الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي
بيان ونستون تشرشل في مجلس العموم البريطاني بخصوص مؤتمر القاهرة 1921 (الجزء الأول)
من محاضرات «مؤتمر القاهرة 1921 والقضية الكوردية» – 2014
حان وقت تنفيذ الفقرة الثانية من المنهاج الذي وُضع في مؤتمر القاهرة في آذار 1921 لترويج الدعوة للأمير فيصل، فوقف مستر ونستون تشرشل في مجلس العموم البريطاني في 14 حزيران 1921م، وألقى خطاباً عمّا جرى في مؤتمر القاهرة وما تقرر فيه، ثم تناول القضية العراقية بالتفصيل فقال:
«ولعلكم تذكرون أنه نُشر في العراق في حزيران سنة 1920 (1) بلاغ جاء فيه أن السير برسي كوكس عائد في الخريف، وقد عُهد إليه إنشاء حكومة عراقية محضة، وقد أنجز الشيء الكثير من ذلك، فأنشأ حكومة احتياطية مؤقتة يرأسها سماحة نقيب أشراف بغداد السيد عبد الرحمن النقيب، وأنا أعترف بما قام به سماحته من الخدمات الجليلة والإخلاص في المعاونة مع السياسة البريطانية في العراق الجديد. وفي النية الاستعاضة عن هذه الحكومة المؤقتة بإدارة وموافقة أساسها الجمعية العمومية (البرلمان) المنتخبة، وذلك في البضعة الأشهر المقبلة، وإجلاس حاكم عربي تقبله البلاد (العراق)، وإنشاء جيش عراقي لأجل الدفاع الوطني. وليس في النية إكراه الشعب على قبول حاكم مخصوص، وستُطلق الحرية التامة في البحث والإفصاح عن الرأي، سواء كان ذلك في أمر انتخاب الحاكم أو انتخاب الجمعية العمومية (البرلمان). ولما كانت الدولة المنتدبة (بريطانيا) قد تكبدت نفقات باهظة، فلا يمكنها والحالة هذه أن تتغاضى عن مسألة حيوية هذا شأنها، فطبيعة الحال تقضي بأن تكون رغبتنا انتخاب أفضل المرشحين، ونحن واثقون بأن العراقيين يتخذون الحكمة رائداً لهم في انتخاب من يريدون، وهم أحرار فيه، وذلك بإرشاد السر برسي كوكس الذي نثق به كل الثقة…». إلى أن يقول:
«وقد بلّغت حكومة صاحب الجلالة البريطانية الأمير فيصل أنها لا تعارض في ترشيحه، وأنه إذا تم انتخابه فالحكومة البريطانية تؤيده، وهو الآن في طريقه إلى البصرة. ولا شك في أنه إذا انتُخب الأمير فيصل نكون قد توصلنا إلى حل فيه خير مستقبل سعيد ناجح». اهـ (2).
هذا هو خطاب ونستون تشرشل، وزير المستعمرات البريطاني، في مجلس العموم البريطاني، والتناقض فيه ظاهر لا يحتاج إلى برهان؛ إذ بينما هو يقول: «وليس في النية إكراه الشعب على قبول حاكم مخصوص»، يعود فيقول: «وقد بلّغت حكومة صاحب الجلالة البريطانية الأمير فيصل أنها لا تعارض في ترشيحه… وأنه إذا انتُخب الأمير فيصل نكون قد توصلنا إلى حل فيه خير مستقبل سعيد ناجح».
وقد سبق أن ذكر المعتمد السامي البريطاني برسي كوكس في بيانه الصادر في 10 تشرين الثاني سنة 1920 أن أعمال هيئة الوزارة في الحكومة العراقية المؤقتة ستجري بنظارته وإرشاده، فمن يستطيع أن يخالف أمر المعتمد السامي في انتخاب مرشح الحكومة البريطانية لعرش العراق؟
سفر الأمير فيصل إلى العراق
أبرقت الحكومة البريطانية إلى الحجاز في الأسبوع الأول من شهر حزيران 1921 طالبةً سفر الأمير فيصل إلى العراق (3)، بناءً على الفراغ من التمهيدات التي أُعدّت لترويج الدعوة، فاستقل الأمير فيصل الباخرة البريطانية «نورث بروك» من جدة في 12 حزيران 1921، وتحرك نحو البصرة ﴿بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا﴾ بعد أن وثق بأن ترشيحه لعرش العراق الجديد أصبح حقيقة واقعة (4). فحان زمن تنفيذ ما جاء في الفقرة الثالثة من منهاج مؤتمر القاهرة، فأبرق الملك الشريف حسين بن علي إلى نقيب أشراف بغداد عبد الرحمن النقيب هذه البرقية:
بغداد: فرع الدوحة النبوية، فضيلة السيد الأجل حضرة النقيب (عبد الرحمن النقيب).
ضروري بلغكم توجه ابني الأمير فيصل إلى طرفكم بناءً على طلبات الأهالي المتعددة (5) لامتزاج عائلتنا بكم، فلا أحتاج أن أبحث عمّا يجب لسعيكم جميعاً فيما يستلزم راحة البلاد، ومضاعفة الرغبة، وتأمين مستقبل الكل. هذا ما أنتظره من همم نجابتكم والحسية الدينية والقومية. والله يتولانا وإياكم بالتوفيق.
برقية عبد الرحمن النقيب (رئيس وزراء العراق) إلى ملك الحجاز (الشريف حسين بن علي)
وكان نقيب بغداد عبد الرحمن النقيب قد انتبه إلى الضربة التي وجهها المندوب السامي إلى وزير داخليته طالب النقيب، وإلى سعيه إلى إسكات جميع وجهات النظر المخالفة لما استقرت عليه السياسة البريطانية، فردّ على برقية الشريف حسين بما يلي:
لحضرة صاحب الشوكة والعظمة جلالة الملك الشريف حسين سلطان الحجاز، أيّد الله شوكته – مكة:
لقد أخذت بيد التكريم والإجلال برقية جلالتكم المشعرة بتوجيه سمو الأمير فيصل، ذي القدر الخطير، حفظه الله، إلى العراق. وقد ابتهجنا سروراً من هذه البشارة، ودعونا له بالسلامة، وصرنا ننتظر قدومه ساعة فساعة شوقاً للقيادة (6). فبمنّه تعالى عند قدوم سموه نبادر إلى القيام بأداء الواجب علينا من خدمته، حيث إن اتحاد النسب والحسب القديمين يقضيان بذلك على الداعي. أما الأمر السامي الملوكي لهذا الداعي بالسعي جميعاً فيما يستلزم راحة البلاد، فهو واجب الامتثال على كل حال لاقتضاء الحس الوطني، ونسأل الله التوفيق.
عن بغداد 19 حزيران 1921. التوقيع: نقيب أشراف بغداد عبد الرحمن النقيب.
وكان مع الأمير فيصل على الباخرة «نورث بروك» مستر كورنواليس، الذي عُيّن بعد تتويج الأمير فيصل مستشاراً خاصاً لجلالته، ثم أُسندت إليه «مستشارية وزارة الداخلية» فبقي يشغلها إلى عام 1935 (7). كما كان مع سموه سكرتيره الخاص رستم حيدر، وثلاثة مرافقين، وبعض الزعماء العراقيين الهاربين، وهم السادة: محمد الصدر، ويوسف السويدي، وعلوان الياسري، ومحسن أبو طبيخ، وغيرهم. فلما قاربت الباخرة المذكورة المياه العراقية أبرق سموه إلى عبد الرحمن النقيب في بغداد هذه البرقية في 22 حزيران 1921:
بغداد: فخامة رئيس الوزراء حضرة عبد الرحمن النقيب. بمزيد السرور أخبر فخامتكم بأني واصل البصرة صباح الجمعة القادمة، شاكراً للمولى عز وجل الذي أسعدني بقرب لقائكم، ومشاهدة البلاد التي هي محط مفاخر الأجداد، واثقاً بازدياد عواطفكم الودية أنتم وزملاؤكم وكافة الشعب العراقي الكريم.
(فيصل)
فأسرع عبد الرحمن النقيب إلى إرسال الجواب البرقي التالي:
الباخرة الحربية البريطانية نورث بروك.
ضياء مصباح بيت النبوة، والكوكب الدري في سماء الشرف، سمو الأمير فيصل حفظه الله تعالى.
لقد أخذت بيد الاحترام برقية سموكم الدالة على عواطفكم الهاشمية نحو هذا الداعي، والمبشرة بقدوم سموكم البصرة يوم الجمعة، فامتلأ القلب سروراً. فنشكركم شكراً وفيراً، داعين لسموكم بسرعة الوصول بالسلامة، مرحبين بقدومكم الميمون، نحن والوزراء والشعب.
رئيس الوزراء: عبد الرحمن النقيب (8)
لم يقتصر الترحاب الذي تقرر إجراؤه للأمير فيصل على البرقيات التي أثبتنا نصوصها أعلاه، بل إن مجلس الوزراء العراقي قرر «تعيين لجنة مؤلفة من حضرات أصحاب المعالي جعفر باشا العسكري، وعبد الغني جلبي آل كبة، وفخر الدين أفندي آل جميل، وعبد الجبار باشا خياط، وعبد المجيد بك الشاوي، وعبد الرحمن باشا الحيدري، لاختيار محل يليق بسمو الأمير، ووضع منهاج لاستقبال سموه، وأن تتعهد وزارة المالية بصرف المبالغ اللازمة في هذا السبيل». ثم ندب خمسة من أعضائه للسفر إلى البصرة واستقبال الأمير فيصل رسمياً، كما أن أمانة العاصمة ألّفت، بالاشتراك مع السلطات البريطانية، وفداً قوامه ستون شخصاً للاشتراك في هذا الاستقبال.
وفي اليوم السابع عشر من شهر شوال سنة 1339 للهجرة، أي الثالث والعشرين من شهر حزيران سنة 1921 للميلاد، رست الباخرة «نورث بروك» في ميناء البصرة، فاستُقبل الأمير الهاشمي فيصل استقبالاً حاراً، وأدبَ له متصرف لواء البصرة (محافظ البصرة) أحمد الصانع مأدبة فخمة في اليوم التالي، حضرها لفيف من الوجوه والأشراف والسراة، من عراقيين وبريطانيين. وخطب فيها صاحب السمو الأمير الهاشمي خطبة حماسية حثّ فيها السامعين على الاتحاد والتضامن، وعلى رفع الضغائن والأحقاد، وعلى دفن الماضي لاستقبال عصر جديد ومستقبل عتيد (9).
ثم تابع سفره إلى بغداد، فكانت الاستقبالات التي تجري لسموه في المدن والقصبات التي يمر بها تختلف باختلاف عقليات الحكام السياسيين البريطانيين ونوابهم من البريطانيين والهنود، بل والعرب؛ فكنت ترى البعض يبالغ في مظاهر الإجلال والتكريم، والبعض الآخر يتعمد الحط من قيمة هذا الحدث أو الزهد فيه. وقد نزل سمو الأمير في الحلة، فعرّج على الكوفة والنجف وكربلاء لزيارة أجداده الراقدين في تربتها، وللتعرف على رجال الدين وحماة الشريعة ورؤوس القبائل وغيرهم، فلقي كل ترحاب وتأييد.
ولما وصل إلى بغداد في 23 شوال 1339هـ (29 حزيران 1921م) استُقبل استقبالاً منقطع النظير، وأخذت الولائم والحفلات التكريمية تُقام لسموه من قبل الطوائف المختلفة والنحل المتباينة، فتُلقى الخطب فيها وتُنشد القصائد، ويرد الأمير فيصل على كل ذلك ردوداً تختلف باختلاف الزمان والمكان، حتى استطاع بخطبه وأحاديثه أن يمتلك القلوب ويستهوي الأفئدة؛ فقد كان جذاباً في حديثه، حكيماً في إرشاده، صريحاً في وعوده. وأراد السر برسي كوكس أن يستغل هذا الشعور، فأذاع بياناً في 5 تموز 1921م.
أجزاء «بيان ونستون تشرشل في مجلس العموم البريطاني بخصوص مؤتمر القاهرة 1921» (2 أجزاء):
- الجزء الأول (هذا الجزء)
- الجزء الثاني