الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي
المناطق الكوردية المتنازع عليها ومحاولة تعريبها: أطراف مدينة الموصل (الجزء الأول)
من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2023
- مدينة الموصل وأطرافها الواقعة شرقي نهر دجلة
- القرى الكوردية في الموصل بالوثائق الرسمية
- ولاية الموصل (كوردستان العراق)
1. مدينة الموصل وأطرافها الواقعة شرقي نهر دجلة
تحتل مدينة الموصل الآن المرتبة الثانية أو الثالثة بعد بغداد من حيث عدد سكانها البالغ حوالي مليونين أو أكثر، وهي تقع على جانبي نهر دجلة الذي يخترقها. وكان الشطر الغربي هو المدينة الأصلية، أما حي النبي يونس (تل التوبة) فكان يُعدّ ضاحيتها الشرقية، إذ كان نهر دجلة وفراغ أرضي يفصلانه عن الموصل حتى أوائل ستينيات القرن العشرين. وكانت نفوس الموصل (179646) نسمة حسب إحصاء 1957. إلا أن الفراغ المذكور أخذ يزول تدريجياً بتشييد الدور السكنية عليه، إلى أن ملأت الدور ذلك الفراغ حتى ضفة نهر دجلة في ستينيات القرن العشرين. وكانت محلة النبي يونس تدخل ضمن موقع مدينة نينوى الآشورية وسورها، ثم أُنشئ في شمالها حي منفصل باسم (مدينة الزهور) وازداد عمرانه. أما الآن فإن القسم الشرقي قد أصبح مدينة كبيرة ابتلعت قرى كوردية غير قليلة.
لا يُعلم بالضبط متى بُنيت مدينة الموصل. وقد ذكر زينفون سنة 401 ق.م اسم (مسيلا) بالقرب من نينوى التي كانت خربة آنذاك، وقد مرّ بها، مما يرجّح أن (مسيلا)، وكانت قلعة تقع على الضفة الغربية لدجلة، هي الموصل (1). وقال طه باقر وفؤاد سفر في «المرشد إلى مواطن الآثار والحضارة، الرحلة الثالثة» (ص17) بخصوص ظهور الموصل باسمها العربي هذا: «وذُكرت الموصل لأول مرة في عام 640م، وتم فتحها في عهد خلافة عمر بن الخطاب عام 20هـ/640م، وأخذت القبائل العربية تؤمّها». وعُرفت في العهد الساساني باسم «نو أردشير» أي «أردشير الجديدة».
وكان يسكنها قبل الفتح العربي الإسلامي مسيحيون ومجوس ويهود، وفي بعض المصادر ورد «الفرس» بدل «المجوس»، علماً أن لفظ «المجوس» أُطلق في المصادر الكنسية والعربية على الزرادشتيين وعلى الميترائيين (اليزيديين) الكورد أيضاً. أما بالنسبة لاسم «الفرس»، فإن العديد من المؤرخين القدماء لم يفرّقوا بين الأكراد والفرس، فذكروا الأكراد تحت اسم الفرس أو اسم «العجم»، فلا يُستبعد أن يكون المقصود بالمجوس وبالفرس الأكرادَ، أو الأكراد والفرس معاً.
وبعد الفتح العربي الإسلامي أُسكن في ولاية الموصل عدد من القبائل العربية من عرب الحجاز وعرب اليمن بصورة عامة؛ فمنها ما رافق جيوش الفتح الإسلامي، ومنها ما أُسكن فيها بعد ذلك، ومن هذه القبائل الأزد اليمانية والخزرج وتميم وثقيف وإياد والنمر وتغلب وقضاعة وشيبان وكندة وطيّئ وهَمْدان وعبد القيس وغيرها (2).
لقد كانت الموصل في شتى العهود مرتبطة اقتصادياً بكوردستان مباشرة أكثر من ارتباطها بالأراضي العربية في العراق، وكانت سوقاً للموارد والمنتوجات العائدة للمناطق الكوردية الواقعة في شمالها، وهي منطقة عين سفني وعقرة ودهوك وزاخو والعمادية، وكذلك منطقة سنجار. فضلاً عن المنتوجات الكوردية التي كانت ترد إليها من كوردستان الشمالية عن طريق نهر دجلة المائي بالأكلاك القادمة من ديار بكر (آمد) إلى الموصل، وكذلك المنتوجات الكوردية التي كانت تصل إلى الموصل عن الطريق التجاري البري شرقي نهر دجلة، وذلك قبل قيام الدولة العراقية الحديثة سنة 1921، حين سُدّ الطريقان بإقامة الحدود بين العراق الجديد وتركيا الحديثة (3).
كما أن حوالي 90% من منتوجاتها الصناعية وبضائعها كانت تُصرَّف في المناطق الكوردية من كوردستان، ولهذا السبب الاقتصادي عارضت الحكومة العراقية والطبقة البرجوازية في الموصل مدة طويلة تشكيل محافظة جديدة باسم محافظة دهوك، إلى أن شُكّلت محافظة دهوك سنة 1969. ثم إن مدينة الموصل ستفقد أهميتها، بسبب هذا الارتباط الاقتصادي والجغرافي والسكاني أيضاً، إذا ما فُصلت عن كوردستان.
ولهذا الارتباط القوي، ولكون قسم غير قليل من سكان الموصل كانوا من الأكراد، عدّها عدد من المؤرخين والباحثين والرحالة من مدن كوردستان. فقد زارها الرحالة الألماني راوولف (Rauwolf) في القرن السادس عشر وقال:
«ودخلنا مدينة الموصل بعد أن عبرنا فوق جسر من القوارب… تقع الموصل في بلاد الكورد» (4).
أما كاتب جلبي (حاجي خليفة)، وهو مؤرخ وجغرافي وببليوغرافي تركي من القرن السابع عشر، فقال في «جهان نما»: «إن سكان الموصل أكراد يتكلمون العربية والتركية أيضاً» (5). وقال الكاتب التركي أوليا جلبي في «سياحتنامه» (ج4 ص75) إن كوردستان تمتد من أرضروم إلى الموصل وبغداد والبصرة، وهو يقصد القسم الواقع من كوردستان داخل الدولة العثمانية.
وقال الكاتب والمؤرخ كييه بخصوص مدن كوردستان إن «مدنها الأساسية في تركيا هي ولاية ديار بكر، وفي العراق ولاية الموصل، وفي إيران ولاية أورمية» (6).
وقال الرحالة الفرنسي أوليفيه، الذي زار الموصل في نيسان 1795م، إن في مدينة الموصل وحدها 7–8 آلاف مسيحي، ونحو ألف يهودي، وخمسة وعشرين ألف مسلم من العرب، وسبعة عشر إلى عشرين ألف كوردي.
أما الرحالة البريطاني جاكسون، الذي زار مدينة الموصل في 25 تموز 1797م، فقال إن المدينة مكتظة بالسكان وتضم أصنافاً من مختلف الأديان، ولكن معظم السكان من الكورد.
أما لسترنج فقال في كتابه «بلدان الخلافة الشرقية» (ص16): «إن جُلّ أهل الموصل من الكورد» (7).
وفي كتاب «مشكلة الموصل» (ص287) ذكر الدكتور فاضل حسين أن مجلة «لازي فرانسيز» (L’Asie Française) الفرنسية كتبت أن الموصل الواقعة على طرق الهند تحتل مركزاً عسكرياً وسياسياً واقتصادياً مهماً، وأنها مركز سياسي لكوردستان.
أما لونكريك، المفتش الإداري البريطاني في العراق، فقال في كتابه «أربعة قرون من تاريخ العراق الحديث» (ص11) ما يلي:
«كانت مدينة الموصل العاصمة الطبيعية للجزيرة الكوردية وقاعدة كوردستان الوسطى».
وفي كتاب «مشكلة الموصل» (ص95) للدكتور فاضل حسين أيضاً جاء ما يلي:
«أثناء مشكلة ولاية الموصل تجادلت تركيا وبريطانيا جدالاً عنيفاً حول سكان مدينة الموصل، فادّعت تركيا أن غالبية سكانها أتراك ويليهم الأكراد، وأن الذين يتكلمون العربية إنما هم من أصل تركي تعلموا العربية، ولم يعتبر سكان الموصل أنفسهم عرباً في يوم من الأيام. وفنّدت بريطانيا ذلك، واستشهدت لدى لجنة عصبة الأمم (لجنة تقصي الحقائق الأممية) في معرض عدد القوميات فيها بالرحالة أولفر الذي زار الموصل سنة 1809، وقد ذكر الرحالة أولفر التقديرات الآتية عن سكان مدينة الموصل»:
| الفئة | العدد |
|---|---|
| مسيحيون (نساطرة ويعاقبة) | 7000–8000 |
| يهود | 1000 |
| عرب | 25000 |
| أكراد | 17000–20000 |
| يزيديون | صفر |
وما عدا هذا، أدخل الجغرافيون العراقيون وغيرهم الموصلَ وتلعفر والشرقاط ضمن كوردستان، أي ما يقع من الخط الجغرافي الطبيعي الممتد من سنجار إلى جبال كولات وسمبار وإبراهيمية وجبل عدي حتى جبل مكحول المطل على دجلة من الغرب عند موقع (الفتحة) الواقع غرب كركوك بمسافة 95 كم، وهو الخط الجنوبي للمنطقة شبه الجبلية، كما سنذكره مفصلاً في محاضرة (حدود كوردستان).
هذا مع أن العرب هم الأكثرية من سكان مدينة الموصل، إلا أن فيها قسماً كبيراً من الأكراد ربما يبلغ ثلث سكانها بشطريها الغربي والشرقي معاً (8). أما القسم الشرقي منها وحده، أي الواقع شرقي دجلة، فيرى الكثيرون أن أكثرية سكانه من الأكراد في الوقت الحاضر، مع أن الحكومة العراقية وضعت منذ سنة 1966 خطة لإجلاء الأكراد من مدينة الموصل. وكان للواء الركن عبد العزيز العقيلي الموصلي، الذي كان وزيراً للدفاع وضابطاً قومياً عربياً، دور في تشجيع الحكومة على وضع هذه الخطة، إذ قدّم في ستينيات القرن الماضي مذكرة إلى الحكومة العراقية بخصوص ضرورة التقليل من نفوس الأكراد في الموصل كي لا تحدث «إسرائيل ثانية». فأجلت (هجّرت) الحكومة العراقية منذ السنة المذكورة 1966 حتى الآن كثيراً من الأسر الكوردية من مدينة الموصل، مثلما أجلت (هجّرت) كثيراً من الأكراد من كركوك ومدن كوردية أخرى في كوردستان العراق لغرض تعريبها. وقد احتجت الجهات السياسية الكوردية مراراً على ما تقوم به الحكومة العراقية من إجلاء الأكراد من الموصل وتهجيرهم.
أما في عهد النظام السابق ونظام حزب البعث فقد رُسمت خطة أدق في عنصريتها وأشد، حتى وصل الأمر إلى عدم السماح للأكراد رسمياً بحق التملك داخل مدينة الموصل، من شراء دار أو دكان أو سيارة أجرة يعمل بها. وإذا أراد أحد الأكراد أن يفتح مخبزاً كان عليه أن يجعل واحداً من العرب شريكاً له، وأن تكون الإجازة الرسمية بفتحه باسم ذلك الشخص العربي.
وفيما يلي وثيقة هي عبارة عن أمر سري أصدره صدام حسين نفسه سنة 1992، يقضي بعدم السماح بأن تتحول الموصل إلى بؤرة لتجمع الأكراد، وعدم التساهل في هذا الصدد لأي سبب من الأسباب، وأن يُطبَّق التعريب والتهجير القسري على الأكراد في الموصل كما طُبّق في محافظتي ديالى وكركوك (التأميم). وقد وُجّه هذا الأمر الرئاسي إلى وزارة الداخلية وأجهزة الأمن والمخابرات والاستخبارات العسكرية لتنفيذه، وهذا نصه، ما عدا الهوامش العائدة لمعاون الشعبة الثالثة للإعلام وللمدير العام وغيرهما وتواريخ الهوامش وأرقام العدد:
«جمهورية العراق – رئاسة الجمهورية – السكرتير
العدد: 2285/ك
التاريخ: 18 شوال 1412 – 20 نيسان 1992
وزارة الداخلية – مكتب الوزير
جهاز الأمن الخاص – مكتب مدير الجهاز
جهاز المخابرات – مكتب مدير الجهاز
مديرية الأمن العامة – مكتب المدير العام
مديرية الأمن العسكري – مكتب المدير
مديرية الاستخبارات العسكرية العامة – مكتب المدير
م/ مذكرة
أمر السيد الرئيس القائد (صدام حسين) بصدد ما ورد بمذكرة مكتب الطلبة والشباب المركزي العدد 2/398 في 9/4/1992 المرفقة صورتها طياً ما يأتي:
“في كل الأحوال يجب أن لا تتحول الموصل إلى بؤرة تجمع من الأكراد بما يخل بتركيبة شعبها خللاً استراتيجياً، وأن لا يجري التساهل في هذا تحت أي ذريعة وتحت أي ضغط ولأي سبب، وأن نتعامل مع الموصل طبقاً لهذا الاعتبار مع ديالى والتأميم… وأن تتصرف كل الجهات المعنية طبقاً لهذا”.
للتفضل بالعلم… مع التقدير.
سكرتير رئيس الجمهورية – 20/4/1992
المرفقات: صورة مذكرة.»
المصادر
راجع: زينفون، «مسيرة العشرة آلاف عبر كوردستان»، ص26، ترجمة: صلاح سعد الله.
راجع التفاصيل في كتاب أستاذي سعيد الديوه جي «تاريخ الموصل»، ج1 ص17–21، والدكتور فيصل السامر «الدولة الحمدانية»، ج1 ص175–180؛ وفي ص191 ورد «المجوس»، بينما جاء «الفرس» في كتاب الديوه جي.
التفاصيل في كتاب عبد الرقيب يوسف «الدولة الدوستكية في كوردستان الوسطى – القسم الحضاري»، الجزء الثاني، موضوع: «الطرق التجارية».
عبد الرزاق الحسني، «العراق قديماً وحديثاً»، ص252.
محمد أمين زكي، «تاريخ الكورد وكوردستان»، ص28.
أحمد فوزي، «قاسم والأكراد»، ص20.
بخصوص ما كتبه أوليفيه وجاكسون ولسترنج راجع مجلة «دهوك»، العدد 21، تشرين الأول 2003، مقال الدكتور عبد الفتاح علي البوتاني بعنوان «الموصل مدينة العرب والكورد».
بعد تحرير العراق من قبل أمريكا انتُخب نائب محافظ الموصل من الأكراد، وهو السيد خسرو كوران، وتقدّر الجهات الكوردية حالياً عدد الأكراد في مدينة الموصل بسبعمائة ألف نسمة.
أجزاء «المناطق الكوردية المتنازع عليها ومحاولة تعريبها: أطراف مدينة الموصل» (2 أجزاء):
- الجزء الأول (هذا الجزء)
- الجزء الثاني