الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

حركات الملا مصطفى البارزاني المسلحة من 11 أيلول 1961 إلى 8 شباط 1963 (الجزء الثاني)

من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2023

الملا مصطفى البارزاني وحركاته المسلحة بعد انقلاب 8 شباط 1963 (انقلاب 14 رمضان) وموقفه منه

  1. في صبيحة 8 شباط 1963 انفجرت في بغداد ثورة خططت لها وقادتها طلائع ثورية من حزب البعث العربي الاشتراكي في العراق ضد الحكم القاسمي. ومنذ اللحظة الأولى اتضحت هويتها وهوية رجالها، إذ لاقت الإسناد والمباركة من دول العالم والأقطار العربية المتحررة ودول تقدمية عديدة. وكانت نوايا رجال الثورة، ومنهم رئيس الجمهورية عبد السلام محمد عارف، طيبة تجاه حركة الملا مصطفى البارزاني، لفتح صفحة جديدة مع القوى السياسية، وقد تجلى ذلك في دعوة وفد مفاوض من الأكراد للحضور إلى بغداد وإجراء مباحثات جدية للتوصل إلى حل عادل للمشكلة الكوردية.

    وفي 18 شباط 1963 وصل وفد كوردي يرأسه جلال الطالباني وصالح اليوسفي بطائرة هليكوبتر حكومية لإجراء مباحثات رسمية مع رجال الثورة. وجرت المباحثات في جو ودي، واقترحت الحكومة على الوفد الكوردي إشراك مبعوث عنهم في مفاوضات الوحدة بين العراق ومصر، وكان المرشح من الجانب الكوردي جلال الطالباني، الذي ذهب مع الوفد العراقي إلى القاهرة. وكان سفر الطالباني مع الوفد الحكومي تجاوزاً لصلاحياته من وجهة نظر الملا مصطفى البارزاني.

    وطالب الملا مصطفى الحكومة العراقية، بصيغة الإنذار، بأن تتخذ قراراً سريعاً بمنح الأكراد الحكم الذاتي، وهدد باستئناف القتال إذا لم تفعل ذلك. وتجاوباً مع مطالب الأكراد أصدرت الحكومة العراقية ليلة الأول من آذار 1963 بياناً أكدت فيه عزمها على حل المشكلة الكوردية بالطرق السلمية، وأرسلت يوم 4 آذار 1963 وفداً التقى الملا مصطفى، فكانت مطالب الأخير هي:

    أ. التأكيد على حق الأمة الكوردية في الاستقلال الذاتي.

    ب. تأليف مجلس مركزي يرأسه مسؤول كوردي.

    ج. تسمية شخص كوردي نائباً لرئيس الجمهورية.

    د. أن تضم كوردستان ألوية السليمانية وكركوك وأربيل، ومن الموصل (دهوك)، ومن ديالى (خانقين وجلولاء).

    هـ. إنشاء جيش كوردي من البيشمركة تحت قيادة قائد كوردي.

    و. تقسيم واردات النفط بين العرب والأكراد.

  2. طالب الملا مصطفى البارزاني بإرسال نسخة من قرار الحكومة بتنفيذ مطالبه تلك إلى هيئة الأمم المتحدة، كما طالب الحكومة بتنفيذ مطالبه خلال ثلاثة أيام فقط، وإلا فإنه سيلجأ إلى القتال. وبالرغم من أن المطالب الكوردية تضمنت ما يمكن للحكومة تنفيذه وما لا يمكنها القبول به، فإن الوفد وعد الملا مصطفى البارزاني بدراسة مطالبه. ولكي لا ينقطع الأمل في الحل السلمي، شُكّل وفد شعبي للتفاوض مع الملا مصطفى البارزاني، فالتقى به في قرية «جوار قرنة» في 7/3/1963، وتوصل الطرفان إلى صيغة اتفاق أولي يعرضه كل منهما على جماعته، وهي:

    أ. الاعتراف بالحقوق القومية للشعب الكوردي.

    ب. إعلان العفو العام وإطلاق سراح الموقوفين والمعتقلين السياسيين الأكراد.

    ج. تطهير الجهاز الحكومي ممن أساؤوا العمل في المنطقة الشمالية.

    د. رفع الحصار الاقتصادي عن كوردستان.

    هـ. سحب القطعات العسكرية من كوردستان.

وما إن عاد الوفد إلى بغداد في اليوم التالي حتى بادرت الحكومة إلى رفع الحصار الاقتصادي عن المنطقة الشمالية، وأصدرت عفواً عن الأشخاص الذين قاموا بالحركة المسلحة الكوردية. كما صدر في 9 آذار 1963 بيان عن المجلس الوطني لقيادة الثورة بوضع كل الإمكانيات في خدمة السلام في كوردستان. وظهر الأمل من جديد لدى النخب الكوردية في أن تكون الفترة ما بين 1963 و1964 حافزاً لحزب البعث على إعطاء الحكم الذاتي للكورد والسهر على مصالح الوطن العليا.

بدت سياسة حكومة الثورة إزاء القضية الكوردية قائمة على إقرار الحقوق القومية للشعب الكوردي على أساس اللامركزية، ولم يكن هذا الكلام زلّة لسان بقدر ما عبّر عن رؤية شخصية دون علم الآخرين. وتلقى الملا مصطفى البارزاني بيان قيادة الثورة باستغراب، وقرر عقد مؤتمر موسع في مدينة كويسنجق في 17 آذار 1963، طُرحت فيه نتائج المفاوضات مع الوفد الرسمي والوفد الشعبي، وكذلك صيغة الحل التي أصدرها مجلس قيادة الثورة. وقد أصدر البارتي في 10 نيسان 1963 بياناً أوضح فيه قبوله بشكل عام الخطوط العامة لطرح الحكومة للحل المتمثل بالإدارة اللامركزية.

ويمكن القول إن تسمية الوفد الكوردي برئاسة جلال الطالباني كانت لمعرفة المزيد عن مسار المفاوضات. ولكن الوفد الحكومي، كما رآه أعضاء الوفد الكوردي، لم يكن مهتماً بإيجاد الحلول للقضية الكوردية، إذ سرعان ما كان يخرج أحد أعضائه ليحل محله آخر. وبدت المفاوضات متقطعة، مما أعطى انطباعاً بأن هناك مشاحنات وشداً وجذباً بين أعضاء القيادة الجديدة، والكل يستعجل عقد المؤتمر القطري للحزب للتخلص من المتهورين قبل الذهاب إلى المؤتمر القومي.

ظلت محاولات الحكومة العراقية لحل المشكلة الكوردية خلال الأعوام 1964 و1965 و1966 تسير بين مدّ وجزر، فتارة تنشط المحادثات السياسية السلمية، وتارة أخرى تنشط العمليات العسكرية من الجانبين. وقد نص الدستور العراقي المؤقت على إقرار الحقوق القومية للأكراد ووجود القومية الكوردية، ورفضت الحكومة طلبات البارزاني حول الاستقلال الذاتي. وفي الأيام الأولى من كانون الثاني 1966 شنّ البارزاني، بمساعدة إيران، هجوماً مريراً واسع النطاق من داخل الأراضي الإيرانية على القطعات العسكرية العراقية في بنجوين، فاحتج العراق رسمياً على هذا الاعتداء السافر. وكانت المساعدات تتدفق على البارزاني من أطراف كثيرة، منها أمريكا، إذ أوقفت السلطات الألمانية في بداية عام 1966 شحنة أسلحة إلى البارزاني كان ينقلها أربعة ألمان.

كان مؤسس الحزب ميشيل عفلق يحضر مؤتمرات الحزب القومية قبل ثورة 8 شباط 1963 في العراق وثورة آذار 1963 في سورية، ولكن أمله خاب بطروحات القادة الجدد، حتى قال لهم: «لسنا ماركسيين، وكل ما نطمح إليه هو الديمقراطية القومية». وتنصّل علي صالح السعدي من أي توجيهات أصدرها سابقاً لقتل الشيوعيين، وهو ما أشعر الآخرين من رموز السلطة والحزب بأنه شديد التذبذب وغاية في البدائية. كما ظهر من طروحات أمين سر القيادة القطرية في العراق علي صالح السعدي أن خيوطاً من العلاقة قد نُسجت بينه وبين نظيره أمين سر القيادة القطرية لحزب البعث في سوريا حمود الشوفي، وبعض أعضاء اللجنة العسكرية السرية السورية، وهو ما ضمن له الأصوات اللازمة في المؤتمر القومي السادس الذي عُقد في دمشق عام 1963، حتى انتبه الحاضرون إلى سيطرة علي صالح السعدي وحمود الشوفي على جلسات المؤتمر منذ اليوم الأول لانعقاده، وإلى طروحاتهما عن التطبيق الاشتراكي البعيدة عن فكر الحزب، وقد أزعجت هذه الطروحات مؤسس الحزب ميشيل عفلق حتى قال: «إن هذا الحزب لم يعد حزبي».

معركة جبل هندرين ربيع 1965

دارت معركة جبل هندرين في ظروف وأوضاع متردية آل إليها الموقف العسكري للقوات المسلحة العراقية والوضع السياسي للبلاد في ربيع عام 1965، وكانت هذه المعركة واحدة من الصور القاتمة التي مرت على الحكومة العراقية وقواتها المسلحة، إذ تمكنت القوات الكوردية من احتلال جبل هندرين وإيقاع خسائر كبيرة في صفوف الجيش العراقي. وهنا لا يمكن أن نتجاهل دور حكومة عبد السلام محمد عارف في حدوث تلك النتائج. وقد جاء بيان 29 حزيران 1966 حول الحقوق القومية للشعب الكوردي ليعطي فرصة جديدة للملا مصطفى البارزاني، الذي تمكن على الصعيد العسكري من تعزيز المناطق التي كانت تسيطر عليها جماعته، كما قام بتجميع قواته، وظلت الأسلحة تتدفق عليه. أما على الصعيد السياسي فقد عُقد المؤتمر السابع للبارتي، الذي كرّس هيمنة البارزاني النهائية على الحزب، وهو ما مكّنه من أن يفاوض حكومة الدكتور عبد الرحمن البزاز بوصفه ممثلاً للشعب الكوردي. كما وفّر ذلك للبزاز الفرصة للسعي إلى حل المشكلة الكوردية، حتى دون تفويض من الضباط الذين أربكوا العملية السياسية واقتصاد البلاد، دون ملامح واضحة لإنهاء النزيف المادي والدموي.

بيان 29 حزيران 1966 (بيان الدكتور عبد الرحمن البزاز)

في التاسع والعشرين من حزيران/يونيو 1966 أعلن رئيس الوزراء عبد الرحمن البزاز بياناً لحل القضية الكوردية، يتضمن اثنتي عشرة مادة هي:

أ. لقد اعترفت الحكومة العراقية بالقومية الكوردية بشكل قاطع في الدستور المؤقت عند تعديله، وهي مستعدة لتأكيد هذا المعنى وزيادته جلاءً في الدستور الدائم، بحيث يصبح من الواضح إقرار القومية الكوردية وحقوق الأكراد القومية ضمن الوطن العراقي الواحد الذي يضم قوميتين رئيسيتين هما العرب والأكراد، وبحيث يتمتع العرب والأكراد بحقوق وواجبات متساوية.

ب. والحكومة على استعداد لإعطاء هذه الحقيقة وجودها الفعلي في قانون المحافظات، الذي هو في طريقه إلى التشريع، على أساس من اللامركزية، بأن يكون لكل لواء ولكل قضاء ولكل ناحية شخصية معنوية معترف بها، ولكل من هذه الوحدات الإدارية مجالسها المنتخبة وسلطاتها الواسعة في الشؤون الخاصة، بما في ذلك أمور التربية والتعليم والصحة، وكل ما له صلة بالشؤون المحلية والبلدية حسبما فصّله القانون المذكور.

كما أن القانون المذكور (قانون المحافظات) يمكّن من إجراء التعديل في حدود الوحدات الإدارية، كما يمكّن من إنشاء وحدات إدارية جديدة عند الضرورة ومقتضيات المصلحة العامة.

ج. وطبيعي أن الحكومة تعترف باللغة الكوردية لغةً رسمية مع اللغة العربية في المناطق التي تكون غالبية سكانها أكراداً، وتكون لغة التعليم، مع العربية، في الحدود التي يقرها القانون وتحددها المجالس المحلية.

د. إن هذه الحكومة عازمة على إجراء الانتخابات النيابية في الحدود الزمنية التي نص عليها الدستور المؤقت، وحدّدها المنهاج الوزاري بشكل صريح. وسيُمثَّل الأكراد في المجلس الوطني القادم بالعدد الذي يتناسب مع مجموع السكان الكلي، وبالطريقة التي يفصّلها قانون الانتخابات.

هـ. وطبيعي أن يشارك الأكراد إخوانهم العرب في كافة الوظائف العامة الإدارية والقضائية والدبلوماسية والعسكرية، دون الإخلال بمبدأ الكفاءة.

و. وسيكون هناك عدد من طلاب البعثات والزمالات والمنح الدراسية في مختلف الفروع وعلى شتى المستويات من الأكراد، يُرسلون للتخصص خارج البلاد، دون الإخلال الكلي بالكفاءة وحاجة القطر.

كما ستزيد جامعة بغداد من اهتمامها بدراسة اللغة الكوردية وآدابها وتراثها الفكري والحضاري، وتسعى الجامعة لفتح فرع لها في الشمال عند توافر الإمكانيات.

ز. وسيصبح من طبيعة الأشياء أن يكون الموظفون المحليون في الألوية والأقضية والنواحي الكوردية من الأكراد ما توفر العدد المطلوب منهم، ولن يُصار إلى غيرهم إلا بمقدار ما تقتضيه مصلحة تلك المناطق ذاتها.

ح. سيرافق الحياةَ النيابية إنشاءُ بعض التنظيمات السياسية، وتمكينُ الصحافة من التعبير عن رغبات الشعب، وستسمح الحكومة للأكراد بذلك في الحدود التي يرسمها القانون، وستكون الصحافة السياسية والأدبية في المناطق الكوردية باللغة الكوردية أو باللغة العربية أو بهما معاً حسب طلب ذوي العلاقة.

ط. أولاً: عندما تنتهي أعمال العنف يصدر العفو العام عن كافة الذين ساهموا في أعمال العنف في الشمال أو كانت لهم صلة بها، بمن فيهم جميع من صدرت بحقهم أحكام بسبب الأعمال المذكورة أو صلتهم بها، أو احتُجزت حرياتهم.

ثانياً: يعود جميع الموظفين والمستخدمين من الأكراد إلى وظائفهم السابقة، كما يؤمَّن الملاك اللازم لهم ويُلاحظ إنصافهم.

ثالثاً: تسعى الحكومة بكل طاقاتها لإعادة جميع العمال الأكراد المفصولين إلى أعمالهم السابقة.

ي. على منتسبي القوات المسلحة البدء في العودة إلى وحداتهم فور صدور هذا البيان، على أن يتم ذلك خلال مدة أقصاها شهران، وسيُعامل العائدون بالرفق ويصدر العفو عنهم:

أولاً: فمن كان منتسباً إلى الجيش عليه أن يعود إلى الجيش بسلاحه.

ثانياً: ومن كان منتسباً إلى الشرطة عليه أن يعود إلى الشرطة بسلاحه.

ثالثاً: أما الآخرون ممن حملوا السلاح فيُعتبرون هيئة تابعة للحكومة، التي عليها أن تعمل على عودتهم إلى الحياة الطبيعية، وإلى أن يتم ذلك فالحكومة مسؤولة عن إعاشتهم. وعلى كل من يتم تحوله منهم إلى الحياة الطبيعية تسليم كافة معداته وأسلحته وأعتدته وتجهيزاته إلى الحكومة، ويجري ذلك كله حسب خطة مدروسة من جميع ذوي العلاقة.

رابعاً: وطبيعي أن يعود الفرسان إلى أماكنهم بعد إحلال الأمن، وتجري استعادة الأسلحة منهم حسب خطة مدروسة.

ك. وغني عن القول إن الأموال التي تُبذل اليوم في مقاومة العنف، وكذلك الأموال التي تُصرف فيما لا طائل تحته، ستُصرف في إعمار كوردستان، وستؤلَّف هيئة خاصة لإعمار المناطق الكوردية من العراق، تُخصَّص لها المبالغ اللازمة المناسبة من الخطة الاقتصادية للقيام بالتعمير والنهوض بالمشاريع الإنمائية في المنطقة، وترتبط بوزير يُناط بوزارته إدارة مصايف كوردستان وشؤون الغابات والتبوغ في كوردستان، كما يشرف على تنسيق الشؤون الخاصة بالوحدات الإدارية التي تكون غالبية سكانها من الأكراد، مما هو من صميم القومية الكوردية، كالعناية بالثقافة الكوردية ومناهج التعليم باللغة الكوردية.

وستحاول الحكومة بكل طاقاتها تعويض كل المتضررين تعويضاً عادلاً، يمكّنهم من العودة إلى حياة منتجة نافعة للإسهام في النهوض باقتصاديات البلاد وازدهارها، والعيش بأمن وسلام.

ل. تسعى الحكومة إلى توطين كل الأكراد والجماعات الذين نزحوا أو هُجّروا من مناطقهم، وسيكون الأصل في هذا العودة إلى الوضع الطبيعي القديم، مع العلم بأن ما سيكون لازماً للدولة السيطرة عليه فيما بعد للمنفعة العامة يجب أن يقترن، حسب أحكام القانون، بتعويض سريع عادل.

وفاة عبد السلام محمد عارف في 13 نيسان 1966

توفي عبد السلام محمد عارف بأجله الموعود بتحطم الطائرة التي كانت تنقله من البصرة إلى بغداد في 13 نيسان 1966، فاستلم زمام الحكم أخوه عبد الرحمن محمد عارف، الذي لم يكن سهلاً عليه تحمّل المسؤولية، وكانت الأوضاع السياسية متردية، والموقف العسكري سيئاً بسبب سقوط جبل هندرين ووقوع خسائر كبيرة. وزاد من سوء الموقف عدم قناعة معظم القادة العسكريين بكفاءة الرئيس الجديد، واستمرار المعارك الطاحنة في كوردستان. لذا كان على عبد الرحمن عارف، الذي استلم السلطة حديثاً، القيام بعمل لتهدئة الأمور نسبياً، وذلك عندما أذاع راديو بغداد في 29/6/1966 بياناً ألقاه رئيس الوزراء آنذاك الدكتور عبد الرحمن البزاز، الذي بذل جهداً غير عادي لإنهاء المشكلة الكوردية.

بيان حكومة الدكتور عبد الرحمن البزاز في 29 حزيران 1966

  1. اعتراف الحكومة العراقية بالقومية الكوردية في الدستور الدائم، بحيث تصبح هناك قوميتان: العربية والكوردية.

  2. الاعتراف بقانون المحافظات على أساس من اللامركزية، بحيث يكون لكل لواء وناحية شخصية معنوية معترف بها.

  3. اعتراف الحكومة باللغة الكوردية لغةً رسمية مع اللغة العربية في المناطق التي غالبيتها من الأكراد، وتكون لغة تعليم مع العربية.

  4. يُمثَّل الأكراد في المجلس الوطني بالعدد الذي يتناسب مع عدد سكان كوردستان.

  5. مشاركة الأكراد إخوانهم العرب في كافة الوظائف العامة حسب نسبة سكانهم.

  6. تخصيص عدد من البعثات الدراسية لهم، وكذلك تدريس اللغة الكوردية في جامعة بغداد.

  7. يكون الموظفون في الألوية والأقضية الكوردية من الأكراد.

  8. إنشاء بعض التنظيمات السياسية، وتمكين الصحافة من التعبير عن رغبات الشعب.

  9. عندما تنتهي أعمال العنف يصدر العفو العام عن كافة المشاركين في أحداث الشمال.

  10. على منتسبي القوات المسلحة العودة إلى وحداتهم فور صدور هذا البيان.

  11. تؤلَّف لجنة خاصة لإعمار المنطقة الكوردية.

  12. تسعى الحكومة إلى توطين كل الأفراد والجماعات الذين نزحوا أو هربوا من مناطقهم.

وكانت هناك ثلاثة بنود غير معلنة في البيان، هي:

  1. لا مانع لدى الحكومة من تكوين لواء باسم لواء دهوك يضم الأقضية من لواء الموصل.

  2. توافق الحكومة على ممارسة الحزب الديمقراطي الكوردستاني نشاطه السياسي بشكل علني أسوة بالأحزاب السياسية الأخرى.

  3. تلتزم الحكومة بمبدأ إصدار العفو العام عن السجناء والمعتقلين السياسيين، عدا مرتكبي الجرائم العادية، على أن يتم ذلك على مراحل.

كانت الهزيمة المُرّة للعرب أمام إسرائيل في حرب حزيران 1967 قد طرحت تساؤلات في الشارع العربي، ولدى الأحزاب الوطنية والمعارضة ومثقفي البلدان الثلاثة، عن جدوى وجود الأنظمة العسكرية المتلاحقة، بما فيها نظام العراق القائم منذ عام 1958. ودعت الهزيمةُ الرئيسَ عبد الرحمن عارف هذه المرة إلى التحسب للوضع المالي، إذ إن معظم موارد البلاد من النفط، ولضغوط قادة الجيش بشأن ضرورة تجهيز الجيش بأسلحة سوفيتية أكثر تطوراً من التي استُخدمت في حرب حزيران 1967، كما أن عليه مراعاة تكاليف حشد عدد كبير من فرق الجيش المتواجدة في الأردن في أعقاب هزيمة حزيران 1967.

ومن القرارات التي اتخذها الرئيس عبد الرحمن محمد عارف لتخفيف الأثر النفسي للهزيمة العسكرية أنه بادر إلى قطع العلاقات الدبلوماسية مع كل من الولايات المتحدة وبريطانيا، مقابل تقويتها مع كل من الاتحاد السوفيتي وفرنسا، والأخيرة أملاً في الحصول على سلاحها المتطور. فيما استثمرت الحكومة خبرة السوفيت في معاونة شركة النفط الوطنية العراقية لاستغلال حقل الرميلة الشمالي في محافظة البصرة. وفي تشرين الثاني 1967 أعطت الحكومة امتيازاً لشركة النفط الفرنسية إيراب (Erap) للتنقيب عن النفط واستخراجه في وسط العراق وجنوبه، بغية الحصول على العملة الصعبة.

وفي الجانب الآخر بدت العلاقات الجديدة مع السوفيت، بسبب هزيمة العرب العسكرية، عاملاً مفيداً لنشاط الحزب الشيوعي في عموم المنطقة العربية، ومنها العراق الذي انحسرت فيه قوة الحزب ونفوذه في أعقاب مطاردة ميليشيات الحرس القومي لأعضائه خلال حكم البعث الأول في 8 شباط 1963. وبقي الحزب الشيوعي منذ هزيمته المُرّة يعارض بقوة حكم عبد السلام عارف وشقيقه عبد الرحمن عارف، واصفاً إياه بأنه يمثل «عسكرية رجعية» وحكم العشيرة الواحدة، وهو ما مهّد للرموز الشيوعية لأن تشكّل قوة «فدائية» من خلاياها النائمة في العراق تمهيداً للقيام بانقلاب ضد نظام حكم الأخوين. وكانت مناطق الفرات الأوسط والأهوار أماكن مناسبة لنشر الأفكار الشيوعية بقيادة عزيز الحاج تحت اسم «القيادة المركزية».

ولم يكن الحزب الشيوعي وحده من يريد استعادة قوته أو الوصول إلى قلب السلطة، بل كان حزب البعث هو الآخر، عبر رموزه القيادية في الظل، يعيد تنظيم نفسه ويخلق خلايا سرية جديدة داخل الجيش، رغم الضربة التي أضعفت كوادره عام 1964.

اغتنم حزب البعث العاصفة الشعبية التي هبّت بعد هزيمة حزيران 1967، واندلاع المظاهرات والمسيرات العنيفة في بغداد وغيرها من مدن العراق، فبرز صدام حسين عنصراً مؤثراً في توسيع تنظيم الحزب ضد الحزب الشيوعي وضد حكومة طاهر يحيى المتهمة بالفساد. وذهب حزب البعث إلى أبعد من ذلك بتقديم عريضة دعا فيها عبد الرحمن عارف إلى تأليف حكومة وحدة وطنية، وهي تعبير عن الحضور القومي لتنظيم البعث، الذي ظهر مؤيدوه في مظاهرات عام 1952 تحت اسم «رابطة الشباب القومي»، كما تشير إلى ضعف نظام عبد الرحمن عارف وهشاشته.


أجزاء «حركات الملا مصطفى البارزاني المسلحة من 11 أيلول 1961 إلى 8 شباط 1963» (2 أجزاء):

  1. الجزء الأول
  2. الجزء الثاني (هذا الجزء)

→ الجزء الأول