الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

بريطانيا وكوردستان الجنوبي/العراق: النفط أولاً (الجزء الثاني)

من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2023

كوردستان الجنوبي للكورد

عاد إلى الواجهة شعار «كوردستان للكورد» الذي رفعه الشباب الكورد في إسطنبول عام 1909. والواقع أن حركة ربيع عام 1919 (كوردستان العراق)، وحركة الشيخ محمود الحفيد، وحركة عشيرة بارزان بقيادة الشيخ أحمد البارزاني، قد قُمعت بقسوة بالغة من جانب القوات البريطانية. وبسبب ذلك قام الشيخ محمود الحفيد (محمود البرزنجي) في أيار 1919 بحركته الثورية لطرد البريطانيين، العسكريين منهم والسياسيين، من مدينته وعاصمة دولته السليمانية، وإعلان استقلال كوردستان، باعتباره الحاكم المعيّن من البريطانيين على ولاية الموصل، «نواة الدولة الجديدة» كوردستان. وذلك ما عبّر عنه لوران شابري وآني شابري في كتابهما «سياسة وأقليات في الشرق الأدنى». وتحت قوة الحماس الذي حمله الشباب الكورد وسّع الشيخ العشائري الديني محمود الحفيد رقعة الأرض التي يقف عليها أتباعه إلى مدينة كركوك وضواحيها حتى الحدود الشرقية مع إيران. وعدّت بريطانيا ما فعله الشيخ محمود الحفيد البرزنجي خطًا أحمر، لأنه يمس منابع النفط في كركوك والموصل أولًا، ولاحتمال اتساع لهيب الثورة الكوردية إلى مناطق أخرى في كوردستان الجنوبية وكوردستان الشرقية (إيران)، بعد أن انتشر خبرها في المناطق العربية والكوردية والإيرانية، ورُفع العلم الكوردي على أسطح بنايات مدينة السليمانية والمناطق المحررة.

كان رد الفعل البريطاني، القريب والبعيد، على الثورة الكوردية التي اندلعت ضدهم، وهي الأولى في سعتها، أنهم لم يستخدموا قوتهم العسكرية وحدها لإجهاضها، بل اعتمدوا على المناورة السياسية وفق أسلوب «فرّق تسد». وتمكنوا من التأثير على بعض خصوم الشيخ محمود البرزنجي من رجال العشائر الكوردية وشيوخها الذين يهمهم كشف الوجوه للاستئثار بالسلطة في مناطقهم، وإشعار الضابط السياسي البريطاني بأن كل واحد منهم مؤهل لأن يكون حاكمًا على مدينته دون الإذعان للشيخ محمود الحفيد. وقاد ذلك في المحصلة، وخلال مدة وجيزة، إلى الإجهاز على هذه الدولة الكوردية الفتية. وهو درس ينبغي لرؤساء العشائر الكوردية أن يفهموه، وأن الأيام القادمة من الثورات التحررية ستجلب لهم مزيدًا من سفك الدماء بلا فائدة.

إن جرح الشيخ الكبير محمود الحفيد وأسره في مضيق بازيان، الذي يقع في منتصف الطريق بين كركوك والسليمانية، في حزيران 1919، وإرساله منفيًا إلى الهند، قد سهّل على القوات البريطانية إحباط الأثر الذي تركته الثورة في مدن عقرة والعمادية وراوندوز وبهدينان، واختفى بعض رموز الثورة الكوردية عن أعين المتعاونين مع المحتل البريطاني. وقد يكون أثر الثورة الكوردية في كوردستان العراق هو ما حفّز أبناء الفرات الأوسط (جنوب العراق) ليقولوا كلمتهم في ثورة شعبية لهم في حزيران من العام التالي 1920، وقد كلّفت الإدارة البريطانية ثمنًا، لا بالجنود الذين قُتلوا فحسب، بل أيضًا في إيجاد حل سياسي لحكم العراق. وقد يكون قد اختمر في عقولهم أن إدارة العراق محليًا ممكنة، لكن بوجوه عربية، وربما كوردية، وبقلم إنكليزي. الأمر الذي دفع الرائد البريطاني الميجر نوئيل إلى إصدار بيان إلى جميع الكورد لتهدئة الثوار، أكد فيه أن مستقبل البلاد التي تُعرف باسم أرمينية أو كوردستان من القضايا التي يجب البت فيها في مؤتمر الصلح عام 1919. ونقول له إن قضية الأرمن لا علاقة لها بدولة كوردستان، وإن الكورد، الذين تجاوز عددهم نصف مليون كوردي عام 1919، لا وجه لمقارنتهم بالأرمن الذين تعاونوا مع روسيا القيصرية ولم يقوموا بثورة مسلحة معلومة ضد المحتل العثماني، إلا ما كان في عقل الضابط السياسي الميجر نوئيل من كونهم مسيحيين تعرضوا لمذابح العثمانيين بين عامي 1894 و1896 في أرمينيا الغربية.

ويقول البريطاني الميجر نوئيل في بيانه إن للأمم الحق في تعيين نوع الحكم الذي ترتضيه، وإن مصالح الكورد لن يُغضّ النظر عنها في مؤتمر الصلح. وحقيقة مثل هذا الكلام أن أحدًا من المعارضين للحكم العثماني لم يحضر مؤتمر المنتصرين في الحرب، وأن دعوة الملك الشريف حسين بن علي (ملك الحجاز) إلى مؤتمر فرساي في فرنسا، وحضور ولده الأمير فيصل، قد وُضعا تحت بند المشاركين في الحرب لا المنتصرين، وهو ما أغاظه، لأن الجيش العربي الذي قاتل العثمانيين وطردهم من جزيرة العرب كان تحت قيادته لا تحت قيادة بريطانية. ويقول البريطاني الميجر نوئيل، بالنسبة لمذابح الأرمن التي جرت بأمر من الحكومة التركية، إن المدنية تقضي بأن يُعاقب الموظفون المسؤولون عن إصدار مثل هذا الأمر بشدة، وسيُعامل بالمعاملة نفسها الأرمنُ المسؤولون عن ذبح المسلمين. وهذه مواربة أخرى دأب عليها ساسة الغرب بعد الحرب العالمية الأولى، ليبدوا متوازنين في طروحاتهم، وهو يشير إلى معاقبة الأرمن الذين سببوا جرحًا للمسلمين. وواقعهم عبر الزمن أنهم صاروا على خبرة ودراية بالملك أو الرئيس العربي حتى يصدّقهم القول. ومن ذلك ما حدث بعد غزو العراق للكويت في الثاني من آب 1990، حين وصل وزير الدفاع الأمريكي ديك تشيني ومعه الجنرال شوارزكوف إلى الرياض في السادس من آب لمقابلة الملك السعودي فهد بن عبد العزيز، لإقناعه بقبول قوات أمريكية وحليفة على أرض المملكة لإخراج الجيش العراقي من الكويت. ويومها وجّه ديك تشيني نظره إلى الجنرال المرافق له - وكان المترجم هو السفير السعودي في واشنطن الأمير بندر بن سلطان - ليقول له: وماذا تقول يا جنرال؟ فردّ الجنرال: «يا جلالة الملك، إن لصدام اثنتين وعشرين قاصفة ثقيلة موضوعة في إحدى القواعد الجوية العراقية، ولا أعرف إن كانت لديه نية لاستخدامها ضد دولتكم أو دول مجلس التعاون الخليجي!». وتقول رسالة الضابط السياسي البريطاني الميجر نوئيل: «ولا تنوي الحكومة البريطانية، بقدر تعلق الأمر بها، أن تتبع سياسة انتقامية نحو الكورد عن الأعمال التي ارتُكبت في أثناء الحرب، وهي على استعداد لمنحهم العفو العام». ولكن الميجر نوئيل لم يشر إلى نفي رجل الدين وقائد الثورة الشيخ محمود الحفيد إلى الهند، بعد أن شعر الشيخ بأن المستشارين الإنكليز المحيطين به يريدونه حاكمًا على ولاية الموصل بلا صلاحيات، يقول «نعم» لكل ما يطلبونه، وهم ينسقون من خلف ظهره مع آخرين من رجال الكورد الإقطاعيين والأغوات، ومع من تخرّج من الكورد في معاهد أوربا وجامعاتها، ليكونوا معهم، وهم موضع ثقتهم دون المحليين منهم. ولعل من سخرية القدر، التي زادت من ضحك الكورد العارفين بالسياسة البريطانية، قولهم إن الحكومة البريطانية سوف تقتص بشدة من كل عمل غير عادل وكل اتهام مغلوط يؤدي إلى العداوة ويشجع الاضطراب، وهم أسياد الفتنة والعداوة بين الكورد والعرب، وبين المسلمين والأقليات الأخرى، لإضعاف الخصوم قبل أن يتوحدوا في دولة مستقلة.

وهو ما كان يحمله القيادي الكوردي البارز السيد طه بن السيد صديق بن عبيد الله الشمديناني في بغداد، في حديث مطوّل مع الساسة البريطانيين لإقامة حكم ذاتي للكورد لا دولة مستقلة، وأن الكورد يقبلون به تحت حكم بريطانيا. وقد فشل في ذلك، كما تقول المس بيل، السكرتيرة الشرقية للمندوب السامي البريطاني في بغداد برسي كوكس. وكان ما حصل عليه السيد طه من وعود أن يُعلن عفو عام في كوردستان، وألّا مجال لتنصيب رئيس واحد فيها، وأن عودة المسيحيين (الأرمن) إلى أوطانهم مشروطة بتعهد بريطاني لا كوردي، وأن حكومة صاحبة الجلالة مستعدة لتقديم المساعدة المالية للكورد كما تقدمها لحكومة بغداد.

دولة كوردية غامضة!

ولوضع الرسالة البريطانية تجاه الكورد في مكانها الصحيح، فإن ما أخفاه ساسة بريطانيا أنهم وضعوا القضية الكوردية في ميزان واحد مع القضية الأرمنية؛ فأي حديث سياسي بريطاني عن دولة مستقلة للكورد كان يقابله حديث عن ضرورة تأسيس دولة أرمنية في شرق الأناضول، على الرغم من قلة أعداد الأرمن بعد المذابح التي لحقت بهم سابقًا. واستمر تعاملهم بشكل واضح مع أولئك الأعيان الكورد الذين تلقوا تعليمهم في أوربا لانتخاب أمير كوردي من بين صفوفهم. وكان ذلك ما يؤخذ على الكوردي شريف باشا، الذي عمل بدافع المصالح الشخصية، فقدّم نفسه باعتباره من شغل منصب سفير تركيا في السويد سابقًا، وذهب إلى باريس خلال مؤتمر فرساي عام 1919 ليقول إنه مستعد لتأسيس دولة كوردية مرتبطة ببريطانيا، وقال أيضًا: «أقوم بمهمة تأسيس كوردستان، شريطة أن أُكلَّف بذلك رسميًا وأن أُمنح الثقة التامة». وكان رد وزير شؤون الهند على نائب الملك البريطاني أنه ليس الرجل المناسب للقيام بهذا الدور بسبب كبر سنه وإقامته الطويلة في باريس، وأن خدماته للحلفاء أثناء الحرب لم تكن كبيرة، وأن له نفوذًا في الموصل فقط. وهو بذلك لم يرتقِ إلى منزلة السيد طه بن السيد عبيد الله صديق الشمديناني الذي لم يتكلم عن نفسه نيابة عن الشعب الكوردي، لكنه سرعان ما انتقل إلى جانب الاتحاديين (الاتحاد والترقي) خصوم بريطانيا. كما أثار الكماليون (جماعة مصطفى كمال أتاتورك) تواطؤ لويد جورج، رئيس وزراء بريطانيا، مع اليونان لاحتلال إزمير التركية عام 1919، وفسّروه بأن لا دولة كوردية على أراضي كوردستان الجنوبية، وأن تقسيم تركيا ممكن لتكون هناك دولة كوردية وأخرى أرمنية بترتيبات يفرضها المنتصرون في الحرب. وكان رأي المندوب السامي البريطاني في إسطنبول تأييد الزعماء الكورد الراغبين في قبول الحماية البريطانية، شريطة أن يسلكوا سلوكًا متزنًا بعيدًا عن المطالب القومية، وألّا يلاحقوا المسيحيين. ولم يكن هذا الموقف الذي عملت عليه بريطانيا الإمبراطورية إلا «فتنة» لكل الأطراف، لتأخذ منه النتيجة التي تريدها لاحقًا، حتى ولندن تناقش احتمال قيام الدولة الكوردية، وهي غامضة، وتدعو أصدقاءها: عبد القادر ابن الشيخ عبيد الله النهري، ورموز عشيرة البدرخانيين، وزعيم عشيرة الملّي محمود بك ابن إبراهيم باشا الملّي الذي كان معروفًا حين أودعه الأتراك السجن أثناء الحرب، للتباحث حول إمكانية خلق دولة كوردية هي في عقل ساسة بريطانيا وهمية. وربما كان ما يطرحه أي زعيم كوردي حول إنشاء جيش كوردي للدفاع عن الدولة الكوردية هو ما يزعج ساسة لندن تحديدًا، لأنهم يسيرون دومًا على منهج الشك وعدم الثقة، خشية أن يتحول هذا الجيش يومًا ضد الوجود البريطاني، وقد يستولي على منابع النفط في كركوك والموصل. وبذلك بقي الكورد يتذكرون كلمات الشاعر الكوردي أحمد خاني (في القرن السابع عشر)، والدم الكوردي يُراق في خدمة قضايا قومية أجنبية: «هؤلاء الكورد الذين بالسيف فازوا بالمجد… كيف جرى أنهم كانوا محرومين من دار الدنيا وخاضعين للآخرين؟ إن الأتراك والفرس محاطون بأسوار من الكورد. في كل مرة يعبّئ فيها العرب والأتراك والفرس الجيوش من الكورد… إن الكورد هم الذين يغرقون بدمائهم. وإذ هم دائمًا متفرقون، دائمًا على خلاف، فإنهم لا يذعنون لسلطان واحد منهم. فلو أننا توحدنا، إذن لأصبح هذا التركي وهذا العربي وهذا الفارسي خادمين لنا». إن الخلاف والتشتت والخصومات القبلية ونزع النزعة القومية الذي يقوم به الإسلام قد عرفته شعوب أخرى، واستفاد منه الأتراك والعرب بصورة أفضل لأغراضهم القومية. وكلها عوامل ساهمت في جعل الكورد أمة بلا دولة.

ووفق الخبرة السياسية الإنكليزية في التعامل مع الأحداث الحاسمة، وبريطانيا هي المنتصرة في الحرب، فإن إنشاء دولة كوردية ممكن على تراب الدولة التركية المهزومة، وفي حسابها ألّا تكون لندن وحدها صاحبة القرار، وأن لندن لن تكون مسؤولة عن الدولة إن فشلت. وذلك ما اتفقت عليه مع الحليفتين إيطاليا وفرنسا لإقرار معاهدة سيفر في آب 1920، وفيها إنشاء دولة للكورد في المناطق التي يسود فيها العنصر الكوردي، وهي المناطق الواقعة شرقي نهر الفرات إلى الحدود الجنوبية لأرمينيا - التي سُوّيت مشاكلها مع الكورد عام 1919 - وإلى حدود تركيا الشمالية مع سورية وما بين النهرين. وكان الأهم في المعاهدة، وفق المادة (64)، أن السلطان العثماني محمد السادس لا يحق له الاعتراض عليها لأن غالبية السكان الكورد يريدون ذلك، وهي سارية لمدة سنة.

إن الحماس الذي أبداه لويد جورج، رئيس وزراء بريطانيا، لحصول اليونان على منطقة إزمير التركية قد ردّه بعض المفكرين إلى خليط من العواطف الميالة إلى المسيحية والهيلينية (ديانة اليونانيين) المناوئة للأتراك. كما أن موقع اليونان الجغرافي يؤهلها لأن تكون معقلًا استراتيجيًا في شرق البحر الأبيض المتوسط. في حين رأى اليونانيون أن نسبة كبيرة منهم موجودة فيها، وأن روابط تاريخية تربط بين ضفتي بحر إيجه، علاوة على العلاقات الاقتصادية بينهما. ولم يغفل لويد جورج عن وضع الأرمن في تركيا، فاقترح وضعهم تحت إشراف الولايات المتحدة الأمريكية وإدارتها، إرضاءً للرئيس الأمريكي ويلسون الذي طالب بأن تكون الأقسام التركية من الإمبراطورية العثمانية مضمونة السيادة، مع حرية الملاحة لجميع الأمم في مضائق الدردنيل التركية.

وفي هذه السنة (1920) كان الساسة البريطانيون على إدراك ومعرفة تفصيلية بشخصيات القادة الأتراك، ومنهم مصطفى كمال أتاتورك، والي أرضروم، والشخصية العسكرية التي يلتف حولها الأتراك في ساعة المحنة للخروج من الهزيمة المخجلة للأمة التركية. وقد دفعته الأحداث المريبة إلى استدعاء القادة الأتراك الأربعة، وخاطبهم بلغة تركية صارمة توحي بأن على الأمة التركية أن تنهض وتتخلص من تآمر الحلفاء عليها بالثورة الشعبية. وكان الكورد هم مصدر الثورة التركية، ليؤججوها مع أبناء الشعب التركي ذودًا عن قدسية استقلال الدولة، وذلك بوعود قطعها مصطفى كمال أتاتورك بإعطائهم الحكم الذاتي في مناطقهم الكوردية شرق الأناضول.

انطلقت الحركة الكمالية من الأناضول بعد تشكيل المجلس الوطني الكبير، وشكّل الجنرال مصطفى كمال حكومة وطنية في أنقرة، في حين عمد السلطان محمد السادس إلى القضاء عليها حين أصدر أمر القبض على قائد الحركة مصطفى كمال أتاتورك، ولم يوفّق في ذلك بسبب تأييد الشعبين التركي والكوردي له. ثم كان نكرانه لحقوق الكورد، بل عدّ الكماليون معاهدة سيفر غير شرعية. وساعد في ذلك أن الاتحاد السوفيتي لم يكن مشاركًا فيها، فسارعت تركيا الكمالية إلى توقيع اتفاقية مع موسكو في آذار 1921 تنازل فيها السوفييت عن قارص وأردهان، وأقرّوا بسيادة تركيا على المضائق مقابل حرية الملاحة فيها. وكان رد أتاتورك أن أعلن اعترافه بالنظام الشيوعي، لتبدو هذه الخطوة مثيرة للجدل حول وجود تنسيق بينهما، وليُرى في عواصم الدول المنتصرة، بريطانيا وفرنسا وإيطاليا ومعها اليونان، وجود حليف شيوعي لأنقرة في محنتها أمام احتمال ظهور دولتين كوردية وأرمنية على ترابها. الأمر الذي جعل فرنسا - وهي بلا غنائم - تذهب إلى مفاوضات مع حكومة مصطفى كمال أتاتورك تنازلت بموجبها عن منطقة كيليكيا عام 1921، وسبقتها إيطاليا في التنازل عن مقاطعة أنطاليا في حزيران 1921. أما اليونان فقد بادرت بالهجوم على قوات الجنرال مصطفى كمال أتاتورك بتأييد بريطاني، واستقرت القطعات اليونانية على بعد مئة كيلومتر من أنقرة دون إسناد أو إمدادات بريطانية، ولا معونة من دول الحلفاء (فرنسا وإيطاليا)، وفي تفكيرهم الخشية من الحرب، إذ سيكون السوفييت هذه المرة إلى جانب تركيا. وهو ما وفّر لقوات الجنرال مصطفى كمال أتاتورك الفرصة الكافية لدحر القوات اليونانية وإخلاء مدينة أدرنة، بجهود الكورد ومعاونتهم له، بعد مقتل عشرات الألوف منهم، ثم توقيع اتفاقية الهدنة بينهما في تشرين الأول 1922. فكان أول عمل أقدمت عليه حكومة أتاتورك خلع السلطان محمد السادس في تشرين الثاني 1922، وفصل الخلافة عن السلطنة، ومبايعة الأمير عبد المجيد خليفة للمسلمين، واقتصر دوره على الشؤون الدينية. وربما هو ما كانت تخطط له لندن، وقد جاء وفق حساباتها وحماسها لليونان، وهي تعرف وجود أربعة جيوش عثمانية لم تسلّم سلاحها ولم تستسلم للحلفاء. أما الحديث عن دولة كوردية فكان الغموض يلفّه، وشرطه أن تنجح اليونان في الحرب لتقسيم تركيا!

ووقّع الحلفاء، بريطانيا وفرنسا وإيطاليا ومعهم الاتحاد السوفيتي، معاهدة لوزان - بعد ثلاث سنوات - في 24 تموز 1923، فألغت كل الحديث عن معاهدة سيفر عام 1920 وتداعياتها، واستعادت تركيا كامل سيادتها على أراضيها (الآستانة والأناضول) مقابل إعطاء حرية الملاحة في المضائق، مع حقٍّ أيّده السوفييت، هو الإقرار لتركيا بحقها في إغلاق المضائق بوجه أعدائها شرط أن تكون معهم في حرب معلنة. ولكن بعد (23) عامًا، أي في عام 1946، وجدت بريطانيا والولايات المتحدة وفرنسا حاجة إلى تقوية تركيا واليونان عسكريًا لمنع انتشار الشيوعية إلى مناطق النفط في الخليج. وبعدها أصبحت تركيا، دون اليونان، عضوًا في حلف بغداد عام 1955، وهو حلف موجه بالدرجة الأساس لكبح الثورات الكوردية ومكافحة الشيوعية.

لقد تطورت العلاقات البريطانية - التركية حول المسألة الكوردية حتى معاهدة لوزان وبعدها. وتمسك الكماليون بموقفهم الذي مثّله عصمت باشا إينونو (كوردي الأصل)، وزير الخارجية التركي، القائل بعدم وجود فارق جوهري بين الترك والكورد، وبأن تقوم سيادة الدولة التركية على أراضي تراقيا الشرقية وآسيا الصغرى وشرق الأناضول، حيث يؤلف الكورد أكثرية سكانها.

ومع خلاف لندن وأنقرة حول أحقية كلٍّ منهما في ولاية الموصل (كوردستان الجنوبي) منذ عقد الهدنة بينهما في تشرين الأول 1918، فإن القوة العسكرية التركية التي طردت الغزاة اليونانيين من أراضيها جعلت تركيا تفاوض الإنكليز من مركز قوة حول القضية الكوردية، بل عبّر اللورد كيرزون، وزير الخارجية البريطاني، عن رضاه بأن يتولى الأتراك مناقشة المسألة الكوردية. في حين تحدث هوراس رمبولد، السفير البريطاني والمندوب السامي في إسطنبول، مع التركي حميد بك، نائب رئيس الصليب الأحمر، عن إمكانية تغيير الحدود لصالح تركيا في المناطق الكوردية الواقعة إلى الشرق من نهر الفرات، ولم يرد في حديثهما أي ذكر لاستقلال الكورد أو الحكم الذاتي في الدبلوماسية البريطانية بعد مؤتمر لوزان عام 1923.

وفي هذا الصدد يرى الكاتب ستيفن لونكريك أن مؤتمر القاهرة عام 1921، الذي حضره وزير المستعمرات البريطاني ونستون تشرشل، لم يتوصل إلى قرار حول القضية الكوردية. وهناك أصابع اتهام تشير إلى رموز عراقية خدمت الدولة العثمانية في وقت سابق، ثم قاتلتها ضمن قوة الجيش العربي على أرض جزيرة العرب عام 1916، ولا يروق لها إنشاء دولة كوردية على أرض ولاية الموصل، وترى أن لا مبرر للانفصال، فالطرفان العربي والكوردي عاشا معًا في تعاون ومحبة وتزاوج، وهم جزء لا يتجزأ من شعب العراق الذي يضم العرب والكورد والتركمان والمسيحيين والصابئة والآثوريين. وكأن بريطانيا تفكر بما يفكر به العراقيون، فلم توافق على إقامة الدولة الكوردية أو الحكم الذاتي لكوردستان الجنوبية.

وقد تيقنت بريطانيا من أن رموز النخبة العراقية مستعدة لخدمة مصالحها في الولايات الثلاث: البصرة وبغداد والموصل (كوردستان الجنوبي). وقد يكون للآراء التي قُدّمت إلى برسي كوكس والمس بيل نصيب في أن يكون هؤلاء نواة الحكومة الجديدة التي يقودها ملك العراق فيصل بن الشريف حسين، الذي نُصّب رسميًا على عرش العراق عام 1921.

كانت بريطانيا طامعة في أرض العراق لتأمين مجموعة من الأهداف والمصالح الحيوية، فوضعت تلك المصالح في كفة، ونفط الموصل وكركوك في الكفة الأخرى. واشترطت على الحكومة العراقية والملك فيصل الأول تلبية مطالبها في عقد المعاهدات والاتفاقيات، وإلا لجأت لندن إلى حلول أخرى، منها دمج ولاية الموصل بتركيا أو سورية، وهو حل لا يسرّ العراقيين وهم في أمسّ الحاجة إلى العملة الصعبة لبناء بنى تحتية تطوّر اقتصاد الدولة الفتية. ولم تفكر بريطانيا في طرح فكرة قيام دولة كوردية في المنطقة حلًّا من الحلول في حال ظهور معارضة عراقية للانتداب البريطاني على العراق. وبغض النظر عن إرادة الشعب الكوردي في كوردستان الجنوبية، التي أهملها البريطانيون في معاهدة لوزان عام 1923، فقد تركزت المطالب البريطانية في العراق على توقيع معاهدة عراقية - بريطانية طويلة الأمد عام 1923 تضمن لها وجودًا سياسيًا وعسكريًا في العراق بحكم أنها الدولة الحامية.

وبموجب الحماية كان لبريطانيا الحق في التنقيب عن النفط والمواد الأولية واحتكار ذلك دون أي دولة أخرى، وهو ما فعلته مع محمية الكويت منذ عام 1899. ولتفادي الخلافات المستقبلية كانت الحاجة ملحّة إلى وضع دستور للبلاد يقرّ تلك العلاقة بين الدولتين العراقية والبريطانية، وينظم الاتفاقيات الاقتصادية والعسكرية والمالية والعدلية. والواقع أن الاتفاقيات مع العراق قد سمحت لبريطانيا بأن تناقشها مع شيوخ منطقة الخليج النفطي وإيران، وهذه الأخيرة على مقربة من حدود الاتحاد السوفيتي، لمنع الأفكار الشيوعية من الانتشار في منطقة الشرق الأوسط، وهي ضمانة لأمن مستعمرتها الهند التي تستهلك معظم المنتوج الإنكليزي، بما فيه القطن المنتج في ولاية الموصل والتبغ الذي وجد له رواجًا في بريطانيا لصناعته وتصديره إلى الخارج.

كانت بريطانيا صاحبة صوت قوي في عصبة الأمم - وهي دولة منتصرة في الحرب - لتمرير مشاريعها في الشرق الأوسط. ومن ذلك أنها استطاعت أن تشتري سكوت الدولة الصاعدة عسكريًا واقتصاديًا، الولايات المتحدة الأمريكية، على ما تقوم به في العراق. والولايات المتحدة شريك في الحرب وإن كان دخولها متأخرًا عام 1917، فقبلت السكوت وتراجعت عن مبادئ الرئيس الأمريكي ويلسون الأربعة عشر، ومنها المادة الثانية عشرة الخاصة بتقرير مصير الشعوب، مقابل إعطائها نسبة من نفط ولاية الموصل، ومثلها لفرنسا، للتأثير على سياستهما في أوربا والشرق الأوسط عام 1926، في حين احتفظت بريطانيا لنفسها بحصة الأسد عبر شركة شل وشركة النفط الفارسية. وبدا لكل متتبع للسياسة البريطانية بعد الحرب العالمية الأولى أنها أشبه ببيع وشراء، بل هي حقيقةً بيع وشراء لولاية الموصل وسورية اللتين كانتا من حصة فرنسا وفق اتفاقية سايكس - بيكو. ووفق اتفاق بريطاني مع ملك الحجاز الشريف حسين بن علي كان الأمير فيصل سيكون ملكًا على سورية، فكانت المفاجأة بعد مؤتمر فرساي في فرنسا عام 1919 طرد الأمير فيصل من سورية، وصيرورة ولاية الموصل من حصة بريطانيا! ومن طريف الملاحظة أن بريطانيا، التي كانت تتاجر بالقضية الكوردية وبالدولة الكوردية المستقلة، هي من أعطت الأرمني كولبنكيان حصة من نفط ولاية الموصل، وحرمت الكورد، أو أي كوردي، من هذه الحصة، حتى وإن دوّنت في تاريخها أن الكوردي (السفير) شريف باشا هو أحد أصدقائها المخلصين!


أجزاء «بريطانيا وكوردستان الجنوبي/العراق: النفط أولاً» (2 أجزاء):

  1. الجزء الأول
  2. الجزء الثاني (هذا الجزء)

→ الجزء الأول