الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

رؤية مستقبلية لتشكيل الدولة الكوردية المستقلة في كوردستان (الجزء الثاني)

من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2015

أما المشكلة التي ستواجه الدولة الكوردية القادمة (كوردستان الكبرى) إذا تأسست، فهي: كيف سيكون شكل الحكم فيها؟ هل هو ليبرالي علماني كما تتبعه الأحزاب الكوردية العراقية والسورية، أم اشتراكي ماركسي كما يتبعه حزب العمال الكوردستاني التركي (PKK)؟ وإذا فرغنا من هذه المسألة فهناك مشكلة من سيتولى الحكم. فلنفترض أن الدولة الكوردية قامت وتأسس البرلمان الكوردي في كوردستان الكبرى، فإن الفائزين بمقاعد هذا البرلمان سيكونون كورد تركيا بحكم كثافتهم السكانية المقدرة بأكثر من (20) مليون نسمة، وسيشكلون الحكومة الكوردية. وهنا يُطرح السؤال: هل سيقبل كورد العراق هذا الوضع، وهم يعتبرون أنفسهم السبّاقين في نضال الحركة الكوردية في كوردستان، وأول من انتزع الحقوق الكوردية، ولهذا يرون أن لهم الحق في قيادة العملية السياسية الكوردية؟ وهناك كورد إيران الذين لهم ثقلهم البشري وتأثيرهم كذلك.

وتبقى هذه المشاكل مرحلية في وقتها، لأن للكورد حالياً هدفاً واحداً يسعون إليه، ألا وهو تحقيق الدولة الكوردية (كوردستان الكبرى). أما كيف ستُبنى مؤسسات الدولة فهي مرحلة سابقة لأوانها. ويعتقد الباحث أن أزمة داخلية ستحصل وتستمر سنين إلى أن تستقر الأوضاع الداخلية، وإن انتهت الأوضاع الداخلية فستكون هناك مشاكل مع دول الجوار الإقليمي، وهذا ما سيشعل منطقة الشرق الأوسط بصراعات لا تنتهي.

إن هذه الأحداث التي ستشكّل الدولة الكوردية المستقلة في كوردستان الكبرى لن تجعل الشرق الأوسط في أمان تام، فقد يكون هذا الكيان باباً لمرحلة تاريخية جديدة قادمة تحت سيطرة النظام العالمي الجديد بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية. وستكون الدولة الكوردية في كوردستان الكبرى لاعباً فاعلاً ومنفّذاً جيداً للسياسة الغربية، وللولايات المتحدة الأمريكية بالخصوص، لأن الولايات المتحدة هي صاحبة الفضل على الكورد في إنشاء كيانهم القومي في كوردستان الكبرى، وبهذا ستكون كوردستان الأداة الطائعة للولايات المتحدة الأمريكية.

تتحرك منطقة الشرق الأوسط، في أكثر من مكان، نحو أوضاع جديدة يُنتظر منها اشتداد عمليات التجاذب والتنافر، وتزايد الضغوط المتنوعة والمتبادلة بين الأطراف الإقليمية والدولية. وعلى هذا الأساس تتجه الأنظار إلى مناطق التوتر التي تقف على أعتاب مرحلة جديدة من الصراع الدائر بين أطرافها. وتشهد منطقة الشرق الأوسط مرحلة تغيير ورسم جديد لخرائطها وفق المنظور الإمبراطوري للولايات المتحدة، وعلى أساس ثقافتها المتمثلة في بناء الأمة.

عندما ظهرت الدولة القومية في أوروبا خلال القرن التاسع عشر، شدّد دعاتها على ضرورة الجمع بين الأمة الواحدة الكاملة والوحدة السياسية الواحدة، فلا تتفتت الأولى بين عدة دول، ولا تضم الثانية عدة أمم. لكن منطق الدولة الحديثة اختلف عمّا كان موجوداً في أوروبا خلال تلك الحقبة، إذ يكفي أن يتحقق لهذه الدول عامل التجانس البشري المهيّئ للوحدة الوطنية في الداخل، وسواء تحقق هذا التجانس عن طريق وحدة اللغة أو الأصل أو الاثنين معاً، أو عن طريق وحدة المصالح، فإن المهم هو وجود رغبة في العيش المشترك لدى أبناء الدولة الواحدة.

تعددت الآراء في أصول الشعب الكوردي، فهناك من نسبهم إلى الأصول العربية، وقد اهتم رؤساء القبائل الكوردية اهتماماً متزايداً بالفرضية العربية لنسب الكورد، في محاولة منهم لتأكيد أصالتهم العربية المرتبطة بنشر الدين الإسلامي، وهذا ينافي الحقيقة العلمية حول أصل الكورد، لأن الدراسات الحديثة والبحوث والوثائق المهمة تثبت عكس ذلك. أما الروايات الكوردية فتنسب الكورد إلى الكوتيين، ويرى البعض أن الكورد من الشعوب القوقازية، وأنهم نتيجة اختلاطهم بالميديين اقتبسوا اللغة الميدية الآرية الكوردية وتحولوا إلى آريين (هندو-أوروبيين)، ويعتقدون أنهم هاجروا من شرق إيران إلى غربها واندمجوا مع السكان هناك، حتى صاروا على صورتهم الحالية. والحق أنهم كورد ومن أصول كوردية تاريخياً، بحسب الوثائق المثبتة وبحوث المؤرخين، والكورد يختلفون كلياً عن الأتراك والفرس والعرب.

وتتكون اللغة الكوردية من مجموعة من اللهجات المقسمة حسب التوزيع الجغرافي والتطور التاريخي للغة. وتميزت اللهجة الكرمانجية، التي يتحدث بها كورد تركيا وسوريا وبعض كورد العراق، بأنها اللهجة المنتشرة والأكثر شيوعاً، ثم تأتي بعدها اللهجة السورانية التي يتحدث بها كورد إيران وبعض كورد العراق. وقد اهتمت المملكة المتحدة بعد احتلال العراق في الحرب العالمية الأولى (1914-1918) باللغة الكوردية، فوُضع الكثير من القواعد والضوابط لها، وساعدت الكورد في نشرها بينهم. وازدهرت اللهجة السورانية بين الكورد، وخاصة في العراق، بعد ثورة 14 تموز 1958، بينما تراجعت الكرمانجية بعد أن منعت تركيا كوردها من الحديث بالكوردية. وتميّز المجتمع الكوردي بصورة عامة بأنه مجتمع قبلي، الولاء فيه أولاً للعائلة ثم للقبيلة.

وتطور المجتمع الكوردي مع بداية القرن العشرين بسبب تطور المنطقة الكوردية اقتصادياً. وكانت الأرض والموارد الطبيعية والثروة حكراً على الإقطاعيين الكورد، وهذا أدى إلى الفجوة الاقتصادية بينهم وبين الفلاحين، وبدأ النظام الإقطاعي بالانحسار في بداية القرن العشرين.

وتتميز طبيعة كوردستان بالطابع الجبلي، وتشكّل جبال طوروس وجبال زاغروس العمود الفقري لكوردستان. وتقاسمت الإمبراطوريتان الساسانية والبيزنطية المنطقة الكوردية حتى دخول الإسلام الذي فتح البلاد، فدخلت شعوب المنطقة، بما فيهم الكورد، تحت راية الإسلام. ثم قام الشاه سليمان السلجوقي (القرن الخامس الهجري) باقتطاع جزء من جبال كرمنشاه وشهرزور وسمّاه مقاطعة «كوردستان»، ثم تقاسمها العثمانيون والصفويون إثر معركة جالديران عام 1514. وبعد الحرب العالمية الأولى (1914-1918)، وإثر اتفاقيات فرساي 1919 وسيفر 1920 ولوزان 1923، تم توزيع الكورد على الدولة التركية والعراقية والسورية، وكانت إيران خارج هذه الاتفاقيات، وبقي الباقون منهم في إيران.

ولا يزال الجدل قائماً بين الباحثين حول تعداد الكورد، ويمكن القول إن هذه المسألة من المسائل الأكثر تعقيداً وتضارباً وصعوبة، ويمكن إرجاع هذه الصعوبة إلى التضارب بين الإحصائيات التي تقدمها الدول التي يتواجد فيها الكورد وتلك التي تقدمها المصادر الكوردية.

إن كوردستان بلاد ذات حدود طبيعية، وهي وطن الشعب الكوردي رغم عدم وجود حدود سياسية دولية لها، ورغم تقسيمها بين العراق وتركيا وإيران وسوريا. وجغرافية كوردستان عنصر أساسي من عناصر الهوية القومية الكوردية، والحركة القومية الكوردية مصرّة على تحويل الحدود الطبيعية لكوردستان إلى حدود سياسية لكيان سياسي مستقل أو شبه مستقل في المستقبل، وهي تصرّ على أن كوردستان هي بلاد الكورد، وتحدد حدودها حسب تواجد الشعب الكوردي، بالإضافة إلى الرجوع إلى أقوال بعض المستشرقين. وبذلك تساهم إشكالية تحديد حدود كوردستان الجغرافية والطبيعية في تعميق إشكالية الهوية القومية الكوردية.

ونشأت في القرون الماضية إمارات وإقطاعيات كوردية، برزت من بينها إمارات بابان وسوران وبهدينان وبوتان وهكاري، وكانت هذه الإمارات الكوردية في قتال دائم فيما بينها، وكانت كل إمارة تزيح الإمارة الأخرى وتنهيها، وهذا الأمر أضعف الكورد وأبعدهم عن الوحدة القومية في تشكيل إمارة أو دولة كوردية قوية مستقلة. وبعد الحرب العالمية الأولى حصل الشيخ محمود الحفيد، بمساعدة بريطانيا، على بعض الحقوق الكوردية في السليمانية، فنصّب نفسه ملكاً عليها، ثم أزاحته بريطانيا، ومع ذلك كانت كوردستان تستجيب للتطور الذي شجّع القوى السياسية التقدمية لدى الكورد. وتطور المشروع الكوردي بجمهورية مهاباد في إيران عام 1946 التي لم تستمر طويلاً، وأخذ التطور السياسي الكوردي بالتزايد بعد حصول الكورد على حقوقهم في الدستور العراقي لعام 1958، ثم قانون الحكم الذاتي في العراق لعام 1974، ثم حلم الفيدرالية في العراق عام 2003.

تكمن أهم معوقات إقامة الدولة الكوردية (كوردستان الكبرى) في تضارب المواقف الكوردية والتباينات الأيديولوجية والحزبية؛ فالأحزاب الكوردية العراقية كثيراً ما تقاتلت فيما بينها، واختلفت أيديولوجياتها، وكثيراً ما انشقت على نفسها، وكثرت تقلباتها في الارتباط بالخارج أو في المساعدات التي تتلقاها منه لتحقيق مصالحها على حساب الإضرار بالعراق. في حين يتبنى كورد إيران مواقف ومبادئ ثابتة، ويساندون قضية الاستقلال ويبدون استعدادهم للدفاع عنها إذا تعرضت لأي هجوم، ويتبنى هذا الموقف أيضاً حزب العمال الكوردستاني في تركيا (PKK) ومجلس شعب غرب كوردستان السوري. وفي المقابل يعارض حزب الاتحاد الوطني الكوردستاني العراقي فكرة الاستقلال في كوردستان، ومن ثم فإن السعي نحو دولة مستقلة قد يؤجج هذه الخصومات، وهو ما سيؤول إلى مزيد من الخلافات الكوردية-الكوردية، خاصة في ظل حاجة الكورد إلى إعادة هيكلة قواتهم العسكرية (البيشمركة) التي لا تزال هي الأخرى منقسمة.

ويلعب الاقتصاد دوراً أساسياً في حياة كوردستان، فإقليم كوردستان جغرافياً إقليم مغلق يفتقر إلى إطلالة بحرية، وهو إقليم قاري حبيس، وهذا يعرّض مستقبل الإقليم لمخاطر اقتصادية، مقارنة بما يشكله الثقل الاقتصادي للدول المجاورة من ضغوط حالية ومستقبلية عليه، مما يستدعي تلافي مكامن الخطر في السياسة الاقتصادية للإقليم ومعالجتها.

وتلعب العوامل الاجتماعية دوراً فاعلاً في إعاقة قيام الدولة الكوردية الموحدة، فالعقبة القبلية بين الكورد تقف عقبة واضحة جداً قديماً وحديثاً. فهناك الولاءات البدائية التي تحدد ولاء الفرد للعائلة والعشيرة، وغالباً ما تكون هذه الولاءات بديلة عن الدولة. وهناك تعدد لهجات اللغة الكوردية، بحيث تُعتبر حاجزاً كبيراً بين الكورد، فقد لا يستطيعون التفاهم فيما بينهم داخل المنطقة الواحدة أو مع كورد الدول الأخرى. إن التحدي اللغوي الرئيسي قائم في المجتمع الكوردي نفسه، وأعتقد أن هذا الفارق أصبح ضئيلاً حالياً بسبب التكنولوجيا والاتصالات. ونحن لا نقلل من شأن عوامل البيئة المحيطة بالمجال الكوردي أو التي تحكمه، ولا من شأن عناصرها الفاعلة، لكننا نعيد ترتيب أولويات النظر إلى اللغة والبناء اللغوي واعتبارات تحليل الواقع الثقافي الراهن، ذلك أن التشكيل اللغوي واللهجي المتعدد سابق على الانقسام الجغرافي والتوزيع بين الكيانات السياسية الراهنة، ومن ثم قد يكون سبباً له أو أحد أسبابه، وقد يكون نتيجة له أيضاً.

وتتمثل المعوقات الإقليمية لقيام دولة كوردية مستقلة (كوردستان الكبرى) في تحفّظ دول الإقليم، خاصة إيران وتركيا، حيث ترفض تركيا فكرة الدولة الكوردية المستقلة باعتبار أن قضية الكورد ليست عراقية فقط، خاصة أن نسبة كبيرة من الكورد تقيم في تركيا. وقد شكّل كورد العراق إغراءً للقوى الإقليمية لاستخدامهم في التدخل في شؤون العراق، وشكّلت القضية الكوردية قلقاً مزدوجاً لكل من تركيا وإيران وسوريا بسبب وجود الكورد داخل حدود هذه الدول، وقد استخدمت هذه الدول جميع الوسائل الأمنية والعسكرية والسياسية القمعية من أجل القضاء على الحركات الكوردية وفكرة انفصال الكورد عنها.

أما المعوقات الدولية لقيام الدولة الكوردية المستقلة فقد بدأت مع اتفاقية سايكس-بيكو عام 1916 أثناء الحرب العالمية الأولى، وذلك بتقسيم منطقة الشرق الأوسط (تركة الدولة العثمانية)، ثم هدنة مودروس 1918، وبعدها مؤتمر الصلح في فرساي 1919، ثم مؤتمر سان ريمو 1920، وبعده معاهدة سيفر 1920، ثم معاهدة الصلح في لوزان 1923 التي ألغت معاهدة سيفر، وحسمت موضوع الكيان الكوردي بالفشل، فلم يعد لمشروع الدولة الكوردية المقترح أي وجود في ذلك الوقت.

كما استغلت الولايات المتحدة الأمريكية الكورد ضد الحكومة العراقية، وكان ذلك على الدوام جزءاً من عالم سياسة الأمر الواقع النفعية. وقد ساهمت التطورات السياسية التي حدثت في مطلع السبعينيات من القرن العشرين في صياغة موقف الولايات المتحدة الأمريكية من المشكلة الكوردية، وتمثلت في تأميم العراق للنفط، وانسحاب المملكة المتحدة من الخليج العربي، واستخدام العرب سلاح النفط في حرب 1973 ضد إسرائيل، ومعاهدة الصداقة والتعاون العراقية السوفيتية. واستفادت الولايات المتحدة من الكورد كثيراً في حرب 1991 ضد العراق، وأحسنت استخدامهم ورقةَ ضغط ضد الحكومة العراقية. أما الجانب الروسي فقد استفاد من الكورد واستخدمهم ورقة ضغط في المنطقة؛ فقد استخدمتهم روسيا ضد إيران (عن طريق دعم جمهورية مهاباد الكوردية عام 1946)، واستغلت كورد العراق من أجل الضغط على الحكومة العراقية، واستخدمت كورد تركيا ضد حكومة أنقرة.

ومنذ سنة 1991 أصبح إقليم كوردستان العراق يتمتع بحكم ذاتي فعلي عندما فرضت الولايات المتحدة منطقة حظر جوي. وقد شجعت هذه الحماية الأمريكية كوردستان العراق على إعلان استقلالها عن العراق وإرباك النظام الحدودي القائم، لكن الكورد اختاروا خدمة مصالحهم الاقتصادية داخل تلك الحدود. وبعد الغزو الأمريكي للعراق أقرّ الدستور العراقي الجديد نظاماً فيدرالياً، وأعطى إقليم كوردستان درجة كبيرة من الحكم الذاتي على محافظات دهوك وأربيل والسليمانية. وقد خطط الكورد بعد الاحتلال الأمريكي لتحقيق طموحاتهم من خلال إحياء الأمل في بناء الدولة الكوردية المستقلة في نطاق الفيدرالية العراقية، لتكون اللبنة الأولى في بناء الدولة الكوردية المستقلة مستقبلاً.

يرى الباحث أن عدة ظروف قد توفرت للكورد لتأسيس دولة كوردية عابرة للحدود (كوردستان الكبرى) انطلاقاً من العراق وسوريا، وتمثلت هذه الظروف بالاستقلالية الاقتصادية للكورد في هذه الأجزاء، عن طريق الاتفاق مع شركات نفط وغاز عالمية لاستخراج النفط والغاز وبيعهما. كما سيطرت قوات البيشمركة الكوردية على مدينة كركوك النفطية، وأعلن رئيس إقليم كوردستان العراق مسعود البارزاني ضمّ المناطق الكوردية المتنازع عليها وإجراء الاستفتاء على حق تقرير المصير للشعب الكوردي، ودعا إلى عقد مؤتمر دولي جامع لجميع الكورد في العراق وتركيا وإيران وسوريا.

وقد سمحت الظروف الحالية في المنطقة بالاتصال الجغرافي بين الكورد، فقد سهلت الاتصالات بعد فتح الحدود بسبب سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) على أجزاء من العراق وسوريا، فأصبحت الأراضي الكوردية متصلة بين العراق وسوريا، وهذه الأراضي ليست ببعيدة عن جنوب شرق تركيا وشمال غرب إيران.

أما على المستوى العسكري فقد أصبح الكورد يمتلكون قوات شبه نظامية متمثلة في قوات البيشمركة، بتسليح يشبه تسليح الجيوش النظامية بعد مساعدة الولايات المتحدة لهم. لقد تعاملت دول حلف شمال الأطلسي عامة، والولايات المتحدة خاصة، مع قضية تسليح الكورد (البيشمركة)، سواء في سوريا أو في العراق، على أنهم بديل مؤقت لنشر قوات برية أمريكية في إطار الحرب الدولية على داعش.

وتطرح تجربة إقليم كوردستان العراق في بناء إقليم كوردي مستقل شكلَ تطور الوعي الكوردي بالأيديولوجية القومية، وخروجه إلى حيز الممارسة العملية ضمن الإطار الجغرافي للمكون الكوردي، الأمر الذي يثير إشكالية كبيرة في الوعي القومي الكوردي السوري بالوطنية السورية، التي تبدو وكأنها أمام امتحان تاريخي، ومعرضة للتدمير والتقسيم إذا لم تنجح المعارضة السورية في إيجاد صيغة واقعية تقرّ بحقوق الشعب الكوردي والأقليات القومية والدينية والمذهبية، التي تخشى من التداعيات ومن وصول جماعات متشددة إلى السلطة، في ظل المخاوف من سيطرة الإسلاميين على المشهد السياسي في المرحلة المقبلة.

وأخيراً، يعتقد الباحث أن سيناريو تحقيق الحلم الكوردي بالدولة الكوردية المستقلة (كوردستان الكبرى) يقوم على انهيار الأنظمة الحاكمة في تلك الدول، وتبدّل النظام الدولي في الشرق الأوسط، وهذا ما توقعناه بعد دخول العراق وسوريا ضمن الدول الفاشلة التي تفتقد القدرة على تحقيق الأمن وإدارة الدولة، ولا تسيطر على حدودها، وتنتشر فيها الفوضى والفساد. كذلك ستنهار المنظومة الحاكمة في إيران بعد نفاد المصلحة الدولية منها كلاعب إقليمي، واقترابها من نهاية الجيل الثالث لعمر الدولة. ويأتي بعدها الانهيار التركي وتقسيم تركيا بعد انتهاء تزعّمها الإقليمي وقيادتها للشرق الأوسط وفق النظام الإسلامي، ورفع راية الخلافة الإسلامية، وتشجيع التطرف في البلاد العربية خاصة والبلاد الإسلامية عامة. ومن أنقاض هذا الوضع ستولد الدولة الكوردية المستقلة (كوردستان الكبرى)، وستعيش المنطقة حالة من النظم الفيدرالية وفق الثقافة المفروضة من قبل الولايات المتحدة.


أجزاء «رؤية مستقبلية لتشكيل الدولة الكوردية المستقلة في كوردستان» (2 أجزاء):

  1. الجزء الأول
  2. الجزء الثاني (هذا الجزء)

→ الجزء الأول