الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

النظام الفيدرالي: تعايش التنوع والوحدة على سطح واحد (الجزء الأول)

من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2005

لا يقتصر الجدل الدائر بشأن النظام الفيدرالي في العراق على العراقيين، بل تتدخل فيه الأوساط الحاكمة في دول الجوار الجغرافي للعراق، محاولةً توجيهه وجهةً تقلل من آثاره «السلبية» على أمنها القومي. وتقف هذه الأوساط، لأسباب معروفة، ضد هذا التوجه الفيدرالي، لما يمثله من تهديد لأنظمتها الشمولية والدكتاتورية الجائرة. فدول المنطقة تئن تحت وطأة أنظمة بوليسية قمعية شوفينية وطائفية، تنتهك حقوق الأفراد والجماعات، وتفرض مركزية قاتلة على شعوبها، وتهدر الثروات الوطنية بحجة الحفاظ على وحدة الوطن ومحاربة الاستعمار والصهيونية، وغيرها من الشعارات المعروفة.

وينحاز الإعلام العربي، الرسمي وغير الرسمي، كلياً إلى جانب المناهضين لقيام النظام الفيدرالي في العراق، ويكتفي في الغالب بعرض وجهات نظرهم، ويعمل على تعبئة الرأي العام العراقي والعربي ضد قيام هذا النظام، مهوّلاً من مخاطره على وحدة العراق، هذا إذا تركنا جانباً اتهام هذا الإعلام للداعين إليه بمسايرة مخططات أعداء الأمتين العربية والإسلامية ومؤامراتهم.

ويقف أكثر العرب، ومعهم الأتراك والفرس، وكذلك حكام إيران، ضد تبني النظام الفيدرالي في العراق، ويعدّونه بداية لتفتيت العراق أو فصله عما يسمونه محيطه العربي والإسلامي. وأقول الفرس لا الإيرانيين كما يشاع، فكورد إيران وآذريوها وعربها وتركمانها وبلوشها، الذين يشكلون مجتمعين نحو 70% من سكان إيران أو أكثر، يتطلعون جميعاً إلى قيام نظام فيدرالي ديمقراطي في إيران يحررهم من هيمنة الأقلية الفارسية وعصبة رجال الدين المتزمتين.

يمكن فهم المواقف الرسمية لتركيا وإيران وسوريا والعديد من الدول العربية من تبني النظام الفيدرالي في العراق، الذي يشكل تهديداً لأنظمتها الشمولية القروسطية. ويمكن كذلك تفسير مواقف الإسلاميين المتطرفين والأوساط الفاشية والشوفينية التي يعميها الحقد القومي والديني والمذهبي عن التعامل مع الحقائق بصورة عقلانية؛ فهذه الجهات الحكومية تنكر على القوميات والأقليات القومية والدينية والمذهبية التمتع بأبسط حقوقها الثقافية والسياسية والاقتصادية، لكنها مجبرة على تغليف مواقفها الغريبة عن روح العصر بشعارات دينية أو وطنية معادية للاحتلال والتبعية. أما الذي يصعب فهمه فهو أن تقف أوساط من العراقيين، ممن أذاقتهم المركزية المتسلطة الويل والدمار وألحقت بهم الكوارث، ضد نظام سياسي فيدرالي يمكن أن يوفر لهم فرصاً كبيرة لإدارة شؤونهم، وإزالة الحيف الاقتصادي والسياسي والثقافي والاجتماعي الذي لحق بهم وبمناطقهم.

غير أن متابعة بسيطة لما يُعرض ويُكتب عن موضوع الفيدرالية في الإعلام العربي المرئي والمكتوب تُظهر حقيقة مؤلمة، وهي أن جمهرة كبيرة من المناهضين لتبنيها لا تعرف عنها وعن مزاياها وتطبيقاتها في دول العالم المختلفة شيئاً البتة؛ فهم يرددون في العادة مقولات بعض الزعماء الدينيين والسياسيين المغامرين، والإعلاميين الباحثين عن الشهرة من خلال شاشات القنوات الفضائية العربية.

ومن المؤسف أن الإعلام العربي يمارس دوراً سلبياً في تضليل الناس وإخفاء الحقائق، وتصوير الأمور لهم بطريقة لا تخدم في المحصلة النهائية إلا القوى الظلامية والفاشية في المنطقة.

ومع الأسف لا يعرف معظم هؤلاء المناهضين للفيدرالية أن سكان أربعين دولة في قارات العالم المختلفة، أي نصف البشرية تقريباً، يعيشون في ظل أنظمة فيدرالية. فقائمة الدول الفيدرالية تضم دولاً تنتمي إلى قارات العالم المختلفة بثقافاتها ودياناتها ومستويات تطورها المتباينة، وتضم دولاً عملاقة وأخرى صغيرة، غنية متطورة وأخرى نامية. فهي تضم كلاً من: الولايات المتحدة الأمريكية، وروسيا الاتحادية، والهند، وكندا، وأستراليا، وألمانيا، والمكسيك، والنمسا، وسويسرا، وبلجيكا، وإسبانيا، وإيطاليا، والأرجنتين، والبرازيل، وصربيا والجبل الأسود، ونيجيريا، وماليزيا، وباكستان، وتنزانيا، وفنزويلا، والإمارات العربية المتحدة. وهناك دول أخرى عديدة تتجه نحو تبني النظام الفيدرالي، لعل من أهمها في اللحظة الراهنة قبرص والسودان، وأخيراً العراق.

وهناك نزوع واضح لدى البشرية نحو تبني النظام الفيدرالي والنظم اللامركزية خلال العقود الأخيرة، فهذه الأنظمة تتجاوب مع رغبات المواطنين والجماعات والأقاليم وتطلعاتهم في البلدان المختلفة. وهناك اعتقاد سائد بين الباحثين في هذا الباب بأن النظام الفيدرالي سيكون النظام الأكثر انتشاراً وشعبية في العالم خلال العقود القادمة.

لا يدخل الوقوف مطولاً عند تعريفات النظام الفيدرالي وتطبيقاته المختلفة وتاريخه في إطار هذه الورقة، لوجود كمٍّ هائل من المصادر والدراسات حول الموضوع بمختلف لغات العالم. ولكن الذي أود الإشارة إليه بعجالة هو أن بدايات هذا النظام تعود إلى أيام إقرار الدستور الأمريكي في الأشهر من أيار إلى أيلول من عام 1787، حين اجتمع في فيلادلفيا ممثلو اثنتي عشرة ولاية من مجموع ثلاث عشرة ولاية أمريكية. وكان من بين الواجبات الرئيسية لهذا التجمع إعادة النظر في بنود الاتفاقية التي أدّت منذ عام 1781 دور القانون الأساسي للاتحاد الكونفيدرالي الذي شكلته المستعمرات البريطانية السابقة آنذاك.

وتمكن المجتمعون خلال فترة ليست بالطويلة من وضع دستور جديد للاتحاد الكونفيدرالي، وشكّلوا على أساسه دولة جديدة تماماً. ودخل الدستور الجديد حيز التنفيذ في 21 حزيران 1788، حين صادقت عليه حكومة نيوهامبشاير، وكانت التاسعة في تسلسل المصادقة.

لقد اختلف الدستور الجديد كلياً عن البنود والترتيبات التي كانت سائدة في الولايات الأمريكية، أو في اتحاد الكانتونات السويسرية، أو في اتحاد أوتريخت، كونه أفرز نمطاً جديداً للدولة لم تعرفه البشرية من قبل. ولم تأتِ الدولة الجديدة لتحل محل القديمة، بل كانت بمثابة إسدال ستار نهائي عليها. ولم يكن الهدف من الاتفاقية تنازل الولايات عن سيادتها كاملة لصالح الدولة الاتحادية، بل التنازل عن بعضها ومنحه للأخيرة. ومن هنا ترسخ مبدأ مهم في النظام الفيدرالي، وهو أن السلطات والصلاحيات في الدولة الفيدرالية تتركز في أيدي الأقاليم الفيدرالية التي تمنح بعضها إلى الدولة الفيدرالية، وليس العكس كما هو الحال في نظام الحكم الذاتي أو الأنظمة اللامركزية.

لقد رفض مشرعو الدستور الأمريكي الأخذ بنماذج العالم القديم، كالنموذج الهولندي أو السويسري على سبيل المثال، وأكّدوا أنها لا يمكن أن تشكل مثالاً جيداً للعالم الجديد؛ فثورات العالم القديم المنتصرة لم تجلب برأيهم الحرية الكاملة لشعوبه، بل تحولت مع الزمن إلى ملكيات مستبدة أو جمهوريات أوليغارشية جرى في ظلها تدمير الطبقات الاجتماعية والأقاليم. وهكذا تشكل الولايات المتحدة الأمريكية منذ عام 1788 لا اتحاد حكومات، بل حكومة متحدة. ومن هنا تسمى الدولة الفيدرالية بالدولة الاتحادية أيضاً.

وتُعرَّف الدولة الفيدرالية بأنها تضم على أراضيها ترتيبات أو أشكالاً حكومية أو كيانات دستورية متعددة، لكل منها نظامها القانوني الخاص واستقلالها الذاتي، وتخضع في مجموعها للدستور الفيدرالي بوصفه المنشئ لها والمنظم لبنائها القانوني والسياسي. ومن هنا فإن النظام الفيدرالي نظام قانوني وسياسي وإداري في الوقت نفسه.

ويتميز الدستور الفيدرالي عن غيره من الدساتير بأنه يشكل من ناحية القانون الأساسي للدولة الفيدرالية، ويمثل من ناحية أخرى عقداً سياسياً بين الأقاليم الفيدرالية.

وتسمى الحكومة الجامعة للأقاليم المختلفة عادةً الحكومة الفيدرالية أو الاتحادية، في حين تحمل الأجزاء المشكلة لها مسميات مختلفة من دولة إلى أخرى؛ فهي «لاند»، وتعني مقاطعة، في كل من ألمانيا والنمسا، ومقاطعة أو إقليم في كندا، وكانتون في سويسرا، وجمهورية في الاتحاد السوفيتي السابق.

وإذا انطلقنا من التعريف الكلاسيكي للدولة، الذي يتلخص في تعايش مجموعة معينة من السكان في جغرافيا ثابتة في ظل سيادة داخلية وخارجية (نظرية العناصر الثلاثة للدولة)، أدركنا مباشرة أن الدولة الفيدرالية مركّبة ومعقدة، وأن هذا الشكل المركب المعقد يفرض تقسيماً دقيقاً للسلطات، على شكل صلاحيات ومسؤوليات دستورية بين الأقاليم وبين الدولة الفيدرالية، تجنباً للاحتكاكات والمشاكل الكبرى. ومن مزايا النظام الفيدرالي أنه ينتج الآليات الخاصة التي تضمن حل المشاكل بين الأقاليم، وبينها وبين الدولة الاتحادية.

هكذا بدأت الفيدرالية تترسخ منذ أواخر القرن الثامن عشر، وقدمت نماذج عديدة لا يمكن إنكار نجاحاتها، حتى إن أوروبا العريقة بأنظمتها السياسية الديمقراطية اضطرت إلى الأخذ بها لمعالجة قضاياها، سواء في علاقاتها مع مستعمراتها، أو داخل دولها كما هو الحال في بلجيكا وإسبانيا وألمانيا وإيطاليا والمملكة المتحدة وغيرها من دول الاتحاد الأوروبي، بل إن الاتحاد نفسه يسير على هدي مبادئ فيدرالية.

وبطبيعة الحال لم يكن تاريخ الفيدرالية سجلاً للنجاحات المتحققة فقط، فقد كانت هناك نماذج فاشلة تماماً، لكن أسباب الفشل لم تكمن في النظام نفسه، بل في التعسف في تطبيقه. فقد كانت تجربة أوروبا الشرقية في تطبيق النظام الفيدرالي سلبية بسبب أنظمتها الشمولية ومركزيتها الشديدة. وبما أن الفيدرالية تجسد درجة عالية من الديمقراطية، فإنها لا تستطيع أبداً التعايش مع الدكتاتورية والشمولية والمركزية على أرض واحدة.

وتُظهر تجربة تبني النظام الفيدرالي في البلدان المختلفة أن المناقشات التي تدور حول شكل الدولة لا بد أن تتطرق أساساً إلى طريقة توزيع الصلاحيات والمسؤوليات. ويبقى السؤال الذي يحوز اهتمام الجميع: إلى أي مدى يساعد شكل الدولة في تحسين نوعية الحكومة؟ ولا يعني هذا بطبيعة الحال التنظيم الإداري للدولة فقط، بل يجري التركيز على تحسن نوعية تلك الإدارة من وجهة نظر مواطنيها. كما تركز المناقشات على السعي الدائم إلى التوازن بين التنظيم الإداري والنظام الاجتماعي الذي من شأنه تنفيذ مهمات اجتماعية في إطار التنظيم الإداري. ومما يؤسف له حقاً أننا لا نرى نقاشاً جدياً في هذا المجال في الكثير مما يقال عن النظام الفيدرالي في العراق.

كما يركز النقاش الذي يرافق عادةً تبني النظام الفيدرالي على قانونية السياسات الحكومية، والحقوق الأساسية للمواطنين وحمايتها، وفصل السلطات، وسيادة القانون، وضرورة الانصياع لرغبات الناس، مواطنين وجماعات، في القضايا المتعلقة بشكل الدولة ووظائفها. وهناك تخوف غير مبرر تبديه أوساط من السياسيين والمثقفين العراقيين إزاء الدعوات المطالبة بتبني النظام الفيدرالي، وقد يفسر مفهوم الشرق الراسخ عن الدولة هذا الموقف إلى حد كبير. فالمجتمعات الشرقية خضعت عقوداً طويلة للدولة ورغباتها، وقد استلبت الدولة من أفرادها إرادتهم، وحولتهم، دون أن يرغبوا في ذلك، إلى معارضين يقفون في وجه المحاولات الهادفة إلى بناء مجتمعات مدنية تستطيع تقليص صلاحيات الجهاز الحكومي، وإخضاع الدولة لأهدافها هي ومصالحها. فالدولة الحديثة هي تلك التي تستطيع خدمة شعوبها، وتوظف قدراتها لتأسيس المجتمع بشكل يؤهله للاستغناء لاحقاً وبالتدريج عن كثير من صلاحيات تلك الدولة، وهذا بالضبط ما تعنيه عبارة التربية المدنية.

ومن المؤسف أن الذي جرى في بلداننا هو العكس تماماً، سواء خلال السيطرة الاستعمارية أو خلال ما سمي بالحكم الوطني؛ فقد جرى تعزيز جهاز الدولة على الدوام. وبعد زوال الاستعمار وصل الجيش إلى الحكم، ولم يفارقه إلا في حالات محدودة، مخلفاً الدمار والكوارث وراءه. لقد شهدت هذه البلدان على مدى عقود طويلة تسلط الفرد على الدولة، لأن الدولة كانت قد تسلطت منذ قرون على المجتمع، إن صح إطلاق هذا الاسم على مجموعة غير متجانسة من الأفراد والأسر والعشائر. وفي ظل مثل هذه الأوضاع يصبح من العبث الحديث عن سيادة القانون، فمن شروط تسلط الفرد أن يحتل موقع الحكم ويجسّد هو «العدالة والرحمة». لذلك كله، ولأسباب أخرى لا مجال لذكرها هنا، لم يحصل في البلدان الشرقية أي تطور يهدف إلى تقليص صلاحيات الدولة وتأهيل المجتمع للاعتماد على نفسه في الكثير من الأمور. ولم يحدث هذا على مستوى السلوك اليومي والقرار الجماعي، بل بقي على مستوى الشعارات والأماني. وكثيراً ما يُبرَّر هذا الواقع بسيادة الأغراض والأطماع، وبانتشار الجهل والفقر والخوف؛ فالأنظار تتجه دائماً في هذه الحالات إلى العامة، ونعرض عن النخب الفكرية والقيادات السياسية. والغريب أن لدى أفراد هذه النخب نمطاً من التفكير يرفض باستمرار كل مشروع يرمي إلى تقوية المجتمع وإضعاف السلطة، وقد استهوى هذا الجانب بالذات مثقفي الشرق من كل المشارب: الماركسية والقومية والإسلام السياسي. ويوجد هذا الرفض العنيد لتحجيم الدولة حتى عند أولئك الذين لا يشاركون في إدارتها وينتقدون سياساتها بمرارة.

وتقف إلى جانب تبني النظام الفيدرالي الأحزابُ الكوردستانية الرئيسية، وقوى علمانية وديمقراطية لا تمتلك في الوقت الحاضر قاعدة شعبية واسعة، وقوى شيعية، رغم تباين مفهومها لهذا النظام وصلاحياته. ويؤكد هذا الفريق أن النظام الفيدرالي يشكل الضمانة الوحيدة لبقاء العراق كياناً موحداً. ومن الواضح أن القوى الكوردستانية ترى في تبني هذا النظام، إلى جانب مزاياه الاقتصادية والإدارية والسياسية، طريقاً لحل القضية القومية الكوردية في العراق.

في حين تقف على الجبهة المضادة قوى إسلامية وبعثية وقومية متطرفة، فضلاً عن كتل بشرية لا تفهم من الفيدرالية شيئاً، ولا تحركها سوى الدعوات والفتاوى الدينية والقومية.

ومن الملاحظ أن النقاش الدائر بين العراقيين حول الفيدرالية، حتى من قبل أولئك الذين يتبنونها، لا يستند إلى فهم صحيح لهذا النظام وتطبيقاته وتعقيداته وإيجابياته. ومن هنا يدرك من يتابع هذه المناقشات أن القوى التي تطالب بالفيدرالية لم تتمكن من توضيح المفاهيم المتعلقة بها ومزاياها وتطبيقاتها وتسويقها بصورة ناجحة للرأي العام العراقي والعربي والشرق أوسطي.

الفيدرالية نتاج تاريخي لا أيديولوجي، لذلك فهي متنوعة في أشكالها وتطبيقاتها، نابعة من الأوضاع القائمة في البلدان التي تبنت هذا النظام. ولا يوجد نموذج جاهز محدد المعالم للنظام الفيدرالي يُفترض أن يطبقه كل من يتبناه، بل هناك نماذج مختلفة في دول العالم وقاراته المختلفة، تنسجم مع الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية السائدة في هذه البلدان، ويمكن لكل بلد أن يبدع نموذجه الخاص. ومن هنا يستطيع العراقيون أيضاً أن يبنوا نموذجهم الخاص بهم، من خلال الاستفادة من تجارب البلدان التي سبقتهم وحققت نجاحات كبيرة في ظل هذا النظام.

ولكن ذلك لا يعني بطبيعة الحال غياب المشتركات في تطبيقات النظام الفيدرالي، فكل التجارب الفيدرالية تشترك في شيء أساسي، وهو تقسيم واضح ومحدد للسلطات بين المركز والأطراف. فالفيدرالية نظام قانوني وسياسي يهدف في النهاية إلى توفير إدارة ناجحة ومقبولة لدى أكثرية السكان. كما أنه نظام واقعي يستند إلى فكرة ضرورة حل القضايا في أطرها الجغرافية والوظيفية، وتوفير الآليات المناسبة لذلك. وهو نظام يهدف في خياراته إلى التقرب من الأدنى، أي المواطن العادي، والاستماع إلى رغباته وتطلعاته، لا الوقوف إلى جانب المؤسسات العليا للدولة أو توسيع صلاحياتها. وهو نظام يعترف بالتطلعات المختلفة، ويكرس مبدأ التوافق والحوار والالتقاء في منتصف الطريق. وأخيراً وليس آخراً، هو نظام ديمقراطي واجتماعي يعمل على إزالة الفروق الاقتصادية والثقافية والاجتماعية بين المناطق المختلفة للدولة. ولكن التعريف الأشمل للنظام الفيدرالي هو أنه تعايش مفهومي الوحدة والتنوع على أرض واحدة جنباً إلى جنب، بصورة متناغمة (هارمونية) ودون أزمات كبرى؛ أي إنه في الوقت الذي يهدف فيه إلى تحقيق وحدة البلاد على أساس الخيارات الحرة للمواطنين، يعترف دون مواربة بالخصوصيات المحلية، إثنية كانت أم دينية، ثقافية كانت أم اجتماعية. فالمواطن في ظل النظام الفيدرالي يعيش في ظل منظومتين قانونيتين، وينتمي في آن واحد إلى مجتمعين، يجب أن يتميزا بوضوح أحدهما عن الآخر، وأن يمتلك كل منهما هيكليته الخاصة به.

من هنا فإن الدعوات الكوردية تحمل معاني واضحة، وهي التي تنطلق من ضرورة إقرار الحقوق القومية للشعب الكوردي مع الحفاظ في الوقت نفسه على الدولة العراقية موحدة، وتؤكد باستمرار أن قيام النظام الفيدرالي الحر في العراق هو الضمانة الوحيدة لبقاء العراق دولة موحدة، وتنبه دائماً إلى أن عدم التوافق بشأن ذلك يعني التفريط بوحدة البلاد. فالدولة الفيدرالية تجمع في بنيتها الوحدة والتنوع، إذ يمكن جمع مختلف الطوائف والمجموعات القومية والدينية والمذهبية والثقافية العراقية في إطار دولة عراقية فيدرالية موحدة، شرط أن تعترف بحقوق هذه الجماعات كلها على قدم المساواة وعلى أساس المواطنة الحرة.

ويبدو أن القوى المناهضة للفيدرالية لا تعير هذه التوضيحات والتحذيرات اهتماماً، بل تصر على مواقفها المتعنتة، إما من منطلقات شوفينية أو شمولية، وإما اتكاءً على مواقف الدول الإقليمية المناهضة لتبني النظام الفيدرالي في العراق. ويبدو أن هذه القوى لا تزال لا تريد إدراك حجم التطورات الكبيرة التي تشهدها المنطقة، ولا تتخلى عن قراءاتها الخاطئة للأوضاع السياسية والدولية، تلك القراءات التي أودت بنظام حزب البعث في العراق. وتعتقد هذه الأوساط العراقية مخطئةً أن مواقف تركيا وإيران وسوريا والدول العربية المناهضة للنظام الفيدرالي كفيلة بوأد الدعوات إليه، لذلك ليس عليها إلا الإصرار على مواقفها، حتى لو أدى ذلك إلى تعريض وحدة العراق لخطر التمزق، بل الحرب الأهلية، لتعود فتبكي على الأطلال، ولكن بعد فوات الأوان. لقد اشتهرت هذه القوى على مدى القرن الماضي بهذه المسيرة الحافلة بالهزائم وترديد الشعارات الجوفاء، وتسببت في كوارث كبرى حلت بشعوب المنطقة. ومن هنا يبدو أن الذين يتهمون القيادات الكوردية بتعريض وحدة العراق للخطر يقومون بذلك بأنفسهم على أحسن وجه.

في ظل النظام الفيدرالي يكتسب المجتمع القوة والحصانة إزاء الدولة ومحاولاتها المستمرة لفرض هيمنتها ومركزيتها. وفي ظله يحتل الإنسان مركز الاهتمام، ولا يثير التنوع والخصوصيات المحلية المخاوف، بل يعمل النظام على رعايتها ووضعها في أطرها الطبيعية والمؤسساتية.

فالفيدرالية تهدف بهذا المعنى إلى تحقيق اندماج الأجزاء واستقلالها في آن واحد، لا بالأساليب القسرية، بل عبر الإقرار بهذه الخصوصيات، وتوفير الأرضية المناسبة للمصالح الاقتصادية والسياسية والاجتماعية المشتركة، التي تؤدي بدورها إلى تسهيل عملية الاندماج بين الأقاليم والمناطق بانسيابية تامة مع الحفاظ على الخصوصيات. ففي ظل النظام الفيدرالي تشكل هذه الخصوصيات وهذا التنوع غنى وثراءً للمجتمع، لا عنصر تهديد كما هو الحال في ظل الأنظمة المركزية والشمولية والدكتاتورية.


أجزاء «النظام الفيدرالي: تعايش التنوع والوحدة على سطح واحد» (2 أجزاء):

  1. الجزء الأول (هذا الجزء)
  2. الجزء الثاني

الجزء الثاني ←