الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي
رؤية مستقبلية لتشكيل الدولة الكوردية المستقلة في كوردستان (الجزء الأول)
من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2015
أحد الدروس التي يمكن استخلاصها من التاريخ الحديث للشرق الأوسط أن التغيير في المنطقة يكون أكثر قبولاً لو جرى على أيدي المواطنين لا بأيدي الأمريكيين. لقد تدخلت الولايات المتحدة في العديد من الدول بحجة وصول هذه الدول إلى مرحلة الدولة الفاشلة.
وهناك من يرى أن الشعب الكوردي أضحى أمام حالة من استعادة الوعي القومي الكوردي، والإحساس بقدرته على التأثير والتغيير، عبر فرصة تاريخية قد لا تتكرر لنيل ما يراه حقوقه القومية، في ظل السياقات الإستراتيجية الجديدة التي تشكلت في الشرق الأوسط، وجملة التحديات المتصاعدة أمام النظم السياسية العربية. فقيام كوردستان الكبرى لم يعد أمراً بعيد المنال في ظل إعادة التشكيل الحالية للجغرافيا السياسية في الشرق الأوسط، مما يشكل تحدياً للدول الأربع التي يقطنها الكورد (تركيا وإيران والعراق وسوريا). ومن هنا تبرز عدة مشاهد هي:
المشهد الأول: استمرار الوضع على ما هو عليه
يبدو أن القضية الكوردية واستقلال الكورد مطروحان الآن وبشدة؛ فقد حصل كورد العراق على حقوق سياسية واقتصادية جعلتهم يحصلون على أكثر من فيدرالية، وأتاح لهم الوضع الفيدرالي نيل ما كانوا يسعون إليه. كذلك أتاحت الظروف الإقليمية والدولية لكورد سوريا الحكم الذاتي، بعد أن فقدت الحكومتان المركزيتان في العراق وسوريا القدرة على حماية أراضيهما. فقد وفّر العامل الداخلي، أي سيطرة تنظيم داعش على بعض الأراضي السورية والعراقية، حرية أكبر للكورد للمطالبة بالاستقلال أو الحكم الذاتي أو حماية مناطقهم الكوردية بعيداً عن الحكومات المركزية.
ومع تدخل العامل الخارجي، أي تدخل التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة، وروسيا، في محاربة الحركات المسلحة في العراق وسوريا، أصبحت الحكومتان المركزيتان في العراق وسوريا في وضع جيد بعد أن كانتا قد فقدتا السيطرة على مساحات كبيرة من أراضيهما، وهكذا استعادتا بعض الأراضي التي كانت تحت سيطرة الجماعات المسلحة (داعش). وفي اعتقادنا أن هذه الحرب ستطول عدة سنوات قد تصل إلى عشرين سنة، نظراً لاستخدام الجماعات المسلحة حرب العصابات، وسيبقى الحال على ما هو عليه بين كرّ وفرّ. إن الفائز من الوضع الحالي هو الشعب الكوردي في كوردستان، الذي أصبح له وضع خاص لا يسمح مهما كان بالعودة إلى الوراء، إلى الوضع القديم المتمثل في سيطرة الحكومة المركزية في العراق وسوريا على المناطق الكوردية.
المشهد الثاني: استقلال كوردستان العراق
يبدو أن مشهد استقلال كوردستان العراق بات قريباً جداً، بعد اتساع الخلاف بين المركز في بغداد وإقليم كوردستان العراق، واعتماد الإقليم على تصدير النفط إلى الخارج والانتفاع بوارداته خارج سيطرة الحكومة المركزية، وبعد الزيارة التي قام بها رئيس إقليم كوردستان العراق مسعود البارزاني إلى الولايات المتحدة، والتي أعطت الدعم المعنوي لانفصال الإقليم عن المركز، وتصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو بدعم إسرائيل انفصال الكورد عن بغداد بعد سيطرتهم على المناطق الكوردية المتنازع عليها. فكوردستان العراق عملياً منفصلة عن العراق من النواحي السياسية والاقتصادية والعسكرية، وتنتظر الاعتراف الرسمي من الولايات المتحدة والمجتمع الدولي، أي أنها تنتظر «الوقت المناسب» للاعتراف القانوني بها، وأعتقد أن ذلك لم يعد بعيداً جداً.
وعلى وقع التطورات الجارية في الشرق الأوسط، ثمة اقتناع يترسخ يوماً بعد آخر لدى الكورد في كوردستان بأنهم أمام فرصة تاريخية قد لا تتكرر لتحقيق حلمهم القديم الجديد بتشكيل دولة كوردية مستقلة. وعليه يمكن القول إن طرح مسعود البارزاني إقامة الدولة الكوردية المستقلة في واشنطن في هذا التوقيت استند إلى جملة من العوامل والأسباب، أهمها:
أ. بات الكورد يشكلون قوة حليفة للولايات المتحدة وللغرب عموماً في الحرب ضد داعش، وبإمكان الولايات المتحدة الاعتماد عليهم في هذه الحرب لتحقيق أهدافها.
ب. نجح إقليم كوردستان العراق عملياً في بسط سيطرته على ما كان يعدّه مناطق كوردية متنازعاً عليها مع المركز في بغداد، ولا سيما منطقة كركوك الغنية بالنفط والغاز، ورسمت هذه السيطرة الحدود الجغرافية للإقليم، ووفرت له مورداً مالياً يمكّنه من الاستغناء عن بغداد.
ج. الانفتاح الغربي والإقليمي على إقليم كوردستان العراق؛ فالإقليم، من خلال مؤسساته (البرلمان والحكومة والبيشمركة)، يتبع سياسة براغماتية نجحت في نسج علاقات مع أمريكا وأوروبا، وعلى المستوى الإقليمي مع تركيا والأردن ودول الخليج العربي، وإلى حد ما مع إيران. وبفضل هذه السياسة بات الإقليم لاعباً مهماً في المعادلة العراقية والإقليمية، خصوصاً أن علاقاته القوية مع بقية القوى الكوردية في الأجزاء الأخرى من كوردستان تجعل منه عاملاً مهماً في الأحداث الإقليمية الجارية.
ويدرك مسعود البارزاني أن الإستراتيجية الأمريكية تجاه العراق رسمت على أرض الواقع ملامح ثلاث دول في العراق أو مسارها، وهي سياسة دشّنها عملياً نائب الرئيس الأمريكي جو بايدن عندما طرح تقسيم العراق إلى ثلاثة أقاليم هي عبارة عن ثلاث دول، في نظام أقرب إلى الكونفدرالي منه إلى الفيدرالي المعمول به حالياً. وفي هذا السياق فإن مشروع القرار الأخير المعروض على الكونغرس، والذي ينص على دعم البيشمركة والعشائر السنية بوصفهما طرفين مستقلين بمعزل عن موافقة الحكومة العراقية، يشكّل نقطة مهمة في مسيرة الاعتراف الأمريكي باستقلال إقليم كوردستان. ومسعود البارزاني، في إدراكه لهذه الظروف، يعتقد أن مفتاح تشكيل الدولة الكوردية موجود في واشنطن، نظراً لنفوذها الكبير في الشرق الأوسط، ولدورها على الساحة العالمية وتأثيرها في قرارات الدول الأخرى، ونفوذها في المنظمات الدولية، وبالتالي قدرتها على إنجاح أي قرار أو إفشاله.
كما حصل مشروع تأسيس الدولة الكوردية على تأييد أهم داعمي التقسيم في الشرق الأوسط؛ فقد اختار رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو هذا الوقت للإعلان عن تأييد إسرائيل لدولة كوردية مستقلة. ولم يصرّح نتنياهو بذلك من قبل، بل انتظر حتى اكتملت الحدود الجغرافية المطلوبة لهذه الدولة الكوردية بعد أن وضعت البيشمركة يدها على المناطق الكوردية المتنازع عليها مع بغداد. كما أن التعجيل بإعلان التأييد للدولة الكوردية المستقلة جاء في أعقاب تسلّم إسرائيل أول شحنة من النفط الكوردي عبر تركيا.
ولم تعد تركيا تعارض استقلال كوردستان العراق، لأن لديها مصالح اقتصادية كبيرة تربطها به، وهذه المصالح قائمة ما دام النفط يتدفق عبر الأراضي التركية. أما إيران فهي الأخرى لم تعد تخشى الاستقلال الكوردي في شمال العراق، فهو لا يشكل تهديداً صريحاً لها في الوقت الحاضر.
أما الدعم الدولي للكورد فقد عزّزه التوجه الأمريكي حيال كورد كوردستان العراق بوصول تيار المحافظين الجدد إلى البيت الأبيض، حيث أشار التقرير إلى أن المشكلة الكوردية ستبقى عنصراً من عناصر عدم الاستقرار بين دول الشرق الأوسط إذا لم تُعالج بصورة صحيحة، وأن الأقلية الكوردية في الشرق الأوسط التي لم تحقق دولتها ستصبح لعبة بيد القوى الدولية لتحقيق مصالح إستراتيجية في المنطقة. وقد قُدّم التقرير إلى مجلس المخابرات القومي الأمريكي (CIA)، وتناول مستقبل العالم من العام 2000 حتى العام 2015، وتطرق إلى قضايا القوميات والإثنيات في الشرق الأوسط، حيث توقع أزمات قومية في عموم منطقة الشرق الأوسط، وأن يتجه الكورد في تلك المنطقة إلى المطالبة بالاستقلال وتكوين دولة كوردية مستقلة في كوردستان العراق، مع تنامي النزعة الانفصالية لدى كورد تركيا وإيران وسوريا، واندلاع أزمة قومية كبيرة في المنطقة.
وهناك كذلك دراسة جيمس دوبنز حول ما وصفه بالدليل الذي يسترشد به صانع القرار في عملية بناء الدولة تحت الاحتلال. وهناك أيضاً دراسة حول بناء الأمة في السياسة الخارجية الأمريكية منذ الرئيس فرانكلين روزفلت حتى الرئيس جورج بوش الابن، وتأتي أهميتها من كونها ركّزت على عملية صنع القرار الخاص بالتدخل العسكري لإعادة بناء الدولة داخل الإدارات الأمريكية المختلفة، بدءاً من قرار احتلال اليابان وألمانيا في عهد إدارة روزفلت، مروراً بحالات الصومال وهايتي والبوسنة وكوسوفو في عهد إدارة بيل كلينتون، ثم حالتي أفغانستان والعراق في عهد إدارة بوش الابن.
إن العقبة الداخلية أمام الكورد في تحقيق حلمهم ستكون مع الحكومة المركزية في العراق التي لا توافق على سيطرة الكورد على المناطق الكوردية المتنازع عليها. ولكن انشغال الحكومة العراقية بمشاكلها الداخلية، وباحتلال داعش مساحات واسعة من أرض العراق، سيحيّدها حالياً عن المطالبة بهذه الأراضي الكوردية، ولن تعارض خيار الشعب الكوردي في الاستقلال. ويبقى إعلان الدولة الكوردية مسألة وقت لا أكثر، فعند اكتمال الصورة لدى الولايات المتحدة لسيناريو تغيير الشرق الأوسط ستصبح دولة كوردستان حقيقة واقعة لا مفر منها. ولقد استفادت كوردستان من الوقت في الحصول على قبول استقلال كوردستان العراق من دول الجوار التي كانت تعارضه بشدة، كما حصلت كوردستان العراق على الدعم الإسرائيلي الذي له تأثير واضح على سياسة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط.
المشهد الثالث: استقلال كوردستان سوريا
لقد بات من المؤكد أن الكورد، في سوريا والعراق على الأقل، سيلعبون دوراً مركزياً في الحرب على داعش. فقد أثبت المقاتلون الكورد (البيشمركة) أنهم يستطيعون الوقوف في وجه داعش والحد من توسعه الجغرافي في المنطقة. وبما أن الإدارة الأمريكية أبدت رفضها إرسال قوات برية إلى المنطقة لمحاربة الجماعات الجهادية (داعش)، فإن الكورد قد يكونون حليفاً إستراتيجياً لواشنطن في مشروعها طويل الأمد ضد الحركات الجهادية في الشرق الأوسط. وفي غضون ذلك ربما يعمل الأمريكيون مع حلفائهم الإقليميين على خلق بيئة في الدول التي يقطنها الكورد تمكّنهم من التمتع بحقوقهم القومية والديمقراطية، بشرط ألا يؤثر ذلك على التوازن الإقليمي الحساس. لكن الانقسامات السياسية بين الأحزاب الكوردية ستستمر في التأثير على وحدة الموقف الكوردي من مجريات الأحداث في المنطقة، وربما تكون عائقاً أمام حصول الكورد على حقوقهم الكاملة في أوطانهم داخل كوردستان.
ويبدو كذلك أن النفط هو حلقة الوصل الاقتصادية بين الكورد وإسرائيل. فالنفط يوفر الموارد الاقتصادية للدولة الكوردية الجديدة، وأمريكا وإسرائيل توفران لها الحماية والرعاية، أو على أقل تقدير رعاية من نوع خاص هي رعاية شركات النفط العالمية الكبرى التي يفوق تأثيرها تأثير الدول نفسها، ولا سيما «إكسون موبيل» التي تتميز بعلاقة وطيدة مع إسرائيل، وتتعامل بنفط العراق وسوريا المهرّب. فـ«إكسون موبيل» هي التي تتحكم بالنفط في إقليم كوردستان، وسيكون النفط الذي تشتريه الآن غير مهرّب بعد إعلان الدولة الكوردية الجديدة وقيامها فعلياً وفرضها بسياسة الأمر الواقع، وبصدمة العنف الموجّه وبث الفوضى وخلق بيئة مشجعة على الصراع والتقسيم، لصناعة دول عربية صغيرة ضعيفة فاشلة في محيط إسرائيل، دول ضعيفة حدودها الجديدة عبارة عن تركة من الخلافات والصراعات الدموية فيما بينها، وسترهن وجودها ببيع ثروتها لمن يوفر لها الحماية من جيرانها.
وبدخول سوريا مرحلة الجيل الثالث في بناء الدولة بعد عام 2011، فإن الفوضى هي التي ستحكم هذا الجيل وتسيطر عليه: فوضى الحكومة السورية، والتقسيم، والصراعات الطائفية والمذهبية. ومن المؤكد أن المرحلة المقبلة ستكون من دون الحكومة الحالية ومن دون بشار الأسد، لأن النظام في سوريا متجه إلى التغيير الجذري من النواحي السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وسيكون حال سوريا كحال العراق اليوم أو كحال ليبيا: ستحكم سوريا أحزاب إسلامية ودينية متشددة، وستكون هناك حكومة هشة جداً. وهذه الحالة ستؤدي بالضرورة إلى استقلال المناطق التي يسكنها الكورد، ويُتوقع أن يتم الدمج بين كوردستان العراق وكوردستان سوريا تحت مظلة كيان واحد بالطريقة الفيدرالية، ولكن هذا الاندماج يحتاج إلى الوقت الكافي لرفع الإشكالات بين الكورد في مسألة القيادة، وحل النزاع الداخلي بين الأحزاب الكوردية على تصدّر الساحة السياسية وتمثيل الكورد.
المشهد الرابع: استقلال كوردستان إيران
تكاد إيران تدخل مرحلة نهاية الجيل الثالث المتمثل بالجمهورية الإسلامية التي تسلّمت السلطة في إيران في شباط عام 1979، وفي اعتقادنا أن المرحلة الجديدة من التغيير في إيران قريبة. ومن العوامل الدافعة لهذا المشهد ما تقدّم به برنارد لويس للإدارة الأمريكية من تقسيم منطقة الشرق الأوسط إلى دول صغيرة وضعيفة على أساس المذهب والعقيدة.
إن المرحلة القادمة من تاريخ إيران ستجعل كورد إيران في وضع قابل للانفصال عنها. فإما أن ينال الكورد حقوقهم بالانفصال عن إيران بطريق العنف، وإما أن ينالوا حقهم في تكوين دولتهم الكوردية عن طريق تقرير المصير (التغيير الناعم). وهنا سنكون أمام خيارين: بقاء كورد إيران في وضع خاص بهم من ناحية الاستقلال (كوردستان إيران)، أو اندماجهم مع كوردستان الكبرى المستقلة المتكونة من كورد العراق وسوريا. ويعتقد الباحث أن الاندماج بين الكيانات الكوردية الجديدة سيكون بصيغة فيدرالية، وستواجهنا أيضاً مشكلة صعوبة القيادة وطبيعة النظام المتبع، فكورد إيران لهم الأسبقية في تأسيس جمهورية مهاباد الكوردية عام 1946. وهنا سنواجه مشكلة اختيار عاصمة الدولة الكوردية الجديدة (كوردستان الكبرى)، وكذلك اختيار القيادة الكوردية التي سوف تحكم هذه الدولة.
ويبقى كورد إيران وحدهم تحت رحمة أي تغيير يطرأ على النظام الإيراني، فبالرغم من وجود حراك مدني وسياسي قوي بينهم، فإن الانقسام الحزبي الكوردي الحاصل بينهم - كحال كورد سوريا - نتيجة سياسات كورد تركيا والعراق تجاههم، يقلّل من فرص حصول الكورد الإيرانيين على قرار سياسي مستقل بهم. لكن كورد إيران، من خلال علاقاتهم الوثيقة مع المعارضة الإيرانية والأقليات الأخرى، يبقون الأكثر تنظيماً على المستوى الوطني مقارنة بكورد الدول الأخرى.
المشهد الخامس: استقلال كوردستان تركيا
بدخول تركيا الجيل الثالث من عمر الدولة عام 2002 وصل حزب العدالة والتنمية (ذو الأصول الإسلامية) إلى تشكيل الحكومة التركية، وبهذا تحققت توقعات الباحث بتسلّم الأحزاب الإسلامية الحكم في الجيل الثالث من عمر الدولة في تركيا، كما هو حال الجيل الثالث في إيران والحكومة الإسلامية، وحال الجيل الثالث في العراق والحكومة ذات الخلفية الإسلامية. ولكن الحكومة في تركيا (الجيل الثالث) تختلف عن الحكومة العراقية (الجيل الثالث)، لأن الدور الذي تلعبه الحكومة التركية دور مؤثر على المستوى الإقليمي، أما الحكومة العراقية فتلعب دور المتأثر. ولهذا نشاهد أن الأحداث في تركيا تختلف عن الأحداث في العراق والمناطق العربية من ناحية العنف والإرهاب. فجميع الدول الحالية فيها عنف، ولكن بنسب ودرجات معينة؛ ففي تركيا نشاهد العنف عن طريق جهة داخلية هي حزب العمال الكوردستاني (PKK) تقاتل وتنفذ العنف من مناطق خارج الدولة التركية، أما في الأقطار العربية فإن العنف والإرهاب يتولدان من جهات داخلية، ويكون الصراع على أراضي الدولة من الداخل.
لقد توجّه حزب العدالة والتنمية بخارطته السياسية نحو مجاله الحيوي في التمدد نحو الجنوب والشرق، أي كوردستان تركيا، وكان أداة فاعلة في مساندة العاصفة التي مرت بالدول العربية (الربيع العربي) من ثورات وانتفاضات وحركات مسلحة أحرقت الجميع. ولم يكن فوز حزب العدالة والتنمية في الانتخابات النيابية صدفة، فقد سبقته الضربات التي وُجّهت إلى الولايات المتحدة عام 2001، وفي العام نفسه تأسس حزب العدالة والتنمية، وبعد عام استطاع أن يستحوذ على السلطة في تركيا، لتبدأ مرحلة جديدة في المنطقة تكون تركيا الداعمة لها بغطاء الأحزاب الإسلامية.
وهنا يأتي دور مشروع برنارد لويس في إيجاد أدوات إدامة الصراع وتنفيذ المصالح والمخطط الأمريكي. ويمكن الاستنتاج أن الدول المؤثرة إقليمياً هي أدوات بيد الولايات المتحدة إلى حين انتهاء مصلحتها الإستراتيجية منها، ثم تبدأ مرحلة التغيير السياسي والتقسيم لهذه الدول بعد اكتمال المشروع الأمريكي بتقسيم الشرق الأوسط. وهنا سيجاور تركيا كيان كوردي فيدرالي مكوّن من كورد العراق وسوريا وإيران، وسيبقى حزب العمال الكوردستاني (PKK) يوجّه الضربات إلى تركيا، وستستمر الضغوط الدولية عليها إلى أن تقرر إعطاء الكورد حق تقرير المصير، ليندمجوا مع بقية الكورد في دولة فيدرالية ستعلن توحّد كوردستان. إن مشروع التقسيم الذي تتبناه الولايات المتحدة الأمريكية للشرق الأوسط ستكون نهايته تقسيم تركيا، وهذا المشروع سينتهي في اعتقادنا بحلول عام 2040 تقريباً، وسيُقتطع من تركيا جزؤها الجنوبي الشرقي (كوردستان تركيا) المكتظ بالكورد، الذين سيبنون دولتهم الخاصة بهم، مع احتمال بقائهم في وضع خاص بهم بقيادة حزب العمال الكوردستاني (PKK)، أو اندماجهم في كوردستان الكبرى وفق اتحاد فيدرالي.
أجزاء «رؤية مستقبلية لتشكيل الدولة الكوردية المستقلة في كوردستان» (2 أجزاء):
- الجزء الأول (هذا الجزء)
- الجزء الثاني