الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

التعامل الحكومي الرسمي مع المشكلة الكوردية في كوردستان العراق (الجزء الثاني)

من محاضرات «الكورد في ولاية الموصل» – 2014

من ناحيتها اشتكت قيادة حزب البعث من أن قيادة البارتي لم تقطع علاقاتها مع الأطراف الخارجية التي كانت تضمر السوء للعراق ولحزب البعث، مثل إيران الشاه وإسرائيل، على الرغم من الاتفاق الشامل الذي وُقّع في الحادي عشر من آذار/مارس 1970، والذي منح الأكراد في كوردستان العراق حقوقاً ومكتسبات يحسدهم عليها إخوانهم في الدول المجاورة (إيران وتركيا وسوريا)، علماً بأن الجميع في العراق كانوا يعلمون أن الاتفاق وبنود 11 آذار 1970 كانت صورية فقط (حبراً على ورق). بل إن العلاقات والتداخل بين القيادة الكوردية وهذه الأطراف أصبحت أكبر بعد إعلان بيان الحادي عشر من آذار/مارس 1970م. ونعتقد أن السبب في ذلك هو عدم ثقة الأكراد بالحكومات العراقية وبحزب البعث، وشعورهم بعدم مصداقية حزب البعث والحكومة العراقية ونكثهما بالوعود في تنفيذ بنود 11 آذار 1970م تنفيذاً صحيحاً وكاملاً حسب ما اتُّفق عليه خلال العمل على البيان.

ثم إن تأميم العراق للنفط في عام 1972، الذي كان يُفترض أن يكون مبعث سعادة للعراقيين جميعاً، قد يكون هو ما دفع قيادة البارتي إلى التقرب من الولايات المتحدة وعرض التعاون معها لإفشال عملية تأميم النفط مقابل منحها حقوقاً وامتيازات إضافية في منطقة كوردستان العراق وكركوك، وأدى إلى توقيع اتفاقية سرية بين قيادة البارتي ووكالة المخابرات المركزية الأمريكية (CIA) لتزويد الأكراد بأسلحة ودعم مالي كبير. ويعود سبب ذلك أيضاً إلى عدم ثقة القيادة الكوردية بالحكومة العراقية وقيادة حزب البعث، والعكس صحيح، وكذلك إلى التجارب مع الحكومات السابقة ونكثها بالوعود وعدم مصداقيتها مع الشعب الكوردي. وكان الأسلوب الإعلامي لتلك الدول في الوقت نفسه يعمل على توسيع الثغرة بين الأكراد والحكومة. وكذلك عمل الطرفان، الإيراني والأمريكي، على توسيع مجال تدخل الموساد الإسرائيلي في كوردستان العراق. كما جرى تحديد الدخول إلى منطقة كوردستان العراق بطريقة توحي للذاهب إليها بأنه ينتقل من بلد إلى آخر، وظلت القيادة الكوردية تتصرف بمنأى عن السلطة المركزية. وأعتقد أن سبب ذلك هو عدم ثقة كل من الطرفين بالآخر، وخوف الأكراد من انتقام الحكومة العراقية منهم عندما تصبح لديها القوة الكافية لذلك، إلى غير ذلك من الأمور.

والحقيقة أن المشكلة الأساسية للقضية الكوردية في كوردستان العراق، التي لم تُحَلّ في ذلك الوقت وما زالت باقية إلى هذه اللحظة، هي أزمة الثقة المتبادلة بين الطرفين، التي أصبحت صفة ملازمة لكل القيادات الكوردية والعربية في العراق، بل أصبحت تمتد إلى شرائح اجتماعية كثيرة لدى الطرفين. كما أن الفشل في وضع دستور دائم للبلاد يضمن المكتسبات الحقيقية للشعب الكوردي في كوردستان العراق، منذ ذلك الوقت حتى عام 2003م، كان السبب الثاني وراء تأزم المشكلة، يضاف إلى ذلك عدم سعي الحكومة العراقية إلى تحقيق الديمقراطية التي كانت تتعارض تعارضاً جدياً مع توجهاتها وأفكارها.

وعلى هذا الأساس توجهت الأمور توجهاً مأساوياً انتهى بالصدام المسلح بين الطرفين. فبالإضافة إلى حجم التدمير الرهيب الذي تعرضت له كوردستان العراق، والعدد الكبير من الضحايا من كلا الطرفين من الشعب العراقي (بعربه وكورده)، والخسائر المادية الجسيمة التي تكبدتها البلاد، فإن الحكومة العراقية وحزب البعث أسهما في التفريط بأجزاء من الأراضي العراقية لإرضاء إيران كي تسحب دعمها للقيادة الكوردية في كوردستان العراق. وهذا ما حصل في الجزائر في 6 آذار/مارس 1975 بين العراق وإيران، من خلال ما أُطلق عليه «اتفاقية الجزائر لعام 1975»، وكان من نتائجها انهيار الحركة الكوردية انهياراً شبه كامل. وهذا دليل قاطع على أن شاه إيران والغرب وأمريكا كانوا ينظرون إلى القضية الكوردية من زاوية مصالحهم في المنطقة فقط.

لقد كان من المؤسف أن تنتهي سنوات التفاؤل وخطواته بهذه النهاية المأساوية. واستطاع حزب البعث بعدها أن ينفرد بالسلطة انفراداً تاماً، واتجهت الأمور نحو الدكتاتورية المطلقة والصحافة الواحدة والحزب الواحد، بعد أن كان العامل الكوردي (قيادةً وحزباً وصحافة) يعمل عاملاً موازناً وكابحاً للمحاولات البعثية للانفراد بالسلطة والسيطرة على الشعب العراقي والعمل دون رقابة، حتى وإن كانت بسيطة. ونتيجة لذلك لم يبقَ من بيان 11 آذار/مارس 1970 وقانون الحكم الذاتي الذي تلاه في 11 آذار/مارس 1974 سوى الكلمات والأوراق المطبوعة (حبر على ورق).

لقد جاءت الحرب العراقية الإيرانية لتقضي على البقية الباقية من الآمال والأحلام في نقل العراق إلى حالة من التطور والتنمية، وهو ما كان النتيجة الطبيعية المنتظرة لازدياد أسعار النفط وتضاعف موارد العراق منه. إلا أن ما حدث هو العكس، إذ استهلكت هذه الحرب غير المبررة (لأنه كان يمكن أن تُحَلّ بالطرق الدبلوماسية والسياسية) كل موارد العراق، بل وحتى الاحتياطي منها. وهكذا، بعد أن كان الاحتياطي النقدي العراقي يبلغ نحو أربعين مليار دولار في ذلك الوقت، خرج العراق مديناً بأكثر من ستين مليار دولار.

أضف إلى ذلك أن حالة الحرب واستمرارها سمحت للسلطة المركزية بأن تصفّي كل من يعترض عليها بدعوى ضرورة الحفاظ على الأمن الوطني والداخلي في وقت الحرب. ولما كانت أغلب القيادات الكوردية السابقة موجودة في كوردستان إيران، وارتكبت خطأ التعاون مع الإيرانيين ضد الجيش العراقي، فإن ذلك أعطى السلطة العراقية آنذاك مبرراً آخر للبطش غير المبرر بالشعب الكوردي في كوردستان العراق. وجاءت عمليات التصفية والتهجير والترحيل القسري واستخدام الأسلحة المحرمة دولياً في كوردستان العراق وسيلةً «لضمان الأمن الوطني العراقي» كما ادّعت سلطة حزب البعث. إن الحديث عن المآسي الكثيرة التي حدثت في ذلك الوقت قد يثير أحزاناً وأشجاناً لسنا بحاجة إليها، ويمكن الرجوع في ذلك إلى موسوعة «الأكراد: حقائق ووقائع عبر التاريخ» (12 جزءاً) للدكتور عبد العزيز المفتي. لكن يبقى من المؤكد أن ما حدث في تلك الفترة، وحتى عام 1991، قد أحدث شرخاً كبيراً ودامياً في العلاقة العربية الكوردية، ما زلنا نعاني منه، وسنبقى نعاني منه لفترة غير قصيرة، عراقيين عرباً وأكراداً.

وشهدت الفترة التي بدأت عام 1991 انسحاباً رسمياً للحكومة العراقية من منطقة كوردستان العراق، بمعنى أن الإدارة الرسمية والجيش وقوات الشرطة والأمن العراقية انسحبت إلى خارج المنطقة الكوردية ومنطقة الحكم الذاتي (كوردستان العراق) ولم يعد لها وجود فيها، تاركةً الأمور للقيادات الكوردية التي أصبحت متمثلة بحزبين رئيسيين هما «الحزب الديمقراطي الكوردستاني» و«الاتحاد الوطني الكوردستاني»، لاقتسام السيطرة على منطقة الحكم الذاتي. وبما أن هذين الحزبين لم يكونا على وئام فيما بينهما، فقد انعكست خلافاتهما، التي وصلت إلى حد الاقتتال الدموي المريع في الفترة 1994–1998، لتضيف إلى مأساة الشعب الكوردي في العراق مأساة أخرى. ثم أسهمت السلطة المركزية وحزب البعث آنذاك في زيادة هذه المأساة بفرض حصار قاسٍ على المنطقة الكوردية (كوردستان العراق) بالكامل.

وعندما فشلت السلطة المركزية في إقناع الحزبين الكورديين الرئيسيين بتوقيع اتفاق شامل وواضح لحل المشكلة، لم يُعلَن عنه الكثير، زادت من هذا الحصار، على الرغم من علمها بأن التأثير والضغط الخارجي كان كبيراً في سبيل إفشال أي محاولة لإنهاء المشكلة الكوردية باتفاق سلمي. وقد ظهر هذا الأمر واضحاً عندما صرح قادة الحزبين الكورديين بأنهم توصلوا إلى اتفاق شامل مع السلطة المركزية، وعادوا إلى كوردستان، كلٌّ على انفراد، لاستحصال موافقة باقي القيادات الكوردية، ولكنهم لم يعودوا إلى بغداد بعد ذلك، بسبب الضغوط الخارجية على كل الأطراف الكوردية والحكومية العراقية.

وللتدليل على أن منطقة كوردستان العراق كانت تعيش حالة من «الديمقراطية» أفضل من تلك التي تسود باقي العراق بعد انسحاب الحكومة العراقية وقيادة حزب البعث منها، اتفق الحزبان على إجراء انتخابات عامة في عام 1992. وعلى الرغم من أن نتائج الانتخابات كانت واضحة حسب ادعاء أحد الحزبين، فقد رفض الحزب الثاني هذه النتائج، وأصر على أن النتائج متقاربة. وحلاً لهذه المشكلة ابتُدع ما عُرف بحل «الفيفتي فيفتي» (Fifty-Fifty)، الذي يعني تقاسم السلطة بين الحزبين الكورديين الرئيسيين، وبهذا الشكل كان للوزير المعيّن من الحزب الأول وكيل من الحزب الثاني، وهكذا نزولاً إلى المناصب الأخرى. وبعد أن شُكّلت في البداية حكومة واحدة، انقسمت إلى حكومتين كورديتين: الأولى في السليمانية تابعة للاتحاد الوطني الكوردستاني، والثانية في أربيل ودهوك تابعة للحزب الديمقراطي الكوردستاني. إلا أن هذا الوضع لم يستمر طويلاً، فقد بدأ كل حزب يتحين الفرص لإنهاء نفوذ الحزب الآخر بوسائل مختلفة، حتى وصل الأمر إلى الاقتتال الدامي بين الطرفين، الذي كانت ساحته الأهم مدينة أربيل، واستمر الأمر حتى تدخلت أطراف خارجية لإيقافه.

وقد حاول الحزبان الكورديان الرئيسيان في لحظات مختلفة إظهار توافقهما، الذي كان كثيراً ما يُفرض عليهما من الخارج، وبالذات من الولايات المتحدة، التي كانت قد وضعت مسألة إسقاط النظام العراقي وصدام حسين عام 1988م أولويةً لها، فحاولت تجميع كل الأطراف العراقية المعارضة إلى جانبها؛ إلا أن الخلافات ظلت مستمرة وواضحة وغير قابلة للتسوية. والدليل على ذلك ما حدث عام 1996، حين اشتد الصراع بين الطرفين، وظهر ما يدل على أن الاتحاد الوطني الكوردستاني بدأ يمدّ نفوذه لينازع الحزب الديمقراطي الكوردستاني في مناطق نفوذه، وبالأخص في أربيل، بل ويطرده منها. عندها استنجد الحزب الديمقراطي الكوردستاني بالقيادة العراقية وصدام حسين آنذاك طالباً إرسال الجيش العراقي في عملية مباغتة وسريعة في 30 آب 1996، فنجحت قوات الجيش العراقي في تثبيت الحزب الديمقراطي الكوردستاني وطرد الاتحاد الوطني الكوردستاني من أربيل إلى خارج حدود منطقة نفوذ الحزب الديمقراطي الكوردستاني. ودليلاً على حسن النية واحترام الاتفاق بين البارتي والحكومة، انسحبت القوات العراقية من كوردستان العراق بعد تنفيذ ما طُلب منها. إلا أن هذا الموقف لم يمنع قيادة البارتي، ولا قيادة الاتحاد الوطني التي دُفعت إلى خارج الحدود ثم عادت لتستقل بنفسها في منطقة السليمانية بدعم خارجي إيراني، من طلب المساعدة من الولايات المتحدة الأمريكية والتعاون معها لإسقاط النظام العراقي وصدام حسين.

وفي الحقيقة ظلت قنوات الاتصال مفتوحة بين القيادتين الكورديتين والحكومة العراقية، وظل الحوار دائراً بصورة متقطعة بين الطرفين. وفي مجال البحث عن حل للمشكلة الكوردية كانت تبرز وجهتا نظر مختلفتان ومتباينتان. وبسبب ضعف الطرفين وعدم قدرة أي منهما على قهر الآخر وإرغامه على القبول بوجهة نظره، ظل الوضع القائم على ما هو عليه: إدارتان كورديتان منفصلتان في كوردستان العراق (مع وجود وزارتين وبرلمانين) غير قادرتين على توحيد نفسيهما، وحكومة في بغداد غير قادرة على حل المشكلة الكوردية ومكبلة بقيود خارجية كثيرة بسبب نظام العقوبات الدولية واستمرار الحصار الشامل.

ولما كان الحوار يدور حول حل المشكلة الكوردية، كان الطرفان الكورديان يطرحان «الفدرالية» حلاً مرضياً لهما وللشعب الكوردي، في حين كانت الحكومة العراقية تتحدث عن استعدادها لإعادة النظر في قانون الحكم الذاتي لكوردستان العراق وتطويره بحيث يصبح ملائماً لرغبات الشعب الكوردي في العراق. وهذا ما كانت القيادتان الكورديتان ترفضانه، معتمدتين على الدعم الأجنبي الذي جعل من مناطق السليمانية وأربيل ودهوك «ملاذاً آمناً» لا يُسمح للسلطة العراقية بالدخول إليه والتدخل فيه، ولو أن القوات الأمريكية المراقبة لهذه المناطق لم تحرك ساكناً عندما اندفع الجيش العراقي في كوردستان العراق في 30 آب 1996، وانتصر لجانب ضد آخر، واستولى على مراكز كانت تستخدم من قبل معارضين للنظام هناك.

وفي الوقت الذي لم تصرح فيه الحكومة العراقية بأفكارها حول تعديل قانون الحكم الذاتي لكوردستان العراق وتطويره، فإن الأحزاب الكوردية نشرت أفكارها حول الفدرالية. والحقيقة أن ما نُشر عن الفدرالية والتثقيف عليها قد وسّع مفهوم الفدرالية لدى القيادات الكوردية توسعاً كبيراً، وأصبح الحديث عن الفدرالية الواسعة والمفتوحة يُقرن بفكرة تقرير المصير أو الحديث عن دولة مستقلة في المستقبل، إلى آخر ذلك من الأمور التي أشعرت الغالبية العربية، التي لا تعترض أبداً على أن يحصل الأكراد على حقوقهم القومية، بأن القيادات الكوردية بدأت تفكر بأسلوب قومي لا يأخذ مصالح العراق ووحدة ترابه بعين الاعتبار. والسبب هو فقدان الثقة بين الطرفين في الوصول إلى حل شامل للقضية الكوردية في إطار عراقي، مما يجعل الأكراد يتصرفون وفق استراتيجية خاصة بهم تحمي مصالحهم القومية.

ومن ذلك، في كركوك، إصرار القيادات الكوردية على اعتبار كركوك «قدس الأكراد»، وهو ما أزعج التركمان ومن خلفهم تركيا. وقد يقول الساسة الأكراد إن ما نطرحه هو نظير ما قامت به حكومة بغداد من تهجير الكورد من كركوك وإقصائهم عنها، وقالوا إن هوية هذه المدينة ذات الأكثرية الكوردية قد غُيّرت نتيجة لممارسات الحكومات السابقة. وربما يكون في هذا الكلام صحة، فقد سبق ذلك ما قامت به الحكومة العراقية من تعريب مدينة كركوك بأسلوب غير قانوني ودون أي وجه حق، بتهجير الأكراد منها قسراً ومصادرة أملاكهم وإعطائها للعرب القادمين إليها.

وفي دفاع الأكراد عن مطلبهم بالفدرالية يذكر القادة الأكراد أن هذا أمر لا يمكن مناقشته، لأنه أُقرّ في مؤتمرات المعارضة السابقة وبقرار البرلمان الكوردي. وفي المقابل لم تُصدر أيٌّ من الحكومات العراقية أي توضيح أو خطة لحل المسألة الكوردية في كوردستان العراق، بل إن قيادات هذه الحكومات تتجنب المناقشة أو الحديث عن كل ما يمتّ بصلة إلى سياسة الأحزاب الكوردية وتصرفاتها، خشية إغضابها، وبالتالي فقدان الحليف الأقوى (الكورد) في المعادلة السياسية للحكومات العراقية.

لقد رفض السلاطين العثمانيون، وهم أصحاب القرار السياسي، حقوق الكورد في ثورة عبيد الله النهري عام 1880، كما رفضها الشاه الفارسي عام 1924 في ثورة إسماعيل آغا (سمكو الشكاك)، ورفضها المحتل البريطاني للعراق في ثورة الملا مصطفى البارزاني 1943–1945. وعندما زال النفوذ السياسي لبريطانيا بعد ثورة 14 تموز 1958، استبشر الكورد بعودة زعيمهم التاريخي الملا مصطفى البارزاني من منفاه في الاتحاد السوفييتي ليشارك الزعيم عبد الكريم قاسم في القرار السياسي في الحكومة العراقية وفق الدستور الذي أُقرّ في عام 1958.

إلا أن الشكوك والضغينة والأهداف المبيّتة بين الرموز الكوردية والعراقية، التي تعاظمت واتسعت، قد ولّدت الأزمات المتكررة. ومن العدل والإنصاف القول إن الأهداف المبيّتة لم تكن مقصورة على الطرف الكوردي وحده. ذلك هو ما عمل عليه رموز الحزب الديمقراطي الكوردستاني (باعتباره الممثل الشرعي للكورد والشعب الكوردي في كوردستان العراق) في مفاوضاتهم مع رموز السلطة السياسية العراقية في بغداد بين عامي 1964 و1979. وهنا كان على الرئيس صدام حسين، الذي تسلم الملف الكوردي منذ عام 1969، أن يجد المخرج للقضية الكوردية، وهو صاحب القرار السياسي الحكومي والحزبي في العراق.

وقد يرى بعض البعثيين أن الكورد كانوا جاحدين للمعروف الذي أبداه الرئيس صدام حسين في اتفاق الحادي عشر من آذار عام 1970، ونحن الكورد لا نجد حرجاً في القول إن ما صدر يُعدّ اعترافاً رسمياً بالقومية الكوردية في كوردستان العراق ليس له مثيل في طهران وأنقرة. إلا أن ما يُعاب عليه أن المرونة الحكومية في تفصيل تطبيقات الحكم الذاتي عام 1974، وعدم تطبيق ما اتُّفق عليه مسبقاً من شروط ومبادئ ونقاط في اتفاق 11 آذار 1970م، باتت محدودة ما دامت كركوك لا تُعدّ جزءاً من أرض كوردستان. كما يُعاب على الطرف الكوردي (وهو الضعيف في المعادلة) رفضه السريع لبنود الحكم الذاتي، وأعتقد أن السبب هو عدم جدية الحكومة في تنفيذ جميع ما اتُّفق عليه في 11 آذار 1970م، وكذلك أن عيون بعض الرموز الكوردية من أصحاب القرار كانت على ما يقدّمه الأجنبي من وعود للقضية الكوردية، بعد أن رُفضت حقوقهم على مدى ثمانية عقود من الزمن.

لم يكن للكورد ولا لحكومة بغداد رأي في أي قرار يتخذه مجلس الأمن الدولي بعد أن أضعف الرئيس صدام حسين قوة الدولة العراقية بغزوه للكويت في 2 آب 1990. ومع ما حصل من معادلة معاكسة، أي ضعف الطرف الحكومي، للتعاون في رسم حدود منطقة الحكم الذاتي، لم يتوقف رموز قيادة الحركة الكوردية عن التردد على بغداد عام 1991 لإنقاذ الدولة العراقية من الانهيار، وهذا هو رأي الشعب الكوردي وشعوره الوطني نحو العراق الواحد الديمقراطي. حتى عاد الحديث القديم إلى الحوار، وهو أن صدام حسين عام 1991 لم يكن على قدر من المرونة كما كان مصطفى كمال أتاتورك بخصوص حقوق الشعب الكوردي، وقد يكون الأخير (مصطفى كمال أتاتورك) أكثر فطنة ومرونة في الاعتماد على المقاتلين الكورد لإنقاذ بلاده من التقسيم إبان الغزو اليوناني لتركيا الحديثة عام 1922.

إن ما أصدره مجلس الأمن الدولي بقراره (688) في الخامس من نيسان عام 1991 لم يكن لمحاباة الشعب الكوردي بقدر ما كان لتدمير الدولة العراقية (القومية والعلمية)، وهو في الوقت نفسه ليس محل اعتراض من الكورد. ولماذا يرفضه الكورد بعد ثمانية عقود من القتل والتهجير القسري والقهر والحرمان، وقد وجدوا في القرار الدولي ضوءاً ينير مطالبهم؟ وقد جاء في إصدارات الجمعية العراقية لحقوق الإنسان حول هذا القرار (1):

صدر القرار على إثر تفاقم الأوضاع المأساوية للهاربين الكورد من بطش القوات العراقية، ويطالب بموجبه الحكومة العراقية بأن تقوم على الفور، كإسهام منه في إزالة الخطر الذي يتهدد السلم والأمن في المنطقة، بوقف هذا القمع ضد الشعب الكوردي. كما يدين القرار القمع الذي يتعرض له السكان المدنيون العراقيون أيضاً في أجزاء كثيرة من العراق، والذي شمل مؤخراً المناطق السكانية الكوردية، وتهدد نتائجه السلم والأمن في المنطقة. ومن نصوص القرار 688 الطلب إلى الأمين العام أن يواصل بذل جهوده الإنسانية في العراق، أي أن مسؤوليات الأمم المتحدة ليست قانونية فحسب، بل إنسانية أيضاً.

ورغم مرور اثني عشر عاماً على صدور القرار المتعلق بحالة حقوق الإنسان، فالواقع يشير إلى أن ضحايا القمع يزدادون يوماً بعد يوم، وتقارير المقرر الدولي الخاص عن وضع حقوق الإنسان في العراق تؤكد بالأرقام والشهادات الحية والمعلومات الموثقة حجم الانتهاكات وتعدد صورها. ويُعدّ القرار 688 لعام 1991 أول قرار تصدره المنظمة الدولية عن حالة حقوق الإنسان بحق دولة عضو في الأمم المتحدة، إلا أن السلطات العراقية لم تحترم نصوصه التي هي في غاية الشفافية واحترام السيادة الوطنية، خلافاً للعديد من القرارات الصادرة عن مجلس الأمن الدولي بعد حرب الخليج الثانية، بل تمادت طوال السنوات الماضية في تحديها لإرادة المنظمة الدولية والمجتمع الدولي في ممارساتها القمعية، وتضاعف عدد ضحاياها، من حملات الإعدام الأسبوعية التي كانت مستمرة في حينها، وتجسدت أبشع صورها فيما سُمّي بحملات تنظيف السجون، وقطع رؤوس النساء بالسيف، وقطع اللسان، وعمليات الترحيل والتهجير القسري، وتغيير الواقع السكاني لمدينة كركوك الكوردية، وسياسة التعريب وتغيير القومية الكوردية في كوردستان العراق الذي نص عليه قرار مجلس قيادة الثورة رقم 199 الصادر في السادس من أيلول من العام 1990: «لكل عراقي أتم الثامنة عشرة من العمر الحق في طلب تغيير قوميته الكوردية إلى القومية العربية» (وبهذا التغيير للقومية يكون له الحق في البقاء في المنطقة الكوردية).

وعليه فإن حماية الشعب العراقي من مسؤوليات المنظمة الدولية وفق نصوص ميثاق الأمم المتحدة والمواثيق الدولية المعنية بحقوق الإنسان، وبهذه المناسبة نناشد المجتمع الدولي ومؤسساته تشكيل قوة ضغط على الحكومة العراقية لإيقاف القمع وتفعيل القرار 688 لعام 1991، والتدخل للحد من عمليات الإعدام خارج نطاق القضاء والتعريب للمناطق الكوردية الكوردستانية وخاصة كركوك، وحماية شعب العراق من إرهاب الدولة العراقية المنظم بنشر مراقبين دوليين لرصد الخروقات والانتهاكات الفظة لحقوق الإنسان، وخاصة في كوردستان العراق.

لقد أعطى القرار الدولي زخماً كبيراً للقوى الكوردية كي تتهيأ للقرار السياسي الذي مكّن الكورد من تكوين برلمان وحكومة كوردية على أرض أربيل بمعزل عن حكومة بغداد. ويمكن القول إن التسابق لإشعال انتفاضة كوردية على أرض كوردستان كان بمثابة التزكية للأحزاب الكوردية، وخاصة حزبي الاتحاد الوطني والديمقراطي الكوردستاني، لجمع الأتباع المشتتين والمترددين في إعطائهم المساعدة والمعونة، لكي يكونا هما من يمثل الشعب الكوردي.

المصادر

  1. انظر: إصدارات الجمعية العراقية لحقوق الإنسان حول القرار أعلاه.

أجزاء «التعامل الحكومي الرسمي مع المشكلة الكوردية في كوردستان العراق» (2 أجزاء):

  1. الجزء الأول
  2. الجزء الثاني (هذا الجزء)

→ الجزء الأول