الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

تسابق الدول الصليبية على حماية الجاليات اليهودية (الجزء الأول)

من محاضرات «الكنيسة والإسلام والسياسة» – 2008

كان للتأثير الديني الذي أحدثه المصلح الألماني مارتن لوثر في شعوب أوروبا أهمية بالغة. وتتجلى هذه الأهمية في أن إنجلترا والولايات المتحدة الأمريكية، صاحبتي النفوذ، لم تتجاوزا السلطات السياسية للكنيسة الكاثوليكية فحسب، بل اعتمدتا المذهب البروتستانتي الذي كُلِّف بواجبات دينية أساسها التعميد بالماء ليكون الإنسان مسيحياً، والتبشير بالديانة المسيحية في المستعمرات التي تديرها حكومة صاحب الجلالة البريطاني في إفريقيا والهند.

إن ما خرج به مارتن لوثر هو زواج مصلحة بين المسيحية واليهودية، أفضى إلى سياسة تعاون لا خصام، أساسها التعاون المبرمج بين أسفار العهد القديم (التوراة)(1) والمذهب البروتستانتي، بغاية تقويض دين الإسلام في ديار العرب والمسلمين: عن طريق السياسة تارة، وبالحرب تارة أخرى، وتحت غطاء المصالح الاقتصادية تارة ثالثة بعد اكتشاف النفط في ولايات الدولة العثمانية المترامية الأطراف.

وبفضل التفويض السياسي الذي حصل عليه ساسة إنجلترا والولايات المتحدة من الكنيسة البروتستانتية، بات التخطيط البريطاني يرمي إلى تقويض حكم الدولة العثمانية، التي ظلت بقوة جيشها المسلم تناهض طموحات أوروبا الصليبية خمسة قرون، وإلى إنشاء دولة إسرائيل. وقد عدّت بريطانيا إسطنبول، مقر الخلافة الإسلامية، العقبة الكبرى، لا أمام التبشير بالدين المسيحي في الولايات العثمانية فحسب، بل لأنها السبب في بقاء اليهود مشردين في أوروبا بلا دولة لهم، كما أنها عقبة أمام توفير أسواق لتصريف المنتجات الصناعية والتجارية في ولاياتها العديدة الغنية بالنفط.

وبانتظار أن تبلغ الدولة العثمانية الإسلامية نقطة الانهيار، كان الصراع على أشده بين بريطانيا وفرنسا من أجل الاستيلاء على منطقة الشرق الأوسط منذ منتصف القرن التاسع عشر. وكان لزاماً على الدولتين أن تتمتعا بالامتيازات العثمانية التي مُنحت لكلتيهما في بداية القرن التاسع عشر؛ إذ افتتحت بريطانيا قنصلية لها في القدس عام 1838م لرعاية مصالحها في فلسطين، ومن ضمنها تقديم الحماية لليهود، وهو ما أصبح عملاً رئيسياً للقنصلية البريطانية(2).

أما الاتجاه الآخر لاهتمام البلدين فكان مردّه التجارة وتصريف منتجاتهما في ولايات الدولة العثمانية الإسلامية، وبلغ التنافس بينهما ذروته بعد افتتاح قناة السويس عام 1869م، لتكون الشريان الحيوي للطرق البحرية بين أوروبا وآسيا(3).

وقد انجذبت روسيا وألمانيا (بعد توحيدها عام 1870م) إلى الاهتمام بمنطقة الشرق الأوسط سبيلاً إلى بلوغ مرتبة الدولة الأولى في أوروبا، دون أن يكون لذلك علاقة بالحضارة أو الثقافة أو الدين، فضلاً عن شمّ رائحة النفط في بلدان الشرق (إيران والعراق)(4).

وكان أكثر ما تخشاه لندن في سياسة هذه الدول المنافسة لها أن تتمكن ألمانيا من استثمار علاقتها الجيدة بالسلطان العثماني، دون أن تثيره بمزيد من هجرة اليهود إلى فلسطين كما تفعل بريطانيا. وكان ذلك سبباً في احتلال بريطانيا جزيرة قبرص في البحر المتوسط عام 1878م، بغية التحكم في طرق مواصلاتها البحرية في البحرين المتوسط والأحمر وباتجاه الخليج العربي.

وكان ردّ فرنسا أن لها مصالح في بلاد المشرق العربي، ولا سيما في لبنان، حيث الأقلية الكاثوليكية في الشام والقدس. وكانت القدس نقطة إثارة للدولتين كلتيهما: فبريطانيا تريد حماية اليهود فيها، وفرنسا ترى أن الحق لها في حماية أتباعها من المذهب الكاثوليكي، لا البروتستانتي الذي تؤمن به بريطانيا(5).

أما الولايات المتحدة الأمريكية، التي كانت لا تزال متأثرة بسياسة مبدأ مونرو الانعزالي(6)، فقد أنشأت هي الأخرى جمعية لاستطلاع أحوال أهل فلسطين، كما فعلت بريطانيا(7). وذهبت واشنطن إلى أبعد من ذلك حين حثّت وزيرها المفوض في إسطنبول (ستراوس)، وهو يهودي أمريكي، على بلورة موقف راجح لصالح اليهود، من خلال الحصول على مزيد من الامتيازات من السلطان العثماني عبد الحميد الثاني، ومنها:

  1. حرية سفر المبشرين وتنقلهم في آسيا الصغرى (تركيا).

  2. إنهاء التمييز بين الأمريكيين المسيحيين والأمريكيين اليهود في السفر إلى سورية وفلسطين(8).

وكان ما جرى من اتفاق بين وزير تركيا المفوض في واشنطن (فاروق بك) والسلطان عبد الحميد الثاني مثالاً على عفة السلطان ونظافة يده من الهجرة اليهودية(9).

وقد بلغ ذلك مداه مع روسيا؛ إذ منعت الدولة العثمانية اليهود الروس من الهجرة، باعتبارهم رعايا دولة معادية كانت في حالة حرب مع تركيا بين عامي 1877 و1878م. ومع كل هذه الإجراءات تمكّن نحو (30.000) يهودي من النزوح إلى فلسطين، علناً أو تهريباً إلى ميناء يافا عبر ميناء بيروت، ليبلغ مجموع اليهود على أرض فلسطين نحو (56.000) يهودي في نهاية الحرب(10).

ودعت واشنطن وزيرها المفوض الجديد (سولومون هيرش) إلى أن يطلب من (سعيد باشا)، أحد كبار المسؤولين في الحكومة العثمانية، تمديد مدة زيارة اليهود للأراضي المقدسة من شهر إلى ثلاثة أشهر. وهو الوزير المفوض الأمريكي نفسه (سولومون هيرش) الذي توجّه إلى يافا عام 1908م للتدخل لدى السلطات العثمانية من أجل إطلاق سراح (400) مهاجر يهودي كانوا في السجن لأنهم دخلوا بطريقة غير شرعية(11).

وعلى خلاف الموقف الرسمي للسلطان العثماني عبد الحميد الثاني من هجرة اليهود إلى فلسطين، فإن ما قامت به الإدارة العثمانية المحلية في بيروت ويافا والقدس كان مثار شكوك وتحايل على القانون من قبل الموظفين الأتراك؛ إذ تعاون موظفون أتراك مع القناصل الأجانب، ولا سيما قناصل الروس والألمان والإنجليز والأمريكيين، نظير ما يتقاضونه منهم من رشوة(12). ودفع ذلك الساسةَ البريطانيين والأمريكيين إلى إنجاح المزيد من عمليات التهريب وشراء الأراضي في القدس بطرق ملتوية(13).

1. أوروبا البروتستانتية توظف خدمات يهود الدونمة لصالح «شعب الله المختار»

كانت العقيدة الحاكمة في الدولة العثمانية (تركيا الحالية) العقيدة الإسلامية، التي انضوت تحت لوائها جميع الشعوب الإسلامية، وقد عُدّ السلطان العثماني خليفة المسلمين وقائدهم. غير أن سوء الإدارة والفساد بدأا ينهشان جسد الإمبراطورية العثمانية في القرن التاسع عشر لأسباب، أهمها:

وصول حكومات وسلاطين إلى هرم السلطة همُّهم مصالحهم وأهواؤهم دون النظر في شكاوى الرعية، وترتب على ذلك انتشار الجهل والتخلف والفساد والرشوة. ولعل السبب الآخر، الذي لا يقل أهمية عن الأول، أن مجموعات كبيرة من مثقفي الأتراك تعلموا في مدارس أوروبا وجامعاتها، وبقوا على اتصال بمدارسهم التبشيرية في الغرب، الأمر الذي أذكى بذور ظهور الحركات القومية في تركيا، ومنها حركة «تركيا الفتاة» التي تزعمها (إيمانويل قاراصو)(14)، وهو يهودي إسباني وأحد قادة جمعية الاتحاد والترقي(15) التي تخضع للمحفل الماسوني الإيطالي(16). أما أنور باشا، الذي أصبح وزيراً للحربية خلال الحرب العالمية الأولى، فهو ابن رجل بولندي، وطلعت باشا بلغاري من أصل غجري اعتنق الإسلام ظاهرياً(17). ويظهر أن مجموعات تركية متعصبة أدّت دوراً في تبني الحركة الطورانية(18).

أما أهداف جمعية الاتحاد والترقي، أو من يُطلق عليهم «الاتحاديون»، فكانت إسقاط حكم السلطان العثماني عبد الحميد الثاني وتخريب دين الإسلام في الشرق(19). وتجدر الإشارة هنا، مما عرّجنا عليه، إلى أن المحافل الماسونية ونفوذ يهود الدونمة أدّيا دوراً مؤثراً في التخطيط لإشاعة الفوضى في تركيا، التي كانت قد ضعفت قبل خلع السلطان عبد الحميد الثاني. ويقول الأب لويس شيخو عن موقف تركيا من الماسونية: إن تركيا كانت من أوائل الدول التي ناهضت الماسونية منذ عام 1748م، وإن من قوانينها ما يحظر على العثمانيين الانضمام إلى الجمعيات السرية(20). إلا أن النافذين من اليهود، الذين أسسوا جمعية الاتحاد والترقي، استطاعوا إقناع كثير من المثقفين المسيحيين بالانضمام إلى الماسونية العالمية اليهودية، لإنهاء حكم الدولة العثمانية الإسلامية الضعيفة واستثمار موارد ولاياتها الغنية في منطقة الشرق الأوسط، ولا سيما في المشرق العربي. وهذا ما جعل بيروت المارونية تشهد افتتاح فروع للماسونية على أرضها، لا سيما محافل الشرق الفرنسي والاسكتلندي بين عامي 1868 و1869م.

وهو ما أكده المستشار السياسي للسفير البريطاني في إسطنبول (السير جيرار لوثر) في تقرير له إلى الخارجية البريطانية، إذ قال: «إن ضباط جمعية تركيا الفتاة عبارة عن عصابة يقف وراءها اليهود والصهيونية العالمية بالتحالف مع الماسونية التي كان انتشارها قد بدأ في الشرق»(21). وكانت مدينة سالونيك، التي تضم (80.000) من اليهود، مركز جذب لعدد من ضباط الجيش التركي بين عامي 1903 و1908م، للقيام بانقلاب عسكري على السلطان عبد الحميد الثاني(22).

نفّذ العسكريون الأتراك انقلابهم على السلطان العثماني عبد الحميد الثاني عام 1908م(23)، ويظهر أن خلع السلطان عام 1909م أسهم في إنعاش آمال اليهود في إقامة مملكة إسرائيل في فلسطين، وأثبتت الأحداث بعد ذلك تزايد الهجرة اليهودية إلى الأراضي المقدسة(24).

وهنا يذكّرنا السلطان عبد الحميد الثاني في مذكراته، وهو يتحسر على ضياع بلاده، بأن العمل الوحيد الذي استطاع الماسونيون القيام به في الدولة العثمانية هو نشر الشقاق والتمرد في البلد وبين صفوف الجيش، دون أن يعلموا أنهم يعملون لحساب «إنجلترا البروتستانتية» التي تدّعي نشر الأفكار المتحررة في إمبراطوريتنا. وأضاف السلطان عبد الحميد الثاني: «إن أشد ما يؤلمني أن يتعاون هؤلاء الضالون الأتراك مع اليونانيين والبلغاريين في سبيل إزاحة المستبد عن الحكم. ربِّ إنهم مساكين ضعاف العقول لا يفقهون. إنهم لم يهدموا عبد الحميد، بل ها هم قد هدموا الدولة العثمانية الإسلامية لخدمة شعب الله المختار (اليهود)»(25).


أجزاء «تسابق الدول الصليبية على حماية الجاليات اليهودية» (2 أجزاء):

  1. الجزء الأول (هذا الجزء)
  2. الجزء الثاني

الجزء الثاني ←