الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي
عن تهميش الكورد وعدم مراعاة العدالة والمساواة بين أقوام العراق (الجزء الأول)
من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2023
في مسألة التوظيف، وبخاصة في كركوك، كتب محمد أمين زكي في مذكرته إلى الملك فيصل الأول ما يلي: (وقبل أن أنهي جوابي على السؤال الأول أود أن أضيف نقطة أخرى، وهي أن الحكومة العراقية لا تراعي العدالة والمساواة بين أقوام العراق في مسألة التوظيف. فإذا دققنا في الوثائق الرسمية نرى أن نسبة الموظفين الكورد في لواء كركوك هي (24.5%)، والتركمان (56.5%)، والعرب والعناصر الأخرى (19%)، في حين أن نسبة السكان، حسب الإحصاء الكيفي الذي قامت به متصرفية لواء كركوك بنفسها، هي كالآتي: الكورد (51%)، والتركمان (21.5%)، والعرب (20%)، والأقوام الأخرى (7.5%).
ومن هنا، وكما يبدو لي، فإن الحكومة العراقية، ولبعض الأسباب الأخرى غير المعروفة لديّ ولا أعتقد بصحتها، تساعد التركمان وتلحق الأضرار بالكورد والعرب. ويثير هذا بلا شك انزعاج الكورد وشكوكهم إزاء عدم عدالة الحكومة العراقية، التي من واجبها أن تنظر بالعين نفسها إلى كل عناصر العراق ومكوناته) (1). أي أن (76%) من الموظفين في كركوك هم من غير الكورد، في حين أن العدالة والمساواة في مسألة التوظيف كانت تقضي برأيه أن تكون النسبة حسب عدد السكان: (51%) للكورد و(49%) لغير الكورد.
ومن الضروري أن نشير هنا إلى عامل مهم ساهم إلى حد ما في تهميش الكورد في إدارة الدولة العراقية العربية الجديدة، وهو أن لغة الإدارة والتعليم في العهد العثماني كانت اللغة التركية، ومع تشكيل الدولة العراقية العربية الجديدة في 23 آب 1921 حلت اللغة العربية محل اللغة التركية، وكان معظم الموظفين المدنيين والعسكريين (وخاصة في المناطق الكوردية) يجهلون اللغة العربية، لذلك وجدوا أنفسهم فجأة مفتقرين إلى عنصر مهم من عناصر تسنّم المناصب الحكومية. واستعان العديد من كبار الموظفين الكورد العائدين إلى العراق بخدمات مدرسين خصوصيين لتعلم اللغة العربية، وكان محمد أمين زكي نفسه واحداً من هؤلاء، فقد ذكر المؤرخ الكوردي الدكتور كمال مظهر أحمد أن محمد أمين زكي (بعد عودته من إسطنبول استعان بمدرسين خصوصيين لتعلم اللغة العربية والإنجليزية، وقد قطع شوطاً كبيراً في تعلم اللغة العربية الفصحى، ولكنه حتى مماته لم يتقن اللهجة البغدادية الدارجة كما كان يتمنى) (2).
ولم تتخذ الحكومة العراقية أية خطوة جدية لإزالة هذا الغبن الذي لحق بالكورد في كوردستان العراق، بل إن السياسة التي انتهجتها الحكومة العراقية كان من شأنها أن تعمّق هذه الحالة في المستقبل. فقد بلغ عدد الشباب الموفدين إلى خارج العراق للدراسة حتى عام 1929 (120) شاباً، لم يكن بينهم سوى اثنين أو ثلاثة من الكورد، لأنه حسب الشروط التي كانت تطبقها وزارة المعارف كان على المرشح للبعثة أن يكون من خريجي الثانوية، بينما لم تكن هناك في كوردستان كلها سوى ثانوية واحدة، وهي في كركوك، ولم يكن بإمكان الطلاب القدوم إلى العاصمة بغداد لإكمال الثانوية لأسباب تتعلق باللغة العربية والإمكانيات الاقتصادية. هكذا كانت الحالة تسوء من عام إلى آخر، وكانت الحكومة العراقية تدّعي أن الكورد يتسنمون الوظائف في الألوية العراقية الأخرى غير الكوردية، لكن واقع الحال كان يشير إلى أن نسبة الموظفين الكورد لم تصل إلى (5%) في أي لواء من ألوية العراق، في حين كان (26%) من الموظفين في لواء السليمانية من غير الكورد. ولم يكن هناك مدير عام كوردي واحد من بين المدراء العامين الذين بلغ عددهم آنذاك (19)، كما لم يكن هناك ضابط كوردي يقف على رأس إحدى دوائر وزارة الدفاع باستثناء واحد، وكان الأمر كذلك بالنسبة لأمراء المناطق والوحدات العسكرية (3).
تمثيل الكورد في البرلمان العراقي
يقول محمد أمين زكي: (كما أن حقوقهم النسبية في مجلس النواب ناقصة، إذ إنه بموجب أحد تقارير عصبة الأمم فإن نسبة السكان الكورد في الألوية الشمالية (كوردستان العراق، ولاية الموصل سابقاً) فقط تصل إلى (19%) من مجموع سكان العراق، وليس (17%) كما يزعم البعض. وعلى ذلك يجب أن يكون عدد النواب الكورد أكثر من (16) من مجموع (88) نائباً عراقياً. وإذا قارنّا عدد النواب الكورد في مجلس النواب الحالي (في حينها) - حتى مع الذين سمّاهم وزير المستعمرات البريطاني (ونستن تشرشل) بنفسه بأنصاف الكورد - نرى أن عددهم لا يتجاوز (11) نائباً كوردياً) (4).
وكان توزيع الوظائف العدلية من بين المسائل الرئيسية التي اهتمت بها عصبة الأمم عند دراستها مشكلة ولاية الموصل (كوردستان العراق) وقرار إلحاقها بالعراق العربي الجديد، فقد أوصت (حسب تقرير لجنة عصبة الأمم في حينها) بضرورة تعيين الموظفين الكورد وإجراء المرافعات والمحاكمات باللغة الكوردية لعلاقتها المباشرة بحياة السكان الكورد في كوردستان. ورغم تعهدات الحكومتين العراقية والبريطانية، لم يُطبَّق هذا الأمر إلا في السليمانية وكويسنجق. ويشير محمد أمين زكي بهذا الصدد إلى (أن الكورد يحاكَمون في محاكم لواء كركوك باللغة التركية، وفي أربيل والموصل وخانقين باللغة العربية، مما يضطرهم إلى القيام بالمراجعات والمرافعات باللغة العربية. وتتسبب هذه الحالة في مشاكل ومعاناة كثيرة للكورد، لأنهم يضطرون إلى الاستعانة بالمترجمين لبيان شكاواهم ودعاواهم أمام المحاكم، وأن يسلّموا أمر الدفاع عن حقوقهم إلى هؤلاء المترجمين وينتظروا رحمتهم. وكثيراً ما يلحق بهم الغبن في هذا المجال لضعف المترجمين، أو لقيامهم بتزوير حقوق المدعي والمدعى عليه بسبب منافع شخصية. وكان هذا المحذور بالذات وراء اقتناع مجلس عصبة الأمم بضرورة استخدام الكورد لغتهم الكوردية في المحاكم) (5).
وهكذا نرى أن وضع الكورد في كوردستان العراق عام 1930، من حيث المشاركة السياسية والإدارية، كان أسوأ بكثير من وضعهم عام 1926، وهو عام إطلاق التصريحات والوعود بشأن حقوق الكورد في ولاية الموصل (كوردستان العراق)، وكانت الصورة في كركوك بالنسبة للكورد أسوأ من ذلك بكثير.
تشكل اللغة القومية وشؤون التربية والتعليم والحفاظ على التراث القومي وتطويره جوانب مهمة في حياة الأمم، وتُعدّ مواقف الحكومة المركزية في الدول المتعددة القوميات من هذه القضايا محكّاً للاعتراف بالهوية والحقوق القومية، ولتبنّي سيادة العدل والمساواة إزاء جميع المكونات الإثنية.
كما أن الاعتراف بالهوية واللغة والثقافة القومية يشكل عنصراً أساسياً لتوفير الفرص أمام أبناء الأقلية القومية للمشاركة الاقتصادية والسياسية والإدارية والثقافية في البلاد، وإلا سيكون مصيرهم التهميش والتخلف وطمس الحقوق. لذلك سنركز على هذه الجوانب، ونشير إلى الأرقام والمعطيات والسياسات الحكومية فيها إزاء كورد كركوك على وجه الخصوص.
في تقريره عن أوضاع التعليم في العراق أشار المؤرخ والوزير الكوردي محمد أمين زكي إلى التفاوت الكبير في نسب التخصيصات المالية للصرف على التعليم في الألوية العراقية عام 1926-1927. ففي الوقت الذي خُصصت فيه نسبة (38%) من واردات لواء بغداد و(19%) من واردات لواء الموصل للصرف على التعليم في اللواءين المذكورين، فإن نسبة الصرف على شؤون التعليم في لواء كركوك بلغت (9%) فقط من واردات اللواء، في حين كانت الحالة في الألوية الكوردية الأخرى في كوردستان العراق أسوأ من ذلك بكثير، فقد كانت نسبة الصرف على التعليم في لواء السليمانية (1%) فقط من مجموع واردات اللواء (6). كما يمكن القول إن حصة الأسد من نسبة الـ(9%) المخصصة من واردات كركوك للصرف على التعليم في اللواء ذهبت إلى المدارس غير الكوردية، علماً بأنه لم تكن هناك أية مدرسة كوردية في مدينة كركوك.
وشكّلت سياسات الحكومة العراقية في حقل التعليم نموذجاً صارخاً لغمط حقوق الكورد وتهميش دورهم في جميع مناحي الحياة السياسية والاقتصادية والثقافية. وكان نشر التعليم باللغة الكوردية في المناطق الكوردية من كوردستان العراق واحداً من الشروط الأربعة التي وضعتها عصبة الأمم، ووافقت عليها الحكومة العراقية العربية الجديدة و(الحكومة الحليفة) بريطانيا، وتعهدتا أمام مجلس عصبة الأمم بتنفيذها. ولكن بعد مرور خمس سنوات على تلك التعهدات كانت الصورة لا تثير لدى الكورد غير الحنق والشكوك. فقد كانت لغة التعليم الكوردية في مدارس السليمانية فقط، أما في لواء كركوك ذي الأكثرية الكوردية فلم تكن هناك سوى (3) مدارس كوردية، في حين كانت المدارس الـ(20) الباقية، باستثناء واحدة أو اثنتين منها، تستخدم جميعاً اللغة التركية في التعليم، هذا في الوقت الذي لم تتجاوز فيه نسبة المتحدثين بالتركية (21%) من مجموع سكان لواء كركوك. وأبدى محمد أمين زكي أسفه على هذه الحالة، وأكد أن المواطنين الكورد لا يرغبون في إرسال أبنائهم إلى مدارس تركية لأنهم لا يودون تعليم أبنائهم باللغة التركية، أو يضطرون إلى القيام بذلك وهم مجبرون. واعتبر هذا الأمر مخالفاً لمبادئ علم التربية، ولا يمكن إيجاد تفسير مقبول له سوى الإضرار بالكورد وتقديم الدعم للآخرين من غير الكورد (التركمان والعرب) (7).
والغريب في الأمر أن عدد المدارس الكوردية كان في تناقص مستمر، فقد كانت هناك عام 1923 (6) مدارس كوردية مقابل (13) مدرسة تركية. وكانت السلطات البريطانية تزعم أن السبب هو وجود نظام تعليمي عثماني جاهز من الضروري الإبقاء عليه لحين تنظيم التعليم في العراق العربي الجديد، في الوقت الذي كانت تبرر فيه سياساتها إزاء الكورد بقلة عدد المعلمين الكورد والكتب المدرسية الكوردية. ومن الضروري الإشارة هنا إلى أن وجود هذا العدد الكبير من المدارس التركية في كركوك يجب ألّا يُفسَّر، كما قد يتبادر إلى الذهن، بوجود جالية تركية كبيرة في المدينة، بل هو صورة للنظام التعليمي العثماني الذي كانت اللغة التركية لغة التعليم الرسمية فيه، وكان الأمر كذلك أيضاً في الولايات العثمانية الأخرى.
وهكذا نرى أن الحكومة العراقية لم تلتزم بتعهداتها التي أعطتها لعصبة الأمم في حقل التعليم باللغة الأم (الكوردية). وقد أوردت مجلة (زاري كرمانجي) صورة معبّرة عن حالة الإحباط التي كان يعاني منها الطلبة الكورد في كركوك، فقد كتب ع. خ. ي. من كركوك إلى المجلة المذكورة بتاريخ 19 تشرين الأول/أكتوبر 1929 يقول: (يجري التدريس في المدارس الكلدانية والإسرائيلية “اليهودية” والأرمنية في كركوك بلغات هذه الأقوام، ونلاحظ أن الكورد وحدهم يُجبرون على الدراسة بلغات أجنبية) من غير لغتهم الكوردية.
وقد تسببت حالة التخبط في التعليم في كركوك في تخلف الطلبة الكورد عن أقرانهم، إذ يشير الكاتب نفسه إلى (أن الطلبة الكورد في كركوك يعانون من التخبط، إذ يُجبرون منذ دخولهم المدرسة وخلال السنوات الأربع الأولى على دراسة اللغة التركية، وبعد أن يتعلموا شيئاً منها دون أن يحصلوا على شيء من العلم تبدأ الدراسة باللغة العربية، وبعد ثلاث أو أربع سنوات، وبعد أن يحصلوا على شيء بسيط من المعرفة باللغة الجديدة العربية، يذهبون إلى بغداد ويدخلون امتحاناً صعباً لا يأخذ بنظر الاعتبار حالتهم، ليفشلوا في الامتحان أو يُطردوا بعد ذلك من الدراسة). ويشير الكاتب إلى أن جميع الطلبة الكورد الذين ذهبوا من كركوك إلى بغداد خلال العامين الماضيين عادوا بخفّي حنين. وليس هذا فقط، بل إن المدارس الكوردية التي افتُتحت في كركوك قبل عام 1927، مثل مدرسة تكية، التي استبشر الكورد بافتتاحها وأرسلوا أبناءهم إليها، سرعان ما أُغلقت، ولم تسفر جميع المحاولات التي بُذلت لإعادة فتحها عن أية نتيجة.
ويشير الكاتب (ع. خ. ي.) في نهاية مقاله إلى معاناة الكورد في مراجعة الدوائر الرسمية، ومن الوثائق الحكومية التي لا يفهمون منها شيئاً لأنها بغير اللغة الكوردية، فيضطرون إلى مراجعة رجال الدين لتفسير مضامينها (8).
أجزاء «عن تهميش الكورد وعدم مراعاة العدالة والمساواة بين أقوام العراق» (2 أجزاء):
- الجزء الأول (هذا الجزء)
- الجزء الثاني