الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي
جغرافية كردستان (الجزء الثاني)
من محاضرات «مقالات منشورة في جريدة الكاردينيا» – 2013
من الأسطورة إلى التاريخ
استناداً إلى رأي موريير (Morier)، كان سكان منطقة دماوند (Demavend) حتى أوائل القرن التاسع عشر يحتفلون بعيدهم الوطني، الذي ما زال يُحتفل به حتى عصرنا هذا، ويسمونه عيد الكرد (Alde Kurd)، وهو احتفالهم بذكرى انتصار فريدون على الطاغية زحاك (ضحاك أو آزداهاك)، ومعناها «الرجل ذو الرذائل العشر». وكان زحاك هذا قد أتى من سوريا وقاتل الملك الفارسي الأسطوري الشهير جمشيد (Jamshid) وانتصر عليه، وحلّ محله على العرش. ولكن زحاك كان يعاني من عقاب الطبيعة الشريرة، وينوء بالآلام المنبعثة باستمرار من جسمين برزا على كتفيه على هيئة الأفاعي. وعبثاً حاول أمهر الأطباء شفاء ذلك الرجل التعس بعد أن استنفدوا كل حيلة. وهنا تدخل الشيطان بدوره ليخفف عنه الألم، فأوصاه بأن يواظب يومياً على تغذية الأفاعي البارزة على كتفيه بأدمغة فتيان من الرعية، وعلى هذا النحو هلك عدد كبير من الشباب الكرد الأبرياء.
وفي أحد الأيام قام الطباخان كرمائيل وأرمائيل (Karmail, Armail)، اللذان كان عليهما إطعام أفاعي زحاك البشعة، بمغامرة، فاستعاضا، بوحي من ضميرهما وللإبقاء على حياة تلك الضحايا البريئة من شباب الكرد، عن الأدمغة البشرية بأدمغة خراف. ثم فرّ من نجا من الفتيان، مع غيرهم ممن بقي على قيد الحياة من الجنسين، إلى الجبال.
وبمرور الزمن والتزاوج أصبح هؤلاء يُعدّون أجداد الأكراد. وقد لازموا الجبال، حيث مارسوا الزراعة وتربية المواشي، وكانوا رُحّلاً لا يعرفون سكناً ثابتاً لهم، إذ كانوا يقيمون في الخيام، ولم تكن قلوبهم تعرف مخافة الله.
وفي هذه الأثناء هُزم زحاك على يد فريدون (Firidun)، وسُحب بالسلاسل حتى رأس جبل دماوند (Demavend)، حيث مات ميتة بطيئة شنيعة على غرار بروميثيوس، الشخصية الخرافية التي سرقت النار من السماء. وهذا ما جاء في أسطورة الفردوسي، وقد وردت القصة في «الشاهنامه» أو «تاريخ ملوك الفرس».
ولكن ربما كانت هذه الرواية لا تعطي القناعة الكافية لأولئك الذين يعدّونها صادقة جداً في ذكر أصل الأكراد. وقد ذهب بعض الكتاب العرب بعيداً في هذا الصدد فقالوا: إن الأكراد فرع من الجن، وإن أصلهم معروف جداً. واستدلوا على ذلك بما جاء عن الملك سليمان العظيم، الذي كانت نفسه قد تأثرت كثيراً بالعادات والتقاليد الشرقية حتى أصبح منها، وقد ترك كثيراً من آثار ملكه في كردستان؛ إذ قرر ذات يوم أن يزيد عدد حريمه، فأرسل في طلب 400 فتاة جميلة من الغرب، فاعترض نفرٌ من الجن الفتيات أثناء الطريق، واستولوا عليهن واعتدوا عليهن بأمر الجني الكبير جسد (Jasad). وعندما بلغت تلك الحادثة الملك سليمان أمر بأن الفتيات مطرودات وغير جديرات بملكه. ونتيجة لمواصلة الجن للفتيات أنجبن أولئك الأولاد الأكراد الرائعين.
وهناك علم الإيتمولوجيا (Etymology) الذي يبحث في أصل الكلمة، وإذا اعتمدناه نجد أن بعض التفسيرات أقرب ما تكون إلى الخيال. فاستناداً إلى كلمة (GURD) «كورد»، أي بطل بالفارسية، يمكن أن يكون الأكراد «أبطالاً»، أو «ذئاباً» من الكلمة الفارسية (GURG) أي ذئب. وكل هذا لا يخرج عن كونه تخميناً بريئاً لا يُعتدّ به، إلا عند عضو المجتمع العلمي السوفيتي السيد مار (Marr)، الذي تصوّر بوحي من أفكاره أن هناك صلة بين كلمة كورد (Kurd) وكلمة كورت (Kurt) الأرمنية، التي يبدو أن لها معنى كلمة (Eunuch)، وعلى هذا الأساس أحكم نظرية كاملة عن البيئة التي هي شكل من النظام الاجتماعي الذي يمكن أن يكون معروفاً لدى الأكراد. وبهذا يكون قد بالغ في تصوراته؛ ذلك بأن الأكراد إذا كانوا يفخرون بوصفهم أبطالاً ثم ذئاباً، فقلّما توجد مخلوقات سيئة الحظ مثلهم، استناداً إلى قول الشاعر جكرخوين (Cegerxwîn). ومن المؤكد أن هذه الترهات لا تنطبق عليهم أبداً، ولا تنقصهم الصفات البشرية المحضة (توماس بوا، تاريخ الأكراد، ص 19).
ثم إذا كانت الأساطير الشعبية وبحوث أصل الكلمة تشرح بعض مزايا الأكراد، فهي لا تكفي مطلقاً لحل مشكلة معرفة أصلهم.
التاريخ وعلم الآثار
الشيء الوحيد الحقيقي هو أن الأراضي التي يسكنها الأكراد اليوم وتسمى كردستان كانت تسكنها شعوب منذ القدم، ويبرهن على ذلك ما استُخرج من الحفريات التي أنجزتها فرقة من جامعة شيكاغو خلال عام 1961م، ومنها بردة بلكا (Barda Balka)، ومغارة شانيدر (Shanidar) بقرب رواندوز، حيث اكتُشف أول هيكل عظمي لإنسان العصر الحجري في كردستان العراق، مما يثبت أن البلاد كانت آهلة منذ آلاف السنين. وفي مغارة هزار ميرد (ألف مارد) عُثر على بقايا أطعمة تركها السكان الأوائل، مثل عظام الأرانب والظباء والغزلان والماعز والحمام والحجل بكميات كبيرة، تعادل كمية أصداف الحلزون (Helix salomonica) التي جُمعت من أجل طعامهم اليومي.
وقرية جرمو (Jarmo)، التي تقع في وادي جمجمال قرب السليمانية، تُعدّ أقدم قرية في الشرق الأوسط، ويُحتمل أن تكون أحد الأماكن التي زرع فيها الإنسان لأول مرة أنواع الحنطة والشعير. وكان الحمص والعدس والشوفان تنمو أيضاً هناك، وكذلك الكتان الذي كان يُزرع منذ ثلاثة آلاف سنة قبل المسيح.
والفواكه بأنواعها والبندق، بالإضافة إلى الزيتون واللوز والفستق والتين، وحتى العنب، تقدّمت زراعتها. أما الحيوانات فكانت تنمو بكثرة، ولم تكن البقرة والخنزير من النوع الأهلي، وذلك منذ أكثر من 2500 سنة قبل المسيح. وكانت الأغنام تُربّى من أجل لحومها لا من أجل صوفها. وكان الماعز معروفاً عند الأهالي منذ أكثر من 4000 سنة، حين ظهر الكلب آنئذ، ولم يكن يؤكل، ولكن أقرب أقربائه، الذئب والثعلب، لم ينجوا من هذا المصير.
وبالقرب من عقرة (Akre)، في قرية كندك (Gunduk) في كردستان العراق، وفي كهف يسميه المسيحيون المجاورون له كهف القديس يوحنا، اكتُشفت تماثيل منحوتة في الصخر، يرجع تاريخها ربما إلى الزمن الذي كان فيه سكان تلك المنطقة يجهلون الزراعة، وكانت الحيوانات الأهلية فيه نادرة جداً.
وأحد هذه التماثيل يُبرز مشهد صيد ساحراً يشابه الصور والنقوش الموجودة في كهوف فرنسا من عصور ما قبل التاريخ، بناءً على ما جاء عن توفيق وهبي (الشخصية الكردية العلمية والمؤرخ والوزير السابق). زِدْ على ذلك أنك تشاهد في كل مكان من كردستان، ابتداءً من منطقة آرامار وحتى قمم جبل الجودي، حيث استقرت سفينة نوح، أنصاباً ضخمة سيكلوبية (هائلة) ترمز إلى جبابرة أو جن.
وآثار القلاع تنتشر بصخورها المتداعية هنا وهناك، وهي تشهد على قِدَم هذا الوطن، كردستان.
وفي مدينة كركوك، وفي يورغان تبه (نوزي) (Yorghan Tepe, Nuzi)، آثار حضارة الأكديين (وقد قضى الأكديون على السومريين سنة 2400 ق.م وحكموا بلاد الرافدين 125 سنة). ومثلها على رأس جبل النسر، المعروف بجبل بيره مكرون (Pira Magrun)، حيث يُحتمل أن تكون سفينة كلكامش (Gilgamesh) قد توقفت هناك.
وأقام ملك الأكديين، منذ 2000 سنة قبل المسيح، لوحة تخلّد انتصاره على ساتوني ملك اللولو (Lullu) الكردي في دربندي كاور (Derbendi Gawr). وهؤلاء اللولو أو اللولويون، سكان جبال زاغروس (Zagros)، هم أجداد الأكراد، وكذلك الكوتيون (Guti)، وهم أيضاً سكان الجبال حتى شرق الزاب الصغير، بالقرب من نهر سيروان (ديالى) في العراق.
وكان ملك الأكديين سرجون في ذلك الوقت يحاول أن يحمي نفسه من غارات أولئك الغزاة الذين كانت فرقهم تقودها النساء في بعض الأحيان.
والكاشيون (Kassites) بدورهم، وهم ذوو أصل هندي – أوروبي، حكموا بابل (1800 – 1200 ق.م)، وراحوا يقاتلون أولاد حمورابي إلى أن نفذوا إلى بابل مسالمين بحجة العمل مربّين وسائسين للخيل، حتى تمكنوا في النهاية من الاستيلاء بالقوة على المنطقة التي تدعى اليوم لورستان (Luristan)، وذلك في القرن السابع عشر قبل الميلاد.
وقد حكم هؤلاء الكاشيون مملكة بابل مدة ستة قرون، وعُرف هؤلاء الغزاة بالقوة والشجاعة الخارقة، وأصبح الحصان الذي أدخلوه إلى البلاد رمزهم المقدس، وكان «سرياش» ابن آلهتهم. كما كان زعماؤهم يرتبطون بصلة بالميتانيين الكرد، الذين تزوج الفراعنة من بناتهم نحو 450 سنة قبل المسيح.
وقد وُجدت في قبور حوض لورستان الثلاثي قطعٌ من البرونز، يُفترض أن يكون الكاشيون قد نقلوها إلى هناك. وهؤلاء الكاشيون، الذين أبعدهم أخيراً ملوك عيلام (Elam) (وعيلام هي موقع عربستان حالياً، وعاصمتها سوزا «ششتر») في القرن الثاني عشر قبل الميلاد، لا بد أنهم قد أدّوا دوراً في تكوين الشعب الكردي، إذ يُعتقد أنهم كانوا من الميديين الكرد، في الوقت نفسه الذي برز فيه الآشوريون على المسرح من خلال صدامهم مع الميديين الكرد.
وبناءً على ما ذكره الكاتب الأرمني آرشاك سافراستيان في كتابه «الكرد وكردستان» (1948م)، فإن الميديين الكرد يدينون بوجودهم لخطأ ارتكبه هيرودوت المؤرخ اليوناني؛ فقد ظهروا لأول مرة في التاريخ على منقوشة تُحيي ذكرى انتصار شلمنصر الأول (Shalmaneser) على المتمرد يانغو (Yangu)، أمير حمري الكاشي (وحمري هي كردستان اليوم). ونحو 100 سنة ق.م أخضعهم تجلات فلاصر الأول (Tiglath-Pileser I)، كما أجبرهم شمشي أدد (Shamshi-Adad) فيما بعد على دفع الجزية، حين قاد أدد نيراري الثالث (Adad-nirari III)، زوج سميراميس الأسطورية، عدة حملات عليهم. ولكن تجلات فلاصر الثالث، في القرن الثامن قبل الميلاد (عام 744 ق.م)، هو الذي تقدم في خضم المعارك بين كثير من القبائل وتغلب عليها، واعتقل نحو 60 ألف سجين، واستولى على غنائم ضخمة وعلى قطعان من الماشية، وأوغل في غزوه حتى أقاصي الجبال والوديان، وأجبر أسراه على العمل في مشاريع البناء في دولة الآشوريين.
وبعد مرور 15 عاماً استولى سرجون الثاني (Sargon II)، الذي بنى خورسباد (Khorsabad)، على السامرة (Samaria)، وساق شعبها في الأسر حتى شواطئ الخابور وبلاد الميديين الكرد، كما جاء في التوراة. والجدير بالذكر أنه لا يزال يوجد في كردستان بأرض العراق كثير من قرى اليهود. وقد أعقب ذلك أن تمكن أسرحدون (Esarhaddon) من إخضاع ملوك الميديين الأكراد الذين قدموا إلى نينوى (Nineveh) (قبالة الموصل، على الشاطئ الشرقي لنهر دجلة) ومعهم من الأحجار الكريمة والخيل العتاق.
لقد ترك الآشوريون، من خلال غزواتهم في أرض كردستان، الكثير من الآثار التي تبيّن مدى قوتهم وأهميتهم، إذ تبدو تلك الآثار في المنحوتات والنقوش في مالطائي (Maltai) التي لا تبعد كثيراً عن دهوك، وفي باتاس (Batas) بين شقلاوة ورواندوز، وفي دربند ورمكان (Derbend, Ramkan) على نهر الزاب، الطريق الطبيعي بين نينوى وفارس، ويوجد غيرها كثير.
وبعد تلك الفترة بقليل استطاع الميديون الأكراد نبذ نير الآشوريين، في الوقت الذي كان فيه سنحاريب مشغولاً بتنظيم مناطق بابل (وبابل وسط ما بين النهرين، وموقع العاصمة بابل حالياً عند مدينة الحلة قرب بغداد، شرق كربلاء وشمال الكوفة) تحت زعامة إمارة مقتدرة. وكان المانيون والميديون الأكراد أثناءها، زمن ديوكو (Deiokes أو Dayaukku)، لا يزالون يشكّلون القبائل الجبلية المتوحشة التي تحيا حياة البداوة أو تقيم في قرى بدائية، وقد نجحوا في تنظيم أنفسهم. وكان شيخ القبيلة أثناءها، بناءً على قول المؤرخ هيرودوت، مضرب الأمثال في حكمته وعدله. وفي يوم من الأيام انصرف كلياً، حسب قوله، إلى الحكم في قضايا تتعلق بالضرائب فقط، مهملاً شؤونه الخاصة، مما سبب نتائج سلبية ما لبثت أن تفجرت إثرها المنازعات والغزوات بجميع أشكالها، فعمّت الفوضى التي نشأت عنها فكرة اختيار الملك، وهكذا اختار الميديون ديوكو ملكاً لهم. وما لبث أن باشر عمله بأن أحاط نفسه بفريق من الحراس المخلصين، ثم قرر أن يتخذ همدان (Hamadan) عاصمة له (وهمدان حالياً في غرب إيران، شمال نهاوند، شرق كرمنشاه)، حيث حكم مدة 53 سنة.
وخلفه في الحكم ابنه فراورتس (Phraortes)، الذي نجح في ضم الممالك الصغيرة المجاورة لمملكته أثناء تلك الفترة، وتمكن من هزيمة تايسبس (Teispes) ملك أنشان (Anshan) أو فارس، إلا أنه ما لبث أن أُرغم على التوقف أمام مقاومة الآشوريين بقيادة آشور بانيبال (Ashurbanipal) ابن أسرحدون، الذي يُعتقد أن قبره كان في كهف «الفتى والعذراء» الأسطوري بالقرب من قرية كورناك. وكان ابنه سياكساريس (Cyaxares) واحداً من الرجال البارزين الذين يذكرهم التاريخ بين الحين والآخر بصفتهم من القادة العظام في الحرب ومن رجال الحكم البارعين في السلم. وبدلاً من أن يجنّد جيوشه من القبائل التي كانت تقاتل بعضها بعضاً، قرر أن ينشئ جيشاً نظامياً شبيهاً بالجيش الآشوري، فزوّد جنوده بالقوس والنبل والسيف والرمح، واعتنى بصورة خاصة بفرقة الفرسان. وكان فرسانه أشبه بفرسان البارثيين (Parthians) في خراسان، قبل الساسانيين اللاحقين، الذين كانوا يُدرَّبون بدقة على رماية السهام.
وكانت تُقذف رمية مزيفة خادعة في الهواء، يتبعها وابل من السهام يُمطَر به العدو، مما كان يوقع حالة من الإرباك والفوضى والذعر بين صفوف الأعداء. وكان هذا الذعر يذكيه استعمال «النار الميدية» التي عُرفت فيما بعد بـ«النار الإغريقية»، استناداً إلى قول أميانوس مارسيلينوس.
وقد كان الميديون يلطخون سهامهم بخليط من الزيت والنفط، فينطلق السهم ويشعل كل شيء يصيبه، شريطة ألّا يُطلق بشدة من القوس، لأن الرمية السريعة تطفئه. وكانت المياه تُستعمل في المقابل لإطفاء الحرائق. وهكذا أدى نفط كردستان دوراً مهماً في العمليات الحربية في تلك الفترة.
ظهرت الخرائط منذ القدم في بلاد ما بين النهرين، وعند قدماء المصريين والإغريق والصينيين. وفي القرن السابع الميلادي ظهرت الحاجة إلى خرائط يهتدي بها العرب الفاتحون للأراضي في الشرق والغرب لنشر دين الإسلام.
وكان من أصحاب الشأن الذين أشاروا إلى أرض كردستان المؤرخ والجغرافي التركي محمود الكاشغري (1008 – 1102)، الذي أشار في الخريطة التي أعدها إلى وجود أرض الكرد وحدودها من العراق إلى خراسان وأذربيجان والشام ومصر. أما الإدريسي (1100 – 1166)، الرحالة العربي، فقد أشار هو الآخر في خريطته إلى إقليم الجبل، بسبب الطبيعة الجبلية الغالبة على أرض كردستان.
وربما يجد بعضهم أن الخرائط الأوروبية التي رُسمت للمنطقة هي الأكثر دقة واعتماداً، نظراً لتسارع المصالح البرتغالية والهولندية والفرنسية والإنجليزية في منطقة الخليج العربي منذ القرن الرابع عشر، وخاصة البرتغاليين الذين وجدوا في تصالحهم مع الشاه الفارسي إسماعيل الصفوي عام 1501 السبيل لتقويض حكم الدولة العثمانية القوية، وخصوصاً بعد معركة جالديران الفاصلة بين الجيشين العثماني والفارسي عام 1514. وكانت هذه المعركة، التي انتصر فيها الجيش العثماني على الفرس، قد ألّبت القوى الاستعمارية الأوروبية للدخول إلى مناطق الشرق ومعرفة أسباب قوة الدولة العثمانية، بعد أن تمكن السلطان العثماني سليمان القانوني عام 1529 من بلوغ النمسا وعاصمتها فيينا.
وكانت خريطة المكتشف والرحالة الهولندي فان لينسخوتن عام 1596 من أولى الخرائط الأوروبية، وقد بيّن فيها على المنطقة المحصورة بين أرمينيا وبحيرة وان اسم «أرض الكرد».
وبظهور شركة الهند الشرقية عام 1600، وهي شركة إنجليزية أُسست بهدف التجارة مع دول الشرق أول الأمر، تحولت الشركة، بسبب قوة الأسطول البحري الإنجليزي، إلى جهاز استخباراتي ينقل ما يدور بين سكان الخليج العربي من أعمال قرصنة بحرية على يد عائلة القواسم، وكذلك عمليات صيد الأسماك وجمع اللؤلؤ. وكانت المصالح الإنجليزية تقتضي ألّا تترك شيوخ الساحل الغربي وأمراءه يتصرفون بالمعادن المكتشفة، إذ كان هناك احتمال أن يلجأوا إلى أي قوة أوروبية إذا ما أمّنت مصالحهم الشخصية بالدرجة الأساس.
وبدت الحاجة ماسة أمام إنجلترا لرسم الخرائط الخاصة بالخليج والجزر العديدة في مدخله ونهايته، وكذلك الحدود التي توسعت إليها الدولة العثمانية والدولة الفارسية وأرمينيا وجورجيا في القرن السابع عشر. وكانت من الخرائط المرسومة عام 1680 الخريطة التي رسمها الإنجليزي عمانوئيل بوين، وعليها كلمة كردستان على شكل دائرة بيضوية تحيط جوانبها ببحيرة أورمية. ولم يتأخر الفرنسيون الذين نافسوا الإنجليز أينما حلّوا، فقد أخرج هنري شاتلين هو الآخر خريطة شملت كردستان عام 1711. ويظهر أنه كلما تقدم الزمن لم يتأخر اسم كردستان عن الظهور في الخرائط التي تلت خريطتي بوين وشاتلين. وفي عام 1771 كانت خريطة الفرنسي روبير بون تضم كركوك والموصل ضمن جغرافية كردستان.
أجزاء «جغرافية كردستان» (2 أجزاء):
- الجزء الأول
- الجزء الثاني (هذا الجزء)