الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

حكم ذاتي مفروض (الجزء الثاني)

من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2023

إحكام الطوق

غداة نشر قانون الحكم الذاتي في 11 آذار/مارس 1974 بثّت وسائل الإعلام الكوردية بحفاوة كبيرة برقية من (حدك) يعبّر فيها عن تأييده الحماسي للقانون. وكانت البرقية موقعة من ثلاثة من قادة الحزب هم: عزيز رشيد عقراوي وهاشم عقراوي وإسماعيل ملا عزيز، وكانت تلك إشارة واضحة إلى أن «مجموعة الثلاثة» كان مقدّراً لها أن تعمل «بديلاً» عن (حدك). وكان هناك مؤيد آخر للقانون يقبع في الظل، هو الحزب الثوري الكوردستاني (ح ث ك) الذي يقوده عبد الستار طاهر شريف؛ ففي اليوم نفسه وُزّعت في بغداد والمدن الأخرى مئات الكراسات التي أعدّها هذا الحزب، تدعو الكورد إلى تأييد قانون الحكم الذاتي. كما أعلنت وسائل الإعلام تأييد شخصيتين كورديتين أخريين للقانون، هما الشيخ عثمان البارزاني، ابن الشيخ أحمد الشقيق الأكبر للملا مصطفى البارزاني، وعبيد الله البارزاني، ابن الملا مصطفى البارزاني نفسه. وقد ذكر عبيد الله البارزاني في برقيته: «شعبنا الكوردي مطلوب منه الآن أن يحقق حقه الشرعي في الحكم الذاتي، وذلك بالتعاون مع شعبنا العراقي النبيل وكل القوى الوطنية التي تهمها وحدة العراق وسعادة شعبه».

وفي الوقت الذي عبّر فيه الحزب الشيوعي العراقي عن تأييده للقانون، فإنه ترك فسحةً لـ(حدك) لكي ينضم إلى الجبهة الوطنية ويساعد في تنفيذ قانون الحكم الذاتي. كما أثنت البرافدا، صحيفة الحزب الشيوعي السوفيتي، على القانون، وحذّرت من ظهور «قوى يمينية» تحاول إثارة ميول انفصالية.

ومن جانبه التزم (حدك) الصمت. فعدد 12 آذار/مارس 1974 من صحيفة الحزب «التآخي» أغفل قانون الحكم الذاتي، وأعلن قرارها التوقف عن الصدور. وبعد ذلك بيومين عادت إذاعة كوردستان إلى بث برامجها بعد توقف دام أربع سنوات، وفي أول بث لها حثّت الإذاعة الشعب الكوردي على حمل السلاح «لإنقاذ الأرض الكوردية من أيدي الحكومة العراقية». وحتى قبل إعلان الحكومة سرت شائعات بأن كل الرجال القادرين قد أُخرجوا من المدن، وأنه في بعض الحالات قد أُخليت «قرى بأكملها» إلى التلال والجبال.

وبعد ذلك بفترة قصيرة بدأ الملا مصطفى البارزاني بالاشتباك مع الجيش العراقي على طول الحدود التركية. وفي أعقاب نجاحاته الأولية التحق الكورد من مختلف قطاعات الحكومة بمعسكرات الحركة الكوردية، من الضباط والجنود الكورد في الجيش العراقي، ومن الشرطة والمهندسين والأطباء والطلاب ورجال الدين وغيرهم. وتقدّر بعض المصادر عدد الذين التحقوا بمعسكرات الحركة الكوردية بمئة ألف، منهم 60 طبيباً و4500 معلم وخمسة آلاف شرطي و160 مهندساً و100 ضابط، والعديد من الطلاب.

وفي تلك الأثناء ظهرت مقالة مؤيدة للكورد في إحدى الصحف الإيرانية جاء فيها: «فيما استعد الجيش العراقي لحرب قد تمتد سنوات عدة، فإن الحماسة والإيمان بتحقيق الحكم الذاتي الحقيقي قد تضاعفت أضعافاً بين الكورد خلال السنوات القليلة الماضية». وفي الفترة نفسها ناشد يديدا بيري، عضو الكنيست الإسرائيلي من جناح اليمين، وزير الخارجية الإسرائيلي أبا إيبان أن يطالب الحكومة بإعلان تأييدها للكورد رسمياً، لكن مطالبته لم تلقَ استجابة. وكذلك لم تفلح محاولات الملا مصطفى البارزاني في جرّ الولايات المتحدة إلى إعلان تأييدها للكورد، في حين استمرت خلف الكواليس اتصالاته بالولايات المتحدة بخصوص تزويده بالسلاح والمساعدات الأخرى.

وفي 23 آذار/مارس 1974 زار وزير الدفاع السوفيتي أندريه غريتشكو العراق. ولم يكن توقيت الزيارة قرب نهاية مهلة الإنذار مصادفة، لا سيما أنها كانت تهدف إلى الضغط على الكورد لقبول قانون الحكم الذاتي. وزعم تقرير نُشر في وقت لاحق أن غريتشكو سعى إلى التوسط بين البعث والكورد، لكن الملا مصطفى البارزاني رفض تلك الجهود بنصيحة من إيران والولايات المتحدة. ومع ذلك فمن المنطقي القول إن ذلك لو كان صحيحاً، فإن نصيحة كتلك لم تكن لتؤدي إلا إلى تعزيز موقف البارزاني الذي نضج على خلفية التطورات التي حدثت خلال السنوات القليلة الماضية.

ومن ناحية أخرى، وبناءً على ظروف زيارة غريتشكو وتوقيتها، لم يبدُ أنه كان لا يزال يأمل في إصلاح ما فسد بين الجانبين، بل كانت الزيارة للمصادقة على مبادرة حزب البعث. فقد كان من الواضح أن صدام حسين توصل خلال زيارته إلى موسكو في 24 شباط/فبراير 1974 إلى تفاهم تام مع الاتحاد السوفيتي فيما يتعلق بدعمه للنظام العراقي، إلا أن السوفييت والعراقيين أجّلوا الإعلان الرسمي لحين انتهاء مهلة الإنذار، بهدف إلقاء اللوم على الكورد في إفشال الحل. وفي ختام زيارة غريتشكو صدر إعلان مشترك حول تعزيز التعاون بين العراق والاتحاد السوفيتي من الناحية العسكرية إضافةً إلى النواحي الأخرى. وتضمن الإعلان كذلك، في رسالة غير مباشرة إلى الكورد وإيران، أن الاتحاد السوفيتي سيقف إلى جانب العراق في أي حرب مستقبلية.

وفي 26 آذار/مارس 1974، وهو اليوم الأخير لاستجابة الكورد للإنذار الحكومي، أصدر حزب البعث قانون المجلس التشريعي لمنطقة كوردستان. ووفقاً للمادة (10) منه، يمكن اختيار أعضاء المجلس التشريعي الأول من غير طريق الانتخاب. وقد مثّل ذلك تآكلاً صارخاً لقانون الحكم الذاتي الذي نص على أن أعضاء المجلس يُنتخبون ولا يُعيّنون.

وبعدها بفترة قصيرة بدأ النظام حملةً لتغيير الموظفين بهدف إضعاف معسكر الملا مصطفى البارزاني. ففي 4 نيسان/أبريل 1974 استُبدل ثلاثة من القائمقامين الموالين للبارزاني بآخرين موالين للنظام العراقي (البعث). وفي 7 نيسان/أبريل 1974 استُبدل الوزراء الخمسة الموالون للبارزاني بكورد موالين للبعث، كما حُلّت وزارة شؤون الشمال. وكان من بين الوزراء الجدد عبيد الله البارزاني، ابن الملا مصطفى البارزاني، وزيراً بلا وزارة. وفي معرض توضيحه لتعيين عبيد الله البارزاني قال صدام حسين: «ولاؤنا الجديد في سياستنا الجديدة ليس ولاءً عائلياً أو عشائرياً، فهذه الأنماط لم يعد لها وجود في العالم. نحن نؤمن ونعرف أن هناك أناساً آخرين في عائلة الملا مصطفى البارزاني ممن يتجاوبون بإيجابية ومن دون خداع مع سياستنا، وفي المستقبل سترون من أين يأتي الناس الذين يؤيدون سياستنا».

وفي 21 نيسان/أبريل 1974 عُيّن طه محيي الدين معروف نائباً لرئيس الجمهورية، فهاجمت إذاعة كوردستان «النجم» الجديد بشدة، ووصفته بالانتهازي الذي لا يمثل إلا نفسه، والمستعد لخدمة «زمرة من الديكتاتوريين في أعمالهم الإجرامية في قتل وذبح أبناء شعبه الكوردي، مقابل منصب حقير لا سلطة له داخل النظام العراقي (البعث)، رغم أنه قد يبدو منصباً مهماً».

ولم يأتِ رد (حدك) على قانون الحكم الذاتي إلا بعد أن بدأ الصراع المسلح فعلاً. ولم يكن هذا الرد، الذي هدف إلى تبرير رفض القانون، موجهاً إلى السلطات الحكومية فحسب، بل كان يرمي إلى ضمان تأييد المعسكر الكوردي واللاعبين الدوليين، وخاصةً الدول الغربية. ففي مقابلة مع صحيفة نيويورك تايمز أعلن الملا مصطفى البارزاني أن «كوردستان قد أصبحت عاملاً مهماً في المعادلة العسكرية والسياسية في الشرق الأوسط، وأن من واجب الحكومات الغربية أن تنصحنا بالدور الذي يجب أن نلعبه». لكنه شدد مع ذلك على أن الكورد ما زالوا بحاجة إلى ضمان تأييد الغرب «الجدي والشامل والثابت».

لقد قام رفض القيادة الكوردية للحكم الذاتي على ثلاث نقاط: التجربة السابقة مع حزب البعث، والطريقة التي أُسّس بها الحكم الذاتي، وآخرها وأهمها جوهر الحكم الذاتي نفسه. فقد أشار (حدك) إلى نهج حزب البعث التكتيكي بعد التوقيع على الاتفاقية، وكان الهدف النهائي لذلك النهج - الذي ظهر، من بين أمور أخرى، في محاولتي اغتيال الملا مصطفى البارزاني - تقويض سلطة (حدك) وحصره في موقف معزول داخل المعسكر الكوردي، ثم إقصاءه عن قيادة الكورد وعن تسوية المشكلة الكوردية. أما عن طريقة المصادقة على قانون الحكم الذاتي، فقد أكد (حدك) أنها كانت عملاً منفرداً من حزب البعث ينمّ عن شخصيته «المتعالية» و«الشوفينية»، ويرمي إلى وضع (حدك) والمعسكر الكوردي وقيادته بأكملها أمام الأمر الواقع. والدليل على ذلك، كما أشار (حدك)، أن حزب البعث أهمل خطة (حدك) للحكم الذاتي، ورفض رفضاً قاطعاً مناقشة أي تغييرات على خطته الخاصة. ووصف (حدك) قانون الحكم الذاتي بأنه «ضعيف ومحتال ومزيف ومشوه»، وقال إن حزب البعث قد أفرغه من كل محتواه وحوّله إلى مجرد برنامج للامركزية.

وقد أشار (حدك) إلى العديد من نقاط الضعف في قانون الحكم الذاتي، أهمها ما يلي:

  1. سيطرة الحكومة المركزية على الهيئتين التشريعية والتنفيذية للحكم الذاتي.
  2. لم يرد فيه ذكر للتمثيل العادل في مؤسسات الحكومة المركزية، بما فيها المناصب الحساسة في الحكومة والجيش والشرطة.
  3. لن يكون للكورد رأي في السياسة الداخلية والخارجية والشرطة، وهي أمور كانت تحت السلطة الحصرية لحزب البعث.
  4. والأهم من ذلك كله أن حزب البعث لم يتحرك للتقرب من الكورد فيما يتعلق بكركوك، «رغم أن كل الحقائق التاريخية والجغرافية والسكانية والاقتصادية تُظهر بما لا يدع مجالاً للشك أن كركوك منطقة كوردية» (راجع كتاب «كركوك والحقوق الكوردية» للدكتور عبد العزيز المفتي).
  5. وقبل كل شيء كان غياب المؤسسات الديمقراطية في المركز (حكومة بغداد)، في نظر الكورد، العيب الأساسي الذي حال دون وجود ضمان حقيقي لتنفيذ حكم ذاتي كوردي حقيقي.

ورغم كل تلك الحجج، فقد بدا أن الدافع الرئيسي وراء رفض قانون الحكم الذاتي كان انعدام ثقة الكورد بالنظام العراقي وحزب البعث. فقبول قانون كهذا، من وجهة نظر (حدك)، كان كمن يوقّع على وثيقة خضوع رسمية لن تؤدي إلى هلاكه فحسب، بل إلى هلاك الحركة القومية الكوردية بأكملها. إلا أن هذا الموقف لم يكن ناجماً عن الشعور بالضعف، لا سيما أن (حدك) - الذي كان يقوده الملا مصطفى البارزاني - ظل الحاكم الكوردي لمنطقة كوردستان بلا منازع. هذا بالإضافة إلى أن الحركة الكوردية ظلت موحدة رغم محاولات النظام العراقي وحزب البعث المستمرة لتقسيمها وبثّ بذور الفرقة في صفوفها، إذ ظل معسكر جلال الطالباني يدعم قرارات الملا مصطفى البارزاني، على الأقل في تلك المرحلة. وفي ربيع 1974 توصلت العناصر اليسارية في المعسكر الكوردي - التي أيّدت بحماس في البداية الاتفاق مع حزب البعث، وكانت في مقدمة أشد المعارضين للعلاقات مع إيران - إلى قناعة بأن حزب البعث لا يسعى إلى التوصل إلى تفاهم مع (حدك). يضاف إلى ذلك أن مؤيدي حزب البعث من الكورد لم يكونوا من النخبة، ولهذا لم يكن لهم تأثير على الجماهير الكوردية.

أما تأييد عبيد الله البارزاني، نجل الملا مصطفى البارزاني، فكانت قيمته دعائية أكثر منها سياسية. والعامل الآخر الذي ساهم في تشديد عزيمة الكورد كان اعتقادهم بأن الولايات المتحدة الأمريكية ستدعمهم، على الأقل من خلف الكواليس. وعلى هذه الخلفية يمكن فهم التصريح التالي لأحد أتباع الملا مصطفى البارزاني حول قدرة الكورد على إحباط أي هجوم عراقي: «الملا مصطفى البارزاني ليس غبياً، فهو لن يقول لا للعراقيين إذا ظن أنه ليس قادراً على صد الهجوم العراقي». ورغم هذه التأكيدات، فإن قرار الملا مصطفى البارزاني هذا سيصبح موضع جدل كبير في المعسكر الكوردي، وخصوصاً على خلفية التطورات اللاحقة.

أما النظام العراقي (البعثي) من ناحيته، فقد كان قراره بفرض قانون الحكم الذاتي من طرف واحد مدفوعاً بشعوره بقوة غير مسبوقة، وبقناعته بأنه سيكون ممكناً أخيراً سحق الثورة الكوردية التي يقودها الملا مصطفى البارزاني. ويمكن تفسير شعور النظام العراقي والبعث بتلك القوة نوعاً ما؛ فتحالفه مع الاتحاد السوفيتي، الذي اكتسب مغزى أكبر بعد زيارة وزير الدفاع السوفيتي للعراق، عزّز شعور النظام بأنه حصل على دعم قوة عظمى. وعلى المنوال نفسه تعزّزت قوة الجيش العراقي كثيراً بتدفق الأسلحة الحديثة إليه، كما أصبح الاقتصاد أقوى بفضل ارتفاع أسعار النفط وتدفق الأموال إلى خزينة الدولة. وكان النصر الآخر للنظام العراقي نجاحه في دقّ إسفين بين (حدك) و(ح ش ع)، واصطفاف (ح ش ع) للمرة الأولى إلى جانب حزب البعث، غريمه التاريخي والأيديولوجي. وقبل كل شيء كان النظام العراقي واثقاً من أن رغبة الكورد في القتال قد ضعفت كثيراً نتيجة الرخاء والهدوء اللذين سادا كوردستان عقب اتفاقية 1970. وهذا الشعور بالثقة هو الذي دفع صدام حسين إلى الإعلان بأن «أقصى ما يمكن أن نأخذه بنظر الاعتبار هو أن يرفع الملا مصطفى البارزاني راية الاستسلام البيضاء، فنحن لن نقبل أبداً أن نجلس إلى الطاولة نفسها التي يجلس عليها هؤلاء العملاء وأن نتفاوض معهم، لأن الملا مصطفى البارزاني قد استفاد كثيراً من تلك التكتيكات في الماضي». وهكذا أصبح الطريق إلى الحرب ممهداً.


أجزاء «حكم ذاتي مفروض» (2 أجزاء):

  1. الجزء الأول
  2. الجزء الثاني (هذا الجزء)

→ الجزء الأول