الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

النظام الفيدرالي: تعايش التنوع والوحدة على سطح واحد (الجزء الثاني)

من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2005

إذا تحدثنا بصراحة أكبر وجب أن نقر بأن هناك الشيء الكثير من التخوف وعدم الثقة بين المكونات العراقية المختلفة إزاء بعضها بعضاً وإزاء السلطة المركزية. لقد فشلت الدولة العراقية منذ تأسيسها، وعلى مدى ثمانية عقود من عمرها، فشلاً كاملاً في مهمة إزالة المخاوف وخلق أجواء الثقة بين المواطنين العراقيين بمختلف قومياتهم وطوائفهم، وهي وظيفة الدولة المدنية الحديثة. والأنكى من ذلك أن الدولة العراقية عمّقت، نتيجة سياساتها الجهوية والطائفية والعنصرية الهوجاء، حجم المخاوف والهواجس، حتى وصلت حداً يتساءل معه كثيرون، عن حسن نية، عن إمكانية تعايش هذه الفئات بعضها مع بعض الآن وفي المستقبل.

ومن المؤسف حقاً أننا، بعد كل تلك التجارب المريرة التي لم تثمر سوى الكوارث والفواجع الإنسانية، نرى أطرافاً سياسية لا تزال تعمل وفق المنهج نفسه، وتفضح المواقف من قضية كركوك هذه التوجهات الخطيرة بصورة لا لبس فيها. فأكثر القوى السياسية والدينية العربية، بدلاً من أن تدين دون مواربة سياسات التطهير العرقي التي قام بها النظام السابق وصدام حسين، وأن تعمل على إزالة آثارها بسرعة حفاظاً على الوحدة الوطنية، تلجأ إلى تشويه الحقائق المتعلقة بهذه القضية، فتجعل من العرب الوافدين إلى المناطق الكوردية أصحاباً للدار، بينما تضع ضحايا التهجير القسري والتعريب والتطهير العرقي من الأكراد، وبكل وقاحة، في خانة الغرباء عن كركوك، الذين يخططون برأيها لتغيير تركيبتها الإثنية! ولا أعتقد أن هناك قضية أخرى أو مدينة تعرضت لهذا القدر من التشويه المقصود مثل مشكلة كركوك.

والأنكى من كل ذلك لجوء قوى سياسية وحكومية مهمة إلى اللعبة السابقة نفسها التي أثبتت التجارب فشلها الذريع، ونقصد بها محاولة اتخاذ المواطنين التركمان رهينةً وأداةً للمساعدة في فرض توازنات معينة في كركوك، بدلاً من تشجيعهم على العيش بسلام مع إخوتهم الكورد في تلك المحافظة. لقد جربت الحكومات العراقية السابقة، منذ تأسيس الدولة العراقية في 23 آب 1921م، هذه السياسة التي لم تثمر عن نتيجة تذكر لصالح الأوساط الحاكمة في بغداد، لكنها أدت في المقابل إلى تسميم العلاقات بين أبناء المدينة الواحدة، بل إلى عمليات قتل عشوائية ذهب ضحيتها مواطنون بسطاء وأبرياء من السكان الكورد والتركمان.

من هنا يجب النظر إلى ما يطالب به الشعب الكوردي من ضمانات تقطع الطريق على العودة إلى الأوضاع السابقة. فالقوى السياسية الكوردية تؤكد باستمرار أن النظام الفيدرالي لا يمكن أن يتحقق إلا في ظل نظام ديمقراطي يقطع الطريق على القوى الشمولية والفاشية، وما أكثرها في عراق اليوم، للقفز إلى السلطة وفرض هيمنتها بالقوة الغاشمة باسم الدين أو القومية أو محاربة الاستعمار والصهيونية والاحتلال، أو أية شعارات أخرى.

ويولي الكورد أهمية كبيرة للدستور الفيدرالي، وهم محقون في ذلك. فإذا كانت الدولة الكونفيدرالية تقوم على أساس معاهدة أو اتفاقية بين دول وأقاليم يعترف بها القانون الدولي، فإن الدولة الفيدرالية تتشكل من خلال سنّ دستور من قبل الأطراف المكونة لهذا الكيان. ويجري في الدستور تثبيت النظام الفيدرالي، وصلاحيات أجهزته ومؤسساته المختلفة، وآليات حل المشاكل بين وحداته، وغيرها من الأمور المهمة؛ فهو القاعدة التي يعتمد عليها الجميع، ويشكل عقداً بين الأقاليم الفيدرالية.

والدستور مهم لأنه الضمانة الوحيدة لشكل النظام الفيدرالي، وهو بالنسبة إلى الأقاليم المؤتلفة في الكيان الفيدرالي بأهمية الدستور نفسها بالنسبة إلى مواطني الدولة الموحدة. ولا يمكن عادةً تغيير الدستور الفيدرالي خلافاً لرغبة سكان أحد الأقاليم المشاركة في الدولة الفيدرالية. ويجري تغيير الدستور عادةً من قبل البرلمان الاتحادي بالأكثرية المطلقة، ويجب أن تُستمد موافقة الأقاليم من رغبات أكثرية السكان (الاستفتاء في كل من سويسرا وأستراليا)، أو من خلال التصويت في البرلمان الاتحادي (الولايات المتحدة والمكسيك وفنزويلا). بينما لم تكن الجمهوريات في الاتحاد السوفيتي السابق، ولا الأقاليم في البرازيل والأرجنتين، تشارك في التغيير بصورة مباشرة، بل بصورة غير مباشرة من خلال مجلسي البرلمان.

وعلى هذا الأساس يحاول الكورد المشاركون في العملية السياسية والدستورية، ومعهم بعض القوى الديمقراطية والعلمانية، وضع بنود تجعل تغيير الدستور في بنوده الأساسية المهمة عملية صعبة، إن لم تكن مستحيلة. وتحتاج هذه المواضيع وغيرها إلى دراسات معمقة، مع متابعة تطور العملية الدستورية في العراق في السنوات القادمة.

وهناك موضوع آخر يثير جدلاً كبيراً، وهو ما يتعلق بحق تقرير المصير الذي يطالب به الجانب الكوردي ويصر على ضرورة تثبيته في بنود الدستور. وتتمتع جميع شعوب العالم بهذا الحق وفق ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي، كما أنه حق أزلي لا يمكن لجيل واحد أن يمارسه نيابةً عن الأجيال القادمة. ومن هنا جاءت الدعوات الأخيرة إلى حق الكورد في إجراء استفتاء بعد أكثر من ثماني سنوات لتقرير مصيرهم بالنسبة إلى الدولة الاتحادية. فلكي يبقى الاتحاد اختيارياً وقابلاً للعيش والديمومة، يجب أن يكون للأجيال القادمة، لا من الكورد فقط، بل من القوميات العراقية الأخرى أيضاً، رأيها في تقرير مصائرها، لا أن تقرر مجموعة من السياسيين الحاليين مصير الأجيال القادمة أيضاً.

ويعبر عدد من السياسيين والمثقفين العراقيين عن مخاوفهم إزاء هذه الطروحات، ويعدّونها نزوعاً كوردياً نحو الاستقلال. وفي الوقت الذي تتمتع فيه الأقاليم المكونة للدولة الكونفيدرالية، التي تقوم على أساس الاتفاقيات والمعاهدات الدولية، بحق الخروج الحر منها متى شاءت، فإن الأقاليم المكونة للدولة الفيدرالية لا تتمتع بهذا الحق إلا إذا جرى تثبيته في الدستور. ولا أعتقد أن هذه المخاوف في محلها، لأنه إذا جرى تطبيق النظام الفيدرالي بطريقة شفافة وديمقراطية، بعيدة عن المؤامرات ومحاولات الهيمنة، فإن نتيجة أي استفتاء ستكون لصالح استمرار النظام وديمومته، وإشاعة الثقة بين المكونات المختلفة وإزالة مخاوفها، والتفرغ للعمل من أجل رفاهية البلاد والمواطنين. أما إذا سارت الأمور بعقلية متآمرة، ووفق خطط الاستئثار بالسلطة والنيل من الآخر، فإن الكوارث ستنتظر الجميع لا محالة، ولن تستطيع أية حكومة، مهما كانت قوتها العسكرية غاشمة، أن تفرض على العراقيين سوى شكل من أشكال «الوحدة الوطنية» التي فرضها النظام السابق وصدام حسين، وهي وحدة لا يمكن لها أن تدوم إلا بالحروب والدماء والتخريب. وعموماً هناك اتفاق عام بين المهتمين بدراسة النظام الفيدرالي على عدّه نقيضاً للانفصال والتقسيم.

ومن السمات الأساسية لأكثر الأنظمة الفيدرالية المعروفة في عالم اليوم وجود برلمان مؤلف من مجلسين: مجلس للنواب ينتخب المواطنون أعضاءه مباشرة، ومجلس آخر يمثل الأقاليم أو القوميات بصورة عادلة، ليضمن مشاركة الأقاليم في المؤسسات التشريعية والتنفيذية للدولة الاتحادية.

ويمكن أن يجري تعيين أعضاء المجلس الثاني (مجلس الحكومات أو الولايات أو القوميات) من قبل الحكومات الإقليمية (كما في ألمانيا وكندا)، أو من قبل ممثلي السكان في البرلمانات الإقليمية (كما في فنزويلا والنمسا والهند)، أو من قبل سكان الأقاليم مباشرة (كما في الولايات المتحدة الأمريكية والمكسيك وأستراليا والأرجنتين ويوغسلافيا السابقة وجمهوريات الاتحاد السوفيتي السابق). أما في سويسرا فإن كل كانتون يقرر بصورة مستقلة طريقة انتخاب ممثليه إلى مجلس المقاطعات.

ويوفر هذا النمط، حسب العديد من الكتاب، ضمانات أكثر للأقاليم. ويكون عدد ممثلي الأقاليم المختلفة عادةً متساوياً في مجلس الأقاليم (الولايات المتحدة وأستراليا والمكسيك والأرجنتين، ومجلس القوميات في الاتحاد السوفيتي السابق)، في حين تحدد بعض الدساتير عدد الممثلين (الهند وكندا)، كما يمكن تحديد الحد الأدنى على أساس عدد السكان، كما هو الحال في ألمانيا، فلكل «لاند» (مقاطعة) ثلاثة مندوبين على الأقل، وأربعة مندوبين إذا بلغ عدد سكانه مليونين كحد أدنى، وخمسة مندوبين إذا زاد عدد سكانه على ستة ملايين نسمة.

ويمتلك المجلسان في أكثر البلدان الفيدرالية قدراً مماثلاً من الصلاحيات، إذ لا بد أن يحصل كل قانون على المستوى الفيدرالي على موافقة المجلسين (الولايات المتحدة والمكسيك والأرجنتين وفنزويلا وكندا وجنوب أفريقيا). أما في سويسرا فيجري إقرار القوانين في اجتماعات عامة، ويمتلك مجلس النواب فيها قوة أكبر. وفي ألمانيا يمكن لمجلس النواب أن يقر قانوناً رغم معارضة مجلس الأقاليم (اللاندات).

ولم نسمع في المناقشات الدائرة حول الدستور العراقي شيئاً كثيراً عن تركيبة البرلمان العراقي. ومن المفضل أن يتألف من مجلسين: مجلس للنواب ينتخبهم المواطنون عموماً، ومجلس آخر للأقاليم أو بأي مسمى آخر. ففي البرلمان ذي المجلسين يتجسد مبدأ تعايش مفهومي التنوع والوحدة إلى حد كبير.

ومن الضروري أن يجري تحديد آليات لضمان العدالة والمساواة بين الأقاليم، وقطع الطريق على محاولات الهيمنة التي من شأنها أن تثير المشاكل والاحتكاك بين الأقاليم، أو بينها وبين الدولة الفيدرالية.

ومن هنا لا بد من آلية تستطيع النظر في هذه المشاكل، لذلك تُعدّ المحكمة الدستورية أو الفيدرالية أو العليا، التي تشرف على دستورية القوانين الفيدرالية وتطبيقاتها، إحدى المعالم الرئيسية للنظام الفيدرالي. وحسب الكثيرين لا تقوم للفيدرالية قائمة دون وجود مثل هذه المحكمة لحل القضايا والمشاكل التي لا بد أن تظهر بين الأقاليم الفيدرالية، وبينها وبين الحكومة الفيدرالية، وبخاصة فيما يتعلق بتوزيع الصلاحيات. وسبب تفضيل إناطة هذه المهام بالمحكمة الفيدرالية لا بالمحاكم الاعتيادية هو الصعوبات السياسية التي تظهر أمام المحاكم العاملة في ظل نظام فيدرالي في مجتمع متنوع القوميات والثقافات والعقائد والأديان. وبسبب التخوف من هيمنة المؤسسات المركزية على حكومات الأقاليم، لا بد أن تُمنح المحاكم الدستورية العليا صلاحيات كبيرة تختلف عن صلاحيات شبيهاتها في الدول الفيدرالية الأخرى. ولكن رغم تشكيل المحكمة الفيدرالية في العراق، فإنها على حد علمي لم تمارس أي نشاط حتى الوقت الحاضر، وهناك شكاوى من عدم التوازن في تمثيل العرب والكورد فيها.

وكما ذكرنا، فإن الفيدرالية نظام مركب لا بسيط، ولا بد أن تجلب معها العديد من الإشكالات. ولكن ميزة النظام الفيدرالي تكمن في أنه يخلق الآليات الضرورية لحل تلك المشاكل بطريقة قانونية وحضارية، بعيداً عن الصراعات والاقتتال. فإلى جانب المحكمة العليا، قد يلجأ المشرع إلى حرمان الأقاليم من بعض الصلاحيات في الدستور، وهذا حل مركزي غير محبذ في الأنظمة الديمقراطية. وهناك حالات يحدد فيها الدستور أولوية قانون الدولة الفيدرالية على قوانين الأقاليم الفيدرالية، وتتمكن فيها المحكمة العليا من إلغاء إجراءات قانونية فيدرالية أو حكومية محلية، وهي التي تتخذ القرارات في القضايا المتعلقة بتقسيم السلطات والصلاحيات.

وقد يصلح أحد هذه الإجراءات الأخيرة في الدول الفيدرالية التي لا تعاني من مشاكل قومية، ولكن الفيدرالية التي تهدف إلى حل القضايا القومية تقتضي اللجوء إلى أساليب التوافق والحوار بدلاً من الإجراءات القسرية، إلا في حالات الحروب الخارجية أو الكوارث الطبيعية الكبرى.

وفيما يتعلق بصيغ تشكيل الدولة الفيدرالية، هناك كلام كثير عن أن النظام الفيدرالي يقوم عادةً من اتحاد دول وأقاليم مستقلة، لا نتيجة تفكيك دولة موحدة وبناء نظام فيدرالي فيها، ويبني العديد من أنصار المركزية في العراق والمناوئين لقيام النظام الفيدرالي مواقفهم على هذا الأساس.

ولا يستند هذا الكلام في الواقع إلى حقائق علمية وتاريخية دقيقة، فهناك العديد من الدول التي تحولت من النظام المركزي الموحد إلى النظام الفيدرالي، وأحرز نظامها الجديد نجاحاً باهراً، ولعل بلجيكا تمثل الدليل الواضح على هذه الحقيقة. كما أن إسبانيا والمملكة المتحدة وإيطاليا نماذج تشهد على ضعف هذه الآراء.

فالدولة الفيدرالية تتكون إما من اتحاد مجموعة من الدول أو الأقاليم التي كانت مستقلة سابقاً وتقرر الاتحاد من خلال معاهدة أو اتفاق سياسي أو عبر ثورة، وإما من تحول دولة مركزية إلى دولة فيدرالية عبر تغييرات دستورية. وما جرى في العراق أكبر من ثورة، إذ تفتتت الدولة وأصبحت أجزاء متناثرة لا يمكن توحيدها إلا باللجوء إلى حلول جذرية تسدل الستار على الماضي البغيض.

وقد أدى عامل المساحة في الماضي دوراً مهماً في تبني النظام الفيدرالي، إذ كانت الدول ذات المساحات الشاسعة تميل إليه لتسهيل الإدارة (روسيا وأمريكا وكندا والهند). ولكننا نرى الآن دولاً صغيرة بحجم بلجيكا (تبلغ مساحتها 32 ألف كم²) تتبنى النظام الفيدرالي، لأنها تجد فيه نظاماً مثالياً للتوزيع العادل للسلطات والثروات، ولإزالة الفروق بين الأقاليم ومناطق البلاد المختلفة.

كما أن انعدام الثقة بالسلطة يدفع الناس إلى حماية أنفسهم من خلال تبني النظام الفيدرالي، فالفيدرالية في نهاية الأمر تجسيد للبراغماتية السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية. ومن المهم أن يصل الناس إلى قناعة بأن الاتحاد الفيدرالي أكثر نفعاً من الاستقلال فيما يتعلق بالأمن والتطور الاقتصادي والرفاهية. وتؤدي عوامل اللغة والثقافة والدين والأيديولوجيا دوراً كبيراً في قيام الفيدرالية، فالقومية والفيدرالية متلازمتان تاريخياً فيما يتعلق بهذا النظام، لأنهما تتعلقان بتأمين الديمقراطية والتقدم.

ويقيم المناهضون للنظام الفيدرالي الدنيا ولا يقعدونها بسبب مطالبة الكورد وسكان الجنوب بالتوزيع العادل للثروات بين سكان العراق وأقاليمه. ويصعب فهم هذه الاعتراضات، لأن أساس الحكم الناجح هو توفير العدالة والمساواة بين مواطنيه، والتجسيد الحي لهذا المبدأ هو توزيع السلطات والثروات بصورة عادلة بين المواطنين والأقاليم. فمن المبادئ الرئيسية للنظام الفيدرالي أن يتضمن دستوره عدم التمييز بين الأقاليم والسكان، ضمانةً لبقاء الدولة الاتحادية وعلاقة السكان بعضهم ببعض. ولا أعتقد أن الكورد طالبوا بالاستئثار بالثروات على حساب المناطق الأخرى، بل يطالبون بتوزيع عادل للسلطات والثروات بين السكان ومناطق العراق المختلفة، على أسس متوازنة تراعي المساواة.

ولكي تكون الفيدرالية متوازنة، يُفضَّل ألا تخضع عاصمة الدولة الفيدرالية لأية حكومة إقليمية، بل أن تشكل إقليماً فيدرالياً وحدها. وهناك اتجاه يهدف إلى جعل بغداد الكبرى بملايينها الستة إقليماً فيدرالياً، وسيكون هذا الأمر لصالح سكان بغداد والأقاليم الفيدرالية الأخرى أيضاً.

وليس بالضرورة أن تكون جميع مناطق البلاد موزعة على أقاليم فيدرالية تضمها الدولة الاتحادية، فقد تكون هناك أراضٍ ومناطق تديرها الحكومة الفيدرالية مباشرة، كما في دلهي وأندامان وغيرهما في الهند، أو ذات أوضاع قانونية خاصة كما هو الحال في بورتوريكو بالولايات المتحدة الأمريكية. وقد تضم الدولة الفيدرالية إقليماً فيدرالياً واحداً، كما كان الأمر في زنجبار بتنزانيا، بينما تخضع المناطق الأخرى كلها لحكم الحكومة الاتحادية مباشرة.

ومن هنا فإن المحافظات العراقية التي ستجد نفسها، لأسباب جغرافية أو اجتماعية أو مذهبية أو قومية، خارج الأقاليم الاتحادية يجب أن تحصل على آليات توفر لها التطور الحر، وتمنع الإضرار بمصالح سكانها.

وفي نهاية هذا الموضوع أرى من المفيد عقد مقارنة بسيطة بين الفيدرالية والكونفيدرالية. فالفيدرالية تقوم على أساس اتفاق الأطراف على دستور للبلاد، بينما تقوم الكونفيدرالية على أساس القانون الدولي؛ أي إن كيانات دولية تقيم فيما بينها كونفيدرالية وفق اتفاقيات أو معاهدات موقعة، بينما تتفق الأقاليم على نمط النظام الفيدرالي وطبيعته فيما بينها، وتدرج كل ذلك في الدستور. ومن هنا فإن لأطراف الدولة الكونفيدرالية الحق في الانفصال والخروج منها متى أرادت، دون أن تنتظر موافقة الأطراف الأخرى، بينما لا تتمتع الأقاليم الفيدرالية بهذا الحق إلا إذا أُدرج في الدستور. وتتمتع الأطراف المكونة للكونفيدرالية بالشخصية القانونية الدولية، بينما تتمتع الدولة الفيدرالية وحدها بهذا الحق دون الأقاليم المنضوية تحتها. ومن هنا تستطيع الدول المكونة للنظام الكونفيدرالي إقامة العلاقات الدولية، بينما لا تتمتع الأقاليم المكونة للنظام الفيدرالي بهذا الحق إلا في إطار محدود يتعلق بالعلاقات الاقتصادية والتجارية.

والدولة الكونفيدرالية لا تستطيع ممارسة الضغط على الأطراف المكونة لها، بينما تستطيع الدولة الاتحادية فرض سلطانها على الأقاليم. وفي حالة الكونفيدرالية يحمل السكان مواطنة الدول الأعضاء فيها، بينما في الدولة الاتحادية هناك مواطنتان: مواطنة اتحادية ومواطنة إقليمية. لذلك إذا طالب الكورد بجواز سفر خاص بإقليم كوردستان، فيجب ألا يعني ذلك أنها محاولة للخروج على الدولة الفيدرالية. كما أن وجود أعلام خاصة بالكيانات الفيدرالية أمر لا يختلف عليه اثنان، فإلى جانب علم الدولة هناك أعلام للأقاليم الفيدرالية المشاركة فيها.

وتشير بعض التجارب الفيدرالية إلى التدخل الدائم للحكومة الاتحادية في شؤون الأقاليم. وتعطينا النماذج الفيدرالية في أمريكا اللاتينية تجسيداً لما يُعرف بالتدخل الدائم، أو التهديد الدائم بالتدخل، بحجة الأخطار التي تهدد النظام الدستوري أو النظام الجمهوري، الأمر الذي يحوّل حكومات الأقاليم إلى مجرد جهاز إداري في خدمة الدولة الفيدرالية. ومن ذلك أيضاً التحديد المستمر لسلطات حكومات الأقاليم في الدستور الهندي بحجة حالات الطوارئ، التي تحوّل البلاد إلى دولة واحدة، وتسيطر من خلالها الأجهزة المركزية طوال فترة الطوارئ على صلاحيات الأجهزة التشريعية والتنفيذية في الأقاليم. وهناك عوامل أخرى تجعلنا نتردد في تسمية بعض الكيانات دولاً فيدرالية حقاً؛ فالاتحاد السوفيتي بجمهورياته، حتى بالمقارنة مع فيدراليات أمريكا اللاتينية والهند وباكستان، كان نظاماً فيدرالياً بالاسم فقط.

ومن المؤكد أن هناك مخاوف ترافق المطالبة بالفيدرالية في العراق، ولكن ليست تلك التي يرددها أعداء النظام الفيدرالي في العراق، بل هي الخوف من أن تؤدي التطبيقات الفيدرالية، إذا لم تُنفَّذ بطريقة عادلة وفي ظل ضمانات قانونية دقيقة، إلى تغييرات ديموغرافية وصراعات عرقية أو مذهبية أو إقليمية، أو أن تتدخل دول الجوار في شؤون الأقاليم، أو أن تدعم بعض المناطق العمليات الإرهابية.

وأخيراً نعتقد أن النظام الفيدرالي، بتجسيده مفهومي الوحدة والتنوع، يمكن أن يوفر فرصة أخيرة أمام العراقيين للخروج من المأزق الذي وضعهم فيه النظام السابق وصدام حسين.


أجزاء «النظام الفيدرالي: تعايش التنوع والوحدة على سطح واحد» (2 أجزاء):

  1. الجزء الأول
  2. الجزء الثاني (هذا الجزء)

→ الجزء الأول