الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي
عن تهميش الكورد وعدم مراعاة العدالة والمساواة بين أقوام العراق (الجزء الثاني)
من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2023
رغم توصية لجنة عصبة الأمم الخاصة بمشكلة ولاية الموصل (كوردستان العراق) ذات الأغلبية الكوردية، أي لجنة تقصي الحقائق الأممية، (بالاهتمام برغبات الكورد حول تعيين الموظفين الحكوميين في مناطقهم من أبناء قوميتهم الكوردية، وجعل اللغة الكوردية لغة المحاكم والمدارس فيها)، فإن عدد المدارس الكوردية في كركوك كان (6) مدارس، ولم تكن هناك مدرسة كوردية واحدة في الموصل، بينما كانت هناك في كركوك (13) مدرسة رسمية تركية ومدرسة خاصة غير حكومية، وفي الموصل (4) مدارس آثورية حكومية ومدرسة غير حكومية. وتشير الجداول التالية إلى هذه الحقائق بصورة لا تحتاج إلى تعليقات كثيرة:
المدارس الابتدائية الحكومية للبنين
| الأعوام | لواء كركوك: عدد التلاميذ | لواء كركوك: عدد المدارس | لواء الموصل: عدد التلاميذ | لواء الموصل: عدد المدارس |
|---|---|---|---|---|
| 1922/1923 | 6789 | 68 | 1369 | 14 |
| 1923/1924 | 6417 | 72 | 1544 | 24 |
| 1924/1925 | 6289 | 73 | 1474 | 24 |
المدارس الحكومية الابتدائية للبنات
| الأعوام | لواء كركوك: عدد التلميذات | لواء كركوك: عدد المدارس | لواء الموصل: عدد التلميذات | لواء الموصل: عدد المدارس |
|---|---|---|---|---|
| 1923/1924 | 1769 | 19 | 19 | 3 |
| 1924/1925 | 2230 | 18 | 92 | 2 |
| 1924/1925 | 2197 | 19 | 95 | 2 |
ورغم انتهاء مشكلة ولاية الموصل (كوردستان العراق) حسب لجنة تقصي الحقائق الأممية، ورغم توصية اللجنة (لجنة تقصي الحقائق المشكَّلة من قبل عصبة الأمم) بضرورة إيلاء الاهتمام لتدريس اللغة الكوردية، فإن الوضع لم يتحسن، فقد بلغ عدد المدارس الرسمية (41) مدرسة عام 1930، كان يتلقى التعليم فيها 1545 تلميذاً فقط، في حين كانت هناك في العام نفسه (14) مدرسة حكومية تركية يدرس فيها (961) تلميذاً، و(27) مدرسة مسيحية يبلغ عدد تلاميذها (3303) تلاميذ، وخمس مدارس يهودية يبلغ عدد تلاميذها (58) تلميذاً (10).
وبطبيعة الحال لم يُرضِ هذا الوضع الكورد، واضطرت سلطات الانتداب البريطاني إلى الإشارة في تقاريرها إلى عصبة الأمم إلى انزعاج الكورد من قلة المدارس الكوردية، ولكن بريطانيا بررت الأمر (بأن الذهاب بعيداً مع الكورد في رغباتهم والتجاوب معها ليس لصالح العراق العربي ككل ولا لصالح الكورد أنفسهم) (11). فكيف يمكن أن يكون التعليم باللغة الأم أمراً ليس في صالح العراق العربي الجديد ككل ولا في صالح الكورد أنفسهم؟ مع أن ملك العراق (فيصل الأول) نصح رعاياه عام 1926 بأن (أحد أهم وظائف كل عراقي مخلص هو تشويق أخيه الكوردي العراقي إلى أن يحافظ على عنصره وجنسيته ولا يحيد عنها)، كما أن رئيس الوزراء العراقي عبد المحسن السعدون خاطب مجلس النواب في 22 كانون الثاني 1922 قائلاً: (إذا أراد العراق أن يعيش وينهض فعليه تأمين حقوق جميع العناصر العراقية، لأننا شاهدنا جميعاً أن هذا الأمر كان وراء تشتت الدولة العثمانية وانهيارها، التي قامت باغتصاب حقوق العناصر الأخرى التي كانت تتشكل منها ومنعتها من التطور).
بل إن المندوب السامي البريطاني في العراق نصح بنفسه أصحاب الشأن في العراق، وفي المناسبة نفسها التي ألقى فيها الملك فيصل الأول كلمته المذكورة، قائلاً: (يجب أن يكون الهدف بالنسبة للحكومة العراقية العربية الجديدة هو أن تجعل من جميع العناصر العراقية أولاداً مخلصين للحكومة العراقية الجديدة، ولتحقيق هذا الهدف عليها أن تشجعهم على الالتزام بدينهم والاعتزاز بعنصرهم وقوميتهم ولغتهم الكوردية وألّا يحيدوا عنهما. لن يصبح الكوردي عربياً أبداً، فمثلما لم يصبح الإسكتلندي إنجليزياً فلن يصبح الكوردي عربياً أيضاً، ولن يصبح أبداً وطنياً صالحاً إذا أُجبر على استخدام اللغة العربية والعادات العربية. خلاصة القول: يجب ألّا تجري المحاولات لجعله عربياً خالصاً، بل يجب تشجيعه وتقديم التسهيلات له ليصبح كوردياً خالصاً، وعراقياً أولاً وكوردياً ثانياً) (12).
بطبيعة الحال كان الإنجليز يدركون أنه إذا ما توفرت للكورد فرص التعليم بلغتهم الكوردية، وتمكنوا من تطوير ثقافتهم القومية، فلن يرضوا بأوضاعهم البائسة، وسيطالبون بحقوقهم القومية الكوردية المغتصبة وبالمشاركة في الحياة السياسية والاقتصادية والثقافية للبلاد (العراق العربي الجديد)، بينما كانت السياسة البريطانية تقوم على أساس تهميش دور الكورد وحرمانهم من المشاركة الفعالة في تقرير السياسات العراقية العربية.
وظهرت آثار الإهمال الحكومي للكورد في حقل التعليم في كركوك بصورة واضحة فيما بعد، ففي الوقت الذي بلغ فيه عدد المتعلمين في لواء كركوك عام 1953 حوالي (20534)، كان عدد غير المتعلمين (214980) شخصاً، وكان عدد المدارس الابتدائية للبنين (71) وللبنات (13)، ورياض الأطفال (11)، والمدارس المتوسطة والثانوية للبنين (6) وللبنات (2)، وكانت هذه المدارس متمركزة في مركز المدينة والأقضية والنواحي.
وقد شخّص الدكتور شاكر خصباك مشاكل التعليم في كوردستان بصورة موضوعية، فبعد سرده الأسباب الاقتصادية وغيرها يشير إلى أن (المناطق الكوردية تعاني من مشاكل خاصة، وهي مشكلة لغة التدريس؛ إذ إن الدراسة في المدارس الابتدائية باللغة الكوردية، في حين تصبح الدراسة في المدارس المتوسطة والثانوية باللغة العربية. ومما لا شك فيه أن الانتقال المفاجئ من الدراسة باللغة الكوردية إلى الدراسة باللغة العربية عملية صعبة بالنسبة للكورد، ولهم الحق، كما ورد في قرارات عصبة الأمم عام 1926، في الدراسة بلغتهم القومية الكوردية، ويجب على وزارة التعليم وضع الكتب بالكوردية وترجمة الكتب العربية إلى الكوردية، ويمكن أن تُدرَّس العربية في المدارس والمؤسسات التعليمية الكوردية لغةً رئيسية لتسهيل الدراسة في الكليات العربية أمام الكورد لحين توفير مستلزمات فتح الكليات الكوردية. وكان إهمال الحكومة العراقية العربية للغة الكوردية دائماً سبباً من أسباب انزعاج الكورد. يجب معاملة سكان البلاد (العراق) بقومياتهم المختلفة دون تفريق) (13).
ومن المنطلق نفسه لم تشهد كركوك تطوراً يُذكر في حقل الصحافة الكوردية، فقد بدأ البريطانيون بإصدار جريدة (النجمة) باللغة العربية في كركوك ابتداءً من 15 كانون الأول 1918، أي بعد 20 يوماً فقط من احتلالهم الثاني لمدينة كركوك. واستُبدلت التسمية عام 1926 إلى (كركوك)، وصدر العدد الأول من الجريدة الجديدة في 12 تشرين الأول 1926، وكانت السلطات البريطانية والعراقية ترفض نشر المقالات فيها باللغة الكوردية. ولم تبدأ الجريدة إلا عشية المعاهدة البريطانية - العراقية الجديدة عام 1930 والمناورات لقبول العراق في عصبة الأمم، اعتباراً من العدد (302) في الثاني من أيار 1930، بتخصيص صفحتين من صفحاتها الست للنشر باللغة الكوردية، بينما خُصصت صفحتان للإعلانات والأمور الحكومية والأهلية، وصفحتان للنشر باللغة التركية. وقد بررت الجريدة هذا التوجه الجديد بالعبارات التالية: (هذا التشويق والإلهام جاء نتيجة للتوجهات العادلة لحكومتنا الموقرة، والغاية منها تحقيق الحقوق وإفادة الكورد المتواجدين داخل لوائنا كركوك).
وكان تخصيص صفحتين من الجريدة للغة الكوردية جزءاً من لعبة التمهيد لدخول العراق إلى عصبة الأمم، التي شكّل تعيين تحسين العسكري (من أهالي قرية عسكر قرب جمجمال) متصرفاً لكركوك، وتوفيق وهبي متصرفاً للسليمانية، وإصدار قانون اللغات المحلية، حلقات منها. وقد كتبت الجريدة، بعد سردها حياة المتصرف الجديد وعائلته الكوردية المشهورة، والمراتب التي تدرّج فيها في الجيش العثماني، والمناصب التي تسنّمها في الدولة العراقية العربية الجديدة، مشيرة إلى وصوله إلى كركوك وتسنّمه منصبه الجديد، تقول: (ولدى تشريفه كركوك باعتبارها وطناً له، وقد حاز هو وآباؤه الشهرة الحسنة في هذه المنطقة، فقد استُقبل من قبل أهالي مدينة كركوك بصورة فائقة للعادة، والمشار إليه كوردي، وقد حصل على التعليم العالي، وخبر الإدارة والسياسة، وهو مطلع على الأحوال الروحية لمنطقتنا، وبهذا المعنى نتمنى أن يكون عاملاً على تحقيق الرقي والخير العميق للوائنا كركوك).
فضلاً عن ذلك يبدو أن تعيين تحسين العسكري متصرفاً لكركوك كان محاولة من الحكومة العراقية الجديدة لإزالة الآثار السيئة لسلوك المتصرف السابق عبد المجيد اليعقوبي (1924-1927) وتصرفاته، وقد اشتهر بسرقاته لممتلكات الآخرين دون وجه حق، وتعسفه الشديد، وعنصريته المفرطة إزاء الكورد. وأشادت جريدة (كركوك) بزميلتيها (ژيان) و(زاري كرمانجي) اللتين كانتا تصدران في السليمانية ورواندوز. ولكن سرعان ما قررت السلطات العراقية العربية، بعد عام واحد فقط وبعد نقل تحسين العسكري، إلغاء القسم الكوردي من الجريدة، لتخوفها من انتشار الثقافة الكوردية وتطورها بين الكورد في كركوك (14).
لم تكن الأوضاع في الجوانب الأخرى بأحسن حالاً من وضع التعليم والصحافة، ففي مجال الخدمات الصحية لم يكن في كركوك عام 1955 سوى (5) مستشفيات و(48) طبيباً لسكان لواء كركوك البالغ عددهم آنذاك (268005)، وكانت نسبة الولادات والوفيات عام 1953 على التوالي (5.5% و2.8%) (15).
وكان (قانون اللغات المحلية)، الذي أصدره الملك فيصل الأول في 23 أيار 1931، وسيلة أخرى من وسائل غصب الحقوق الكوردية والتنصل من الوعود التي قُدّمت للكورد خلال الصراع على ولاية الموصل (كوردستان العراق). ويوضح نص القانون الأساليب التي لجأت إليها الحكومة العراقية العربية لتهميش اللغة الكوردية في كركوك وغيرها من المناطق الكوردية. فقد نص القانون في مادته الثانية على أن (تكون اللغة الكوردية لغة المحاكم في الأقضية التالية: لواء الموصل: عمادية، زاخو، زيبار، عقرة. لواء أربيل: كويسنجق، رانية، رواندوز. لواء كركوك: كيل، جمجمال. لواء السليمانية: سليمانية، حلبجة، شهربازير). بينما نصت المادة الثالثة من القانون نفسه على أنه (يجوز أن تكون لغة المحاكم في الأقضية التالية الكوردية أو العربية أو التركية: دهوك، شيخان، أربيل، مخمور، كركوك، كفري، ويُعطى قرار المحكمة باللغة الأكثر شيوعاً). فيما أجازت المادة الرابعة للمتهم في الأقضية المذكورة، وفي جميع الأحوال: (أ. أن يحاكَم ويُبلَّغ باللغة العربية إذا كانت لغته البيتية العربية. ب. أن تُترجم المرافعات الشفهية إلى الكوردية أو العربية أو التركية، وتُعطى له نسخة الحكم المترجم. ويجوز لكل شخص أن يقدم دعواه أو استدعاءه للمحاكم في الأقضية المذكورة أعلاه، أو للمحاكم الأوسع صلاحية، بالكوردية والعربية والتركية).
وتناولت المادة الخامسة مخابرات (مكاتبات) الدوائر الفنية والمخابرات بين مراكز الألوية والوزارة وبين مركز لواء الموصل والأقضية العربية، ونصت على أن (تكون اللغة الرسمية الكوردية في: لواء الموصل: عمادية، عقرة، دهوك، زاخو، وزيبار. لواء أربيل: أربيل، مخمور، كويسنجق، رانية، رواندوز. لواء كركوك: جمجمال، كيل. لواء السليمانية: السليمانية، حلبجة، شهربازير. ويجوز أن تُستعمل الكوردية أو التركية في قضاءي كركوك وكفري). وكانت نصوص المواد الأخرى على الشكل التالي: (مادة 6 - تكون لغة التدريس في جميع المدارس الأولية والابتدائية في الأقضية المبينة في هذا القانون الكوردية أو العربية أو التركية حسب اللغة الشائعة فيها. مادة 7 - يستطيع كل شخص أن يراجع المقامات الرسمية باللغة العربية وأن يأخذ الجواب بها، وتُقبل جميع المخابرات بإحدى اللغات الواردة في المادة الخامسة ويُجاب عليها باللغة نفسها. مادة 8 - تُستعمل اللغة الكوردية في أقضية ألوية السليمانية وكركوك وأربيل المبينة في هذا القانون بشكلها الحالي، ويجوز أن تُستعمل لهجة هذه الألوية في بقية لواء الموصل من تاريخ تنفيذ هذا القانون إلى السنة التي يختار فيها أهالي هذه الأقضية لهجة يتفقون على استعمالها). وكلّف القانون جميع الوزراء، كلاً حسب صلاحيته، بتنفيذه. وصدر القانون بتاريخ 23 أيار سنة 1931 بتوقيع الملك فيصل الأول، ورئيس الوزراء نوري السعيد، ووزير العدل جمال بابان، ووزير الداخلية عبد الله الدملوجي، ووزير الخارجية مزاحم الباجه جي، ووزير الدفاع جميل الراوي، ووزير المالية رستم حيدر، ووزير المعارف عبد الحسين (16).
جاء سنّ قانون اللغات المحلية تلبيةً لقرار عصبة الأمم في 16 كانون الأول/ديسمبر 1925 بشأن الحقوق الإدارية والثقافية الكوردية عند إلحاق ولاية الموصل (كوردستان العراق) بالعراق العربي الجديد نهاية عام 1925م، الذي أخذت الحكومتان البريطانية والعراقية على عاتقهما مهمة تنفيذه. وقد استخدم القانون مصطلح اللغة المحلية بدلاً من اللغة الأم أو اللغة القومية، ووضع قيوداً عديدة على انتشار اللغة الكوردية.
أشار محمد أمين زكي في ملاحظاته عن قانون اللغات المحلية إلى عدم التزام الحكومة العراقية العربية بوعودها التي قطعتها لعصبة الأمم، وتصرفها بصورة تتناقض مع تلك الوعود فيما يخص الكورد. ويشير إلى المادة الرابعة من القانون التي تجيز استعمال اللغة التركية في العديد من الأقضية والنواحي الكوردية، مؤكداً أن هذه المادة جاءت بناءً على طلب مجلس إدارة كركوك في حينه. ويعتبر محمد أمين زكي تمتع جميع العناصر بحقوقها شيئاً ضرورياً، ولكن يجب ألّا يجري ذلك على حساب العناصر الأخرى، إذ يكمن الخطأ هنا برأيه. ويعطي محمد أمين زكي أمثلة موثقة على طروحاته، إذ يقول إن نسبة السكان حسب المعطيات الرسمية في لواء كركوك هي (51%) من الكورد و(21%) من التركمان و(20%) من العرب و(8%) من غير المسلمين، رغم أنه يؤكد أنه حصل على معلومات من مصادر موثوقة ومسؤولة عن شؤون الإحصاء ودائرة نفوس كركوك تناقض الصورة الرسمية؛ إذ كانت المعطيات الإحصائية التي اعتمدها تشير إلى أن عدد سكان مدينة كركوك بلغ عام 1930، حسب إحصاء بلدية كركوك، (35) ألفاً، كان عدد الكورد منهم (22) ألفاً، وعدد التركمان (7) آلاف شخص، وألفاً من المسيحيين المحليين، وألفين من التياريين، و(500) أرمني، و(2500) يهودي… في حين كان نصيب الكورد في المدينة من المدارس مساوياً للصفر. وكانت نسب الموظفين على الشكل التالي: (56%) من التركمان، و(24%) من الكورد، و(20%) الباقية من العرب ومن غير المسلمين (17).
وكانت سياسات الحكومة العراقية العربية تجاه الكورد في جميع المجالات، بما فيها مجالات التوظيف والتعليم واستخدام اللغة الكوردية، مناقضة لتعهداتها لعصبة الأمم، فقد تعهدت الحكومة العراقية العربية الجديدة في تصريحها المعلن في 30 أيار 1932، كي يحصل العراق على عضوية عصبة الأمم، وكان هذا التصريح قد أُقرّ من قبل المجلس النيابي العراقي في 5 أيار من العام نفسه 1932 واعتُبر قانوناً عراقياً أساسياً. وأقر التصريح حماية حقوق المواطنين العراقيين بغض النظر عن القومية والدين، كما نصت المادة التاسعة منه بخصوص اللغة الكوردية على ما يلي: (توافق الحكومة العراقية على أن تكون اللغة الكوردية إلى جانب اللغة العربية اللغة الرسمية في الأقضية التي تقطنها غالبية كوردية في ألوية كل من الموصل وأربيل وكركوك والسليمانية…). كما تعهدت الحكومة العراقية بتعيين موظفي الأقضية المذكورة من بين من يعرفون اللغة الكوردية: (ومع أن مقياس اختيار الموظفين للأقضية المذكورة هو الكفاءة ومعرفة اللغة قبل العرق، كما هو الحال في سائر أنحاء العراق، فإن الحكومة وافقت على أن يجري انتقاء الموظفين قدر الإمكان من بين المواطنين من أبناء تلك الأقضية). وكانت هذه التعهدات ذات صبغة دولية، إذ نصت المادة العاشرة من التصريح المذكور على ما يلي: (بقدر ما لهذه الشروط مساس بالأشخاص الذين ينتمون إلى الأقليات القومية أو الدينية أو اللغوية، فإنها تعتبر تعهدات ذات طابع دولي، وتقوم مقام ضمانة توضع لدى عصبة الأمم، ولا يجرى أي تعديل عليها إلا بمصادقة الأغلبية في مجلس العصبة) (18).
لا شك أن أسوأ سياسات الحكومة العراقية العربية في كركوك وأقساها هي محاولات تغيير الواقع القومي للسكان في هذه المحافظة. ومن الضروري أن نشير إلى أن الحكومات العراقية العربية المتعاقبة حاولت تنفيذ هذه السياسة بصيغ مختلفة، إلى أن وصل الأمر إلى سياسة التطهير العرقي التي مارستها حكومة حزب البعث السابقة. فإلى جانب الهجرة الطبيعية للسكان إلى المدن، وبخاصة إلى المدن التي شهدت تطوراً اقتصادياً ملحوظاً، وكانت كركوك في مقدمتها بعد اكتشاف النفط عام 1927 والبدء باستخراجه منذ عام 1934، ترتب على ذلك حدوث تغييرات كبيرة في الوضع الاقتصادي والاجتماعي والإثني لسكان مدينة كركوك، فقد استخدمت شركة نفط كركوك أعداداً كبيرة من المستخدمين والعمال، جلبت معظمهم من خارج المنطقة. ونتج عن ذلك كله، خلال فترة قصيرة نسبياً، ظهور أحياء شبه مستقلة ضمن الأحياء القديمة في المدينة، خاصة بالآثوريين والأرمن والعرب وغيرهم، ولا سيما في المناطق القريبة من منشآت النفط. وكانت نسبة العمال الكورد المستخدمين في الشركة تأتي بعد الآخرين جميعاً. وهكذا أدى استثمار حقول النفط الموجودة في كركوك وفي المناطق القريبة منها إلى استقرار أعداد غفيرة من أبناء المناطق العراقية المختلفة في لواء كركوك بصورة دائمة (19).
وإلى جانب جلب العمال والموظفين وأفراد الشرطة من غير الكورد إلى كركوك، جعلت الحكومة العراقية من كركوك مقراً للفرقة الثانية من الجيش العراقي.
المصادر
مذكرة محمد أمين زكي إلى الملك فيصل الأول حول الشأن الكوردي العراقي في 20 كانون الأول 1930، تقديم وترجمة الدكتور جبار قادر، الملف العراقي، العدد 104، آب 2000، ص64-65.
الدكتور كمال مظهر أحمد، التاريخ - دراسة موجزة لعلم التاريخ والكورد والتاريخ، بغداد، 1983، ص159 (بالكوردية).
مذكرة محمد أمين زكي إلى الملك فيصل الأول، المصدر السابق، ص65.
مذكرة محمد أمين زكي إلى الملك فيصل الأول، المصدر السابق، ص65.
المصدر نفسه، ص66.
جريدة (زبان)، العدد 129، 20 أيلول 1928.
مذكرة محمد أمين زكي، ص65.
ع. خ. ي.، لواء كركوك وجميع أقضيته ونواحيه وقراه من الكورد، زاري كرمانجي، رواندوز، العدد 19، 19/10/1929، نقلاً عن ممتاز حيدري، مجلة هاواري كركوك، العدد 3، أربيل، آذار 1999، ص65.
Report for the period April 1923 - December 1924, pp. 217-218. انظر كذلك: الدكتور كمال مظهر أحمد، حركة التحرر الوطني في كوردستان العراق 1918-1932، باكو 1967، ص62-63 (باللغة الروسية).
Special report by His Majesty’s Government in the United Kingdom of Great Britain and Northern Ireland to the Council of the League of Nations on the progress of Irak during the period 1920-1930, London 1931, p. 234. انظر كذلك: الدكتور كمال مظهر أحمد، حركة التحرر الوطني، ص64.
Special report, Ibid, p. 230.
مذكرة محمد أمين زكي، ص67.
الدكتور شاكر خصباك، الكورد والمسألة الكوردية، ترجمة أمجد شاكلي، السويد 1997، ص63-71 (الطبعة الكوردية).
عن هذه الجريدة وبعض أعدادها الكوردية انظر الدراسة الموثقة للكاتب: أحمد تاقانه، جريدة (كركوك) الكوردية عام 1930، كولان العربي، العدد 43، كانون الأول 1999، ص55-59.
الدكتور شاكر خصباك، المصدر نفسه، ص63-69.
جريدة الوقائع العراقية، العدد 989، بتاريخ 1 حزيران 1931. انظر كذلك: مجلة هاواري كركوك، العدد 3، أربيل، آذار 1999، ص152-154.
محمد أمين زكي، ملاحظاتي حول قانون اللغات المحلية، في كتاب (محاولتان غير مجديتين)، تقديم وتحقيق صباح غالب، لندن، 1984، ص103-105.
League of Nations, Series of League of Nations Publications, VII. Political. 1932.VII.9, p. 301.
الدكتور نوري طالباني، منطقة كركوك ومحاولات تغيير واقعها القومي، ص51.
أجزاء «عن تهميش الكورد وعدم مراعاة العدالة والمساواة بين أقوام العراق» (2 أجزاء):
- الجزء الأول
- الجزء الثاني (هذا الجزء)