الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

حركات الملا مصطفى البارزاني المسلحة من 11 أيلول 1961 إلى 8 شباط 1963 (الجزء الأول)

من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2023

الصدام المسلح بين الملا مصطفى البارزاني وعبد الكريم قاسم في الحادي عشر من أيلول 1961

  1. بعد نجاح عبد الكريم قاسم في تقليص نفوذ الحزب الشيوعي، أخذ يشعر بالثقة بأنه قادر على أن يفعل الشيء نفسه مع الحزب الديمقراطي الكوردستاني. ولجرّ الحزب إلى عمل مضاد أخذ يتعمد طمس الفروق بين الأكراد والعرب، وألغى مؤتمر المعلمين الأكراد الذي كان مقرراً أن يُعقد في شقلاوة في شباط 1961. وأخذ عبد الكريم قاسم ينصح الأكراد بالمساهمة في منظمات عراقية لا كوردية، وأعلن سياسة «الأكراد جزء لا يتجزأ من الشعب العراقي». وأعلن أيضاً أن كلمة «كردو» لقب فارسي يُطلق على المحاربين الشجعان، ملمّحاً إلى أن هذه الكلمة لا تحمل أية دلالة قومية، وكان يقصد أن يبيّن للأكراد عدم وجود فئة متميزة تتوفر فيها شروط القومية الكوردية.

    وظهرت في أوائل عام 1961 سلسلة مقالات في جريدة «الثورة» الناطقة باسم الحكومة حاولت طمس الفروق بين القوميات المختلفة القاطنة في العراق، وقد شجبت الأحزاب الكوردية هذه المقالات، وانتقدت الحكومة بشدة لعدم اتخاذها إجراءات ضد الصحيفة. إلا أن عبد الكريم قاسم رفض هذه الشكوى، وأصرّ على سياسته القائمة على تجاوز الفروق القومية، وشنّ حملة من المضايقات ضد قادة الحزب الديمقراطي الكوردستاني، وأغلق فروع الحزب في بغداد وبعض الألوية، وبقيت الفروع الأخرى معرّضة للخطر. وفي الوقت نفسه حدث تمرد عشائري مسلح في كوردستان العراق ضد تطبيق قانون الإصلاح الزراعي فيها.

    لقد شجعت هذه الأحداث الحزب الديمقراطي الكوردستاني (البارتي) على تقديم مذكرتين إلى عبد الكريم قاسم: كانت الأولى في 8 حزيران 1961، وهي ذات طابع عام؛ أما الثانية فقد صدرت في وقت كان الوضع فيه حرجاً في كوردستان العراق، وكانت أكثر تحدياً، إذ اشتكت من حكومة عبد الكريم قاسم لعدم إعطائها اللغة الكوردية الاهتمام الذي تستحقه، وعدم تعيين الأكراد في مناصب المسؤولية، وانتهاج سياسة «فرّق تسد» في كوردستان العراق، ووضع قيود أمام قبول الطلبة في معاهد الدراسات العالية والكليات العسكرية، واضطهاد الحزب الديمقراطي الكوردستاني. وقد أعلن عبد الكريم قاسم في المؤتمر الصحفي الذي عقده في 23 أيلول 1961 بداية الحركة الكوردية في كوردستان العراق ونهايتها، كما أعلن غلق الحزب الديمقراطي الكوردستاني وتعطيله، بحجة أن الحزب فشل في عقد مؤتمره السنوي، وبسبب انتهاكه المادة الرابعة من قانون الجمعيات، لأن البارتي قام بزرع الفرقة بين أبناء الشعب.

  2. لقد اتهم عبد الكريم قاسم، في مؤتمره الصحفي الذي عقده في مبنى وزارة الدفاع بتاريخ 23 أيلول 1961، الشركاتِ النفطية الاحتكارية بتحريض الإقطاعيين الأكراد على التمرد ليمارسوا ضغطاً على العراق في المجالات التالية:

    أ. مفاوضات النفط التي كانت جارية بين الحكومة العراقية والشركات الأجنبية حول مطالب العراق المشروعة في ثرواته النفطية.

    ب. مطالبة العراق بالكويت، والإنزال البريطاني فيها.

    ج. واتهم عبد الكريم قاسم بريطانيا بأنها وراء الحركة الكوردية في كوردستان العراق.

  3. لقد استغل الملا مصطفى البارزاني ضعف مركز عبد الكريم قاسم السياسي وضعف علاقته مع الأحزاب والقوى السياسية المختلفة، وضعف الجيش العراقي بسبب ضعف القيادة العسكرية وعدم قناعتها بسياسة عبد الكريم قاسم. ولا شك في أن الحرب ضد البارزاني كانت تخدم أهداف الطرفين، عبد الكريم قاسم والملا مصطفى، في آن واحد؛ فقد استغل عبد الكريم قاسم قضية البارزاني ليُبعد الجيش العراقي عن بغداد، وليتخلص من قادة الجيش المناوئين لسياسته. ولم تكن حركات الجيش العراقي بمستوى الحركة الكوردية التي انتشرت في معظم مناطق كوردستان، مما ساعد الملا مصطفى البارزاني على بسط نفوذه على تلك المناطق. كما أن إثارة عبد الكريم قاسم مشكلة الكويت، وسحب قواته من كوردستان إلى الجنوب، ثم تجميد الموقف العسكري في المنطقة، كان كله لصالح الملا مصطفى الذي كان مستقراً في أعالي الجبال.

    وعندما ترك الملا مصطفى البارزاني بغداد في آذار 1961 متوجهاً إلى بارزان، بدأ على الفور بشنّ حملة تصفيات ضد القبائل والعناصر المناوئة له، وبقي الحزب الديمقراطي الكوردستاني ومسؤولوه بعيدين عن الأحداث لشهور أعقبت ذلك. وعندما بدأ القتال بين الملا مصطفى البارزاني والقوات المسلحة، كان الملا مصطفى يتمنى في داخله أن يبقى هؤلاء «الأساتذة»، كما كان يسمّي أعضاء المكتب السياسي، في بغداد، وأن يتركوه وشأنه. ويعود السبب في ذلك إلى عدم ثقته بهم، وتخوفه من قيادة الحزب واحتمال قيامها بمنافسته في قيادة الحركة الكوردية المسلحة ضد حكومة عبد الكريم قاسم، خاصة أن الحزب الديمقراطي الكوردستاني كان قد كسب الكثير من الأعضاء والمؤيدين. لكن الحزب تحرك في أوائل عام 1962 باتجاه المشاركة في القتال للأسباب التالية:

    أ. لاحظ قادة الحزب أن الملا مصطفى انفرد بالحركة الكوردية، وأخذ يسحب البساط من تحت أقدامهم، ويحرج مواقفهم أمام قواعد الحزب وأمام الشعب الكوردي، ويُبعدهم عن الحركة الكوردية.

    ب. رغبة الحزب في قيادة الحركة الكوردية، وتنحية الملا مصطفى البارزاني بالتدريج عن موقع القيادة والتسلط على الحركة الكوردية.

    ج. دور عبد الكريم قاسم نفسه، الذي دفع الحزب الديمقراطي الكوردستاني إلى الانضمام إلى الحرب حين أعلن انتهاء العصيان، وأدان الملا مصطفى، وعطّل الحزب الديمقراطي الكوردستاني.

    «إن قرار قيادة الحزب الديمقراطي الكوردستاني بالانضمام إلى العصيان كان شعوراً قومياً واستغلالاً للفرصة المؤاتية لقيام الثورة الكوردية ومطالبة الشعب الكوردي بحقوقه القومية في العراق، ورداً على عبد الكريم قاسم لإغلاقه المقرات الحزبية. وقد تدارك قادة البارتي (المكتب السياسي) ذلك عام 1964 عندما طردهم الملا مصطفى البارزاني، المستند إلى القوات العشائرية، بالقوة لتأييد سيطرته وإبرام اتفاقية مع الحكومة دون رضاهم».

  4. بعد أن اتضحت مشاركة البارتي في الحركة إلى جانب البارزاني، بادر الحزب إلى اتخاذ جملة من الإجراءات والترتيبات لتنظيم الحركة الكوردية المسلحة، هي:

    أ. توزيع صحيفة سرية باسم «خه بات» تنقل أخبار المعارك وما يتعلق بالحركة الكوردية.

    ب. جمع التبرعات النقدية والعينية من المواطنين الأكراد لدعم الثورة الكوردية.

    ج. إنشاء جهاز للاستخبارات ومنظمة خاصة للاغتيالات.

    د. تنظيم القوة العسكرية للمسلحين على نحو شبيه بما هو قائم في التنظيمات العسكرية العراقية، فشُكّلت تشكيلات منها: «هيز» ويعادل اللواء، و«بتاليون» ويعادل الفوج، و«لق» ويعادل السرية، و«بل» ويعادل الفصيل، و«دسته» ويعادل الحظيرة.

    هـ. فتح دورات تدريبية لتخريج الكوادر العسكرية (البيشمركة).

    و. إعداد مجالس لإدارة القرى والقصبات الواقعة تحت سيطرة الحركة الكوردية.

لقد كان الملا مصطفى البارزاني في شهر أيلول 1961 يراقب بحذر مسألتين: الأولى، تلك الإجراءات التي كان يقوم بها قادة الحزب الديمقراطي الكوردستاني، أمثال إبراهيم أحمد وجلال الطالباني وعمر مصطفى (دبابة)، وكان ثلاثتهم محامين ومثقفين، فلم يستطع رفضها لكونها إجراءات جيدة بالنسبة إلى مستلزمات الحركة والثورة الكوردية والمقاومة والقتال. وفي مقابلة مع أحد الصحفيين أجاب الملا مصطفى البارزاني: «فيما يخصني لا يوجد حزب، يوجد فقط الشعب الكوردي؛ إذا ربحنا فسيكون الشعب الكوردي قد ربح». أما الثانية، فهي حرمان الجيش العراقي من السيطرة على طريق السليمانية – كركوك، لضمان أمن قوات البيشمركة.

كان لدى القيادة العسكرية العراقية بقيادة الفريق سعيد حمو التفويض بفتح النار على أي عمل تقوم به قوة بارزانية خلافاً للقانون. وأشار في حديث مع هيئة ركنه إلى أن العاشر من أيلول 1961 هو موعد بدء العمليات العسكرية، وقد تعرّض قاطع دهوك للهجوم أولاً. وكان الجيش العراقي قادراً على فتح الطريق بين مدينتي كركوك والسليمانية، ولم يكن البارزاني قادراً على وقف تدفق الآلاف من جنود الجيش العراقي إلى منطقة كوردستان، وكان لعشائر الزيبار الموالية للحكومة جزء من الواجب في إعادة الهيبة والسلطة للحكومة المركزية.

إن رفع الأكراد السلاح بوجه الدولة العراقية كان أحد المواضيع التي بحثتها دول المعاهدة المركزية (حلف بغداد سابقاً) في نيسان 1961، وقد أكدت بصراحة أن النزاع المسلح بين الشعب الكوردي وحكومة قاسم خير وسيلة لإضعاف الطرفين، الأمر الذي يُبعد عنها، حسب زعمها، خطر القومية المتنامية التي تهدد الاستعمار والرجعية في معقل من أقوى معاقلهما من جهة، ويجعل عبد الكريم قاسم أقل خطراً على جيرانه وأشد عزلة عن الشعب من جهة أخرى، بحيث تسهل إزاحته والتخلص من سياسته المتقلبة.

وقد وجدت إيران الشاه في ذلك تفويضاً للتدخل في شؤون العراق، وكسب العناصر الكوردية للإطاحة بقاسم الذي خسر نفوذه مع الحزب الشيوعي، وخسره مع التركمان، ومع القوميين العرب إبان تمرد الشواف، وها هو يخسره مع شخص الملا مصطفى البارزاني وعشيرة البارزانيين صاحبة النفوذ في كوردستان العراق. وقد مثّلت هذه القوى أرضاً خصبة لرجل المخابرات الإيراني «عيسى سازمان» عندما التقى في كركوك عضو المكتب السياسي للحزب الديمقراطي الكوردستاني المحامي «عمر مصطفى» الملقب عمر دبابة للتنسيق معه، وأبدى استعداد طهران للتعاون مع القيادة الكوردية ضد حكومة قاسم. كما أبدى عيسى سازمان رغبة حكومته ومدير جهاز السافاك (حسن باكروان) في استقبال وفد قيادي كوردي في طهران بشكل سري، بغية التنسيق للتخلص من القائد والزعيم الكوردي الملا مصطفى البارزاني.

وقد جاء ذلك في وقت ضعف الطرفين، إذ أرهقت العمليات العسكرية ونفقاتها حكومة عبد الكريم قاسم، الذي وجد أن قلب الطاولة على المعارضين لحكمه إنما يكمن في إثارة موضوع عودة الكويت إلى الوطن الأم العراق في حزيران 1961، وفي ذهنه أنه مشروع وطني سيعود عليه بأحسن النتائج. ولكن الموقف العربي، عبر قرارات الجامعة العربية، جاء بنتائج مخيبة له، عندما وصلت قوات عسكرية لمحاربة عبد الكريم قاسم نفسه، ومنها قوات بريطانية لضمان أمن الكويت، بعد أن وقّع شيخها الأول مبارك الصباح اتفاقية عام 1899 التي تضمن عدم توقيعه أي اتفاقية حماية مع أي دولة أخرى، وهو ما لا تسمح به بريطانيا، لا للعراق فحسب، بل لأي دولة أخرى.

وقد استثمرت ذلك القوى القومية، ومنها حزب البعث العربي الاشتراكي، الذي كان قد أرسل أحد قادته، علي صالح السعدي، إلى العراق سراً منذ عام 1959، بغية إعادة تنظيم صفوف الحزب، وبناء خلايا بعثية تعمل في إدارات الدولة والأجهزة الأمنية والقوات المسلحة وبين طلبة الجامعات استعداداً لمرحلة قادمة. وفي حساب المصالح العليا نجد أن واشنطن ولندن عملتا عن قرب مع رموز الأحزاب القومية في بيروت ودول الخليج لإسقاط عبد الكريم قاسم، وحرمان الحزب الشيوعي من التمدد إلى منابع النفط في الخليج.

وفي بداية عام 1963 كانت الأجواء في كوردستان العراق تنذر بوضع خطير: الجيش العراقي يقاتل قوات البيشمركة الكوردية في مناطق جبلية وعرة صالحة تماماً لحرب العصابات، مقابل استقطاب إيراني لكل مجموعة كوردية تريد إضعاف قاسم والإطاحة به، وعلاقات متوترة مع معظم دول الجامعة العربية التي ساندت الكويت إبان مطالبته بضمها، وأحزاب كوردية وشيوعية ترى أن عبد الكريم قاسم أضعفها بالإيقاع بين بعضها وبعض، ومن ثم فهي تريد التخلص منه بعد الإذلال الكبير الذي لقيته أمام الجمهور. وكان قاسم يرفض إعطاء الحزب الشيوعي إجازة رسمية ليمارس عمله، شأنه شأن الحزب الإسلامي والحزب الكوردستاني، في فترة من عام 1960.

ولعل هناك كثيرين ممن تساءلوا ويتساءلون عن الحالة الكوردية: لماذا انتعشت في العراق، وحصلت على مكاسب كُتبت في الدستور المؤقت عام 1958، وغابت تماماً في إيران وتركيا، بل هناك خط أحمر في أنقرة وطهران يمنع الاعتراف بالحقوق الثقافية للكورد، بما فيها اللغة التي يتكلمون بها؟ وفي هذا يذكّرنا الكاتب إدمون غريب بأن العراق هو الدولة الوحيدة التي تمتع فيها الكورد بحقوق سياسية، وهو الدولة الوحيدة التي منحت الكورد مثل هذا الحق في المشاركة في الوطن، واعترفت بأن العراق يتكون من قوميتين عربية وكوردية، وأن مثل تلك العلاقة لم تتوفر للكورد في أي دولة تقع أجزاء من كوردستان ضمن أراضيها.

والحقيقة التي ينبغي ألا تغيب عن البال أن العراق هو الدولة العربية التي نظر زعماؤها العرب، سواء في العهد الملكي أو في عهد عبد الكريم قاسم، إلى الأكراد نظرة سلمية مسالمة إسلامية في أبعادها، وهم يقرؤون كتاب الله ويخشون يوماً عبوساً قمطريراً، كما يقرؤون قوله تعالى: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ}. فالمسلمون أمة من دون الناس كما أراد لهم خالقهم ومخرجهم إلى الوجود، وكما وصفهم رسول الله محمد (صلى الله عليه وسلم). وليس الأمر مجرد اختلاف للاختلاف، ولا هو اختلاف في الشكل أو في الوجهة مع كونه على المستوى ذاته مع الآخرين؛ فالإسلام من حيث المستوى يقول فيه القرآن: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ}، ومن حيث الهدف: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً}.

إن الرؤية الإسلامية لأحوال العالم المعاصر ليست هوى خاصاً، ولا مزاجاً شخصياً، ولا تعصباً لأي معنى من المعاني «الأرضية» التي يتعصب لها الناس في الجاهلية. فهذا أبو داود يورد لنا ما صدر عن رسول الله محمد (صلى الله عليه وسلم)، وهو النبي العربي صاحب الخلق العظيم: «ليس منا من دعا إلى عصبية، وليس منا من قاتل على عصبية، وليس منا من مات على عصبية». إلا أن هناك من يظهر ليقول لنا: وأين الإسلام من تركيا وإيران، وهما على عصبية واضحة تجاه الأكراد المسلمين الذين يعيشون بين ظهرانيهم، فيحق للتركي والإيراني الحديث بلغته، ولا يحق ذلك للكوردي؟

وفي هذا يبيّن لنا المصلح الإسلامي الفارسي مهدي بازركان (المولود عام 1908 والمتوفى عام 1995)، في محاضرة له عام 1947، أن الغلو والتطرف ظهرا على يد مجموعات فارسية في أعقاب فتنة معركتي صفين والجمل خلال خلافة الإمام علي (رضي الله عنه) بين عامي 656 و661م. ويذهب بازركان في مقالته إلى أن الشيعة، كالسنة، كانوا يقرؤون القرآن أيضاً، إلا أنه يرى أن هذه القراءة لم تكن للفهم والاستيعاب والاستفادة العملية. وانصبّ تركيزه على الشيعة الفرس، إذ يقول: «ولأن الشيعة الإيرانيين لم يكونوا يعرفون العربية، ولم يكونوا يفهمون شيئاً من معاني الآيات، فإنهم تصوروا إعجاز القرآن وتأثيره والهدف من نزوله، واكتفوا وتعمقوا قدر المستطاع في الإعراب والتجويد وأداء الحروف من مخارجها والاهتمام بالمدّ في مثل “ولا الضالين”، وقد تغلبت السطحية والقشرية على الحقيقة والعمل، وما لم يستوعب الشخص معاني الآيات القرآنية فإن المقصود الإلهي لا يتحقق».

وفي هذا الصدد لم تكن العصبية التركية أقل من نظيرتها الفارسية، فهم يقولون إن «طوران» موطنهم الذي وُلدوا وترعرعوا فيه. ويرى المتطرفون منهم أنهم ترك أولاً ومسلمون ثانياً، وينادون بالشعور العرقي قبل الشعور الإسلامي، وشعارهم عدم التدين، ومقولتهم: «نحن أتراك وكعبتنا طوران»، وقد قادهم ذلك على مدى فترة طويلة من العيش والتواصل إلى الصدام مع القومية العربية والقومية الكوردية. هذا فضلاً عن كون الأتراك يحتفظون بأرشيف ولاية الموصل الغنية بالنفط، وقد أخذها البريطانيون منهم غيلةً خلال الحرب العالمية الأولى.

تجمّعت عوامل السخط لدى الكورد بين عامي 1960 و1962، وبعضها عام لجميع العراقيين، وبعضها مقصور على المنطقة الكوردية فقط. وقد يكون النزاع بين قوميتين مختلفتين، ولكن السياسة الانعزالية دوماً ما تجفف الرغبات الرطبة في التواصل، ومنها الصدامات الطفيفة مع مخافر الشرطة العراقية، لتقود حكومة عبد الكريم قاسم إلى عدم الاعتراف بأن العراق يضم عنصرين مختلفين هما العرب والكورد، وهو ما يتطلب خططاً سياسية محلية تتماشى مع هذه الحقيقة الواضحة.

وربما كانت سياسة عبد الكريم قاسم في الموازنة بين الفئات السياسية المتصارعة مصدر حيرة للأكراد، إذ تذبذبت سياسة الحكومة تجاه كل جماعة سياسية بين وقت وآخر. وقد رحّب الأكراد، كما رحّب الشيوعيون وغيرهم من الفئات، بمنح الأحزاب حرية الظهور والعمل، ولكن عودة قاسم إلى فرض الحظر على مطبوعات الأحزاب ونشاطها السياسي أثارت في كوردستان العراق ردود فعل غاضبة. ولجأ عبد الكريم قاسم إلى أساليب الحكومات العراقية السابقة في التحريض سراً لإثارة الجماعات والقبائل الكوردية المعادية للملا مصطفى البارزاني ضده، وخصوصاً عشيرتي الزيبار واللولان. وفي الوقت نفسه كان الملا مصطفى البارزاني يحاول مدّ سيطرته على جميع مناطق كوردستان العراق، مما أدى إلى نشوب معارك بينه وبين خصومه من هاتين العشيرتين الكورديتين.

وإذا نظرنا إلى هذه الفترة في ضوء ما تلاها من أحداث، وجدنا أن الاشتباكات بين الفريقين كانت أقل عنفاً وأكثر تراخياً مما حدث بعدها في العهود التالية، ولكن المؤسف أن الاعتدال في الأعمال الحربية لم تصحبه مساعٍ سلمية صادقة للتسوية والمصالحة.

وكان الجيش العراقي، وكذلك عبد الكريم قاسم نفسه، يرغبان في نصر عسكري حاسم، وكان الأكراد من جهتهم يصرّون على انسحاب الجيوش العراقية إلى مواقعها قبل الحرب، وتسريح العناصر المرتزقة المجندين في أفواج الدفاع الوطني (الفرسان) من القبائل غير البارزانية وحلفائها، مع الاستمرار في المطالبة بالحريات الديمقراطية وبالحكم الذاتي، وتعديل قانون الإصلاح الزراعي ليلائم الأحوال في كوردستان.

ومع أن المطالب لم توضع بوضوح تام، فليس في مقدور الحكومة الفردية المطلقة في بغداد أن تمنح العراقيين الأكراد مطالب رُفضت من قِبل العراقيين العرب ولم يقتنعوا بها بعد.

وتحتل القضية الكوردية مكاناً ملحوظاً عند تعداد الأسباب التي أدت إلى ضعف عبد الكريم قاسم وزواله؛ فقضايا الأقليات تعكّر دائماً مزاج الحكام المطلقين، وأقلية مثل الأقلية الكوردية، لها من الخصائص العنصرية والتاريخية واللغوية ما يفرّق الأكراد عن العرب في العراق، لا ترضى بديلاً عن الامتيازات التي تمنحها حريات أكبر من تلك التي تمارسها الأغلبية نفسها. ولكن إذا مُنحت حريات أكبر من أجل ترضية سكانها للعيش ضمن دولة كبرى يكونون فيها أقلية فقط، فمن الصعب أن يرضى العرب، وهم أكثرية السكان، باستمرار الحكم الفردي المطلق عليهم في حين خفّت قبضته على الأقلية. وإذا افترضنا، وهو ما كان قد بدأ فعلاً في العراق أيام عبد الكريم قاسم، أن الأغلبية العربية لسبب ما لم تكن راضية عن الحكم الفردي القائم، فلنا أن نزعم أن أي امتياز للأقلية الكوردية سوف يزيد السخط القائم في العاصمة بغداد، وربما يعرّض استمرار النظام للخطر.

ويقول رجل المخابرات الإيرانية (السافاك) عيسى سازمان، المكلف بتقصي الحقائق عن أوضاع الكورد في العراق: «لاحظت خلال وجودي في العراق أمراً في غاية الأهمية وقد أثار انتباهي، ألا وهو عمق العلاقة التي تربط حكومة قاسم بالكورد، ولا سيما شخص البارزاني». هذا ما كان ظاهراً للعيان، إلا أن حقيقة الأمر لم تكن كذلك، فالنوايا السيئة لحكومة بغداد كانت واضحة بخصوص المادة الثالثة من الدستور التي تنص على شراكة الكورد والعرب في الوطن والسلطة. والواقع أن كثيراً من العرب الذين ناقشوا رموزاً كوردية متنفذة في كوردستان كانوا يسمعون كلمة الشراكة، حتى خُيّل إليهم أن على رئيس الوزراء عبد الكريم قاسم أن يخصص للبارزاني مكتباً بجانب مكتبه لتمرير القرارات التي تخص دولة العراق.


أجزاء «حركات الملا مصطفى البارزاني المسلحة من 11 أيلول 1961 إلى 8 شباط 1963» (2 أجزاء):

  1. الجزء الأول (هذا الجزء)
  2. الجزء الثاني

الجزء الثاني ←