الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي
بريطانيا وكوردستان الجنوبي/العراق: النفط أولاً (الجزء الأول)
من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2023
لم يعد للكنيسة الكاثوليكية، صاحبة الدور القيادي في توجيه شعوب أوربا، دور سياسي أو اقتصادي مؤثر بعد الحروب الصليبية التي استمرت زهاء قرن من الزمان (1095–1193). وكان لإخفاق البابوات، ومنهم البابا الفرنسي أوربان الثاني، في استعادة بيت المقدس أثرٌ في إيمان أبناء الكنيسة، وقاد كثيرًا منهم إلى تبني الروح القومية على حساب الدين. ونقول في ذلك إن الدولتين، إنكلترا وفرنسا، عملتا على تقسيم العالم من جديد للحصول على المستعمرات ومنابع المواد الخام والأسواق لتصريف المنتجات، وذلك لاستعادة دورهما القومي - لا الديني - أمتين متميزتين في أوربا. وبهذه الطريقة من التفكير جرى الاستعداد للحرب العالمية الأولى.
ثم إن ظهور ألمانيا - وهي أيضًا أمة متميزة في أوربا - واهتمامها بالشرق للسيطرة على ولايات الدولة العثمانية الآيلة إلى التراجع، ولا سيما النفط، قد زاد من تلك الاستعدادات للحرب. وفي كل الأحوال، وجدت بريطانيا أن لها مستعمرات، مثل الهند، يجب أن تحافظ عليها، وأن عليها أن توسّع نفوذها على كل الولايات المطلة على البحار والمحيطات والخلجان، بحيث يتمكن الأسطول البحري البريطاني من الوصول إليها، إما لنقل القوات إلى مسارح العمليات، وإما لنقل النفط، المادة الحيوية للصناعة، الموجود في ولايات مثل العراق وإيران والكويت والمملكة العربية السعودية (الحالية). أما ألمانيا التي قامت بقفزة سبقت بها بريطانيا في التطور الصناعي، فكانت تطلب لنفسها «مكانًا تحت الشمس» عن طريق مستعمرات جديدة. وذلك ما قاد القيصر الألماني وليم الثاني إلى توقيع اتفاقية مدّ سكة حديد برلين - بغداد عام 1903 مع السلطان العثماني عبد الحميد الثاني، وفيها حق استثمار النفط على جانبي سكة الحديد لمسافة عشرين كيلومترًا، الأمر الذي أغضب بريطانيا التي كانت قد وقّعت مع حاكم الأسرة الكويتية مبارك الصباح اتفاقية حمايةٍ له من أي تدخل خارجي عام 1899. وكان ذلك أحد الأسباب التي عجّلت بنشوب الحرب.
وعندما نشبت الحرب العالمية الأولى عام 1914 لم يكن للكورد مصلحة فيها، إذ لم تكن لهم دولة خاصة بهم يدافعون عنها، ولا مصالح قومية تجبرهم على الدخول طرفًا في هذا النزاع الكبير. ولكن، على الرغم من هذين السببين، جذب العثمانيون المسلمون الكوردَ إلى جانبهم لقتال المسيحيين من الآثوريين والأرمن الذين تحالفوا باسم الدين مع الحلفاء: بريطانيا وفرنسا وروسيا القيصرية. وكانت للأطراف الأوربية الثلاثة لقاءات ومباحثات حول الترتيبات المقبلة في الشرق الأوسط، وهي على يقين بهزيمة الدولة العثمانية في الحرب، بعد أن تلمّست من الإيطاليين طبيعة الحرب والتعبئة التي استخدمها الجيش العثماني في أفريقيا عام 1911، وفيها خسر العثمانيون الولايات العربية على ساحل البحر الأبيض المتوسط: بنغازي وبرقة وطرابلس الغرب. كما شاهدت على الأرض وعن قرب ما حلّ بالجيش العثماني في حرب البلقان (1912–1913)، واقتراب الجيش البلغاري من عاصمة الدولة العثمانية إسطنبول.
وبذلك تكون الدولة العثمانية قد خسرت مستعمراتها في أفريقيا وجميع مستعمراتها الأوربية تقريبًا. ولم يكن للكورد مقاتلون في كلتا الحربين للدفاع عن الإمبراطورية المسلمة، بل آثروا التملص من دعوة الجيش العثماني لهم. وكان «عبد الرزاق»، وهو قائد كوردي كان معتقلًا في إسطنبول، قد طرح في مؤتمر أرضروم في شباط 1912 مسألة توحيد جميع قوى المعارضة للقيام بثورة كوردية شاملة ضد الدولة العثمانية، وتزعّم ذلك في نهاية عام 1912، حين توجه بعض قادة الكورد من عشائر اليزيديين والزازا إلى روسيا القيصرية لطلب المساعدة، بعد أن بدأت الشرارة الكوردية في منطقة ديرسيم الجبلية، وبقيت مناطق بتليس وبايزيد. وعُدّت ديرسيم بؤرةً للحركات، وكان الأرمن فيها من المشاركين في العمل للإطاحة بالدولة العثمانية التي بقيت، وهي ضعيفة، على سياسة تتريك الأقليات غير المسلمة والمسلمة، بما فيها العرب الذين يبلغون عشرة أضعاف الترك، وهم مسلمون يتكلمون اللغة العربية وبأيديهم القرآن باللغة العربية. وربما أراد الأتراك من وراء ذلك أن تكون لغة أهل الجنة تركية أيضًا! وهي حالة صعبة وقاسية على الضعفاء من القوميات الأخرى الذين لا قوة لهم، والمطلوب منهم الانحناء للأمير والسلطان العثماني. ومثلها سياسة «التفريس» التي أرادتها السلالات القاجارية الحاكمة في بلاد فارس، والملك الفارسي يقول إنه جاء إلى الحكم بمشيئة الله، ومنهم الشاه محمد رضا بهلوي (1941–1979) الذي كانت نساء قصره وبلاطه سيداتٍ في المجون والخلاعة والفساد.
ثورات كوردية ضد المحتل العثماني… ولكن
النزعة القومية لدى العثمانيين والفرس أقوى من النزعة الدينية الإسلامية، وهم بذلك دون الحلم الواسع بوحدة المسلمين. أما الكورد الذين اعتنقوا دين الإسلام فلا يحلمون إلا بدولة مستقلة تجسّد ثوراتهم التي قاموا بها منذ منتصف القرن التاسع عشر واستمروا فيها حتى قبيل اندلاع الحرب العالمية الأولى. ولم يكن ثمة شك في أنه لا دولة مستقلة للكورد إلا إذا كانوا سندًا للدولتين العثمانية والفارسية وقبلوا مبدأ الجهاد الإسلامي الذي تعلنانه حين تواجهان، كلتاهما أو إحداهما، غزوًا أجنبيًا. وربما كان من أهداف الدولتين أن يكون الجهاد الإسلامي متممًا للحروب الصليبية أو بديلًا عنها. ويقبل الكورد بدولة مستقلة للأرمن على أطراف حدود كوردستان.
ومن يقول إن الكورد ليس لهم وجود ثقافي وأدبي معروف في أوربا وفي العالم الإسلامي للتعريف بالقضية الكوردية ومطالبها فهو مخطئ. ومن يقول إن الكورد لم يحسنوا اللغة الدبلوماسية في علاقاتهم مع الإنكليز والفرنسيين والروس فهو مخطئ. ومن يقول إن دماء الكورد لم تُرَق على تراب كوردستان لتنسّم هواء الحرية فهو مخطئ. ومن يقول إنهم لم يكونوا موزّعي الولاء سياسيًا بين روسيا والإنكليز والعثمانيين فهو مخطئ. ومن يقول إن الإنكليز لم يكونوا ميّالين إلى إيجاد وطن قومي لليهود فهو مخطئ. ومن يقول إن الإنكليز كانوا ميّالين إلى إعطاء العرب حقهم في الاستقلال، كما أخبروا الشريف حسين بن علي ملك الحجاز في مراسلات مكماهون عام 1915، فهو مخطئ. ومن يقول إن الإنكليز لا يريدون النفط فهو مخطئ أيضًا.
بعد أن هال الوطنيين الكورد فشلُ جميع الثورات الكوردية التي اندلعت لإنقاذ أنفسهم من الحكم العثماني وتحقيق استقلال كوردستان، رأوا أن يعملوا في ميادين السياسة والثقافة والأدب، وباتوا مدركين أهمية الإعلام في خدمة قضيتهم. فقد أصدر مدحت بك، حفيد بدرخان الكبير، أول جريدة كوردية بعنوان «كوردستان» عام 1898 في إسطنبول، ولم تجد لها صدى في الأوساط العثمانية لأنها كانت سرية التوزيع، ثم انتقل إصدارها إلى القاهرة عام 1898. ثم ظهرت جمعية «تعالي وترقي الكورد» عام 1908 على يد الأمير أمين عالي بدرخان والفريق شريف باشا واثنين من الأمراء البابانيين (السليمانية) وعبد القادر ابن الشيخ عبيد الله النهري، وقد حُكم على الأخير بالإعدام لترؤسه جمعية «تعالي كوردستان» عام 1925. وكان هدف الجمعية، كما أوضح رموزها، أن الحرية الكوردية لا تعني الانفصال القومي عن الإمبراطورية العثمانية. ولم يأخذ رموز الدولة العثمانية بذلك، خصوصًا بعد رسالة شيخ الطريقة الصوفية الشيخ عبيد الله النهري التي وصفهم فيها بالكفار.
واهتم حزب «هيفي/هيوا» (الأمل)، الذي تأسس في الآستانة عام 1910، هو الآخر بالطلبة الكورد داخل كوردستان وخارجها. واعتبارًا من حزيران 1913 أصدر الحزب مجلة «روژى كورد» (يوم الكورد أو شمس الكورد) باللغتين الكوردية والتركية، وفيها دعوة إلى الوحدة القومية والدولة الكوردية المستقلة.
وفي سبيل إقناع الروس القياصرة بإقامة إمارة كوردية مستقلة - أقل من دولة - وهو حديث دبلوماسي ناعم، توجه خير الدين بك إلى روسيا عام 1912 للتباحث حول الإمارة والثورة الكوردية. ويمكن القول إن الموفد الكوردي، الذي ترك خلفه قوة ناهزت سبعين ألفًا (70,000) من الثوار المسلحين في مدن وان وديار بكر وأورفة وأرضروم وبتليس وبايزيد، كان يدرك أن الحديث السياسي عن إمارة بلا قوة لا معنى له في السياسة الدولية، وأن التهريج السياسي بلا سند مضيعة للوقت.
وجاء في أحد تقارير القنصل الروسي في بتليس (شيركوف) أن الكورد يتمنون على روسيا القيصرية أن تخلّصهم في أسرع وقت من الحكومة العثمانية العاجزة واللاأخلاقية. وكان هذا هو التوجه ذاته عندما التقى حسن بك بالإنكليز عام 1913. وفعلت ذلك مجلة «مشروطيت» (الدستور) الصادرة في فرنسا، وهي تدعو الكورد إلى تشديد النضال من أجل الحرية، لتحقيق برنامج يقوم على: حكم ذاتي إداري لكوردستان، وتقليص جباية الضرائب، وتأسيس جيش إقليمي كوردي، وقيام إدارة محلية، وبناء مدارس يكون التعليم فيها باللغة الكوردية، وأن يكون الموظفون والضباط العاملون في كوردستان من الكورد.
لم يكن البحث عن قيادة سياسية مركزية ووحدة الهدف، وهما أمران مهمان لأي حركة ثورية، ذا أولوية. غير أن ما جرى لثورة بدرخان عام 1847 وثورة الشيخ عبيد الله النهري عام 1880، وكثرة الدماء الكوردية المراقة على أرض كوردستان، قد كشف عن تآمر إنكليزي - روسي لصالح السلطان العثماني. وإذا كانت الدولة العثمانية قوية في ذلك الوقت كما يروق لساسة لندن وبطرسبورغ، فإن ثورة الشيخ سليم وشهاب الدين عام 1913 قد كشفت المستور في سياسة الدولتين - غير المسلمتين - حين اقتحم العثمانيون القنصلية الروسية في الموصل، التي اختبأ فيها الشيخ سليم، وأخرجوه منها بالقوة وأعدموه على الملأ.
ليست هذه سياسة عارضة أو أحداثًا عابرة؛ فالإنكليز والروس القياصرة يتبارون في لعبة سياسية مع إمارات آسيا الوسطى الإسلامية منذ القرن الثامن عشر، وكانت هي السياسة ذاتها مع أبناء كوردستان، وكلاهما خاضع للإمبراطورية العثمانية المسلمة. فالزعماء الكورد الموجودون على الأراضي الفارسية كانت لهم مصالحهم الخاصة، والكورد المستسلمون للسلطان العثماني لهم مصالحهم الخاصة، ومن هم على صلة بالإنكليز والروس ينظرون إلى ما وراء خط الأفق حتى لا تضيع مصالحهم ومغانمهم بعد الحرب، وهي على الأبواب.
إن إيجاد مستعمرات جديدة بعد الحرب، تُدار من خارج حدود بريطانيا وفرنسا وروسيا بسياسة معينة أو بحكومات محلية، هو الهدف الذي جمع وزراء خارجية هذه الدول، سايكس وبيكو وسازانوف، في اجتماعات متتالية لتقسيم ولايات الدولة العثمانية، وعُرف فيما بعد باتفاق سايكس - بيكو عام 1916. كما جاء وعد بلفور - وهو وزير خارجية بريطانيا - عام 1917، الذي أقر فيه وجود وطن قومي لليهود، متممًا للاتفاق الأول مع فرنسا، بعد أن قامت الثورة الاشتراكية في روسيا عام 1917. وفيها اختلف الإنكليز عن الروس البلاشفة أيديولوجيًا، ولم يختلفوا على إقامة دولة مستقلة لليهود الذين شُرّدوا في بقاع أوربا منذ منتصف القرن الثالث عشر. وفي قراءة متأنية للتاريخ الأوربي نجد أن ممارسة اليهود أعمال الربا في التجارة، وتبادل الزوجات، واستخدام النصرانيات لأغراض الترفيه، قد جاءت لهم بالمال، الذي ما لبث أن تحوّل إلى سيطرة على المصارف الأوربية، وقاد إلى حروب بين إنكلترا وهولندا عام 1664، وأزمة اقتصادية خانقة عام 1665، وحرب أخرى بين إنكلترا وفرنسا عام 1666، وأخرى بين الكاثوليك والبروتستانت عام 1689. وكان الدائن في هذه الحروب هم اليهود، والمدين هو ملك إنكلترا شارل الأول الذي نُفّذ فيه حكم الإعدام عام 1649، والشعب الإنكليزي لا يعرف من هو مصدر القرار. وكان في عقل اليهودي وزير المالية «أمشل ماير باور» ألّا تتمكن إنكلترا من تسديد القروض القومية، وأن تتورط الأمم الأوربية الأخرى في الديون، انتقامًا من الملوك الذين شرّدوهم. فوصلت ديون إنكلترا في أربعة أعوام (1694–1698) من مليون إلى ستة عشر مليون جنيه، ثم إلى (885) مليون جنيه بين عامي (1668–1815)، ليظهر لنا مقدار الإهانة التي لحقت بالشعب الإنكليزي. ويظهر السؤال في المقابل: هل يذهب الإنكليز بعد الحرب إلى إعطاء وطن لليهود، أم يذهبون إلى إنشاء دولة كوردستان إسلامية على خراب إمبراطورية مسلمة؟ وربما جال في خاطرهم أن يقود شعب كوردستان المسلم الموحّد حروبًا صليبية أخرى، وهم من أصلاب شعوب آسيا الوسطى التي وفّرت المقاتلين الأشداء تحت قيادة القائد الكوردي صلاح الدين الأيوبي.
ولعل ما اتضح من اتفاق سايكس - بيكو أن تكون المنطقة الزرقاء من حصة فرنسا، أي منطقة ولاية الموصل في شمال العراق (كوردستان الجنوبي)، وهي المنطقة الغنية بآبار النفط. كما خُصّ بها إقليم كيليكيا وولاية أضنة، وأغلب سكانهما من الكورد، وسورية ضمن الحماية الفرنسية. واشتملت المنطقة الروسية على المنطقة الشمالية الشرقية من كوردستان (أرضروم وطرابزون ووان وبتليس)، وهي منطقة مساحتها (600,000) ميل مربع بين البحر الأسود ومنطقة الموصل وأورمية. وقد جعل خروج روسيا من الحرب بسبب ثورة أكتوبر الشيوعية عام 1917 بريطانيا سيدة الموقف، وأطلق يدها في تقرير مصير الشعوب بعد أن احتلت العراق وفلسطين خلال الحرب، فأدخلت على الاتفاق تعديلات أساسية، ثم صاغتها في معاهدة لاحقة عام 1920 سُميت معاهدة سيفر، لتأسيس دولة أرمنية وأخرى كوردية على أرض الدولة العثمانية المهزومة، وهو ما لم يحدث. أي إن مصير الكورد لم يكن الأساس في اهتمام الدول الكبرى المنتصرة في الحرب: بريطانيا وفرنسا وإيطاليا، في حين تركوا كوردستان إيران لحليفهم الشاه يتصرف بالكورد كما يشاء، بعد اكتشاف النفط فيها عام 1908.
وهي نقطة مركزية عمل عليها المحتل الإنكليزي بجدارة، وفي عقل ساسته أن قطرة النفط التي تصل بريطانيا أثمن من قطرة دم الكوردي! وثبتت تلك السياسة المعادية للإسلام مع الأيام، وخلال حرب السنوات الثماني مع إيران، حين رسم ملامحها على الملأ مذيع قناة «فرنسا 24» بقوله إن المستهلك الفرنسي يجد النفط الذي يصله أثمن بكثير من دماء المسلمين في إيران والعراق. وربما فات رئيسَ الوزراء الفرنسي كليمنصو، الزائر إلى لندن في كانون الأول 1918، أن نظيره البريطاني قد أقنعه بضرورة إدخال ولاية الموصل النفطية ضمن حصة بريطانيا، من دون أن يعرف كميات النفط الموجودة في باطن الأرض. وهو تعديل على اتفاقية سايكس - بيكو، إذ وجدت بريطانيا أن الشيوعية الروسية هي مصدر الخطر على أملاك الإمبراطورية البريطانية، وأن عليها أن تحافظ على اقتصادها ورفاهية المجتمع البريطاني، ثم أقرت فيما بعد لفرنسا حصة من نفط ولاية الموصل قُدّرت بـ 27%.
إن الدولة والإمبراطورية العثمانية التي تغاضت عن حقوق الكورد على أرض كوردستان خلال قرن من الزمان لا يحق لها أن تطالبهم وقت الحرب - وهي ضعيفة - بأن يقاتلوا إلى جانبها، حتى وهي تعلن الجهاد الإسلامي ضد المحتل الكافر. وربما هو ما عملت عليه حليفتها القوية ألمانيا. ولم يكن ذلك ليغيّر واقعًا حزينًا اختمر في عقل الكورد، ووزير الداخلية العثماني طلعت باشا يطلب عام 1915 من عبد القادر ابن الشيخ عبيد الله النهري، شيخ الطريقة الصوفية، السفر إلى كوردستان لتأليب الكورد ضد روسيا، باعتباره رئيسًا لمجلس الشيوخ في البرلمان العثماني، وصلاحياته في خدمة أبناء جلدته لا تتعدى الالتماس. وحقيقة ما أراده العثمانيون أن يكون عينًا على الثائرين الكورد، وهو ما لم يكن ليقبل به، والفلاحون الكورد غير قادرين على جني محصولهم لمدة عامين، ولا على توفير العلف لمواشيهم أو الرعي بها في الجبال الخضراء، خشية أن يسلبها الجنود العثمانيون بالقوة. وهذا ما فعلته معظم الوحدات العثمانية المتراجعة من جبهات القتال في العراق أمام الجيوش البريطانية والحليفة. وقد لا يجد الأتراك حرجًا في إلقاء الاتهامات على رموز الكورد في أي مواجهة يكون الأرمن طرفًا فيها، ومنهم الجنرال الكوردي شريف باشا الذي اتصل بالخارجية الفرنسية مقابل وعد بإنشاء دولة كوردية مستقلة بعد الحرب، وعبد القادر ابن الشيخ عبيد الله النهري الذي وجد في الموقف الروسي ما يحمله على الاعتقاد بظهور دولة كوردية مستقلة. ولم يتخلف الإنكليز عن ذلك، فوعدوا الشريف حسين بن علي ملك الحجاز بالاستقلال إذا ما تمكن من فتح جبهة قتال جديدة ضد الجيش العثماني، لتخفيف الضغط عن وحداتهم التي مُنيت بانتكاسة قاسية في معركة الكوت عام 1916. وحقيقة الأمر أن العشائر العربية والكوردية كثيرًا ما انحازت إلى المنتصر في المعركة، ثم تخلت عن المهزوم حتى لو كان حليفًا. وقد يكون في عقل رموزها القيادية مقدار الغنائم التي يحصلون عليها لمنافعهم الشخصية. وبذلك أدى هذا السبب، وغيره من حالات عدم الانضباط، إلى عدم ثقة الإنكليز والأتراك بهم، بل نعتوهم بـ«الخيانة»، وهو وصف قبيح اجتماعيًا كثيرًا ما يقود إلى التمرد ضد المحتل.
اقتنعت الحكومة العثمانية بعقم محاولاتها لضمان موقف إيجابي من الكورد في الحرب، وبفشل محاولاتها في حل المسألة الأرمنية بأيدٍ كوردية، أي عن طريق فتنة المسلمين بالمسيحيين. وفي هذا كتب المراسل الحربي الروسي ف. أ. غوردليفسكي، الذي زار جبهة القوقاز: «كان للأرمن أصدقاء من الكورد أنقذوهم من بطش الأتراك في الوقت العصيب». وكان ذلك هو المبرر الذي هيّأ للدولة العثمانية إصدار مراسيم سلطانية بين عامي 1915 و1916 لتهجير الكورد من مناطق القتال والمناطق القريبة منها إلى غرب الأناضول، بنسبة يكون فيها كل عشرة من الكورد مقابل مئة من الترك، وهو ما فعلوه سابقًا مع الأرمن. وبذلك أصبح الكورد والأرمن في قانون السلطان العثماني غير مرغوب فيهم، حتى بلغ عدد المهجّرين من الكورد ما يقارب (700) ألف، مات منهم كبار السن والأطفال أثناء تنقلهم على الطريق. ويذكر شهود عيان رافقوا عملية التهجير أن ما يقارب (800) ألف كوردي قد هجروا جنوب بحيرة وان وغربها، وهي منطقة سكناهم. وتفشّت أوبئة الكوليرا والتيفوئيد بين السكان والماشية، وصار ما تبقى من الحيوانات اللبونة والحبوب المخزونة للسنة القادمة في ذمة قادة الجيش التركي ووحداته. وبهذا الصدد يشير الكاتب عبد العزيز ياملكي إلى أنه «قد مات من الكورد حتى نهاية الحرب العالمية الأولى أكثر من 700,000 كوردي من سكان تركيا».
لا دولة كوردية في كوردستان الجنوبي/العراق
حينما وقّعت بريطانيا وتركيا الهدنة في الثلاثين من تشرين الأول 1918 والجيش البريطاني على مشارف ولاية الموصل، كانت بريطانيا قد احتلت كل ما يُعرف اليوم بكوردستان العراق. وتفككت الإمبراطورية العثمانية، وانسلخت منها مصر وسورية وفلسطين وبقية البلدان العربية في شمال أفريقيا، عندما استولت البوارج البريطانية على مضيق البوسفور، واحتلت الجيوش الفرنسية إسطنبول، واحتلت الجيوش الإيطالية منطقة «بيرا» وخطوط السكك الحديدية. وأشرف ضباط من الدول الثلاث الحليفة على شؤون الشرطة والحرس الوطني، وعملوا على تسريح الجيش التركي، وهو هدف رسمته الجيوش الأوربية في كل غزو لأرض المسلمين (سنراه لاحقًا)، وأنشؤوا حكومة عميلة ترأسها توفيق باشا، أحد رجالات السلطان عبد الحميد الثاني. وعادت معها الصيحة المألوفة في الصحف الكوردية: «كوردستان للكورد» (Kurdistan for Kurds) التي نادى بها الشباب الكورد في إسطنبول عام 1909، وفي ذهنهم أن الرئيس الأمريكي ويلسون يدعو إلى حق تقرير المصير للشعوب في ما يُعرف بالبنود الأربعة عشر عام 1918، ولم يسمعوها من قبل من أي رئيس أجنبي آخر. وعاد الجيش الروسي إلى بلاده بعد أن وقّع معاهدة برست ليتوفسك مع الجيش العثماني في آذار 1918.
وعندما غادر الجيش الروسي مدينة السليمانية سلّم الروس السلطة في خريف عام 1918 إلى الشيخ محمود الحفيد البرزنجي باعتباره زعيمًا عشائريًا ودينيًا متنفذًا، وفي عقله، كما أخبره الشيوعيون الروس، أن عليه النضال والكفاح المسلح لنيل الاستقلال لكوردستان. ويظهر أن الشيخ محمود الحفيد البرزنجي أراد، خلال مباحثاته مع سلطات الاحتلال البريطاني، إثبات شخصيته حاكمًا على مدينة السليمانية، باعتبارها المقر الرسمي له ولدولته الكوردية المستقبلية عام 1918. في حين عيّنت بريطانيا الضابط الميجر إ. م. نوئيل (E. M. Noel) مستشارًا له، كما عيّنت عددًا من رؤساء العشائر الكوردية في مناطق كوردية أخرى مثل جمجمال وحلبجة، ومعهم مستشارون، لحصر مسؤوليات الشيخ محمود الحفيد في السليمانية لا في كوردستان الجنوبية. ولأجل ترويض زعماء العشائر الكوردية خصّص لهم الإنكليز رواتب ومساعدات مالية، وفرضوا عليهم مجموعة من الالتزامات، فأتاح ذلك للمستشار البريطاني القول إن بعض رؤساء العشائر الكوردية لا يعترفون بالشيخ محمود الحفيد البرزنجي حاكمًا عليهم، وهي مهمة كانت في عقل الضباط السياسيين لإضعاف سلطته حتى يقبل بنفوذ على مدينة السليمانية دون غيرها. وربما كان في عقل المستشارين البريطانيين أن يلتقوا برموز كوردية متنفذة عديدة كي لا يتمتع أحد بأغلبية تمكّنه من طرح استحقاقات في النفط في كركوك والموصل، وهما ضمن منطقة الاحتلال البريطاني. وما حدث في الحرب أن إمبراطورية مسلمة اختفت وحلّت محلها إمبراطورية بريطانية على كل دول الشرق الأوسط!
وهو ما أثبتته أحداث مؤتمر الصلح في فرساي الفرنسية عام 1919، إذ لم يحضر مع الحلفاء المنتصرين في الحرب «أجنبي» غير الأمير فيصل بن الشريف حسين، ممثلًا لوالده ملك الحجاز لا لعرب العراق وسورية وفلسطين، الأمر الذي أجبره على مغادرة فرنسا دون التوقيع على وثائق المؤتمر، وقاد فيما بعد إلى نفي والده إلى قبرص قبل وفاته عام 1931.
ويظهر من تدابير ساسة لندن لمؤتمر الصلح في فرساي عام 1919 أنهم تعمّدوا عدم دعوة أمير سعودي - وهم حلفاؤهم في جزيرة العرب ضد الأتراك - أو ممثل للكورد أو الأرمن، على الرغم من حضور الجنرال شريف باشا السليماني والأرمني بوغوص نوبار باشا إلى باريس، فبقيا خارج المؤتمر وإن حملا معهما ملفات الالتماس لتأسيس دولتين مستقلتين، واحدة للكورد وأخرى للأرمن.
أثار الوضع السياسي والأمني غير المستقر في كوردستان تركيا المهزومة في الحرب قلقَ السلطات البريطانية في إسطنبول وبغداد ومخاوفها على حد سواء. فقد كان الصراع هناك يجري بين ثلاث قوى سياسية: أنصار حكومة السلطان محمد السادس ممثلة برئيس الحكومة توفيق باشا (الموالية للإنكليز)، ورموز جمعية الاتحاد والترقي الذين عادوا من المنفى، وجلّهم من الضباط والأطباء والمهندسين، ونفوذهم في ازدياد، والكماليين أتباع الجنرال مصطفى كمال أتاتورك، الراغبين في تسلّم زمام الأمور وتخليص تركيا من الفوضى واحتمالات التقسيم. وكانت كل قوة منها تسعى إلى استمالة الكورد الذين طالبوا بتقرير المصير للشعوب التي كانت تحت الاحتلال العثماني، وهو ما عدّته فرنسا وبريطانيا طرحًا محرجًا لتوجهاتهما، جاء في غير زمانه ومكانه، بعد أن تمكّنتا من الإمبراطورية الإسلامية العثمانية، وصارتا تتنسّمان رائحة النفط عن قرب، ولا سيما الإنكليز.
وبتوجيه بريطاني أصدر رئيس الحكومة التركية فريد باشا أمرًا بتعيين أحد أعيان الكورد واليًا على ديار بكر (جنوب تركيا)، وكلّفه بمهمة أساسية هي منع الكورد من القيام بحركات عسكرية أو تحركات من شأنها الإضرار بمصالح بريطانيا. وكانت هناك هيئة وزارية من الكورد برئاسة شيخ الإسلام الكوردي إبراهيم الحيدري، وعضوية أعيان من الكورد، لمناقشة المسألة الكوردية في إسطنبول.
وتوصلت اللجنة إلى منح كوردستان الاستقلال الذاتي بشرط قبول الكورد البقاء في الجامعة العثمانية، وكان على الصدر الأعظم فريد باشا اتخاذ التدابير الفعالة لإعلان الاستقلال الذاتي للكورد. ولكن الصدر الأعظم ومستشاره الإنكليزي كانا مترددين بوضوح في قبول قرار اللجنة الوزارية، وأصبح الشعب الكوردي المحب للحرية عرضة لاحتيال مكشوف. وما أصدره شاكر باشا، وزير الحربية، من تعليمات إلى السلطات التركية في شرق الأناضول بمنع الحركات ضد الإنكليز في نيسان 1919 ليس أكثر من ترويض للشعب الكوردي لصالح المحتل، ريثما يرتب أوضاعه في إسطنبول وفي كوردستان الجنوبي (العراق). في حين وجدت عشائر البارزانيين أن بإمكانها القيام بانتفاضة مسلحة ضد المحتل الجديد، وأن الشيخ عبد السلام البارزاني، الذي قام بجهد مسلح في ولاية الموصل عام 1910 (قبل الحرب)، لا يزال حاضرًا بين أبناء الشعب الكوردي. وفي هذا يذكر م. س. لازاريف أن الشيخ محمود الحفيد البرزنجي قد أعد العدة لانتفاضة مسلحة لإقامة دولة كوردية فيدرالية عام 1913، وكانت مثل هذه الانتفاضة المسلحة بمثابة دعوة للإنكليز للنظر في القضية الكوردية بجدية، وأن المحتل القديم العثماني لا يختلف عن المحتل الجديد البريطاني في المماطلة والتسويف (سياسة الوعود) وإن اختلفا في الدين. وذلك ما أجّج المشاعر القومية الكوردية لدى بعض المثقفين والمتعلمين المتنورين، سواء أكانوا في تركيا أم في أوربا، ولدى بعض رؤساء العشائر الكوردية ورجال الدين ضمن الرقعة الجغرافية لولاية الموصل، التي ضمت السليمانية وأربيل ودهوك وكركوك وتوابعها من المدن والأرياف، من مدينة خانقين (محافظة ديالى) إلى مدينة سنجار (محافظة الموصل).
أجزاء «بريطانيا وكوردستان الجنوبي/العراق: النفط أولاً» (2 أجزاء):
- الجزء الأول (هذا الجزء)
- الجزء الثاني