الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي
حكم ذاتي مفروض (الجزء الأول)
من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2023
بحلول الوقت الذي أنهى فيه الحزب الديمقراطي الكوردستاني (حدك) نزاعه مع الحزب الشيوعي العراقي (ح ش ع)، تمكن النظام من تبني عدد من الإجراءات الرامية إلى تحييد (حدك) نهائياً. ففي 12 كانون الأول/ديسمبر 1973 قدّم حزب البعث خطته التمهيدية للحكم الذاتي إلى (حدك). وعلى الفور نشرت وسائل الإعلام العراقية برقية تأييد صادرة عمّا يسمى «الحزب الديمقراطي الكوردستاني المنافس»، فاعترضت قيادة (حدك) وأعلنت أنها لم ترسل برقية كهذه، واعترف حزب البعث بأن خطأً قد وقع.
وقبل ذلك كانت ثلاث شخصيات مركزية من (حدك) قد انتقلت إلى بغداد «بتخطيط وتشجيع من عدة دوائر معادية لقيادة الحركة القومية الكوردية»، وهذه الشخصيات هي: عضو المكتب السياسي عزيز رشيد عقراوي، وعضو اللجنة المركزية هاشم عقراوي، وإسماعيل ملا عزيز عضو اللجنة المركزية ومسؤول الفرع الخامس لـ(حدك) في بغداد. وزعم (حدك) أن «مجموعة الثلاثة قد أصبحوا ضيوفاً وصنائع لعدة دوائر حكومية».
وفي تلك الأثناء كان المؤتمر القطري الثامن لحزب البعث، الذي عُقد في كانون الثاني/يناير 1974، قد توصل إلى صياغة موقفه النهائي من (حدك). وقد لعب صدام حسين دوراً محورياً في نقاشات المؤتمر وفي صياغة تقريره. أما فيما يتعلق بالقضية الكوردية، فقد أشار تقرير المؤتمر إلى أن قيادة حزب البعث قد قررت التعاون مع (حدك) في إطار بيان آذار/مارس، ولم يُغفل المؤتمر «السياسات الخاطئة التي تتبعها شرائح معينة داخل (حدك)، والتي لها ارتباطات مشبوهة مع الدوائر الانفصالية والرجعية، كما أن لها ميولاً انفصالية». وأشار التقرير إلى أن حزب البعث كان في الوقت نفسه مطلعاً على التيارات المختلفة داخل (حدك)، ومدركاً أن عليه مسؤولية «المساعدة على خلق ظروف مواتية تسمح بإخلاص الحركة الكوردية للوحدة الوطنية العراقية».
ورغم أن التقرير اعترف ببعض الأخطاء التي ارتكبها البعث وجهاز الدولة، فإنه هاجم مواقف (حدك)، وقال عنه إنه كان منذ البداية ينظر إلى بيان آذار/مارس 1970 أداةً لتحقيق «مكاسب تكتيكية» والتقدم بمطالب جديدة. وأضاف التقرير كذلك أن «العناصر الانفصالية المشبوهة والعناصر الرجعية» في قيادة (حدك) كانت في انحدار منذ توقيع الاتفاقية، وبدأت بالتواطؤ مع دول «رجعية وإمبريالية» لإيقاف عجلة الثورة. إلا أن التقرير شدد مع هذا على وجوب عدم معالجة القضية الكوردية بناءً على تصرفات تلك الفصائل ومواقفها «طالما أنها قضية وطنية». كما أكد التقرير أن الإستراتيجية التي تبناها حزب البعث لحل تلك المشكلة سلمياً قد ثبتت فعاليتها، ولهذا فإن مهمة «العناصر الاستفزازية» في التحريض على التمرد والتدمير قد أصبحت أكثر صعوبة.
وفي الوقت الذي لم يترك فيه التقرير مجالاً للشك في نوايا حزب البعث تجاه (حدك)، تصرّف النظام لفترة من الوقت كما لو أن (حدك) ما زال طرفاً في المفاوضات. ففي 16 كانون الثاني/يناير 1974 عُقدت في بغداد جلسات لمناقشة خطة الحكم الذاتي التي تقدمت بها الجبهة الوطنية، وهذه المرة بمشاركة (حدك). وكان الوفد الكوردي برئاسة حبيب محمد كريم، بينما كان وفد البعث برئاسة صدام حسين. ورغم أن الجلسات وُصفت بأنها مناقشات بين الجبهة الوطنية و(حدك)، فإن حقيقة الأمر أن البعث كان قد طلب من (حدك) القبول بالخطة من دون اعتراضات: «فإذا كانت المرحلة السابقة قد تركت المجال للجدال والاحتكاك، فإن المرحلة الحالية مختلفة تماماً». حتى إن جريدة النهار اللبنانية نشرت تقريراً مفاده أن الخطة ستدخل حيز التنفيذ في 11 آذار/مارس 1974، بموافقة (حدك) أو من دونها.
وفي 29 كانون الثاني/يناير 1974 أرسلت «مجموعة الثلاثة» (عزيز عقراوي وهاشم عقراوي وإسماعيل ملا عزيز)، التي كان قد تمّ طرد أعضائها من صفوف (حدك)، برقية إلى الملا مصطفى البارزاني، ونُشرت البرقية في الصفحة الأولى لمجلة الرشيد العراقية الأسبوعية. وتضمنت المذكرة، التي أبرزت بحسب مجلة الرشيد «الصدع الكبير في داخل (حدك)»، اثنين وعشرين اتهاماً، أهمها: النشاطات المعادية للإجراءات الديمقراطية ولمبدأ القيادة الجماعية داخل (حدك)، وربط مصير الكورد بمصير البارزاني، والتواطؤ مع أطراف معادية للعراق والكورد، ومحاولة إقامة جدار بين الشعب الكوردي والحركة الوطنية العراقية، وأخيراً تصفية أعضاء الحزب الحقيقيين المخلصين وترقية العناصر الانتهازية داخل الحزب. وكانت الرسالة التي وُجّهت إلى الملا مصطفى البارزاني كالتالي: «نحن قررنا تحرير أنفسنا من حكمكم ونفوذكم الشخصي». وردّت صحيفة التآخي على الرسالة «المفرغة من محتواها» التي نُشرت في مجلة الرشيد، مشيرةً إلى أن (حدك) يعتبر المذكرة جزءاً من خطة شاملة تهدف إلى إضعاف القيادة الكوردية، وأنها كذلك حجة لإيقاف المناقشات الجادة لتجنب التوصل إلى صيغة محددة للحكم الذاتي.
وبحلول نهاية شباط/فبراير 1974 أصدر مجلس قيادة الثورة مرسومين: حظر أحدهما نشاط الأحزاب السياسية التي لا تنتمي إلى الجبهة الوطنية، أي (حدك) بالتحديد، وحلّ الثاني اللجنة العليا لشؤون الشمال، التي كانت تضم في عضويتها حتى ذلك الحين أعضاء من (حدك). وأعاد المرسوم تشكيل اللجنة برئاسة صدام حسين، لتتكون من أعضاء من حزب البعث فقط.
تهيئة الأمور لفرض الحكم الذاتي
حينما توقفت المفاوضات مع (حدك)، ركّز صدام حسين كل طاقاته على تعزيز موقعه وموقع النظام. ومن نتائج المؤتمر القطري الثامن لحزب البعث - الذي كانت مقرراته إلى حد كبير مقررات صدام حسين - اعتراف المؤتمر بصدام حسين زعيماً للعراق بحكم الأمر الواقع، رغم استمرار أحمد حسن البكر في منصبه رئيساً رسمياً للدولة. وقد ظهرت بادرة رمزية لهذه الحقيقة في الاحتفال بالذكرى السنوية لتسلم حزب البعث السلطة في 8 شباط/فبراير 1963، حينما كُرّم صدام حسين وحده من بين أعضاء حزب البعث بوسام الرافدين من الدرجة الأولى، تقديراً لجهوده في سبيل الحزب والثورة. وفي اليوم نفسه أعلنت لجنة يرأسها صدام حسين - كانت قد تأسست قبل أسبوعين من ذلك اليوم - سلسلة من الإجراءات العامة، تضمنت زيادةً كبيرة في رواتب العاملين في الحكومة، وفي مقدمتهم العاملون في الجيش والأجهزة الأمنية، وتخفيضاً للضرائب، ومجانية التعليم في كل المراحل الدراسية.
وظل صدام حسين مستمراً في تعزيز موقعه داخل الجيش، وأحد المظاهر الرمزية لذلك الوسام الذي تسلمه من قيادة القوة الجوية العراقية في شباط/فبراير 1974 تثميناً «لخدماته الكبيرة» للقوة الجوية. ولم يكن حافز صدام حسين لتعزيز نفوذه داخل الجيش نابعاً فحسب من حاجته إلى خلق ثقل مضاد للرئيس أحمد حسن البكر، والتخلص من «عقدة الدونية العسكرية» التي كانت تسيطر عليه لأنه لم يخدم في الجيش، بل كان يعود كذلك إلى تقديره بأن الحاجة إلى الجيش لفرض خطة الحكم الذاتي ستظهر عمّا قريب.
ومع اقتراب اليوم المنشود للحكم الذاتي أخذت الجبهة مع إيران تزداد سخونةً. فمع أوائل 1974، عندما وصلت المفاوضات حول شط العرب إلى طريق مسدود، وقعت سلسلة من الحوادث الحدودية بين العراق وإيران، أخطرها في 10 شباط/فبراير 1974، وكان كل من البلدين يلقي باللوم على الآخر في التسبب بتلك الحوادث. وكانت محاولات إيران لإيقاف تحرك بغداد مدفوعة بتصورها لخطر مزدوج ينجم عن تنفيذ الحكم الذاتي للكورد في العراق: فقدانها الورقة الكوردية التي كانت أهم أوراقها للمساومة مع العراق، وخلق نموذج للحكم الذاتي قد يرغب الكورد في إيران في تقليده. واعتقد بعض المراقبين أنه رغم أن العراق هو الذي طرح مسألة الحوادث الحدودية للنقاش في الأمم المتحدة، فإن تلك الحوادث قد خدمت في الواقع المصالح العراقية، لأنها أتاحت لبغداد تحريك فرقها العسكرية إلى المنطقة الكوردية تحت غطاء الرد على التهديد الإيراني.
وفي الوقت ذاته شُكّلت الفرقة الثامنة ومقرها أربيل، وعُيّن طه الشكرجي قائداً لها. وكان الشكرجي قد تعرّف إلى المنطقة عام 1963 حينما «حصل على التميز» بسبب أعماله الوحشية ضد الكورد. وفي كركوك قيل إن الكوريين الشماليين هم الذين ساعدوا في تدريب قوة مختلطة من الجيش والجماعات شبه العسكرية التي تسيطر عليها بغداد. وقبل أسبوعين من نشر قانون الحكم الذاتي وُضع الجيش العراقي في حالة تأهب قصوى، وفي ذلك ما يوضح عدم ثقة الحكومة بالكورد.
وفي 25 شباط/فبراير 1974 توجّه صدام حسين إلى موسكو في زيارة سرية استغرقت ثلاثة أيام، وذلك فيما يبدو لطلب مباركة الاتحاد السوفيتي لخطة الحكم الذاتي. وقد ساهم وجود رئيس أركان الجيش العراقي عبد الجبار شنشل ضمن الوفد العراقي في تقوية الفرضيات القائلة إن صدام حسين كان يسعى إلى الحصول على أسلحة إضافية من السوفييت، على خلفية سباق التسلح بين العراق وإيران واحتمال تجدد الحرب مع الكورد.
وفي 3 آذار/مارس 1974 ترأس صدام حسين اجتماعاً للجبهة الوطنية لمناقشة نتائج الزيارة وتنفيذ الحكم الذاتي في اليوم المخطط له. ووافقت الجبهة على الصياغة النهائية لمسودة الحكم الذاتي، وأحالتها إلى مجلس قيادة الثورة لإصدارها قانوناً.
وفي تلك الأثناء قام الملا مصطفى البارزاني بمحاولة أخيرة لبدء حوار مع حزب البعث. ففي 8 آذار/مارس 1974 وصل إدريس، نجل الملا مصطفى البارزاني، إلى بغداد على رأس وفد كوردي للقاء صدام حسين. وبما أن قضية كركوك كانت السبب الرئيسي للخلاف، فقد ناقش الطرفان ما لا يقل عن ثمانية خيارات لحل تلك المشكلة. وخلال المحادثات تعهد إدريس البارزاني بأن الكورد سيحرقون كل «جسورهم» مع إيران في حال توصلهم إلى اتفاق مع حزب البعث. ومع ذلك، وبدلاً من الاقتراب من المقترحات الكوردية، قرر مؤتمر حزب البعث الاستثنائي الذي انعقد في 9 آذار/مارس 1974 المصادقة على قانون الحكم الذاتي وتنفيذه في وقته المحدد.
كما تبنى المؤتمر مقترحين على هيئة إنذار لحل قضية كركوك: تضمن أحدهما الإدارة المشتركة للمحافظة برعاية الحكومة المركزية، بينما تضمن الآخر تقسيم المحافظة بحيث يُلحق اثنان من أقضيتها بمنطقة الحكم الذاتي وتبقى الأقضية الأخرى تحت سلطة الحكومة المركزية. ومُنح الكورد خمسة عشر يوماً لقبول أحد هذين المقترحين.
واعتبر إدريس البارزاني عمل الحكومة هذا إنذاراً نهائياً، فأوقف المحادثات وعاد إلى كوردستان. ومع هذا، وفي 10 آذار/مارس 1974، وصل دارا توفيق إلى بغداد يحمل مقترحاً بديلاً يتضمن إدارة مشتركة برعاية حكومة الحكم الذاتي. وأعلن الملا مصطفى البارزاني أنه سيوافق على برنامج النظام للحكم الذاتي إذا قُبل اقتراحه. لكن حزب البعث رفض هذا المقترح أيضاً، إضافةً إلى مقترحين آخرين، وكان ذلك إشارة إلى فشل كل محاولات الحوار.
نموذج البعث للحكم الذاتي
في الذكرى السنوية الرابعة لبيان آذار/مارس 1970 أصدر النظام (الحكومة وحزب البعث) قانون الحكم الذاتي، معلناً التزامه بتنفيذ البيان في 11 آذار/مارس 1974. وفي الوقت نفسه نشر النظام تعديلاً على الدستور المؤقت للبلاد تضمن مادة تنص على أن «المنطقة التي تتضمن أغلبية كوردية ستتمتع بالحكم الذاتي».
إن مراجعة دقيقة لقانون الحكم الذاتي تُظهر لنا أنه تجاهل بعض المطالب المهمة التي تقدم بها (حدك)، وهي: تحديد حدود منطقة الحكم الذاتي وضم كركوك إليها، وتعيين الكورد في كل أجهزة الدولة بما فيها الجيش وفقاً لنسبتهم المئوية من السكان، وتخصيص الموارد المالية للكورد بما يتناسب ونسبتهم إلى عموم السكان. وأشار القانون إلى أن جهاز الأمن ودوائر الجنسية ستكون تابعة لوزارة الداخلية، التي ستكون مسؤولة عن تعيين المسؤولين في هذين القطاعين وإقالتهم.
ورغم أن قانون الحكم الذاتي سمح للكورد بتأسيس هيئة تشريعية (برلمان)، فإن التناقض التاريخي الناجم عن ذلك تمثّل في أن الكورد سيمتلكون هيئة تشريعية منتخبة (المجلس التشريعي) في حين لا توجد هيئة كهذه في وسط العراق. كما سمح القانون بتشكيل مجلس تنفيذي، ولكن، بخلاف المقترح الكوردي، لم يكن رئيس المجلس منتخباً من قبل المجلس التشريعي، بل يعيّنه رئيس الجمهورية، الذي تضمنت صلاحياته إقالة رئيس المجلس التنفيذي وحل المجلس التنفيذي.
أما الخطوة الأساسية التي اتخذها النظام (حزب البعث) ليضمن عدم انحراف الهيئتين التشريعية والتنفيذية الكورديتين، فتمثلت في تخويل هيئة إشرافية مؤلفة من محكمة الاستئناف ببغداد إلغاءَ أي قرار يصدر عن الهيئتين أو عن أي هيئة أخرى في منطقة الحكم الذاتي. وكان تمتع رئيس الجمهورية بصلاحية حل المجلس التشريعي صمام أمان آخر. واختيرت أربيل بدلاً من السليمانية مركزاً إدارياً لمنطقة الحكم الذاتي بسبب سهولة الوصول إليها وسهولة السيطرة عليها، بخلاف السليمانية التي كانت معقلاً للقومية الكوردية لعدة أجيال.
وفور نشر قانون الحكم الذاتي بثّت إذاعة بغداد تصريحات كان صدام حسين قد أدلى بها مسبقاً في اجتماع الجبهة الوطنية، شرح فيها أن حزب البعث قد سعى حتى اللحظات الأخيرة للتوصل إلى اتفاق مع (حدك) حول قانون الحكم الذاتي، وأن (حدك) قد أحبط تلك المحاولات. وذكر ثلاثة أسباب تقف وراء تصميم النظام على إنفاذ القانون في ذلك الوقت رغم طلب (حدك) تأجيله:
- أن حزب البعث سعى إلى تعزيز أواصر الثقة مع الشعب الكوردي، على ضوء خيبات الأمل المتوارثة من الأنظمة السابقة، والمحاولات الأخيرة الرامية إلى إلقاء ظلال الشك على نيته منح الحكم الذاتي للكورد.
- أن البعث سعى إلى أن يثبت أن «الكورد هم أبناء شعبنا، ونحن أكثر اهتماماً بمستقبلهم من أولئك الذين يدّعون أنهم أبناء القومية الكوردية».
- وبحسب عدد لاحق من جريدة الثورة، لمّح صدام حسين إلى أن (حدك) قد سعى إلى إحباط تنفيذ بيان آذار/مارس وقانون الحكم الذاتي «لأنهم أرادوا إقامة دولة جديدة في العراق».
أما فيما يتعلق بالنزاع حول تحديد حدود منطقة الحكم الذاتي ومطالبة (حدك) بضم كركوك إليها، فقد أكد صدام حسين أن حزب البعث لا ينظر إلى الحكم الذاتي على أنه صدع بين العراقيين والكورد، بل «كاندماج كامل جنباً إلى جنب مع تحديد حدود المنطقة التي سيتم فيها الحفاظ على الحقوق القومية الكوردية». وشدّد على أن من المستحيل تعقّب «ظل» كل كوردي ومنح الحكم الذاتي لكل قطعة أرض صادف أن عاش عليها كوردي، وعلى أنه حتى لو كان ذلك ممكناً من الناحيتين «القانونية والنفسية»، فإن حكماً ذاتياً كهذا سيسمى «الحكم الذاتي للعراق» وليس للكورد، لأنه سيتعلق بكل العراقيين. ورفض صدام حسين القول بأن للكورد «حقاً تاريخياً» في منطقة كركوك لأنها كانت كوردية في الماضي، مؤكداً أن للعرب، وفق المنطق نفسه، الحق في المطالبة بإسبانيا لأنفسهم.
كما كشف صدام حسين أن (حدك) كان راغباً في القبول بقانون الحكم الذاتي حتى اللحظة الأخيرة شرط أن يتنازل حزب البعث عن كركوك، إلا أن النظام رفض ذلك مصرّحاً بأنه غير قابل للتفاوض. ورفض صدام حسين كذلك المطالب الكوردية بتخصيص حصة من ميزانية الدولة للكورد تماثل نسبتهم من عدد السكان، وقال إن صيغة كتلك قد يمكن تطبيقها في اتحاد فيدرالي، ولكن ليس في إطار الحكم الذاتي. وفيما يتعلق بانتخابات المجلس التشريعي الكوردي، فقد رفض صراحةً ومن دون دبلوماسية احتمال إجراء انتخابات كهذه في المستقبل القريب.
وأخيراً وجّه صدام حسين إنذاراً إلى (حدك) بالانضمام إلى الجبهة والقبول بقانون الحكم الذاتي خلال خمسة عشر يوماً، ملمّحاً إلى أنه «خلال تلك الفترة لن نبحث عن بديل عنكم، ولكن فيما بعد ذلك لن نوافق على عقد تحالف معكم، وبعد ذلك التاريخ سيكون هناك ممثلون آخرون عن (حدك) قد يمثلون الحزب الديمقراطي الكوردستاني في الجبهة الوطنية».
وباسترجاع ما حدث حينها يمكن القول إن حزب البعث قد دعا فعلاً إلى الحكم الذاتي، ولكن فقط وسيلةً لصهر الكورد وتعزيز ارتباطهم بالدولة القومية. وقد تعارض ذلك تعارضاً حاداً مع تطلعات الحركة القومية الكوردية إلى تأسيس هوية منفصلة لكوردستان وإضعاف ارتباطها بالمركز، ولهذا فإن تصادم الهويات والمصالح لم يضعف، بل تعمّق بمرور الزمن. إن نظرة حزب البعث المتأرجحة قد تفسر هذا التناقض التاريخي لنظام يتبنى نظرة قومية عروبية - مثل نظرة حزب البعث - ويعترف في الوقت نفسه بحق أمة أخرى في الحكم الذاتي ضمن حدوده. ومن وجهة نظر عملية، سعى النظام إلى استخدام إطار الحكم الذاتي قاعدةَ انطلاق لتحقيق الأهداف التالية:
- كسب تأييد الشعب الكوردي وكبت حافزه للثورة.
- تحييد المقاومة الكوردية المسلحة، وتحقيق سيطرة الجيش على المنطقة من دون شن حرب.
- دق إسفين بين القيادة الكوردية والسكان الكورد، بهدف التخلص نهائياً من تلك القيادة.
أجزاء «حكم ذاتي مفروض» (2 أجزاء):
- الجزء الأول (هذا الجزء)
- الجزء الثاني