الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي
الحملات الصليبية في بلاد الشام: البابا يدعو إلى الجهاد المقدس في بلاد الإسلام (الجزء الأول)
من محاضرات «الكنيسة والإسلام والسياسة» – 2015
كان العالم الإسلامي في المدة من 750 إلى 1258م يشهد تنازع دولتين: الدولة العباسية ومقرها بغداد، وكان خلفاؤها العباسيون ينتسبون إلى مذهب أهل السنة، والدولة الفاطمية (969–1171م) ومقرها القاهرة، وكان حكامها الفاطميون ينتسبون إلى الشيعة.
ويذكر جمال الدين محمد بن سالم (ابن واصل) في كتابه «مفرج الكروب في أخبار بني أيوب»(1) أن مجموعات قبلية كانت تنتسب في الأصل إلى رجل يهودي أسلم ظاهرًا، وتابعه وأيّده أناس من الغرب سُمّوا بالعبيد، وهم الذين وطئت أقدامهم أرض مصر الغنية بالزراعة والماء.
ويضيف ابن واصل في «مفرج الكروب» أن هؤلاء القوم من العبيد أدعياء، ولا شأن لهم بالنسب الهاشمي الذي اتخذوه، ورسموا لدولتهم الفاطمية نسبًا إلى فاطمة الزهراء بنت الرسول محمد ﷺ وزوجة الإمام علي بن أبي طالب كرّم الله وجهه.
ومن المؤرخين من قال إن الرجل الذي تزعّم هذه المجموعات القبلية، أي العبيد، من أصل فارسي.
وشهد بذلك جماعة من مجتهدي العلويين، فقالوا إنهم لا يصلون نسبهم بآل البيت، بل ينسبون أنفسهم إلى عبيد الله المهدي.
ثم يقول العبيد إنهم «أبناء الأئمة المستورين»، وغاية ما يقولونه أنهم كانوا يسترون أنفسهم خوفًا من بني العباس.
وقد انفصلوا عن الخلافة العباسية في بغداد، ولعل قول الشاعر فيهم يصدق عليهم:
إنا سمعنا نسبًا منكرًا … يُتلى على المنبر في الجامعِ
إن كنتَ فيما تدّعي صادقًا … فاكشف لنا عن جدّك السابعِ
وإن تُرد تحقيق ما قلتَه … فانسب لنا نفسك كالطائعِ
أو فذرِ الأنساب مستورةً … وادخل بنا في النسب الواسعِ
فإن أنساب بني هاشمٍ … يقلّ فيها طمع الطامعِ
كانت الحروب تقوم بين الدولتين: العباسية السنية والفاطمية الشيعية. وكانت الدولة الفاطمية الشيعية في القاهرة، المنشقة عن الدولة العباسية السنية في بغداد، تنوي توسيع رقعة الأرض التي تحكمها إلى بلاد الشام، وقد توسعت فعلًا حتى هيمنت على بيت المقدس وفلسطين.
والمفارقة التي تستهوي رواد المعرفة أن الصليبيين تمكنوا من السيطرة على بيت المقدس وفلسطين وهما تحت حكم الفاطميين الشيعة.
ولم يكن الحكام التابعون للعباسيين في بلاد الشام والعراق والحجاز واليمن على وفاق واتفاق فيما بينهم، وكان ما يشغلهم عمّا يجري من أحداث بين الفاطميين الشيعة في القاهرة والصليبيين أنهم كانوا منغمسين في حروب القبائل وفتنها، وكل شيخ قبيلة أو أمير يريد أن يتوسع على حساب الآخر. ففي حلب، وبعد موت الأمير تُتُش، لم يتمكن ولداه رضوان صاحب حلب ودقاق صاحب دمشق من أن يعيدا الأمن والاستقرار إلى حالتهما الأولى(2).
وفي اليمن يذكر ابن الأثير أن حربًا قامت سنة 1181م بين الأمير عز الدين عثمان والي عدن والأمير خطاب بن منقذ والي زبيد، وكل واحد منهما يريد أن يغلب الآخر(3).
ويظهر من تتبع مجرى الفتوحات الإسلامية المترامية أن دخول الجيش العربي الإسلامي بلاد الإسبان وجنوب فرنسا (بلاد الغال) عام 732م قد حمل الكنيسة الإسبانية خاصة، وبقية الكنائس المسيحية في أوروبا، على الدعوة إلى توحيد المسيحيين في وجه المسلمين، ومنعهم من التوجه إلى روما عاصمة الإمبراطورية الرومانية.
وكان ذلك يعني إنهاء حلم البابوات بتحويل المسيحية إلى رسالة عالمية، وهو ما كان سببًا في تثقيف واسع النطاق في أوروبا المسيحية لإلحاق الهزيمة بقرآن الإسلام عن طريق التشويه المتعمد لرسالة الرسول محمد ﷺ.
وقد ثارت ثائرة اليهود والنصارى وهم يقرؤون آيات القرآن في قوله تعالى: «الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ» (الأعراف: 157).
1. الدعوة إلى الجهاد المقدس
لما قامت الدولة العباسية في المشرق على أنقاض الدولة الأموية عام 750م، تمكن الأمير الأموي عبد الرحمن الداخل من الهرب من المشرق، وأسس الإمارة الأموية في الأندلس عام 756م(4).
وكأي إمبراطورية أو دولة تحكم أصقاعًا بعيدة مترامية، كان من الطبيعي أن تضعف بمرور الزمن، وهو ما حدث للدولة العباسية في المشرق.
ثم قامت الخلافة الفاطمية في الشمال الإفريقي ومصر، وهددت سلطة أمراء الدولة الأموية في الأندلس، ومنهم عبد الرحمن الناصر الملقب «أمير المؤمنين الناصر لدين الله»(5).
وبضعف أمراء الأندلس الأمويين نشأ ما يسمى عصر الطوائف (ملوك الطوائف) من 1009 إلى 1092م، ومنهم:
- الأدارسة في جنوب الأندلس، وحليفهم أمير غرناطة.
- وبنو عبّاد أمراء إشبيلية، وهم أقوى ملوك الطوائف.
- وبنو طليطلة في وسط إسبانيا، وقد وقفوا في وجه بني عباد لمصلحة ملك قشتالة النصراني.
- وبنو عامر في شرق إسبانيا(6).
كان تمزق الأندلس المأساوي ضربة لكيان الدولة الإسلامية، وهو البداية الحقيقية لانحلالها، رغم ما انتابها في بعض الأحيان من صحوات ويقظة مدّت عمرها بضع مئات من الأعوام.
ولعل مساعدة الملك ألفونسو السادس ملك قشتالة لأمير إشبيلية المسلم المعتمد بن عباد، مقابل السماح له باحتلال طليطلة، مثال حي على هذا التدهور، أي ضرب الممالك بعضها ببعض، حتى دخل مدينة طليطلة عام 1085م، فأصبحت في حظيرة النصرانية بعد أن حكمها المسلمون 372 عامًا(7).
أحدث سقوط طليطلة عام 1085م، وهي عاصمة القوط قبل الفتح الإسلامي لإسبانيا، رد فعل عنيفًا عند المسلمين.
وأخذ الخطباء والشعراء يستثيرون الهمم، ويحرّضون على الجهاد، ويحذّرون من عواقب بقائها في أيدي النصارى.
وهكذا بدأ القتال في إسبانيا يتخذ صفة الحرب الصليبية، وأصبح للبابوات دور في توجيهه(8).
ومن ذلك قيام الملك ألفونسو السادس بتحويل مسجد طليطلة إلى كنيسة، وتحطيمه المحراب ليقام الهيكل مكانه(9).
تعالت الأصوات في الأندلس تطالب بالتوقف عن الخلافات الشخصية بين ملوك الطوائف، من بني عباد وحاكمهم المعتمد بن عباد حاكم إشبيلية، وحاكم طليطلة، وهم على الأرض الإسبانية، وبالاستعانة بالمرابطين(10) وزعيمهم المؤمن يوسف بن تاشفين(11)، الذي لبّى الدعوة لعبور مضيق جبل طارق إلى الجزيرة الخضراء (إسبانيا) عام 1086م، كما فعل طارق بن زياد عام 711م.
وهو ما دعا المعتمد بن عباد حاكم إشبيلية، وقد تحمس وأخذته النخوة الإسلامية، إلى القول: «لأن أكون راعي جمال في صحراء إفريقية خير من أن أكون راعي خنازير في بيداء قشتالة»(12).
عبر جيش المرابطين بقيادة زعيمهم المؤمن يوسف بن تاشفين البحر من مدينة سبتة في المغرب إلى الجزيرة الخضراء في حزيران عام 1086م، تاركًا 5000 مقاتل في الجزيرة الخضراء، وانطلق هو بـ12000 مقاتل شمالًا نحو إشبيلية، ومعه 30000 مقاتل من أبناء ملوك الطوائف.
في حين وصلت إلى الملك ألفونسو السادس ملك قشتالة تعزيزات من جنوب فرنسا، فصار تحت قيادته ما يقارب 50000 مقاتل في مكان يقال له الزلاقة جنوب بلاد الأندلس، ولا يفصل بين جيش المرابطين وجيش ألفونسو السادس إلا نهر صغير اسمه جريرو(13).
تحمّل المسلمون الصدمة الأولى، وأظهر المعتمد بن عباد حاكم إشبيلية بطولة رائعة. وبعد أن اختلّ جيش المسلمين في الساعات الأولى من المعركة، حمل يوسف بن تاشفين قائد المرابطين بجيوشه صوب مؤخرة الجيش الصليبي، جيش ألفونسو ملك قشتالة.
وما إن حلّ الغروب حتى اضطر ألفونسو السادس إلى الانسحاب ومعه 500 فارس، معظمهم جرحى، وهو نفسه مصاب في ساقه(14).
في حين يذكر الكاتب عدنان حسن صالح في كتابه «معارك إسلامية» أنه لم يصل إلى طليطلة من فرسان ألفونسو السادس إلا مئة فارس(15).
قضى المسلمون المنتصرون من جيش المرابطين ليلتهم في ساحة المعركة يرددون أناشيد النصر شكرًا لله، كما فعلوا في معركة اليرموك عام 636م وعمورية عام 838م. ولما بزغ الفجر أدى المجاهدون صلاة الفجر في سهل الزلاقة، ومعهم جموع من الأسرى والغنائم.
أما بقايا الجيش الصليبي فقد أشاروا إلى أنهم لم يسمعوا مثل هذا الضجيج من الطبول قط.
فعادت الهيبة إلى ملوك الطوائف، الذين اختلفوا فيما بينهم وناصر بعضهم عدوهم، وسرت أخبار النصر إلى جميع أنحاء الأندلس والمغرب.
ونجح ذلك اليوم في أن يمدّ عمر الإسلام على الأرض الإسبانية ما يقارب أربعة قرون من الزمن.
أما أوروبا المسيحية فقد عزمت على أن تكون حملتها الصليبية القادمة إلى الشرق لقهر الإسلام.
ففي العراق كان الأتراك السلاجقة، وفي مصر كانت الدولة الفاطمية، وهي ليست على وئام مع السلاجقة الأتراك، وأوروبا المسيحية تراقب أي بوادر ضعف في الجانب الإسلامي. وتوفي السلطان السلجوقي التركي ملكشاه(16) في بغداد عام 1092م، وبعد وفاته مباشرة اندلعت الحرب الأهلية بين أولاده، وبعد أربع سنوات بدأت الحملة الصليبية باتجاه الشرق.
لقد صار كره المسيحيين في أوروبا للمسلمين الصفة الملازمة لكل نصراني يطرق باب الكنيسة، أو يتثقف ويدرس على يد الكهنة والقساوسة، وداخل أروقة المؤتمرات التي تبحث في مستقبل الكنيسة.
والتاريخ يخبرنا أن البابا أوربان الثاني، وهو فرنسي، وقف في مدينة كليرمونت الفرنسية في تشرين الثاني 1095م يخاطب جمهرة من الناس معلنًا بدء الحروب الصليبية بقوله: «بأمر الله تتوقف العمليات الحربية بين المسيحيين أنفسهم في أوروبا، ويتجه جميع هؤلاء المسيحيين بأسلحتهم إلى هزيمة الكفرة في الشرق. لقد كنتم تحاولون من غير جدوى إثارة نيران الحروب والفتن فيما بينكم، والآن اذهبوا وأزعجوا البرابرة المسلمين، وخلّصوا البلاد المقدسة من أيدي الكفار المسلمين، وامتلكوها لأنفسكم، فإنها كما تقول التوراة تفيض لبنًا وعسلًا»(17).
وخلال تجوال البابا أوربان الثاني في الغرب والجنوب الفرنسي مدة ثمانية أشهر، كان تركيزه على أن الحملة الصليبية المقدسة هدفها فلسطين لتخليصها من سيطرة المسلمين.
وأعلن صكّ غفران جزئي لكل مسيحي يشارك في الحملة الصليبية، فهو في حِلّ من العقوبة عن أي جرم إذا اشترك في الحرب الصليبية المقدسة، بشرط أن يحمل علامة الصليب.
وحدد البابا أوربان الثاني أن تلتقي الجيوش الصليبية في القسطنطينية، التي بقيت تحت نفوذ بابا روما حتى القرن الخامس عشر.
وتقدم آلاف المسيحيين الذين استمعوا إلى الخطاب البابوي للتجمع في مدينة قسطنطين الحصينة على ضفاف البسفور في شهر آب 1096م، تحت قيادة الأسقف لوبوي(18).
أما بطريرك القدس فقد طُلب منه هو والرهبان والقساوسة لبس السواد والتجوال في بلاد الفرنجة لحثّهم على التطوع، معتمدين على أكذوبة سمجة، إذ حملوا صورة رجل عربي يضرب السيد المسيح بعصا، وقد جعلوا الدماء تسيل من رأسه.
ولما سألهم الناس عن هذا العربي، كان الجواب يأتيهم على الفور: إنه محمد نبي المسلمين(19). واستطاعوا بذلك حشدًا هائلًا شمل النساء، فقد خرجت أعداد منهن للقتال، أو استأجرن على الأقل من يقاتل عنهن مقابل المال(20)، وكان هتاف الجميع: المجد لله الذي قهر العرب(21).
ويذكر القاضي بهاء الدين بن شداد صليبية المعركة بقوله: «تحركت عساكر الإفرنج حركة لم تكن لهم بمثلها عادة، فارسهم وراجلهم، كبيرهم وصغيرهم، فاصطفوا خارج خيامهم قلبًا وميمنة وميسرة، وفي القلب وقف الملك وبين يديه الإنجيل محمولًا مستورًا بثوب أطلس مغطى، يمسكه أربعة رجال بأطرافه الأربعة، وهم يسيرون بين يدي الملك»(22).
ومما يؤكد أن الحملات الصليبية كلها كانت تحت إشراف الكنيسة الرومانية والبابوية أن الحملة الصليبية الأولى كان المحرض عليها البابا أوربان الثاني، وقد تمكن الصليبيون فيها من احتلال المدن الكبرى الرها وأنطاكية (جنوب تركيا) وقلاع عديدة عام 1098م.
وكانت الحملة الصليبية الثانية تحت إشراف البابا أوجين الثالث.
والحملة الصليبية الثالثة تحت إشراف البابا كليمنت الثالث.
في حين كانت الحملة الصليبية الرابعة تحت إشراف البابا إنوسنت الثالث(23). وقد شاركت فيها الدول الأوروبية الصليبية: فرنسا وبريطانيا وألمانيا وإيطاليا وإسبانيا والدنمارك، ولكن بريطانيا وفرنسا هما اللتان تحمّلتا الإنفاق على الحملات الصليبية(24).
| رقم الحملة | تاريخها الميلادي | قادتها |
|---|---|---|
| الأولى | 1095–1099 | بطرس الناسك، ووالتر المفلس |
| الثانية | 1147–1149 | لويس السابع (ملك فرنسا) وكونراد الثالث (قيصر ألمانيا) |
| الثالثة | 1191–1192 | فريدريك بربروسا (ملك ألمانيا) وفيليب أوغسطس (ملك فرنسا) وريتشارد قلب الأسد (ملك إنكلترا) |
| الرابعة | 1202–1204 | بلدوين (أمير فلاندر) وبونيفاس دي مونتفرات ولويس (أمير بلوا) |
| الخامسة (حملة الأطفال) | 1212 | الطفل ستيفن الفرنسي والطفل نيقولا الألماني |
| السادسة | 1217–1221 | أندريه الثاني (ملك هنغاريا) وحنا دي برين |
| السابعة | 1228–1229 | فريدريك الثاني (ملك ألمانيا) |
| الثامنة | 1248–1250 | لويس التاسع |
| التاسعة | 1270 | لويس التاسع (مات في تونس ودفن فيها) |
وكانت بريطانيا وفرنسا هما الأكثر تحمسًا لاقتسام أملاك الدولة العثمانية وأسلابها، وإنهاء حكم العثمانيين المسلمين في بداية القرن العشرين.
كما كانتا الراعيتين لكتابة وعد بلفور عام 1917 لإسكان اليهود في وطن هو فلسطين على حساب العرب المسلمين.
وهي دعوة حوّلت الحروب الصليبية(25) من حروب دينية إلى حملات سياسية في استعمار جديد، مباشر أو غير مباشر، حتى يومنا هذا، وسيأتي شرح ذلك لاحقًا.
أجزاء «الحملات الصليبية في بلاد الشام: البابا يدعو إلى الجهاد المقدس في بلاد الإسلام» (2 أجزاء):
- الجزء الأول (هذا الجزء)
- الجزء الثاني