الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي
الكورد في ولاية الموصل في تقرير لجنة تقصي الحقائق لعصبة الأمم (الجزء الثاني)
من محاضرات «الكورد في ولاية الموصل» – 2015
الادعاءات والادعاءات المضادة بين تركيا والعراق
في 20 تشرين الثاني (نوفمبر) عام 1922، في أثناء مؤتمر لوزان الأول للسلام (1922–1923)، ناقش عصمت باشا إينونو، وزير خارجية تركيا وممثلها في المؤتمر، وهو من المساعدين المقرّبين لمصطفى كمال أتاتورك مؤسس تركيا الحديثة، مع اللورد كرزون، مفوض المملكة المتحدة ووزير الخارجية البريطاني آنذاك، مستقبلَ ولاية الموصل الكوردية (كوردستان)، من دون أن يتوصلا إلى اتفاق. فنظام حكم القوميين الترك الجدد في تركيا لم يعدّ نفسه مقيداً بشروط معاهدة سيفر التي جرى التوقيع عليها في 10 آب (أغسطس) 1920. وكانت المعاهدة تنص على إنشاء دولة كوردية مستقلة في جنوب شرق تركيا (كوردستان تركيا)، على أن يكون للكورد في ولاية الموصل (كوردستان العراق) حرية الانضمام إلى هذه الدولة الكوردية المستقلة إذا رغبوا في ذلك.
وأقامت تركيا طلبها أو حقها في ولاية الموصل (كوردستان العراق) ذات الأغلبية الكوردية على عدة مسوّغات:
أولها: أن في ولاية الموصل الكوردية أقلية عربية، وأن الكورد والتركمان، الذين يشكلون الأغلبية في هذا الإقليم، ليسوا منفصلين عرقياً.
ثانيها: العلاقات الاقتصادية، إذ إن معظم تجارة ولاية الموصل (كوردستان العراق) كانت مع الأناضول التركي (كوردستان تركيا)، لا مع العراق العربي الجديد.
ثالثها: أن احتلال القوات البريطانية لولاية الموصل الكوردية غير شرعي، بل هو خرق لهدنة مودروس التي وُقّعت في 30 تشرين الأول/أكتوبر 1918.
رابعها: حق تقرير المصير للشعوب المضطهدة، إذ ادّعت تركيا أن معظم سكان الأراضي المتنازع عليها (ولاية الموصل الكوردية) يريدون الانضمام إلى تركيا الحديثة، لا إلى الدولة العربية الناشئة (العراق) التي أوجدتها بريطانيا.
وعارض اللورد كرزون، وزير خارجية بريطانيا، الادعاءات التركية نقطة بنقطة. فمن الناحية العرقية أكد أن الأغلبية من سكان الولاية المتنازع عليها (الموصل الكوردية - كوردستان الجنوبية) هم من الكورد، الذين هم من أصل هندو-أوروبي، وبالتالي فهم مختلفون أساساً عن الترك من الأصل الأورال-ألتائي. ومن الناحية الاقتصادية فإن معظم تجارة الإقليم الكوردي مرتبطة تاريخياً بولاية بغداد، أو ميسوبوتاميا (العراق العربي الجديد: ولايتا بغداد والبصرة)، أكثر من ارتباطها بكوردستان تركيا. ومن الناحية القانونية فإن الحكومة البريطانية مفوّضة من عصبة الأمم بمسؤولية الانتداب على العراق العربي الجديد، بما في ذلك إقليم (ولاية) الموصل الكوردية، ولذلك فإن عليها التزامات أخلاقية بالحفاظ على وحدة أراضي العراق العربي الجديد. ثم إن الثورات الكوردية المتكررة ضد الأتراك في الفترة 1920–1924 تفنّد الادعاءات التركية بأن الكورد يرغبون في أن يحكمهم الأتراك (13).
الادعاءات التركية والادعاءات البريطانية المضادة بخصوص ولاية الموصل (كوردستان الجنوبية - العراق) ذات الأغلبية الكوردية
قدّم كل طرف حججاً معينة ليثبت الخطأ في إحصاءات الطرف الآخر، فرجعت الحكومة البريطانية إلى الكتاب التركي السنوي الرسمي لولاية الموصل (كوردستان العراق)، في حين كثيراً ما أشارت الحكومة التركية إلى الإحصاءات الواردة في المجلد (63: بلاد الرافدين) من دليل وزارة الخارجية البريطانية.
وقد حاولنا تصنيف الملاحظات المبعثرة في مختلف المذكرات حول هذا الموضوع وجمعها، ونرى أن نفحص كل قضية على حدة بالتفصيل. وهذه النقاط ذات أهمية مباشرة أحياناً، إلا أنها في أحيان أخرى تزودنا فحسب بدليل على صحة المعلومات أو خطئها.
1. العرب والترك في السليمانية
للبرهان على فساد الإحصاءات التي قدمتها الحكومة التركية في مؤتمر لوزان الأول (شباط 1923)، لفتت الحكومة البريطانية نظر المجلس (مجلس عصبة الأمم) (14) إلى أن الإحصاءات التركية تذكر وجود (7000) عربي و(32900) تركي في لواء السليمانية، في حين أنه، كما تقول الحكومة البريطانية، لا يوجد عربي واحد ولا تركي واحد في سائر سنجق (لواء) السليمانية.
وقالت الحكومة التركية، رداً على سؤالنا، إن في سنجق السليمانية عرباً ينتمون إلى قبيلة طيّ، وهم يُعنَون بتربية الماشية في موقع يلتقي عنده نهر تانجرو بنهر سيروان (ديالى). وتذكر الحكومة التركية أنه إن لم يُعثر على هؤلاء العرب في تلك المنطقة فسبب ذلك عودتهم إلى مرابع القسم الأكبر من القبيلة الذي يقع في منطقة نصيبين - ماردين. وهذا الاحتمال الأخير قد يمكن أن تثبته الحكومة التركية، لأن قبيلة طيّ تعيش بالقرب من قضاء القيارة، وأن هؤلاء الرؤساء، فضلاً عن ذلك، لا علم لهم بوجود أي جزء من القبيلة في منطقة السليمانية. وعندما كانت لجنة تقصي الحقائق الأممية لعصبة الأمم في السليمانية، وطلبت من المستشار التركي، في رسالة مؤرخة في 28 شباط، أن يُرينا العرب القاطنين في لواء السليمانية، قال المستشار التركي: يظهر أن المعلومات لم تكن صحيحة، ولو أننا رجعنا إلى التقاويم الرسمية للولاية فلعلنا نوفَّق إلى اكتشاف مصدر هذا الادعاء.
وفي مذكرة الحكومة التركية مصدر لم يُقتبس بشكل صحيح في هذه القضية، ففي الصحيفة 285 من تقويم 1330هـ - 1912م نقرأ أن سكان سنجق (لواء) السليمانية كلهم كورد، باستثناء مجتمع عربي صغير يُعرف باسم «شمر» لا «طيّ»، وقليل من اليهود والنصارى. وبرجوعنا إلى خريطة المسح الهندية المرقمة (2E: سليمانية) نجد اسم هذه القبيلة فوق رسم منعطف من منعطفات نهر سيروان (ديالى) قرب شيخ ميدان في لواء السليمانية، إلا أنها خارج الأرض التي تدّعيها الحكومة التركية. ولم نجد في السليمانية أكثر من تركي واحد أو اثنين، وقد استجوبنا كل وجهاء القوم في هذه المدينة وكل رؤساء العشائر تقريباً في اللواء، فأيّدوا أنه لا يوجد في لواء (سنجق) السليمانية إلا الكورد.
2. أكراد العشائر السبعة والشيخان وناحية الموصل
لفتت الحكومة البريطانية انتباهنا إلى قضية غريبة أخرى، هي قضية نواحي الشيخان والعشائر السبعة والموصل. فالحكومة التركية تصف النواحي الثلاث (الشيخان والعشائر السبعة والموصل) كما يلي: ناحيتا الشيخان والعشائر السبعة تشتملان على (146) قرية، وهي مسكونة بالترك في أكثرها، في حين كانت غالبية سكان ناحية الموصل، التي تشمل (77) قرية، من الترك.
وتنكر الحكومة البريطانية هذا الادعاء، وتقول إن ناحية الشيخان تتألف من (42) قرية: (23) منها يزيدية، وهم أكراد، و(11) قرية عربية، و(6) خليط من اليزيديين الكورد والعرب، وقريتان كورديتان. وتشتمل ناحية العشائر السبعة على (73) قرية معظمها كوردية، وهناك (20) قرية غير مأهولة، وعدة قرى استقر فيها اللاجئون الآثوريون. وتشمل ناحية الموصل (29) قرية فقط، (10) منها عربية، و(8) خليط من العرب والترك، و(4) خليط من العرب والشبك الأكراد، و(7) مهجورة.
وكنا قد لاحظنا وجود (200) من العرب في الشيخان فحسب، ولم نجد تركياً واحداً، ولم يكن بمقدورنا زيارة الناحية شخصياً، إلا أن المستشار التركي أعلمنا بكتاب رسمي بأن الناحية لا يسكنها ترك. فزرنا ناحية العشائر السبعة، ونقدّر أن نسبة الكورد في هذه المنطقة تبلغ 90% من مجموع السكان، أعني نحو (2000) كوردي، وأن هناك عدداً من النصارى يتراوح بين 200 و250 نسمة. أما بخصوص ناحية الموصل فإن عدد الترك الساكنين فيها من أصل تركي أكبر، كما يبدو، مما ادّعته الحكومة البريطانية، إلا أنه بعيد جداً عن أن يؤلف أغلبية السكان كما تؤكد الحكومة التركية.
وذكرت الحكومة التركية أسماء ذات أصل تركي لبعض القرى، على أن هذا ليس في الواقع دليلاً على كون سكانها من أصل تركي، ولا نقول أتراكاً خُلّصاً، فهذه الأسماء لا تصلح وحدها دليلاً. وقد رجعت الحكومة البريطانية إلى التقويم التركي لسنة 1330هـ - 1912م (الصحيفة 187) لتبرهن على طابع المعلومات التركية المخالفة للمنطق والفقيرة إلى الحجة، ففيه ذُكر أن الجزء الغربي من قضاء الموصل يسكنه العرب بأكثرية، باستثناء قليل من الكورد، وأن الجزء الشرقي يسكنه عرب وترك وكورد وكلدان ويزيدية كورد، وكل منهم يتكلم لغته فضلاً عن العربية. وتذكر قائمة النواحي أن في ناحية الشيخان (68) قرية، وفي ناحية العشائر السبعة (78) قرية، وقد تحققنا بأنفسنا من صحة هذا المقتبس.
3. تركمان تلعفر
تولي الحكومة التركية اهتماماً كبيراً ببلدة تلعفر، التي تقول إنها تركية خالصة بسكانها العشرة آلاف نسمة، وتدّعي الحكومة البريطانية أنه لا يوجد غير (5500) تركي، والباقون عرب وأكراد، في ناحية تلعفر بضمنهم سكان البلدة، والجميع يتكلمون العربية.
وتحققنا بأنفسنا من أن كثيراً من أهالي البلدة يفهمون العربية، ويقول المواطنون البارزون منهم إنهم أتراك، باستثناء القلة الذين ذكروا أنهم ينحدرون من أصل تركي لكنهم في الوقت الحاضر عرب. ونحن لا نعتقد أن هؤلاء الآخرين قالوا ذلك بملء إرادتهم ومن دون تأثير خارجي عليهم.
الإحصاءات الواردة في دليل وزارة الخارجية البريطانية (15)
لفتت الحكومة التركية انتباهنا إلى الكتيّب المرقم 63 (بلاد الرافدين) الذي نشرته وزارة الخارجية في عام 1920، ومن الإحصاءات التي وردت في الصحيفة الثانية منه نقتبس الأرقام التالية لسكان ميسوبوتاميا (بلاد ما بين النهرين)، التي كانت تشمل ولايتي بغداد والبصرة فقط:
| القومية | العدد |
|---|---|
| كورد | 380000 |
| ترك وتركمان | 110000 |
| آثوريون | 10000 |
| يزيدية | 21000 |
| شبك | 10000 |
وتضيف الحكومة التركية، من مقتبساتها، أن السكان الأتراك منتشرون بصورة خاصة في شرق الموصل، في تلعفر والبلدات الواقعة على طول طريق أربيل - كفري، وأن الآلاف من عشيرة الشبك يجب أن يُعتبروا تركماناً أو تركاً لأنهم كذلك على حد قولها. وهذا ما يجعل مجموعهم، بحسب ما ورد في الكتيّب البريطاني، مائة وعشرين ألفاً في الإقليم المتنازع عليه (الموصل)، أو ما يقارب المائة والعشرين ألفاً إن شئنا الدقة، لأن عدة آلاف من الترك يسكنون بغداد. ولذلك يُثبت كتيّب وزارة الخارجية أن (120000) منهم يسكنون الإقليم المتنازع عليه، في حين لا تُثبت الإحصاءات المقدمة إلى مؤتمر لوزان الأول (شباط 1923) لهم أكثر من (56000).
ووُجّه استفسار إلى الحكومة البريطانية حول هذه النقطة، فأشارت إلى أن هذا الكتيّب يبحث أمور قُطر أوسع بكثير من ولايات الموصل وبغداد والبصرة السابقة، كما يدل عليه عنوان «ميسوبوتاميا» (بلاد ما بين النهرين) في الصحيفة الأولى منه، وكما يُثبته إحصاء مجموع السكان الكلي فيه، الذي يتضمن، إضافة إلى القوميات والأرقام التي اقتبستها الحكومة التركية، القوميات التالية:
| القومية | العدد |
|---|---|
| عرب | 1000450 |
| فرس | 70000 |
| يهود | 60000 |
| أرمن | 57000 |
| جركس | 8000 |
| صابئة | 2000 |
| قوميات أخرى | 10000 |
إن أرقام الأرمن والجركس بصورة خاصة توضح أن حدود البلاد المقصودة تمتد مسافة أبعد بكثير نحو الشمال الغربي ونحو الشمال.
إن الحجة البريطانية المقابلة معقولة جداً، فلم يحدد الكتيّب المشار إليه تخوم الأرض تحديداً دقيقاً، والتحديد الوارد في الفقرة الأولى منه غامض جداً، ويتضح من قائمة البلدات فيه أن الحدود تمتد لتشمل ديار بكر وماردين وأورفة أيضاً، ولذلك كان التحقق من الأرقام متعذراً، ونتيجة الإحصاء في الواقع تنطبق على منطقة أكبر من الإقليم المتنازع عليه.
الإحصاءات التي ورد ذكرها في الكتاب الرسمي السنوي لولاية الموصل (16)
استندت الحكومة البريطانية إلى الكتاب الرسمي السنوي لولاية الموصل (1330هـ - 1912م)، وهدفها الأساس من ذلك التدليل على الطابع العربي للبلاد لا الطابع التركي. وقد تحققنا من هذه المقتبسات ووجدناها صحيحة، إلا جانباً منها مقتبساً من التقويم السنوي لعام 1324هـ - 1906م، لا من التقويم السنوي لعام 1330هـ - 1912م. ويمكن العودة إلى مكان آخر لمعرفة المراجع التي اعتمدت عليها الحكومة البريطانية في معرفة أصول القوميات في ولاية الموصل.
المصادر
اليزيديون كورد أصلاً (المترجم).
راجع الفصل الأول من هذا الكتاب.
وفي الاتحاد السوفيتي (السابق) (المترجم).
يقصد باستثناء ولاية الموصل الكوردية (المترجم).
يقصد الحضر غير المترحلين (المترجم).
يقصد جنوب المنطقة المختلف عليها (المترجم).
من الصعب الموافقة على هذا الرأي، ففي المناطق التي يعيش فيها كورد هذه الديار جمهوراً مكثفاً يحس الناس ويشعرون بأنهم كورد لا غير، ويثبت التاريخ كله هذه المسألة. وكل ما هنالك أن درجة شدة هذا الإحساس تقل في المناطق التي يختلط سكانها (المترجم).
على الرغم من أن الجانبين كليهما فاسد، فإن التجارب الماضية برهنت مع الأسف على أن حكومة تحت إشراف أوروبي أقرب إلى احترام بعض حقوق المواطن من حكومة وطنية المظهر دكتاتورية المحتوى (المترجم).
يفسر هذا ما عاناه اليزيديون الكورد كأقلية دينية من اضطهاد مستمر على مدى مئات السنين من جيرانهم الكورد المسلمين ومن سيطرة الحكم العثماني المتبرقع نفاقاً ببرقع الدين (المترجم).
راجع بداية هذا الكتاب، وما كتبته فيه حول اللغة والعرق وقيمتهما النسبية، وكذلك ما فيه حول الشعب والدولة.
أي العراق العربي الجديد وتركيا الحديثة (المترجم).
«سنجق» هي الكلمة التركية التي تقابل كلمة «لواء» أو محافظة بالعربية (حاشية التقرير).
Great Britain, Foreign Office, Lausanne Conference on Near Eastern Affairs, 1922–23: Records of Proceedings and Draft Terms of Peace (Cmd. 1814), London, HMSO, 1923, pp. 262–264.
أي مجلس عصبة الأمم.
جرجيس فتح الله، يقظة الكورد، ص543.
جرجيس فتح الله، يقظة الكورد، ص545.
أجزاء «الكورد في ولاية الموصل في تقرير لجنة تقصي الحقائق لعصبة الأمم» (2 أجزاء):
- الجزء الأول
- الجزء الثاني (هذا الجزء)