الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

تعريب أطراف كركوك ونواحيها الكوردية (الجزء الثاني)

من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2023

تعريب ناحية تازه خورماتو بالوثائق

عرّب النظام السابق وقيادة حزب البعث، باسم «الحزام الأمني»، منطقة ناحية تازه خورماتو التي تقع مباشرة جنوب مدينة كركوك؛ فقد أفرغ قراها من التركمان والأكراد، ووزع أراضيهم على العرب الذين جلبهم النظام العراقي وقيادة حزب البعث السابق من وسط العراق وجنوبه لغرض التعريب، وهم من عشائر الكعيبات والمعامرة والجناسن والدنايش والبوشاحر وموسى وكوى والعجالي والبوعلي وشمر والمعاضد والسادة النعيميين والبوصالح والعساكرة وآل حميد شيخ سعدون جابري والشويلات واللهيب والجبور والهايج، وعرب متفرقين. أما جماعة البرزنجة الأكراد، التابعون للشيخ عبد الله البرزنجي التابع للشيخ معروف البرزنجي، فمع أن البرزنجيين سادة وهم بالأصل من العرب، لم يوزع النظام السابق وصدام حسين الأراضي عليهم باعتبارهم أكراداً.

ولدينا بهذا الخصوص كتاب من قيادة فرع التأميم إلى محافظة التأميم (محافظة كركوك) ـ شعبة المعلومات السكانية، بتوقيع عطية شنداخ أمين سر قيادة فرع التأميم، العدد (33/6476) والتاريخ (9/8/2001)، ومع الكتاب قائمة في ثلاث صفحات بأسماء العشائر العربية المذكورة والأشخاص العرب الذين وُزِّعت عليهم الأراضي الكوردية في الناحية المذكورة، وعدد العقود الزراعية. علماً أن تاريخ إسكان الأسر العربية المنتمية إلى العشائر العربية المذكورة وتوزيع الأراضي عليها يعود إلى ما قبل سنة 2001. والمقصود بالحزام الأمني لقاطع شعبة تازه خورماتو الحزام الأمني لمدينة كركوك.

وتقع ناحية تازه خورماتو في جنوب كركوك، بينها وبين ناحية دقوقا. وهذا نص وثيقة بهذا الخصوص، أُرفقت بها قوائم فيها أسماء أرباب الأسر العربية من مجموعة من العشائر العربية، وهي كتاب صادر من عطية شنداخ أمين سر قيادة فرع التأميم (كركوك) بتاريخ 9/8/2001 (2):

بسم الله الرحمن الرحيم

حزب البعث العربي الاشتراكي — أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة

قطر العراق — قيادة فرع التأميم — العدد 3/3/6476 — التاريخ 9/8/2001

«لا تقرّب إليك من يظنك تحتقره» — الرئيس القائد صدام حسين «حفظه الله ورعاه»

إلى / محافظة التأميم / المعلومات السكانية

الموضوع / متابعة الإسكان

تحية رفاقية

طياً مواقف متابعة إسكان العشائر العربية التي تسكن ضمن الحزام الأمني لقاطع شعبة تازه لشهر حزيران 2001.

للتفضل بالاطلاع، مع التقدير، ودمتم للنضال.

المرفقات: قوائم بأسماء العشائر.

الرفيق عطية شنداخ — أمين سر قيادة فرع التأميم — 9/8

تعريب خط كركوك ـ ديبكه ـ مخمور ـ الموصل

بخصوص تعريب هذا الخط، الذي هو عبارة عن سهول زراعية خصبة، جاء في الصفحة 6 من خطة التعريب الجديدة («الإطار العام لخطة العمل في المنطقة الشمالية») لسنة 1993 ما يلي:

«كذلك دراسة واقع خط كركوك ـ ديبكه ـ مخمور ـ الموصل، وتكثيف العنصر العربي فيها لغرض التعريب، وتوفير المستلزمات، واقتراح المشاريع الزراعية والصناعية والسياحية اللازمة التي تحقق مستلزمات التواجد الدائم المستقر فيها كافة، والدفاع عنها، بما في ذلك بناء المجمعات السكنية لبعض التشكيلات العسكرية، ووفق خطة مدروسة».

إن هذه الخطة تشمل تعريب قضاء مخمور الواقع في جنوب غرب أربيل. وكانت الحكومة السابقة ونظام حزب البعث قد فصلا هذا القضاء عن محافظة أربيل وألحقاه بمحافظة الموصل الواقعة غرب نهر دجلة. وكانت تتبع القضاء ناحية كنديناوه (ديبكه) التي تتكون من 77 قرية، وناحيتا كَوير وقراج، وعلى هذا وصل التعريب إلى مسافة 35 كم من أربيل. وقد ألّف السيد غفور مخموري كتاباً مستقلاً خاصاً بتعريب قضاء مخمور وتهديم القرى الكوردية حتى مركز ناحية ديبكه نفسه، وفيه كثير من الوثائق الخاصة بتعريبه، ومن يريد التفاصيل فليراجع هذا الكتاب.

ودمّرت الحكومة العراقية ونظام حزب البعث السابق في عامي 1987 و1988 كافة القرى الكوردية في ناحية شوان الواقعة شمال مدينة كركوك، حيث طريق كركوك ـ كويسنجق، وهي حوالي 70 قرية كوردية، مع تدمير مركز الناحية (ريدار). أما ناحية ليلان الواقعة في الجنوب الشرقي من مدينة كركوك فقد دُمِّرت قراها الكوردية، وكانت 45 قرية، ورُحِّل سكانها الأكراد إلى مجمعات قسرية في سنوات 1986–1988. وكذلك شأن كافة النواحي التابعة لقضاء كركوك، ومنها ناحية دوبز، حيث دُمِّرت قراها ونُقل قسم من سكانها الكورد إلى المجمعات، بينما أصبح قسم آخر غير قليل من الأكراد طعمة لعمليات الأنفال السيئة الصيت والمقابر الجماعية.

وقد بلغ عدد القرى الكوردية التابعة لمحافظة كركوك التي دمرتها الحكومة العراقية السابقة ونظام حزب البعث خلال سنتي 1987 و1988 (779) قرية، وبلغ عدد الأسر الكوردية التي هجّرتها إجبارياً وقسرياً حوالي (37726) أسرة. وفي كتاب الدكتور نوري طالباني (ص 75–100) تفاصيل عدد القرى والمساجد والمدارس المدمرة، وعدد الأسر الكوردية المشردة في كافة الأقضية التابعة لمحافظة كركوك. وقد أسكنت الحكومة العراقية السابقة وقيادة حزب البعث العشائر العربية في النواحي الكوردية المذكورة، وجلبت لها العرب من وسط العراق وجنوبه لتعريب منطقة كركوك الكوردية.

التعريب من محور كركوك إلى محور خانقين (3)

تتميز المنطقة الجغرافية الممتدة بين خانقين وبدرة بموقع استراتيجي غاية في الأهمية، سواء على مستوى الجوار الجغرافي مع جمهورية إيران الإسلامية، أو على مستوى السَّوق العسكري، ناهيك عن أهميتها الاقتصادية والإثنوغرافية.

فمن حيث الجوار الجغرافي، فإن هذه المنطقة الجغرافية الكوردية تحادّ إيران بشكل تقترب فيه الحدود كثيراً من العاصمة العراقية بغداد، فيما تُشرف إيران بمرتفعاتها الحدودية هذه على السهل الممتد باتجاه العاصمة، مما يجعل المنطقة من حيث السَّوق العسكري في أخطر حالاتها ومحاورها، لا سيما في الظروف التي تتسم بالتوترات والتجاوزات بين البلدين؛ فلا غرو أن تبدأ شرارة الحرب العراقية الإيرانية من هذه المنطقة.

ومن جانب آخر، فإن الموقع الجغرافي لهذه المنطقة الكوردية، وأكثر سكانها من الكورد، أكسب الإيرانيين السيطرة على منابع الموارد المائية التي يعتمد عليها سكان أقضية خانقين ومندلي وبدرة، الأمر الذي جعلهم يعانون من شحّة الماء في ظل استثمار الإيرانيين له على نطاق واسع، وقد كان لذلك دور كبير في هجرة هؤلاء السكان، وأكثرهم من الأكراد، إلى المدن المجاورة بحثاً عن ظروف معيشية أفضل.

وتُعدّ هذه المنطقة الجغرافية الكوردية أيضاً ذات أهمية نفطية، إذ تقوم على حوض نفطي كبير يتجاوز الحدود بين العراق وإيران، ويمتد في العراق بين منطقة جيا سورخ شمال مدينة خانقين ومنطقة النفط خانة جنوبها. وكان سكان المنطقة الكوردية، وأكثرهم من الأكراد، يستفيدون من هذا النفط ويتاجرون به قبل قيام الدولة العراقية العربية الجديدة.

وإذا أضفنا إلى ذلك كله أهميتها الإثنوغرافية، إذ تضم هذه المنطقة الكورد، الذين كانوا يمثلون أغلبية سكانها، ثم التركمان والعرب، فإنها تُعدّ جسراً للتواصل بين الأكثرية الكوردية في الشرق والشمال والأكثرية العربية في الجنوب والغرب، إلى جانب التركمان الذين يتمركزون في المدن والقصبات.

وفي ضوء ما سبق، فإن الحكومات العراقية السابقة، ومنذ تأسيس الدولة العراقية في 23 آب 1921، أخذت تنفذ سياسة «تنظيف» المنطقة الكوردية (كوردستان العراق) من سكانها الكورد، أي تعريبها، والعمل على احتوائها وإحكام السيطرة عليها. فكانت هذه المنطقة محوراً رئيسياً من المحاور الثلاثة التي خططت لها تلك الحكومات العراقية لتغيير تكوينها القومي الكوردي لصالح العرب، وهذه المحاور هي: أولاً محور الموصل، وثانياً محور كركوك، وثالثاً محور محافظتي ديالى وواسط.

ولا شك في أن قيام الثورة الكوردية في 11 أيلول 1961 والحرب العراقية ـ الإيرانية من سنة 1980 إلى 1988 قد أتاحا للحكومات العراقية، والحكومة السابقة، الفرص لتوسيع سياسة التعريب في تلك المنطقة الكوردية من كوردستان العراق. وتشير الإحصاءات الرسمية إلى أن نسبة السكان الكورد في محافظة ديالى انخفضت من 17% إلى 11% خلال العقدين الواقعين بين 1957 و1977، فيما ارتفعت نسبة العرب من 79% إلى 88%. وفي قضاء خانقين، على سبيل المثال، انخفضت نسبة الكورد من 81% تقريباً سنة 1947 إلى 27% فقط سنة 1977، مما يعكس اهتمام تلك الحكومات العراقية المتعاقبة بضرورة احتواء المنطقة والسيطرة عليها وتقليل نسبة الأكراد فيها.

وفي ظل انتفاضة الشعب الكوردي سنة 1991 تم تحرير أجزاء واسعة من إقليم كوردستان العراق، لكن أجزاءً أخرى من كوردستان بقيت تعاني من الظلم والتشرد والحرمان، في ظل استمرار حملات التسفير والتهجير القسري والقتل الجماعي للأكراد، وزرع المناطق الكوردية بالمستوطنين العرب (التعريب)، حتى احتلال العراق ونيله الحرية في 9 نيسان سنة 2003. فتنفّس سكان المنطقة الكوردية (كوردستان) الصعداء، وهم يأملون الحرية والعدالة والمساواة في العراق الجديد بعد تحرير العراق في 9 نيسان 2003، وحق تقرير المصير للشعب الكوردي.

ويبدو أن مجريات الأحداث التالية خيّبت آمال الكورد في كوردستان العراق، واستقر الأمر على اعتبار هذه المنطقة الكوردية من كوردستان العراق ضمن المناطق الكوردية المتنازع عليها، وتكفّلت المادة (140) من دستور العراق بحلّها على مراحل ثلاث، هي: التطبيع، والإحصاء، والاستفتاء.

ولكن عدم قناعة الأطراف الأخرى المعنية (العربية والتركمانية)، من بعض الإخوة العرب، بتنفيذ تلك المادة (140) الدستورية في وقتها وضمن المراحل التي حُدِّدت، حال دون الوصول إلى تسوية لمشكلة سكان المنطقة الكوردية المتنازع عليها في كوردستان العراق. وكانت الأحداث التي جرت مؤخراً، والتي تمثلت بتحرك الجيش العراقي إلى عمق قضاء خانقين، «القشة التي قصمت ظهر البعير»؛ فانكشف ما كان مستوراً من أهداف حكام بغداد الجدد (وهي نفس تفكير الحكومات العراقية السابقة) في «احتواء» المنطقة الكوردية المتنازع عليها من كوردستان العراق والسيطرة عليها. وكان التاريخ يعيد نفسه!

لقد كانت أحداث 22 تموز في البرلمان العراقي، وحشر المادة (24) في قانون انتخاب مجالس المحافظات، جرس إنذار لأولئك الذين لا يزالون يتعاملون مع الحكام الجدد للعراق «بحسن نية»، وقد حان الوقت لإعادة حساباتنا مع الأطراف الأخرى، وأن نستوعب دروس عدم تنفيذ المادة (140) الدستورية في حينها؛ لأن عدم تنفيذ المادة (140) الدستورية هذا لم يأتِ بسبب الإرهاب وعدم الاستقرار، بقدر ما هو عدم قناعة تلك الأطراف الحكومية بأحقية الشعب الكوردي في حقوقه القومية المشروعة في كوردستان العراق، ومنها حق سكان المناطق الكوردية المتنازع عليها في كوردستان العراق في تقرير مصيرهم.

إن من حق الحكومة العراقية أن تفرض الأمن وتحرك قواتها في أي موقع ومكان من العراق، ولكن من حق القيادة في إقليم كوردستان العراق، وفقاً للدستور، أن تتم معها المشاورة والتنسيق، تماماً مثلما حصل في عدد غير قليل من محافظات العراق، حينما توزعت فصائل البيشمركة على محافظات نينوى وصلاح الدين وكركوك والأنبار وديالى وحتى بغداد، للمساهمة في حفظ الأمن والاستقرار وقطع دابر الإرهاب، وقدّموا الكثير من الشهداء في هذا الطريق.

وكان الأحرى بالقيادة العراقية العليا للقوات المسلحة العراقية أن تتذكر ذلك جيداً، لا أن تطالب بسحب البيشمركة من مناطق محادّة (مجاورة) لإقليم كوردستان، وأجزاء منها ضمن «المناطق الكوردية المتنازع عليها» التي لم تتم تسويتها بعد! ثم إذا كانت مناطق خانقين ومندلي وقره تبه وجلولاء وسواها مناطق آمنة ومسيطراً عليها من قبل قوات البيشمركة للحيلولة دون وجود مراكز للإرهاب، فما ضرورة تحريك الجيش العراقي باتجاهها؟!

إن الشعب الكوردي في كل المناطق الكوردية من كوردستان العراق التي «يُتنازع عليها» يرفض سياسة «الأمر الواقع»، ويدعو إلى استمرار عمليات التطبيع التي جاءت بها المادة (140) الدستورية، واحترام إرادة السكان الكورد في المناطق الكوردية المتنازع عليها، والعمل «بالتنسيق» و«التشاور» مع قيادات إقليم كوردستان العراق لقطع دابر الحاقدين والمصلحيين غير الأكفاء والعقليات العنصرية، والتوجه نحو إعادة إعمار هذه المناطق الكوردية (المتنازع عليها) وبنائها، وتعويض أهلها عن سنين الحرمان والتشرد التي عاشوها. وفي ذلك خدمة لاستقرار العراق الجديد ووحدته، وتعايش أبنائه بعضهم مع بعض بسلام وأمان، وتحقيق العدالة الاجتماعية والرفاه للمجتمع العراقي.

المصادر

  1. الحويجة: في جريدة «باسره»، العدد (25)، 15 تشرين الأول سنة 2003، التي بدأت بالصدور بعد تحرير العراق، نشر السيد أحمد رحيم أمين، وهو من سكان مدينة الحويجة التي كان اسمها حتى عام 1962 «مَلْحَة»، ويسميها الأكراد حتى الآن «شوره» أي الأرض المالحة، مقالاً جيداً بخصوص تعريب منطقة الحويجة، ذكر فيه كيف أن الحكومة العراقية أخرجت الأسر الكوردية منها وهجّرتها، ومنها أسرته. انظر: الأستاذ عبد الرقيب يوسف، المصدر السابق، ص 413.
  2. الأستاذ عبد الرقيب يوسف، المصدر السابق، ص 309.
  3. د. خليل إسماعيل محمد، المناطق المتنازع عليها، مؤسسة موكرياني للنشر، ص 48–50.

أجزاء «تعريب أطراف كركوك ونواحيها الكوردية» (2 أجزاء):

  1. الجزء الأول
  2. الجزء الثاني (هذا الجزء)

→ الجزء الأول