الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي
الوضع السياسي في العراق بعد مؤتمر القاهرة آذار 1921 وحتى تتويج الأمير فيصل ملكاً (الجزء الثاني)
من محاضرات «مؤتمر القاهرة 1921 والقضية الكوردية» – 2013
غاية مؤتمر القاهرة: حلّ المشكلة الاقتصادية ونفقات بريطانيا
كانت الخزانة البريطانية العامة تئنّ من ثقل النفقات التي أوجبتها تكاليف الحرب العالمية الأولى ونتائجها، فجاءت التدابير العسكرية التي اتُّخذت لإخماد «الثورة العراقية الكبرى» عام 1920 ضغثاً على إبّالة (24)، مما حمل الرأي العام البريطاني على المناداة بوجوب الجلاء البريطاني عن العراق، وحمل الحكومة البريطانية على التفكير في وجوب إنقاص نفقاتها الناجمة عن الالتزامات الخارجية إلى أدنى حدّ ممكن، مع المحافظة التامة على المصالح البريطانية العامة. فنُقل المستر ونستن تشرشل من منصب وزير الحربية إلى منصب وزير المستعمرات في 14 شباط سنة 1921م، بعد أن استقال اللورد ملنر من هذا المنصب، وعُهد إليه بالبحث عن أفضل السبل لإنقاص النفقات المذكورة وإيجاد أسهل الطرق لذلك. فألّف تشرشل في وزارة المستعمرات دائرة خاصة تتوحّد فيها المصالح والمسؤوليات البريطانية في الشرق الأدنى (Middle East Department)، «رغبةً في تخفيف عبء الضرائب على المكلّف البريطاني بأسرع ما يمكن»، كما جاء في التقرير الرسمي (25). وكانت المصالح والمسؤوليات المذكورة في الشرقين الأوسط والأدنى تُدار قبل ذلك من قبل وزارة الهند، وكان وزيرها المستر مونتاكو، ومن قبل وزارة الخارجية ووزارة الحربية (26).
وكان المستر مونتاكو (Montagu)، وزير الهند، قد اقترح على الحكومة البريطانية في السابع عشر من أيار سنة 1920م أن تعقد الهند مع العراق الجديد معاهدة توضّح الخطوط الأساسية للعلاقات بين الطرفين، وتتضمّن بنود الانتداب ومبادئه كما عهد به مجلس الحلفاء الأعلى قبل شهر، لتقضي على الغموض الذي كان يكتنف هذه العلاقات، وتؤسّس حكماً واضحاً يدين لها بالولاء. غير أن اللورد كرزون، وزير الخارجية البريطانية، لم يُصغِ يومئذٍ إلى هذا الاقتراح فأُهمل. فلما أُسند منصب وزارة المستعمرات إلى المستر تشرشل وأُنيطت به شؤون العراق، بعث الاقتراح المذكور من مرقده، معتقداً أن إدارة هذه البلاد من قبل حاكم عربي يقنع بالسلطة التنفيذية، ويؤازره الشعب بصورة علنية، ويكون مرتبطاً بعرفان الجميل، وضامناً لعقد معاهدة تُصاغ فيها بنود الانتداب البريطاني وتؤمَّن فيها المصالح البريطانية العامة ويرعاها الحاكم العربي المذكور بنفسه (الأمير فيصل)، أفضل كثيراً من أن تُحكم حكماً مباشراً من قبل بريطانيا يكلّف دافع الضريبة البريطاني كثيراً، ويؤدي إلى انتشار روح الكراهية والعداء للسلطة الحاكمة. فاتصل ونستن تشرشل بالأمير فيصل بن الشريف حسين، وفاوضه فيما يُكنّه ويرتئيه، وأطلعه على مشروع الانتداب البريطاني على العراق الجديد، وعلى مسؤوليات الحكومة المنتدبة (بريطانيا) تجاه عصبة الأمم، وعلى المصالح البريطانية فيه، وعلى ضرورة نسيان المتاعب التي سبّبها له الجنرال غورو (القائد الفرنسي في سوريا الذي طلب من الأمير فيصل مغادرتها)، وطمأنة فرنسا بعدم إزعاجها بمحاولات الانتقام. والظاهر أن فيصلاً اقتنع بكل ما سمعه من تشرشل، فقال له الوزير البريطاني إنه يعده بعقد معاهدة بين بريطانيا والعراق الجديد تقوم مقام الانتداب إذا ما قُدّر له أن يكون الحاكم على العراق الجديد، فاستحسن الأمير فيصل بن الحسين هذا الحلّ ووافق عليه.
ولكي يحقّق ونستن تشرشل الآمال التي عُقدت على خبرته وفطنته في معالجة القضايا المعلّقة، قرّر دعوة الممثلين العسكريين والسياسيين البريطانيين في مناطق الشرق الأوسط والشرق الأدنى إلى الاجتماع به في مؤتمر يُعقد في القاهرة في 12–24 آذار 1921م، وقد عُقد في فندق سميراميس. فكانت مهمة المؤتمر «إنقاص النفقات البريطانية في المناطق المذكورة (الشرق الأوسط والأدنى)، وإعادة النظر في السياسة البريطانية المتّبعة فيها»، وذلك بتقرير:
علاقات الدولة الجديدة المقبلة (العراق) ببريطانيا العظمى «من حيث النفقات».
اختيار الشخصية العربية التي ستتولّى حكم العراق الجديد وعرشه.
نوع قوات الدفاع وشكلها في الدولة الجديدة (العراق)، التي ستتمتّع بمسؤولية أوسع في الدفاع عن نفسها. وقد بحث المؤتمر أيضاً وضع المناطق الكوردية وعلاقتها بالعراق العربي الجديد (27).
وسافر الأمير فيصل إلى القاهرة ليرقب الحوادث عن كثب. وتألّف الوفد العراقي إلى مؤتمر القاهرة من السير برسي كوكس المعتمد السامي، والجنرال إيلمر هالدين قائد القوات البريطانية في العراق، وجعفر العسكري، الكوردي الأصل، وزير الدفاع في الحكومة العراقية المؤقتة، وزميله ساسون حسقيل، اليهودي الأصل، وزير المالية في الحكومة العراقية المؤقتة (28)، ومن مستشارَي المالية والأشغال سليتر وأتكنسن، ومستشار وزارة الدفاع بالوكالة الميجر إيدي، والمس بيل السكرتيرة الشرقية للمعتمد السامي البريطاني برسي كوكس. وقد ناب بونام كارتر، مستشار العدلية في الحكومة العراقية المؤقتة، عن برسي كوكس أثناء غيابه في المؤتمر. فلما عُرضت القضية العراقية على طاولة التشريح، قال برسي كوكس، بعد مذاكرة الجنرال هالدين وجعفر العسكري: إن باستطاعة العراق أن يساهم بقدر واسع في المسؤوليات المترتبة على بريطانيا في العراق، وذلك بتأليف جيش عراقي محلي من خمسة عشر ألف محارب، وتخصيص 15 بالمئة من إيرادات العراق العامة له، على أن يُزاد هذا المبلغ حتى يصل إلى 25 بالمئة، وأن تُزاد قوة (الليفي) المحلية، التي ستتولّى الحكومة البريطانية إدارتها ونفقاتها، من أربعة آلاف مقاتل إلى 7500، وأن يُعزَّز ذلك بستة أسراب من الطائرات البريطانية ترابط في مواقع استراتيجية في العراق، فتنسحب القوات الإنكليزية من العراق بالتدريج، ويحلّ التفاهم والوئام محلّ التشاكس والخصام بين السلطة المنتدبة البريطانية وأهل العراق الذين يستنكرون كل هيمنة أجنبية عليهم (29).
ارتاح ونستن تشرشل، وزير المستعمرات البريطاني، لاقتراح برسي كوكس ارتياحاً كبيراً، فوقف بعد أيام قليلة في مجلس العموم البريطاني معلناً إنقاص النفقات البريطانية في الشرقين الأوسط والأدنى من 35 مليون باون إلى 27.5 مليوناً في ميزانية السنة المالية 1921، ومؤكّداً إمكان هبوطها إلى تسعة ملايين أو عشرة في ميزانية السنة التي تليها 1922.
فلما عُرضت فكرة ترشيح أمير عربي يتولّى شؤون العراق العربي الجديد، استُعرضت أسماء طلّاب عرش العراق الجديد: فالسيد عبد الرحمن النقيب رجل هرم ليس في عائلته من يصلح أن يحلّ محلّه إذا انتقل إلى دار البقاء؛ والسيد طالب النقيب، وإن كان من الشخصيات التي تستطيع أن تؤدي خدمات ممتازة، فإن خصومه في البصرة وبغداد في ازدياد مستمر؛ والأمير برهان الدين العثماني لا يمكن أن يحظى برضا البريطانيين؛ وابن سعود، الذي ردّدت الدوائر الرسمية اسمه كثيراً، يُحدث ترشيحه خللاً في التوازن في الجزيرة؛ وهكذا وُجدت بعض الموانع للشيخ خزعل شيخ المحمّرة، ولغلام رضا خان «أمير بشتكوه»، وللآغا خان «زعيم الإسماعيلية». أما فكرة الجمهورية في العراق فقد قيل فيها بصراحة: «إن العراق لم يبلغ من الرقي درجة تمكّنه من ممارسة هذا الضرب من الحكم الجمهوري». فلما عُرض اسم الأمير فيصل علت وجوه الحاضرين ابتسامة ذات مغزى بعيد، فقال ونستن تشرشل: «إن فيصل من بيت رفيع، وهو ابن الملك الشريف حسين بن علي شريف مكة، الذي وطّد نفوذه بين عامة العرب، وثبّت شخصيته بين رجال الدين، فهو خليق أن ينال تشجيع الحكومة البريطانية إذا انتخبه العراقيون». فأومأت الرؤوس أن نعم، فهتف الناس: ليحيا الملك فيصل ملك العراق، وهمس إبليس في أذن الزمان: ليحيا ونستن تشرشل. وقد «أوجب تدخّل البريطانيين في اختيار الأمير فيصل لعرش العراق الجديد مباحثات دقيقة وأقوالاً كثيرة» (30). وانتهت أعمال مؤتمر القاهرة في 24 آذار 1921.
وقد أُثيرت في مؤتمر القاهرة قضية المجلس التأسيسي (البرلمان) وضرورة جمعه لينادي بفيصل بن الشريف حسين ملكاً على العراق الجديد، واحتمال ظهور معارضة فيه قد تؤدي إلى إفشال الخطط البريطانية المؤيدة لترشيح فيصل. فقال ونستن تشرشل إنه لا يعرف سابقة لمجلس تأسيسي قام بانتخاب ملك للبلاد. وهكذا تقرّر صرف النظر عن دعوة المجلس التأسيسي لهذا الغرض، وأن على المندوب السامي البريطاني برسي كوكس أن يستعمل دهاءه وذكاءه لمداواة الأمر.
يقول الكولونيل لورنس في هامش الصفحة 276 من كتابه «أعمدة الحكمة السبعة»، طبعة عام 1943:
«عهدت وزارة المستعمرات البريطانية – المتضايقة – إلى المستر ونستن تشرشل بتسوية قضايا الشرق الأوسط، فاستطاع في بضعة أسابيع أن يذلّل كل معضلة بواسطة مؤتمر القاهرة آذار 1921، وأن يوجد حلولاً تفي، على ما أظن، بوعدنا نصاً وروحاً، على قدر ما يستطيع بشر، دون أن يضحّي بأية مصلحة لإمبراطوريتنا أو مصلحة للشعوب التي يهمّها الأمر» (31).
ويقول الأستاذ هولمس ريتشر في كتابه «مقاييس الكفاءة للاستقلال»، ص 19:
«وبعد مفاوضات كثيرة عُرض العرش – العراق – على الأمير فيصل بن الشريف حسين، الذي كان الفرنسيون (الجنرال غورو) قد أخرجوه حديثاً من الدولة العربية التي شكّلها في سورية. ومع أن انتخاب الأمير فيصل يعود في قسم منه دون شك إلى النفوذ البريطاني، فقد كانت ثمة أدلة كافية، حتى قبل أن تُعرف رغبة بريطانيا، على أن سموّه كان المنتخب عن طيب نفس من العناصر المهمة في العراق الجديد» (32).
وفي طريق عودة ونستن تشرشل إلى لندن مرّ بالقدس يوم 24 آذار 1921، وعقد اجتماعاً مع الأمير عبد الله بن الشريف حسين، الأخ الأكبر للأمير فيصل، حضره عوني عبد الهادي، وهربرت صموئيل المندوب السامي البريطاني في فلسطين، وسكرتيره ويندهام ديدس، والعقيد لورنس. وقد نصح تشرشل في هذا الاجتماع بوجوب انصراف الأمير فيصل عن سورية وسفره إلى العراق العربي الجديد ليصبح ملكاً، وطلب من الأمير عبد الله أن يساعده في هذه الطبخة بالتأثير على والده الشريف حسين وعلى العراقيين، وأعرب عن أمله في أن تُعاد سورية إلى العرب بعد ستة أشهر.
أما دار (دائرة) الاعتماد البريطانية في بغداد فتقول في تقريرها الخاص عن تقدّم العراق:
«وفي الوقت نفسه كان الرأي العام العراقي يميل ميلاً محسوساً إلى الملكية، وأخذت الرغبة العامة تتجلّى في أن يقدّم الأمير فيصل نفسه للشعب العراقي مرشحاً للعرش، وقد كانت مكانته وخدماته الثمينة لقضية الحلفاء إبّان الحرب تشفع له لدى الشعبين العراقي والبريطاني على السواء. وبعد التأكّد من أن سموّه وقف تماماً على المسؤوليات المترتبة على حكومة صاحب الجلالة تجاه عصبة الأمم، وأنه سيكون مستعداً – إذا قُدّر له أن يصبح ملكاً على العراق الجديد – لأن يتفاوض لعقد معاهدة إنكليزية – عراقية على المنوال المشروح في صك الانتداب البريطاني، أعلنت حكومة بريطانيا موافقتها على ترشيحه لعرش العراق الجديد» (33).
ومن لطيف ما يُروى عن مؤتمر القاهرة أن ساسون حسقيل، وزير مالية العراق، سأل المستر ونستن تشرشل قائلاً: جرت العادة في البلاد المنسلخة من الإمبراطورية العثمانية أن يأتيها أمراؤها من الشمال إلى الجنوب، ولم يسبق أن جاءها أمير من الجنوب إلى الشمال، فكيف تعلّلون هذا الحدث؟ فأجاب تشرشل: إن ذلك لصحيح، ولكن لا تنسَ يا ساسون حسقيل أن المستر كورنواليس ذاهب مع الأمير فيصل، وهو من الشمال (34).
وفي الواقع أن كورنواليس شغل منصب مستشار وزارة الداخلية في العراق من سنة 1921 إلى سنة 1935م. «وهكذا مهّد الإنكليز لإقامة دولة عربية في العراق الجديد، كانت إحدى الدول الصنائع أو الدول الزبائن التي قرّر الغرب إقامتها في الأجزاء التي انسلخت من الإمبراطورية العثمانية في أعقاب الحرب الكبرى الأولى؛ ذلك لأن دول الغرب كانت تستهين بالقومية العربية وتفشل في إدراك دافعها السياسي» (35).
المصادر
الإبّالة: الحزمة من الحشيش والحطب، والضغث: قبضة من الحشيش مختلطة الرطب باليابس. ومعنى المثل: بليّة على أخرى، ويُضرب مثلاً للرجل يحمّل صاحبه المكروه ثم يزيده منه. (المنجد، ص 1074، الطبعة التاسعة).
أمين الريحاني، فيصل الأول، ص 40، الطبعة الأولى.
E. Main, Iraq from Mandate to Independence, p. 77.
Ireland, Iraq: A Study in Political Development, pp. 311–312.
يظهر من إمعان النظر في محاضر مؤتمر القاهرة أن دور الوزيرين العراقيين لم يكن أساسياً، وإنما حضرا المؤتمر عضوين استشاريين يُستدعيان حينما يرى المجتمعون ضرورة لاستشارتهما.
كانت النفقات البريطانية في العراق، كما ذكرها آيرلند في ص 312، كما يلي: 32.000.000 في السنة المالية 1920–1921؛ 23.355.950 في السنة المالية 1921–1922؛ 7.807.384 في السنة المالية 1922–1923؛ 5.740.358 في السنة المالية 1923–1924؛ 4.479.754 في السنة المالية 1924–1925؛ 4.118.400 في السنة المالية 1925–1926. أما النفقات البريطانية في العراق في السنة المالية 1919–1920 فكانت تتراوح بين السبعين والثمانين مليوناً من الباونات، كما ذكرها هنري فوستر في ص 179 من كتابه «تكوين العراق الحديث».
لودر، القول الحق في تاريخ فلسطين وسورية والعراق، ص 109.
Seven Pillars of Wisdom, p. 276.
Criteria of Capacity for Independence, p. 19.
التقرير البريطاني الخاص عن تقدم العراق خلال سنة 1921–1931، ص 14.
عبد الرزاق الحسني، العراق في دوري الاحتلال والانتداب، ج1، ص 201.
جريدة البلاد الصادرة في بغداد بتاريخ 1 نيسان 1957، العدد (4922).
أجزاء «الوضع السياسي في العراق بعد مؤتمر القاهرة آذار 1921 وحتى تتويج الأمير فيصل ملكاً» (2 أجزاء):
- الجزء الأول
- الجزء الثاني (هذا الجزء)