذلك الوقت لإيجاد حل للمسألة الكوردية وفق برنامج سياسي ورؤية موضوعية للوضع العراقي. بل كان هذا الحل يمثل أول تحدٍّ من قِبَل الفكر المدني العراقي في التعامل مع المشكلة الكوردية وإيجاد حل سلمي للقضية الكوردية، في مقابل الفكر العسكري الذي تعامل مع هذه المشكلة حتى ذلك الحين بقوة السلاح. فبعد أن كانت الاتفاقات السابقة تركز على وقف إطلاق النار وإطلاق سراح المسجونين وإعادة المفصولين وتعويض المتضررين، تحدث بيان التاسع والعشرين من حزيران/يونيو 1966 عن برنامج شامل للحقوق الثقافية والسياسية، كإنشاء جامعة كوردية في السليمانية وإجازة الأحزاب الكوردية. ومع أن هذه البنود وُضعت ضمن البنود السرية للاتفاق خشية أن ينقضّ عليه القادة العسكريون ولا يقبلوا بها، فإنها كانت أشبه بالسر المعروف للجميع، ووضعت الأساس للتعامل مع المشكلة الكوردية بصيغتها الشاملة المستقبلية لا بصورتها الآنية.
المشكلة الوحيدة هي أن صاحب المشروع، الدكتور عبد الرحمن البزاز، كان أضعف من أن يطبق هذه البنود بسبب الهيمنة العسكرية على الحكم. صحيح أنه استغل انتكاسة الجيش في معركة هندرين في عام 1966، إلا أن هذه الانتكاسة لم تنجح في إنهاء نفوذ قادة الجيش في سياسة الحكومة العراقية تجاه القضية الكوردية في كوردستان العراق، وقد نجح هؤلاء القادة بعد أشهر من إعلان هذا الاتفاق في إقالة الدكتور عبد الرحمن البزاز من منصبه رئيساً للوزراء.
إن الموضوعية والإنصاف يقتضيان القول بأن تعامل حزب البعث مع المعضلة الكوردية في كوردستان العراق بعد وصوله إلى السلطة مرة ثانية في 17–30 تموز عام 1968 كان أكثر جرأة ووضوحاً. ولو تمكن حزب البعث من التعامل مع المعضلة الكوردية بالروح نفسها التي تعامل بها معها في نهاية 1969 وحتى إعلان بيان الحادي عشر من آذار/مارس التاريخي في عام 1970، لكان وضع العراق والأكراد فيه أفضل بكثير مما كان عليه حتى عام 2003م. كما أن الإنصاف والموضوعية يقتضيان القول بأن الطرف الكوردي، المتمثل آنذاك بالبارتي وقيادة الملا مصطفى البارزاني، يتحمل النصف الثاني من المسؤولية فيما آلت إليه الأمور بعد عام 1974. وأعتقد أن السبب هو أن جميع البنود والفقرات المتفق عليها، التي وُضعت خلال المباحثات بين الطرفين (الحكومة والقيادة الكوردية)، والنتائج المقرر تنفيذها في بيان الحادي عشر من آذار عام 1970م، لم تُنفَّذ من الجانب الحكومي (حزب البعث).
والمهم في الأمر أن حزب البعث وضع دراسة جدية للمسألة الكوردية في عام 1969، في ظل مطالبات وطنية عراقية بحل سلمي للقضية الكوردية. ثم نُشرت في الفترة 1969–1970 دراسات في نشرة حزب البعث الخاصة بالأعضاء لتثقيفهم حول القضية الكوردية في كوردستان العراق، وتم إقناعهم وإقناع العراقيين بحل مبني على الحكم الذاتي للأكراد، الذي كان الحديث عنه حتى ذلك الحين محرماً، ويُقرن بانفصال الأكراد عن العراق، أو بخلق كيان شبيه بالكيان الصهيوني عند بعض المتشددين والقوميين العرب.
لقد وضع بيان الحادي عشر من آذار/مارس 1970 برنامجاً واضحاً لتطبيق الحكم الذاتي للأكراد في كوردستان العراق. علماً بأن التمهيد لهذا البيان والاتفاق عليه قد سبق إعلانه، وذلك بتطبيق بنود بيان 29 حزيران/يونيو 1966 السرية، التي تضمنت إنشاء جامعة كوردية في السليمانية، وإنشاء محافظة كوردية ثالثة هي محافظة دهوك، متكونة من أجزاء من محافظة أربيل ومحافظة الموصل. وبهذا بقي بند سري واحد من بيان 29 حزيران/يونيو 1966 لم يُطبَّق، هو البند القاضي بإجازة الحزب الديمقراطي الكوردستاني. وتأسيساً على هذه الخطوات وعلى إعلان بيان الحادي عشر من آذار/مارس 1970، تم إقرار تعليم اللغة الكوردية إلى جانب اللغة العربية في جميع المدارس العراقية، مع إعطاء المدارس في المناطق الكوردية (كوردستان العراق) الحق في التدريس باللغة الكوردية حتى مرحلة معينة، لتكون مزدوجة اللغة بعد ذلك.
إن ما يهمنا أكثر هو الإقرار بمبدأ الحكم الذاتي للأكراد في كوردستان العراق كما ذكرنا، إذ تم اعتماد هذا المبدأ، حسب المطلب الكوردي، أساساً لإدارة المنطقة الكوردية (كوردستان) المتكونة من السليمانية وأربيل ودهوك، مع ضم المناطق الشمالية من كركوك وأجزاء من ديالى، التي توجد فيها كثافة سكانية كوردية كبيرة، إلى منطقة الحكم الذاتي (كوردستان العراق). وأجاز قانون الحكم الذاتي لعام 1974 تأسيس مجلسين للمنطقة الكوردية (منطقة الحكم الذاتي)، مجلس تشريعي ومجلس تنفيذي، يكونان «منتخبين»، بالإضافة إلى مشاركة الأكراد بخمسة وزراء في الوزارة المركزية في بغداد (وكان العدد لا يتجاوز اثنين في السابق). وبعد بيان الحادي عشر من آذار/مارس 1970 أُجيز عمل الحزب الديمقراطي الكوردستاني بصورة علنية، وأُتيح له حق فتح فروع له في كل أنحاء العراق. كما تم قبول مجاميع من الطلبة الأكراد في الكليات العسكرية العراقية، ودمج قسم من البيشمركة المسلحين في الجيش العراقي كحرس حدود، وتم الاتفاق على تعيين نائب كوردي لرئيس الجمهورية.
كل هذه الأمور الإيجابية كانت تبشر بحل سلمي ودائم للمعضلة الكوردية في كوردستان العراق، إلا أن ما حدث على الأرض لم يكن ينسجم مع هذه الإيجابية، إذ تصاعد التوتر بين الطرفين منذ نهاية عام 1973 حتى وصل إلى حد الصدام المسلح في نيسان/أبريل 1974. وإذا أردنا أن نحصي أسباب التدهور سنجدها كثيرة، ويتحمل الطرفان، الحكومي والقيادة الكوردية، حصتهما منها.
فابتداءً، ورغم كل الإيجابية التي أبداها حزب البعث وقيادته، فإنه أبقى جميع الأمور في منطقة كوردستان وفي المجلسين (التشريعي والتنفيذي) معلقة على موافقة السلطة المركزية في بغداد التي يقودها حزب البعث، حتى الصغيرة منها، وجعل من هذه المركزية الحزبية أساساً في التعامل مع المنطقة الكوردية (كوردستان العراق). كما فرض أشخاصاً عرباً من ذوي الدرجات الحزبية البعثية الكبيرة، هم أصحاب الموافقة على كل القرارات في المجلسين التشريعي والتنفيذي، وكان على المجلسين قبول ذلك. وعمل حزب البعث ونظام الحكم في بغداد على تصفية القيادات الكوردية الرئيسية، ابتداءً من الملا مصطفى البارزاني وانتهاءً بالقيادات المحلية، وهم في حالة التفاوض مع الحكومة وحزب البعث لإيجاد الحلول للمشكلة الكوردية. وأهمل تدريجياً تدريس اللغة الكوردية في المدارس العراقية، وأضعف تدريسها في المناطق الكوردية، وجعل للكوردي المنتمي إلى حزب البعث امتيازات تفوق امتيازات أعضاء البارتي والمستقلين الأكراد، إلى آخر ذلك من الأمور التي أعطت البارتي والشعب الكوردي الانطباع بأن قيادة البعث والحكومة العراقية لم تكن جادة في تحقيق بنود الحادي عشر من آذار 1970، ولا في تسوية شاملة ونهائية للمشكلة الكوردية على أساس الاعتراف بالآخر وإعطائه حقوقه القومية كاملة، خصوصاً في ظل تصعيد وتيرة القمع ضد قيادة البارتي والشعب الكوردي. ومع الأسف كان هذا نهج كل الحكومات العراقية المتعاقبة: عندما تقوى لا تعترف بما قُرّر واتُّفق عليه في السابق من خطط لحل المشكلة الكوردية.
أجزاء «التعامل الحكومي الرسمي مع المشكلة الكوردية في كوردستان العراق» (2 أجزاء):
- الجزء الأول (هذا الجزء)
- الجزء الثاني