الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي
العلاقة العربية الكوردية منذ فجر التاريخ إلى اليوم (الجزء الأول)
من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2023
لم تتشابك العلاقات بين الشعبين العربي والكوردي عبر التاريخ إلا لفترات محددة ومتباعدة، يمكن حصرها في ثلاث فترات ومراحل:
- أثناء الفتوحات الإسلامية.
- قبيل انهيار الإمبراطورية العثمانية ونشأة دولة العراق العربي الحديث.
- منذ نشأة دولة العراق العربي الجديد إلى اجتياح الكويت في 2 آب/أغسطس 1990م.
1. المرحلة الأولى: أثناء الفتوحات الإسلامية
تمتد هذه المرحلة منذ السنوات الأولى لهجرة الرسول ﷺ حتى نهاية الدولة الأيوبية.
تؤكد عدة مصادر تاريخية عربية معتمدة أن أول اتصال للشعب الكوردي بالجيش الإسلامي كان سنة 18 للهجرة تقريباً، أي بعد أن فتح المسلمون مدينتي حلوان وتكريت في العراق.
يقول محمود الآلوسي في تفسيره الشهير «روح المعاني»: «كان من بين أصحاب الرسول ﷺ صحابي كردي جليل يدعى كابان»، وبمراجعة ابن الأثير يقال إنه من أصل كردي. وفي كتاب الجاحظ نجد عشرات من أسماء علماء الكورد رواة الحديث النبوي.
وتقول دائرة المعارف الإسلامية إن أكثر من ست حكومات كوردية حكمت المنطقة الإسلامية، أهمها:
- الدولة الأيوبية:
أقامت هذه الدولة الأيوبية كياناً عربياً إسلامياً تحت قيادة أسرة كوردية المنبت والأصول وحكمها، وهي دولة يعتز بها كل عربي مأثرةً من مآثر التاريخ وملحمةً من ملاحم نضال أمته الإسلامية. أسسها البطل والقائد الكوردي صلاح الدين يوسف الأيوبي، الذي ولد في تكريت عام 1138م، ولكن عائلته تركت هذه المدينة ليلة ميلاده واستقرت في بعلبك (لبنان)، حيث قضى صلاح الدين طفولته وشبابه.
أخذ صلاح الدين الأيوبي الخلافة على مصر بعد موت الخليفة نور الدين زنكي، وكان عمه أسد الدين شيركوه قد هزم الفاطميين، وكان ذلك عام 1171م، وعمره 33 سنة.
حكمت الدولة الأيوبية مصر وليبيا والشام والحجاز واليمن. وحرر صلاح الدين الأيوبي القدس بعد أن انتصر على الصليبيين في معركة حطين عام 1187م، وكانت القدس محتلة منذ عام 1099م، أي لمدة 88 سنة. وتوفي القائد المسلم الكوردي صلاح الدين الأيوبي في دمشق عام 1193م عن 55 سنة، ويوجد قبره فيها.
كان نضال الأيوبيين ومن سبقهم من الحكام الكورد جنباً إلى جنب مع العرب وباسم الإسلام، ولم يتحيزوا لكورديتهم، وكانوا يتمتعون بثقافة عربية إسلامية.
وقليل من العرب يعرف ما قدمه الشعب الكوردي وأمراؤه وقادته وعلماؤه في مختلف مراحل التاريخ الإسلامي من خدمات وتضحيات كبيرة في سبيل الدفاع عن الحضارة الإسلامية والثقافة العربية، وقد كان للمشاهير الكورد دور بارز في الإسلام والعروبة.
ويكفي أن نذكر القائد الكبير مؤسس دولة آل العباس أبا مسلم الخراساني، وهو من رجال الكورد المعروفين.
كانت بلاد الكورد في العصر العباسي حصناً منيعاً للخلافة العباسية في وقوفها أمام تيار الروم المتاخمين للبلاد الإسلامية على طول نهر الفرات، ولهذا نرى كوردستان مليئة حتى الآن بالقلاع والحصون التي يطلق عليها الكورد اسم «القلاع الأمامية للإسلام».
2. المرحلة الثانية: قبيل انهيار الإمبراطورية العثمانية ونشأة دولة العراق العربي الجديد
قبيل انهيار الإمبراطورية العثمانية كان العرب والكورد مع القوميات الأخرى في خندق واحد ضد طغيان حكام الباب العالي التركي في الأستانة. وقد اشتد نضال الكورد بعد سقوط آخر إمارة كوردية شبه مستقلة داخل الإمبراطورية العثمانية عام 1847م (إمارة بابان)، وبدأت مرحلة الاحتلال العثماني المباشر واضطهاد الكورد.
وطيلة الحكم العثماني أرسل الباب العالي كثيراً من الشخصيات الكوردية إلى البلاد العربية، وخاصة مصر، ممثلين له في كثير من المجالات، فانصهر كثير منهم فيها على مدى الأجيال.
وتوجد في مصر عشرات الأسر من أصول كوردية، وكذلك في كثير من الدول العربية، ما زالت تذكر أنها من أصل كردي وتحمل أسماء كوردية؛ ففي مصر مثلاً نجد سلالات وعائلات تيمور وبدرخان والمارديني والخربوطلي والكردي ورستم وخورشيد ووائلي والقلماوي وغيرها.
وفي مقابلة أجراها عباس محمود العقاد مع ولي العهد الأمير محمد علي في مجلة «المصور» في أيلول/سبتمبر 1947م، قال الأمير: «إن الأسرة المالكة، وعلى رأسها محمد علي باشا الكبير، من أصل كردي؛ ولد في قوينة، ولكن أسرته من ديار بكر». وكتب عباس العقاد بأن أمه كوردية أيضاً.
ومهما كانت صحة ذلك، فمن المؤكد أن الكورد في الإمبراطورية العثمانية كانوا معجبين باستقلالية محمد علي باشا الكبير. وكان كور باشا، أمير سوران في كوردستان العراق، قد عرض عام 1883م على إبراهيم باشا، ابن محمد علي باشا والي مصر، عقد معاهدة معه ضد السلطان العثماني والباب العالي.
كان كور باشا أمير سوران، ومعه عدة أمراء أكراد، ذوي نظرة استقلالية، وقد ساعدت مصر الأكراد في إقامة صناعة أسلحة في رواندوز (كوردستان العراق).
وكذلك صدرت أول صحيفة كوردية باللغة الكوردية في القاهرة باسم «كوردستان» في 22/4/1898م.
3. المرحلة الثالثة: منذ نشوء دولة العراق العربي الحديث 1921
بعد تفكيك الدولة العثمانية إثر الحرب العالمية الأولى كان الكورد، مثل باقي القوميات، يتطلعون إلى تأسيس كيان كردي مستقل لهم. وبحسب بنود معاهدة سيفر التي وقعها الحلفاء في فرنسا في 10 آب 1920م، فإن البنود المتعلقة بالشعب الكوردي تنص، في تعهد دولي هو الأول في تاريخ الشعب الكوردي الحديث، على إعطاء الأكراد الحق في الحكم الذاتي لمدة سنة، ثم يكون لهم الحق في تكوين دولتهم الكوردية المستقلة (كوردستان) على قسم من أراضي كوردستان العثمانية.
وفي الوقت نفسه كان الشيخ محمود الحفيد قد أعلن قيام دولة كوردستان مستقلة في منطقة السليمانية (العراق) في أيار عام 1919م، وانتخب حاكماً أو ملكاً عليها. ولكن لعدة أسباب، منها الخلافات الكوردية الكوردية بين القادة ورؤساء العشائر الكوردية، وغياب الحنكة السياسية لدى القيادة الكوردية حينها في تعاملها مع الإنكليز، وعدم الإلمام بكل الأبعاد الإستراتيجية للتغيرات الجذرية في المنطقة، ومن أهمها اكتشاف كميات هائلة من البترول في منطقة كركوك، قمع الطيران البريطاني بوحشية هذه الاستقلالية التي تزعمها قائد الثورة الكوردية الشيخ محمود الحفيد.
أُنشئت دولة العراق العربي من ولايتي البصرة وبغداد العربيتين وولاية الموصل ذات الأغلبية الكوردية (كوردستان العراق)، وتُوِّج عليها فيصل بن الحسين ملكاً، أي شخص من خارج العراق، في 23 آب/أغسطس عام 1921م.
وأصدرت الحكومتان البريطانية والعراقية بياناً عام 1922م يؤكد حق الشعب الكوردي في الحكم الذاتي وتشكيل حكومة محلية في كوردستان. وحُسمت عام 1925م مشكلة ولاية الموصل ذات الأغلبية الكوردية التي كانت تركيا الكمالية تطالب بها، وانتهى الانتداب البريطاني على العراق عام 1932م.
وهنا يجب أن نذكر أن العرب عامة، وعرب ولايتي البصرة وبغداد خاصة، لم يطالبوا مطلقاً بضم ولاية الموصل إليهم، وهي كوردستان الجنوبية ما عدا مدينة الموصل وهي عربية. فالعرب والكورد ضحية تقسيم المنطقة بحسب مخطط اتفاقية سايكس – بيكو 1916م ووعد بلفور 1917م.
كان النضال العربي داخل الإمبراطورية العثمانية يهدف إلى إقامة كيان عربي موحد من المحيط إلى الخليج، ولكن الإنكليز والفرنسيين قسموا الأرض العربية إلى 21 دولة، وضاعت فلسطين بأكملها.
أما كوردستان (بلاد الكورد) فقد كُرِّس تقسيمها إلى أربعة أجزاء: نصفها في تركيا، وثلثها في إيران، والباقي في العراق وسوريا.
وبعد أن قاوم الكورد، وبعد دمجهم في العراق العربي الجديد، دخلوا في خندق واحد مع الحركات الوطنية والتقدمية العربية ضد الحكم الملكي الذي أطيح به في ثورة 14 تموز/يوليو 1958م.
وبدأت منذ أوائل الستينيات الخلافات بين الأنظمة الحاكمة العراقية في بغداد والحركات القومية الكوردية في كوردستان العراق، وقد تطورت بسرعة، إذ كان قد أُنشئ عام 1946م حزب كردي هو الحزب الديمقراطي الكوردستاني (البارتي)، الذي ترأسه الزعيم والقائد الكوردي الخالد الملا مصطفى البارزاني. وتتابعت الحروب، وتخللتها فترات قصيرة من التفاهم والإخاء العربي الكوردي، مثل اتفاقية 11 آذار عام 1970م التي نصت على الحكم الذاتي في كوردستان العراق.
واستمرت هذه الحالة إلى اجتياح الكويت في 2 آب/أغسطس 1990م وقيام الانتفاضة الكوردية في آذار/مارس 1991م.
وطيلة هذا الصراع الطويل الدامي، الذي دام أكثر من ثلاثين عاماً، ساندت كل الأنظمة العربية، إلا نظاماً واحداً هو نظام العقيد معمر القذافي في ليبيا، الحكوماتِ العراقية المتعاقبة ضد الشعب الكوردي، معنوياً وأحياناً عسكرياً.
وأسدل الإعلام العربي ستاراً حديدياً من التعتيم الكلي على كل ما يدور في كوردستان العراق من حروب وتقتيل وتهجير وإبادة جماعية، مثل حلبجة في 16 آذار 1988م، وعمليات الأنفال السيئة الصيت في 25/7/1988م، حيث دُفن أكثر من 182.000 كوردي وهم أحياء، وذلك على ثلاث مراحل كما يلي:
- المرحلة الأولى: في ربيع 1987م.
- المرحلة الثانية: في 25 آب/أغسطس 1988م بعد انتهاء الحرب العراقية الإيرانية مباشرة.
- المرحلة الثالثة: بعدها بأشهر قليلة.
والعجيب أن كثيراً من المثقفين العرب الذين أتيحت لهم الفرصة أن يحيطوا بما حدث لم تصدر منهم، إلا نادراً، أصوات تندد بهذه الجرائم ضد شعب لم يهدد الشعب العربي في يوم من الأيام، علماً بأن الصحافة العالمية قد كتبت عن هذه الجرائم.
والأهم من ذلك أن الرئيس الجزائري هواري بومدين ووزير خارجيته عبد العزيز بوتفليقة (الرئيس الحالي) أسهما بمساندتهما الحاسمة للنظام العراقي عندما تنازل العراق (النظام السابق وحزب البعث) لإيران في 6/3/1975م عن السيادة العربية الكاملة على شط العرب، وعن بعض الأراضي الحدودية التي لم تنجح إيران طوال قرن من الزمن في فرض سيادتها عليها، مقابل إبادة الحركة الكوردية والشعب الكوردي الذين ينتمون إلى العراق ويحملون الجنسية العراقية، بعد أن أقفلت إيران حدودها أمام الأكراد الذين حوصروا بين حدود ثلاث دول معادية لهم (تركيا وإيران وسوريا).
إن هذا الوضع التصادمي بين الحكومات العراقية العربية المتعاقبة من جهة والقيادة الكوردية من جهة أخرى، والذي دام نصف قرن، انتهى إما نهائياً أو مؤقتاً باجتياح الكويت في 2 آب 1990م.
ومنذ تشرين الأول/أكتوبر 1991م أصبح 70% من كوردستان العراق منفصلاً إدارياً واجتماعياً واقتصادياً وسياسياً ولغوياً عن الدولة العراقية، حتى سقوط العراق واحتلاله في 9/4/2003م.
ولهذا الكيان الكوردي (إقليم كوردستان) مؤسساته، وهو يقع تحت حماية دولية باسم «Provide Comfort» (اسم على غير مسمى). وقد تكرس هذا الوضع بعد فشل المفاوضات بين حكومة بغداد والأحزاب الكوردية، التي دامت من نيسان/أبريل إلى تشرين الأول/أكتوبر 1991م، في الوصول إلى اتفاق، وأعتقد أن السبب هو عدم مصداقية الحكومة العراقية المركزية في إعطاء الحقوق القومية العادلة للشعب الكوردي.
فقد قررت الحكومة العراقية سحب الإدارات وقطع رواتب الموظفين الكورد، وفرضت حصاراً اقتصادياً على المنطقة (كوردستان) بالإضافة إلى الحصار الدولي، مما خلق فراغاً حاولت القيادة الكوردية ملأه بإجراء انتخابات محلية في كوردستان وتشكيل برلمان كوردستان في 10 أيار 1992م.
إذن كان هناك، من وجهة نظري، تباعد وتجاهل بين الشعبين العربي والكوردي عبر التاريخ، وليس هناك أي مبرر موضوعي، سواء أكان تاريخياً أم جيوسياسياً أم إستراتيجياً، لهذا الوضع؛ بل بالعكس، لو ألقينا نظرة موضوعية نابعة من التمعن في تاريخ المنطقة وجغرافيتها لوجدنا أن ما يجمع بين الشعبين يفوق بكثير ما يفرق بينهما.
وليس هناك ما يمنع من أن يكونا حليفين إستراتيجيين بإمكانهما معاً الحد من هيمنة أي قوة على المنطقة وزعزعة استقرارها.
كان الشعب العربي عبر التاريخ، من قبل الخلافة الإسلامية ومن بعدها وإلى الآن، في تنافس مع الشعبين التركي والفارسي على تزعم المنطقة، في حين أن القومية العربية والقومية الكوردية لم تتصارعا أو تتنافسا في يوم من الأيام. وكان الكورد، كما رأينا، من أوائل من اشتركوا بجانب العرب في الفتوحات الإسلامية.
كما أن الشعب الكوردي لا يزال تحت وطأة الحكم المركزي في تركيا، التي قام فيها الكورد بعشرات الثورات الدامية، ومنذ عام 1984م يخوضون حرباً أهلية ضد النظام العسكري التركي يقودها حزب العمال الكوردستاني PKK.
وكذلك إيران، التي لم تتوقف فيها أيضاً الثورات الكوردية، ونجحت إحداها في إقامة أول جمهورية كوردية في العصر الحديث، وهي جمهورية مهاباد عام 1946م، التي سرعان ما أخمدتها حكومة طهران بوحشية عام 1947م.
وتعتمد سياسة تركيا وإيران المعلنة والمتبعة على محو هوية الشعب الكوردي وإنكار حقوقه المشروعة.
كان الرئيس جمال عبد الناصر أول زعيم عربي في العصر الحديث تفهّم البعد الإستراتيجي للمشكلة الكوردية، وقد بارك فكرة الحكم الذاتي ضمن الوحدة العراقية، وكان يحث حكام العراق العربي على إيجاد حل سياسي للمشكلة الكوردية.
وكتب الأستاذ أحمد بهاء الدين، رحمه الله، في مجلة «المصور» في نيسان/أبريل 1970م عن الاتفاق العربي الكوردي (بيان 11 آذار 1970م) قائلاً: «هذه القومية الكوردية العزيزة الملتحمة مع العرب عبر القرون، والتي ساهمت في التراث العربي الإسلامي مساهمات ثقافية وفنية وعسكرية ومادية (ألم يكن القائد المسلم صلاح الدين الأيوبي كردياً؟)، هذه القومية الكوردية العزيزة، كان اختباراً كبيراً للقومية العربية أن تجد صيغة عصرية تعيش بها معها في إطار واحد، إطار حر خلاق وليس إطاراً ضيقاً مختنقاً».
وقد أكد آخرون من المفكرين والسياسيين العرب أنه ليس هناك أي تعارض أو تصادم بين الطموحات القومية العربية والقومية الكوردية؛ فحتى عندما كان هناك مشروع للوحدة العربية لم يقف الكورد ضده ولم يطالبوا بالانفصال، بل أكدوا أن العراق جزء لا يتجزأ من الأمة العربية، ولكنهم طالبوا بإيجاد كيان كوردي داخل هذه الدولة العربية الوحدوية، وأكدوا أن أي تكتل عربي هو قوة لهم.
ويعيش أكثر من 7.5 ملايين كردي داخل الحدود السياسية العربية في العراق وسوريا ولبنان، أغلبهم يتكلم العربية، وقد ساهم مثقفوهم في إثراء الثقافة والفن وغيرهما، ومنهم أمير الشعراء أحمد شوقي والعقاد وتيمور وبلند الحيدري وسليم بركات وغيرهم.
وثروات كوردستان العراق هي أيضاً قوة للاقتصاد العربي، كالثروات المعدنية مثل البترول، والمياه الغزيرة في كوردستان؛ ويكفي أن يتذكر العرب أن منابع دجلة والفرات، اللذين يرويان العراق وسوريا، تقع في كوردستان الشمالية في تركيا، التي لم تتوان عن حجب المياه عن العراق وسورية بواسطة السدود العملاقة التي شيدتها على الأرض الكوردية في جنوب شرق تركيا.
والآن تشيد تركيا المحطات النووية في هذه المنطقة بمساعدة إسرائيل. وإن كوردستان العراق وثرواتها، عندما يستتب السلام والأمن، ستكون في حاجة إلى الخبرة والسواعد العربية لإعادة بنائها وتنمية ثرواتها بعد سنوات عديدة من الحرب واستعمال الأسلحة الفتاكة على أرضها، وهذا ما حصل حالياً كما نرى في الاستثمار العربي والخليجي في كوردستان العراق، وخاصة في أربيل عاصمة إقليم كوردستان.
الخلفية التاريخية للعلاقات العربية الكوردية
إذا اقتنعنا بالحقيقة التاريخية التي تشير إلى أن الكورد الفيليين المعاصرين، الذين طردت الأنظمة العراقية السابقة ونظام حزب البعث مئات الآلاف منهم وهجّرتهم إلى إيران واستولت على أملاكهم، هم أحفاد البهليين (البهلويين)، وهم أكراد أصليون، سكان طيسفون (المدائن) كبرى المدن الرئيسية في العراق أيام الساسانيين، فإن العلاقة السياسية بينهم (الكورد الفيليين) وبين العرب لا بد أن تكون قد ظهرت بطبيعة الحال منذ نشوء إمارة الحيرة خلال القرن الرابع الميلادي، وقد سكنها المناذرة وراء نهر الفرات عند منعطفه نحو نهر دجلة واقترابه منه مسافة 50 كم تقريباً.
أما في شمال الجزيرة الشامية فقد استقر الغساسنة في الفترة نفسها تقريباً، وكانوا بلا شك في احتكاك مباشر مع مملكة كوردويني الكوردية التي حالفت الرومان منذ القرن الأول قبل الميلاد. وكان العرب في العراق القديم حتى القرن السابع الميلادي يشكلون أقلية إثنية تابعة سياسياً للإمبراطورية الساسانية.
وعندما دخل المسلمون العرب سلوقية انهارت مؤسسات الإمبراطورية الساسانية عام 637م (16 للهجرة)، ثم توجهت قوات الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه بقيادة عياض بن غنم نحو الجزيرة وشهرزور، فاتحة الطريق أمام تغلغل بدو العرب المسلمين إلى قلب الوطن الكوردي (كوردستان).
ثم انتشر العرب المسلمون في مقاطعات حلوان ونهاوند وميسيل وآميد وقردي، التي تحولت مسميات بعضها، بناءً على المفهوم القبلي العربي، إلى ديار ربيعة وديار بكر وديار مضر.
ومما لا شك فيه أن أبناء المجتمع الكوردي الميثرائي والزرادشتي وحتى المسيحي قد رفضوا بطبيعة الحال ذلك التحول الروحي المفاجئ الذي دعا إليه السادة العرب الأوائل من المسلمين، وخاصة في إقليم الجبال الكوردية والأهواز. ثم جاءت سياسة القمع الديني والعنصري التي مارسها الأمويون والعباسيون في بلادهم (كوردستان).
وهي ظاهرة يشهد عليها، بجانب الأخبار ومدونات الكنائس، أغلب كتّاب الحوليات والتاريخ من العرب المسلمين والكورد المسلمين، بعكس ما يحلو للبعض تصويرها بصورة غير واقعية.
ففي «الكامل في التاريخ» يحدثنا ابن الأثير عن حرب عبد الله بن حمدان مع كرد الكلالية في شهرزور.
ويبلغنا ابن العبري أخباراً طريفة عن الثورة التحررية للكورد في جزيرة ابن عمر أيام حكم الخليفة العباسي المأمون، الذي أرسل قائده الحسن لمحاربتهم في طور عابدين، كما يشير أيضاً إلى العصيان الكوردي الذي قام عام 842م في بلاد قردو زمن الخليفة العباسي المعتصم.
وبالرغم من تلك المواقف السلبية المؤقتة، فإن الأمراء وزعماء التشكيلات السياسية الكوردية، كآل روند في أذربيجان، وأبناء شداد بن قرطق في بلاد الثغور وجتره، والمروانيين في ميافارقين، ثم الأيوبيين في كل من سورية وفلسطين ومصر، أخذوا يمثلون منذ أواسط القرن العاشر الميلادي الدعامة الرئيسية للقوة السياسية الإسلامية، وذلك في مرحلة تعدّ في الحقيقة من أهم صفحات التاريخ الكوردي.
وبما أن التشكيلات السياسية في البلاد الكوردية تميزت إسلامياً بنوع من نظام «الممالك الطائفية» التي ظهرت إلى الوجود منذ العصر الفرثي الكوردي، وتلقب أسيادها بلقب الأمراء بدلاً من الملوك، فإن العلاقات السياسية فيها كانت قد تحولت نحو الإقطاعية والأوليغارشية العسكرية، التي استمرت تقاوم مظاهر الاضطهاد العرقي بصورة أشد منذ أن غزا السلاجقة الأتراك شمال وادي الرافدين (كوردستان) وجعلوا مواطن الكورد (كوردستان) معبراً لجحافل قبائلهم المتوجهة نحو الأناضول (تركيا).
وقد جلبت هجرة القبائل البدوية المغولية التركية التترية من جنوب غرب آسيا في الواقع نتائج وخيمة لعملية التطور الحضاري التي كانت تشهدها البلاد الكوردية (كوردستان)، بعد انتصار الشداديين والمروانيين الكورد على قوى الكفر في بلاد القبق والأناضول، وانتصار الأيوبيين الكورد على الصليبيين في بلاد العرب.
وقد حاولت الذهنية البدوية في قبائل المغول في أواسط آسيا أن تبيد الصرح الحضاري الإسلامي الذي بناه الكورد في بلاد المسلمين، أثناء تغلغل شرائحها من القبائل التركية (الأغوز والآق قوينلو والقره قوينلو) إلى أذربيجان وشمال وادي الرافدين (كوردستان العراق) وسوريا، مهدّمين فيها أغلب قواعد الحياة الحضارية ومراكز الفكر والمدارس والفن والأسس التي قامت عليها الإمارات الكوردية المستقلة. ولم يكن ذلك تنفيذاً لشريعة الدين كما أتى بها العرب المسلمون، أو تطبيقاً لمنهج فكري كما كان يحلو للإسكندر المقدوني، أو تخطيطاً سياسياً معيناً كما مارسه الإنكليز والفرنسيون، وإنما كانت مظاهر هذا الغزو رغبة انطلقت من الأطماع الفكرية البدوية في ابتلاع المراعي الغنية وأموال الشعوب المستقرة المغلوبة على أمرها في كل من خراسان وأذربيجان وأرمينيا وكوردانيا وآسيا الصغرى، إلى أن شملت أقطار أوروبا الشرقية في وقت متأخر.
وكان من الطبيعي أن يجعل خانات الأغوز فيما بعد من أنفسهم حماة للإسلام في ديار المسيحيين، ومنذ هذه الفترة أصبحت العلاقة بين الكورد والعرب، كشعبين مسوّرين في إطار الوحدة العثمانية، مبنية على التآلف والاحترام المتبادل، وظهرت علاقات قوية وصلت إلى حد القرابة بين القبائل الكوردية الرعوية والبدو العرب.
وقد اشترك العنصران، العرب والأكراد، في نضال سياسي مشترك ضد الأحكام الجائرة للعثمانيين ومشاعر حكامهم الاستعلائية.
وتعدّ المرحلة الواقعة بين القرنين الثاني عشر والثامن عشر الميلاديين من أخطر مراحل التاريخ الكوردي، إذ شهدت انكماش السلطات السياسية للإمارات الكوردية، والتأخر الذي أصاب التطور الاجتماعي والثقافي الكوردي، وكادت تؤدي إلى تفكك الوحدة القومية الكوردية.
ومن أحضان هذا الواقع نشأت القومية الكوردية احتجاجاً مضاداً لمظاهر غزو الأوطان ونهب الأموال. وقد زاد الطين بلة الصراعات العثمانية الإيرانية المذهبية، التي تمثلت في العديد من المعارك على الأرض الكوردية (كوردستان) منذ نهاية القرن الخامس عشر، حتى أدت إلى تقسيم كوردستان بعد معركة جالديران 1514م وبموجب معاهدة قصر شيرين (زهاب) عام 1639م، رغم محافظة بعض الإمارات الكوردية على استقلالها حتى نهاية القرن التاسع عشر.
أجزاء «العلاقة العربية الكوردية منذ فجر التاريخ إلى اليوم» (2 أجزاء):
- الجزء الأول (هذا الجزء)
- الجزء الثاني