الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي
الكورد في ولاية الموصل في تقرير لجنة تقصي الحقائق لعصبة الأمم (الجزء الأول)
من محاضرات «الكورد في ولاية الموصل» – 2015
مقتبس من تقرير لجنة تقصي الحقائق التي شكّلتها عصبة الأمم، المؤرخ في 16 تموز/يوليو عام 1925م، حول مسألة ولاية الموصل (كوردستان الجنوبية - العراق).
جاء في تقرير لجنة تقصي الحقائق الأممية لعصبة الأمم:
«الكورد والعرب وحدهم يعيشون في شكل جماعات مكثفة على أرض واسعة، وهاتان المجموعتان فقط في هذه المنطقة الكوردية (ولاية الموصل) تستطيعان، بتوزيعهما وانتشارهما، رسم خط فاصل بين الأعراق. ويتقدم هذا الخط على امتداد نهر دجلة حتى ملتقى نهر الزاب الصغير، وهذا الخط يفصل ولاية الموصل الكوردية (كوردستان)، عند فتحات بواباتها، عن أراضيها الخصبة الكثيرة السكان، ثم يتبع من جنوبي نهر الزاب الصغير الطريق الرئيسي (كركوك - كفري)».
إلا أن التقرير أعلاه يضيف فوراً:
«لا الحدود السياسية لهذه الأراضي المختلف عليها من الجانب الإيراني أو من الجانب السوري، ولا حدودها الفعلية أو الحدود التي تتنازع عليها تركيا الحديثة والعراق العربي الجديد، كل هذه ليست حدوداً تفصل الأعراق بعضها عن بعض».
«لو كان ينبغي أن نستنتج بصورة منفصلة من الاستدلال بالمبدأ العرقي، لتوصلنا إلى النتيجة التالية، وهي أنه يجب تشكيل دولة كوردية مستقلة في كوردستان، ذلك لأن الكورد (في ولاية الموصل الكوردية) يشكلون خمسة أثمان السكان. ولو وُضع حلٌّ كهذا في الاعتبار، وحُسب اليزيديون، وهم من عرق كوردي (1)، والترك الذين يسهل مساواتهم بالسكان الكورد، في عداد الكورد، لبلغت نسبة السكان الكورد آنئذ سبعة إلى ثمانية أعشار مجموع سكان ولاية الموصل (كوردستان العراق)».
إن أكثرية الشعب الكوردي، أي أكثر من مليون ونصف المليون من مجموع ثلاثة ملايين في ذلك الوقت (2)، تسكن كوردستان تركيا، ومنهم سبعمائة ألف في كوردستان إيران، ونصف مليون في الأراضي المختلف عليها في كوردستان سوريا (3). أما في كوردستان العراق نفسه (4) فإن عددهم لا يستحق الذكر (تعداد ما قبل الحرب العالمية الأولى).
«وهناك قرابة لهجوية ولغوية وعرقية وروابط شخصية واقتصادية بين الكورد القاطنين في الأراضي الكوردية المختلف عليها شمالي الزاب الكبير وبين أبناء عرقهم في ولايتي هكاري وماردين في كوردستان تركيا. أما الذين يقطنون جنوبي نهر الزاب الصغير فقرابتهم مع أبناء عرقهم في كوردستان إيران. ومن الصعب أن نرسم خطاً حدودياً داخل الأراضي الواقعة بين هذين النهرين.
إن مشاكل قضية ولاية الموصل الكوردية من حيث النظرة النوعية هي كما يلي:
أ. المدن التي تقطنها أكثرية من الكورد أو أقلية جديرة بالاعتبار منهم تقع جنوبي المنطقة (كوردستان العراق)، أي في الجانب العراقي، في حين أن مدينة الموصل، وهي عربية، تقع في مركز القسم الشمالي.
ب. لا ترتبط هذه المدينة (الموصل العربية) بسائر الولايات العراقية العربية ذات السكان المقيمين (5) إلا عبر أرض أكثرية سكانها الساحقة من الكورد، وعبر طرق تدلنا علاماتها المحددة على مدن تركية وكوردية.
ج. المسيحيون مشتتون، ولكن أكثريتهم الساحقة تعيش في شمال ولاية الموصل الكوردية.
د. الأراضي التي يشكل الكورد الخُلّص سكانها أكثر من أي مكان آخر، أي شرقي هذه الأراضي، ترتبط بالشمال عبر طريق واحد لا غير يتقدم إلى الأمام على امتداد نهر دجلة، ولا يمكن الوصول إلى قطاع رواندوز إلا عبر أربيل (هولير)، ولا إلى منطقة السليمانية إلا عن طريق كركوك».
تُظهر نتائج التحقيق في المرحلة الأولى أنه لا توجد في الأراضي المختلف عليها أحاسيس وطنية لصالح العراق العربي الجديد إلا لدى قسم من العرب الذين تلقوا تعليماً وتربية خاصين، وهذه الأحاسيس هي اليوم في الواقع نوع من التعصب القومي الممزوج بخطوط من الوطنية المتطرفة وبالنفور من الأجانب في الغالب. ويُشاهَد بين الكورد إحساس وطني ومشاعر متنامية كوردية خالصة لا عراقية عربية، ولهذه الحالة مدى أوسع في الجنوب (6)، وكلما سرنا شمالاً وجدناها تقل حتى تزول في مناطق سهل الموصل وبين جبال عقرة (7). ومثل هذه الأحاسيس منتشرة نسبياً أيضاً بين الترك في ولاية الموصل الكوردية.
إن فقدان الأحاسيس الوطنية العراقية هو الذي يفسر لنا كثرة الآراء المشروطة التي أشرنا إليها سابقاً، حتى إن العرب الأكثر قومية يقولون: إننا نفضّل تركيا على عراق واقع تحت الانتداب البريطاني. وعدد كبير من المسيحيين المتشددين يرون، على العكس، أنهم أقل ثقة بحكومة تركية منهم بحكومة عراقية تحت إشراف الأوروبيين (8)، وبين اليزيديين الكورد أيضاً نصطدم بوجهات نظر من هذا النوع (9). أما كورد السليمانية فإنهم يريدون حكماً ذاتياً محلياً واسعاً نسبياً يساعده المستشارون البريطانيون. أما الآراء التي ظهرت لصالح العراق الجديد فكانت بوجه عام، وبالنسبة لمعظم أصحابها، تستلهم المنافع الشخصية أو الجماعية، لا الأحاسيس الوطنية العراقية المشتركة.
وحتى إذا افترضنا أننا نستطيع تصديق أن المشاعر الموالية للعراق الجديد ليست حارة بدرجة بالغة، فإن من المسلَّم به مع ذلك أن تصريحات الحكومة التركية الحديثة التي تدّعي أن الأكثرية الساحقة من سكان ولاية الموصل يرغبون في العودة إلى أحضان الحكم التركي ليست صحيحة. فالكورد يختلفون فيما بينهم، ومن بينهم الجماعات الكوردية التي تقطن السليمانية والمناطق المجاورة لها بقيادة الشيخ محمود الحفيد، التي تطالب بحكم ذاتي للكورد في إطار الدولة العراقية الجديدة، وهؤلاء يؤلفون نصف مجموع الكورد القاطنين في العراق تقريباً. وحتى بين الترك بوسعنا أن نجد أناساً يميلون نحو بغداد. وعلى هذا، وعلى العكس مما تدعيه الحكومة البريطانية، فالقومية واللغة لا تثبتان بالضرورة الميول والرغبات (10)، فكثير من العرب، وبخاصة من الطبقات الدنيا، يؤيدون الحكومة التركية ويعبّرون عن أحاسيسهم هذه بتعابير مؤثرة.
وهناك نقطة مسلَّمة أخرى، هي أنه فيما عدا منطقة السليمانية الكوردية لا توجد منطقة أخرى تشمل نواحي عدة متحدة يمكن العثور فيها على وحدة رأي على وجه العموم بين السكان لصالح أحد الطرفين (11).
وهذه الاستنتاجات النهائية، وإن كانت صامتة، لا تحمل إلا إشارة تؤيد ضعف النظرية القائلة بأن مجموع ولاية الموصل الكوردية يميل إلى الترك، وفي الوقت نفسه لا تؤيد أرجحية النظرية البريطانية بشأن المناطق والأعراق.
اعتماد الحكومتين التركية والبريطانية على إحصاءات عام 1922 (في ولاية الموصل - كوردستان الجنوبية - العراق)
بحثت كلتا الحكومتين، البريطانية والتركية، القضية العرقية بالتفصيل، وهي بلا شك قضية على درجة عالية من الأهمية. ويمكن تصنيف القضايا التي تتفرع من هذا الموضوع إلى مجموعات ثلاث:
المجموعة الأولى: عدد السكان الكلي والنسبة المئوية لمختلف القوميات.
المجموعة الثانية: التوزيع الإقليمي للقوميات، ويتضمن هذا البحث مسألتين:
الطابع القومي لمدينة الموصل.
مشكلة الهجرة وحالة البداوة والرُّحّل.
المجموعة الثالثة: خصائص مختلف القوميات وأصولها.
وبالإضافة إلى هذا هناك نقاط معينة أخرى تتعلق بأحوال عيش هؤلاء السكان وموضوع الملكية الفردية والعامة، ومهما يكن فهاتان المسألتان لا تثيران كثيراً من النقاش.
المجموعة الأولى: عدد السكان الكلي والنسبة المئوية لمختلف القوميات
الإحصاءات التي وردت في مذكرتي الحكومتين البريطانية والتركية:
إن الإحصاءات التركية والبريطانية المتعلقة بالتكوين العرقي للسكان في الإقليم المتنازع عليه (ولاية الموصل - كوردستان العراق) تختلف اختلافاً ملموساً، كما يوضح الجدولان التاليان:
ولاية الموصل
| التقويم الرسمي لولاية الموصل | الإحصاء التركي (الإحصاءات المقدمة لمؤتمر لوزان) | تقدير الضباط السياسيين البريطانيين في 1919 | تقدير الضباط السياسيين البريطانيين في 1921 | آخر إحصاء للحكومة العراقية 1922–1924 | |
|---|---|---|---|---|---|
| كورد | - | 263830 | جرى هذا التقدير على قاعدة الدين لا على قاعدة القومية | 424720 | 494007 |
| عرب | - | 43210 | 185763 | 166941 | |
| ترك | - | 146960 | 65895 | 38652 | |
| نصارى | - | 31000 | 62225 | 61336 | |
| يهود | - | 16865 | 11897 | ||
| يزيدية | - | 18000 | 30000 | 26257 | |
| مجموع السكان المستقرين | 503000 | - | - | ||
| مجموع السكان الرحّل | 170000 | - | - | ||
| المجموع | 828000 | 673000 | 703378 | 785468 | 801090 |
لواء (سنجق) الموصل
| الإحصاء التركي (الإحصاءات المقدمة لمؤتمر لوزان) | تقدير الضباط السياسيين البريطانيين في 1919 | تقدير الضباط السياسيين البريطانيين في 1921 | آخر إحصاء للحكومة العراقية 1922–1924 | |
|---|---|---|---|---|
| كورد | 104000 | جرى هذا التقدير على قاعدة الدين لا على قاعدة القومية | 149820 | 87900 |
| عرب | 28000 | 170663 | 119537 | |
| ترك | 35000 | 14895 | 9757 | |
| نصارى | 31000 | 57425 | 54934 | |
| يهود | 9665 | 3579 | ||
| يزيدية | 18000 | 30000 | 20257 | |
| مجموع السكان المستقرين | 216000 | - | ||
| البدو والرحّل | ؟ | - | ||
| المجموع | ؟ | 350378 | 432468 | 295964 |
إن الإحصاءات المتعلقة بالألوية الأخرى ليست قابلة للمقارنة، لأن التقسيمات الإدارية السابقة تحت الحكم العثماني التركي لا تطابق التقسيمات الحالية. وبطبيعة الحال فإن كل حكومة من الحكومتين البريطانية والتركية أنكرت صحة الأرقام التي قدمها الطرف المقابل، منتقدة الأسلوب الذي اتبعه الفريق الآخر. فالحكومة البريطانية تدّعي ما يأتي:
لم يكن في الإمبراطورية العثمانية التركية إحصاء على أساس القوميات، وإنما كان الإحصاء يتم على أساس الأديان فحسب.
لا توجد مطلقاً خارطة دقيقة للإمبراطورية العثمانية التركية.
إن القوائم المنظمة لأغراض التجنيد لا يمكن القطع بصحتها، لأن عدداً كبيراً من الأشخاص لا بد أنهم نجحوا في إسقاط أسمائهم وأفلتوا من التسجيل لغرض التجنيد.
ليس في الإمكان الاعتماد على الإحصاءات العثمانية التركية، لأن الدولة العثمانية لم تمارس قط إشرافاً فعالاً إلا في مدن وقرى معينة.
وذكرت الحكومة البريطانية أيضاً أن قيمة الإحصاءات التي عرضتها الحكومة العثمانية التركية مطعون فيها بصورة خاصة لأنها لا تقترن بتاريخ معين. وطعنت الحكومة التركية في الإحصاءات البريطانية وأساليبها، محتجة بأن الرحلات القصيرة التي يقوم بها الضباط السياسيون البريطانيون للمدن والقرى البعيدة ليست كافية لجمع المعلومات الواضحة الدقيقة، أضف إلى هذا أن الضباط السياسيين البريطانيين لم يتمكنوا من الوصول إلى مدينة السليمانية.
وردّت الحكومة البريطانية على انتقاد الحكومة التركية بأن الضباط السياسيين البريطانيين زاروا كل موقع في البلاد بأعظم ما يمكن من المواظبة والتدقيق، وأن وجود الضباط السياسيين البريطانيين في السليمانية يعود إلى تشرين الأول وتشرين الثاني عام 1918 وحتى عام 1921، وأنهم عادوا إليها في عام 1922، أما الحكومة التركية فقد عجزت عن التوصل إلى أية معلومات خلال تلك الفترة.
وتقدّم الحكومة البريطانية بعد هذا تفسيراً للاختلاف بين الجداول الإحصائية التي «نُظّمت» في 1919 و1921 (إذ كان المجموع المقدّر في عام 1919 هو (703000)، وكان تقدير عام 1921 أدق من سابقه، وبلغ المجموع فيه (785000))، فيرجع سبب الاختلاف إلى:
أ. عودة عدد كبير من الرجال الذين خدموا في الجيشين العربي والعثماني التركي إلى أوطانهم.
ب. عودة الأسر التي تركت قراها أثناء الحرب وقبل الاحتلال البريطاني إلى أوطانها.
ج. وصول عدد كبير من اللاجئين الآثوريين إلى المنطقة.
وردّت الحكومة التركية على انتقاد الحكومة البريطانية الأخير بقولها إن إحصاءاتها نتيجة تحقيقات دقيقة جداً جرى تنظيمها قبل الحرب العالمية الأولى، وهي لهذا خالية من أي تحيز سياسي، وبما أن المطلوب لأغراض التجنيد هو معلومات دقيقة جداً عن تنقلات السكان، فقد كانت الأرقام صحيحة. ومهما يكن فقد بدا لنا أن المعلومات الآنفة ما زالت غير كافية لإعانتنا على تقدير قيمة الإحصاءات المختلفة، فطلبنا تفاصيل أخرى.
وعندها أعلمتنا الحكومة التركية بالإحصاءات التي أُجريت لولاية الموصل الكوردية في العامين 1906 و1916، ثم عادت وأبدت أسفها لكون أساليب الإحصاء عند الحكومة التركية على غير القواعد التي رسمتها مؤتمرات الإحصاء الدولية، ولذلك لا توجد أضابير إحصاء شخصية وعائلية في محفوظات الإمبراطورية العثمانية، وإن إحصاءات ولاية الموصل (كوردستان) هي نتيجة تحقيقات وتقديرات نُظّمت لغرض جباية ضرائب معينة أو لأجل التجنيد. واستمر المندوب البريطاني بالقول: وأرسلت الحكومة التركية إلينا أيضاً وصفاً مسهباً لتلك الضرائب، على أننا لا نعتقد بجدوى معلومات كهذه في تزويدنا بأية فكرة صحيحة عن حركات السكان، نظراً لكونها نُظّمت على أساس القومية، وهي ليست بذات قيمة. وبعثت الحكومة البريطانية إلينا (أي الجانب التركي) بالمعلومات التالية:
إن الإحصاء، أو بالأحرى تقدير عام 1919، جرى في نهاية السنة، أعني في موسم البرد، وهو الوقت الذي يستقر فيه الرُّحّل عادة ويلوذون بمرابعهم الشتوية. وحين يكون بعض البدو العرب خارج حدود أراضيهم، فإنهم أُدخلوا ضمن التقدير على أساس التقديرات التي جرت للسنوات السابقة. ويجب أن نلاحظ بصورة خاصة أن الأساليب التي اتُّبعت لم تكن أساليب إحصاء، وإنما هي مجرد حصول على تقدير. فقد قُسّمت البلاد إلى مناطق، وعُيّن لكل منطقة ضابط سياسي بريطاني يعاونه عدد من المساعدين يتراوح بين اثنين وعشرة، وقد زار كل واحد منهم ما اتسع له من القرى الأكثر سكاناً في المنطقة. وعلمنا شفوياً أن العدد الأقصى من القرى التي زارها كل موظف في حدود مهمته كان يتراوح بين (300–400) عائلة. وكان هؤلاء الموظفون يستجوبون السكان ويحصون البيوت ويراجعون وثائق الإحصاء التركية الرسمية. وفي حين يشير تقدير عام 1921 إلى القوميات، نجد أن تقدير عام 1919 قد جرى على أساس الدين. ولم يُجرَ تقدير عام 1921 إلا في لواء الموصل، أما الألوية الأخرى فقد ظل تقدير عام 1919 فيها على حاله، مع أن السلطات أقرّت بأن السكان قد زادوا.
وفي غضون السنتين أو الثلاث الأخيرة بدأت الحكومة العراقية بجمع ما يُعتقد أنه أول سجل إحصاء حقيقي للسكان في العراق، بضمنه الإقليم المتنازع عليه (ولاية الموصل - كوردستان العراق)، ولم تكتمل هذه الإحصاءات بعد، كما أنها لا تشمل أساساً المناطق الصحراوية وذرى الجبال الشاهقة. على أن المعلومات التي جُمعت من لوائي (محافظتي) الموصل وكركوك هي خير تقدير لما جرى حتى الآن، وأرقام سكان أربيل والسليمانية، وإن لم تكن بمستوى دقة اللوائين الأولين، يمكن استخدامها للخروج بتقدير إجمالي للسكان وللتوزيع العرقي. إن الأرقام الكلية بحسب هذا التقدير أعلى بكثير من الأرقام الخاصة بعامي 1919 و1921، وما من شك في أن السكان قد ازدادوا، إلا أن الحكومة البريطانية ترى أن تحقيقاً آخر قد يُظهر أن عدد الكورد في أربيل والسليمانية مبالغ فيه. ومهما يكن فمجموع سكان ولاية الموصل هو أفضل ما وصلنا إليه حتى الآن، وفي بلاد كالعراق الجديد، حيث لم يأخذ السكان بعدُ بأسباب المدنية وتطورها، لا سبيل إلى أي إحصاء أو تقدير سكاني إلا إذا كان تقريبياً. ولم تُسدِ السلطات التركية لموظفي الإحصاء العراقيين أي عون، لأن قانون الإحصاء التركي يحتّم أن تُسجّل ديانة الشخص لا قوميته. وقد ذكر المندوب التركي في مؤتمر لوزان (24 تموز 1923) أن هذه المعلومات تستند إلى إحصاءات ما قبل الحرب العالمية الأولى. وأوضحت الإحصاءات التي عرضها المندوب أن سكان سنجق (لواء) الموصل (12) يبلغون (216000) نسمة، في حين أن قوائم إحصاءات ما قبل الحرب التركية تعطي رقم (211000) للذكور من السكان في السنجق نفسه.
ومن السهل أن ندرك سبب عجزنا عن التثبت من صحة إحصاءات السكان هذه بمجموعها، فلم يتوفر لدينا وقت كافٍ في أي موقع من المواقع التي زرناها لنقوم بإحصاء السكان على أساس عدد الرؤوس، إلا أننا كنا مع ذلك قادرين في بعض المواقع على تكوين فكرة إجمالية بدرجة من الدقة لا يستهان بها، كلما وجدنا الوقت كافياً والظروف مواتية.
ولذلك لا يسعنا أن نتقدم إلا بمجمل الانطباع الذي تخلّف لدينا لا أكثر، وبعد ذلك سننتقل إلى دراسة تفاصيل خاصة معينة أشارت إليها الحكومتان البريطانية والتركية. لا شك أن الإحصاء التركي، والإحصاء الذي عمله الضباط السياسيون البريطانيون، وإحصاء الحكومة العراقية، لا يمكن أن ترقى إلى مستوى الإحصاء الحقيقي على أساس المبادئ المتبعة في دوائر الإحصاء الحديثة. والفروق العظيمة بين تقديرات 1919 و1921 وتقديرات 1922 و1924 برهان كافٍ على أن جملة من الظروف اجتمعت لتجرّد هذه الأرقام من أهلية الاعتماد عليها والثقة بها. فمن المعلوم جيداً مثلاً أنه يصعب إقناع مجموعة من السكان، وإن كانوا من سكان أوروبا، بأن إحصاءً ما يمكن أن يُستخدم لأي غرض آخر عدا غرض فرض ضرائب جديدة أو غرض التجنيد. لذلك، حيثما أُجري تقدير جديد، لا بد أن عدداً من الناس سيخفون وجودهم عنه، ربما بنطاق أضيق بكثير مما كانت عليه الحال عند إجراء الإحصاء التركي. وعلينا أن نضع أمامنا هذه الحقيقة بصورة خاصة: إن الحكومة العراقية لم تُصدر حتى الآن قانوناً للتجنيد الإجباري. وفي الواقع إن لدينا برهاناً دامغاً على أن الانتخابات العراقية التي تقرر إجراؤها في بداية هذه السنة 1924 ستكون مستحيلة عملياً، لأن عدد الناخبين المسجلين في السجلات الرسمية يجعل مجموع سكان العراق (بضمنه الإقليم المتنازع عليه، ولاية الموصل - كوردستان العراق) عشرة ملايين نسمة لا ثلاثة ملايين، وسبب هذا التفاوت أن الزعماء والرؤساء قدّموا أرقاماً مبالغاً فيها كثيراً بعدد أفراد عشائرهم ليزيدوا من نفوذهم السياسي.
وطلب المندوب البريطاني إلقاء نظرة على سجلات الإحصاء، فكان الجواب أنهم، على ما يظهر، لم يحتفظوا بالتقديرات الرسمية على أساس عدد سكان الأحياء في المدن أو الوحدات الإدارية الصغيرة، ولذلك ليس هناك شيء يمكن تقديمه للجنة. ولم يُعثر في المواقع إلا على سجلات منطقتي طاووق وجمجمال، وكانت سجلات طاووق دقيقة إلى آخر ساعة، أما سجلات جمجمال التي نُظّمت في وقت متأخر فلا تحتوي على زيادة «الترك» و«الكورد» في عام 1921. وبناءً على هذا فإن إحصاءات 1921 لا يمكن أن تُتّخذ قاعدة لتقدير القوى النسبية لمختلف القوميات في الأرض موضع النزاع.
إلا أن هذه الملاحظات تنطبق أيضاً على الإحصاء التركي الذي يُظهر الرُّحّل من العشائر وكأنهم أكثر من ربع السكان كلهم، بأرقام تقريبية ودون أي تمييز بين العرب والكورد.
إن قيمة كل هذه الإحصاءات التي وضعها الطرفان أمام مؤتمر لوزان (24 تموز 1923) هي، والحالة هذه، عرضة للمناقشة الواسعة، ومن ثم فكل الحجج المستندة إلى هذه الأرقام عرضة للطعن أيضاً بالمستوى نفسه. فالمعلومات المستخلصة من الجانب التركي تستند إلى أسس واهية، لأن المندوب التركي استخدم في مناقشته حول الموضوع، لأجل المقارنة بين القوميات، نسباً مئوية من أرقام السكان المستقرين. ولقد كانت المذكرة البريطانية محقة في الاعتراض على أن الحكومة التركية مثلاً تشير إلى (43000) عربي مقابل (164960) تركياً، في حين أن أغلبية الرحّل هم عرب، وليس هناك تركي واحد من البدو، والحقيقة أن أرقام القوميتين بحسب الإحصاءات التركية يجب أن تكون متساوية عملياً.
وبالالتفات إلى اعتراض رفعته الحكومة البريطانية، كان من الغريب حقاً أن نجد في «سالنامة» ولاية الموصل للسنة (1335هـ / 1917م) رقم (193848) للذكور من السكان في سنجق الموصل وحده، في حين ذُكر في المذكرة المرفوعة إلى مؤتمر لوزان (24 تموز 1923) أن المجموع الكلي لسكان السنجق المذكور هو (216000)!
ومجمل القول إن الإحصاء الذي قام به العراق الجديد كان، من بين كل الإحصاءات المتوفرة، أقربها إلى الحقيقة، وإن كانت قيمة هذه المعلومات نسبية، كما أن هذه المعلومات يجب أن تُقارن وتُضاهى بكل الأرقام السابقة. ولم تكن السجلات سوى قوائم بأسماء الناخبين، وليس في أي منها معلومات عن الإناث من السكان.
لذلك كان من الصعب بعض الشيء تكوين فكرة محددة عن درجة دقة هذه الإحصاءات. ومهما يكن فلم نجد مناصاً من التسليم بأن آخر إحصاء هو أقربها إلى الحقيقة، فهو وحده الذي جرت فيه التقديرات على أساس القوميات في سائر المنطقة.
إن تقدير عام 1919 تم بالطريقة نفسها التي تمت بها الإحصاءات التركية، أي على أساس الديانة، وإحصاء عام 1921 الذي جرى على أساس القومية لم يتم إلا في لواء الموصل. أما الأرقام المتحصلة من الألوية الأخرى فإنما استُمدّت من تقديرات عام 1919، واستُعيض فيها بكلمة «قوميات» عن كلمة «أديان»، على نحو يوضحه الجدول الآتي للمقارنة:
1919–1921
| اللواء | السنة | سنّة | شيعة | أديان أخرى | عرب | ترك | كورد | المجموع | نصارى | يهود | المجموع |
|---|---|---|---|---|---|---|---|---|---|---|---|
| أربيل | 1919 | 96100 | - | 1000 | 97100 | 4100 | 4800 | 106000 | |||
| 1921 | 5100 | 15000 | 77000 | 97100 | 4100 | 4800 | 106000 | ||||
| كركوك | 1919 | 85000 | 5000 | - | 90000 | 600 | 1400 | 92000 | |||
| 1921 | 10000 | 35000 | 75000 | 90000 | 600 | 1400 | 92000 | ||||
| السليمانية | 1919 | 153900 | - | - | 153900 | 100 | 1000 | 155000 | |||
| 1921 | 1000 | 152900 | 153900 | 100 | 1000 | 155000 |
ويتضح أن الأرقام التقريبية للسنة، زائداً «الشيعة»، زائداً «الديانات الأخرى»، تتفق إلى آخر رقم مع الرقم الذي سُجّل «للعرب».
أجزاء «الكورد في ولاية الموصل في تقرير لجنة تقصي الحقائق لعصبة الأمم» (2 أجزاء):
- الجزء الأول (هذا الجزء)
- الجزء الثاني