الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي
قضايا تقف عائقاً أمام التفاهم المشترك وحل المشكلة الكوردية في كوردستان العراق (الجزء الثاني)
من محاضرات «الكورد في ولاية الموصل» – 2014
مشكلة الكورد في ولاية الموصل (كوردستان العراق) ذات الأغلبية الكوردية عام 1925م
بعد ضم ولاية الموصل (كوردستان الجنوبية) ذات الأغلبية الكوردية إلى العراق العربي الجديد عام 1925، أصبحت هذه الدولة تضم أقلية كوردية لها خصوصيتها اللغوية والقومية، تبلغ نسبتها نحو 22% من سكان العراق، ويتراوح عددها بين خمسة وثمانية ملايين، تدين غالبيتهم العظمى بالإسلام على المذهب السني، ولا يختلفون عن بقية سكان العراق الحديث إلا في لغة الحديث اليومي وفي عاداتهم وتقاليدهم الاجتماعية. واللغة الكوردية من مجموعة اللغات الآرية، إلا أنها تأثرت بالعربية مثل لغات كثيرة من لغات الشعوب الإسلامية. وطالما كانت الرابطة الدينية هي التي تجمع بين رعايا الدول الإسلامية السابقة، لم تُعرف مشكلة كوردية، وإنما ظهرت هذه المشكلة مع انتشار المبدأ القومي في الشرق. ففي العام نفسه الذي تكونت فيه الجمعيات القومية العربية، سنة 1908، ظهرت أيضاً جمعيات قومية كوردية، مثل جمعية «تعالي وترقي الكورد»، كما روّج الطلبة الكورد في إسطنبول للفكرة القومية الكوردية.
ولما هُزمت الإمبراطورية العثمانية واندحرت في الحرب العالمية الأولى عام 1918م، تطلع الكورد، مثل باقي قوميات الإمبراطورية العثمانية، إلى إنشاء دولة قومية كوردية مستقلة لهم في كوردستان أسوة بالآخرين (1). غير أن الكورد اصطدموا بتعصب الحلفاء للأرمن المسيحيين، فقد وعد بعض زعماء الدول الكبرى الأرمن بإنشاء دولة أرمنية كبيرة تمتد من بحر قزوين حتى البحر المتوسط، وتشمل مناطق من كوردستان مثل أرضروم وبتليس وديار بكر، مع أن هذه المناطق كوردية تسكنها أغلبية كوردية. لذلك نشط زعماء الكورد في مؤتمر الصلح في باريس سنة 1919، وقدموا مذكرات عديدة، وحاولوا الاتصال بالأرمن للاتفاق على تقسيم الأوطان المتداخلة بينهم. وفي معاهدة سيفر (10 آب عام 1920م) وافقت الدولة العثمانية على أن يقيم الكورد حكومة كوردية ذات استقلال ذاتي في كوردستان العراق (شمال العراق)، وفي جزء من جنوب الأناضول (كوردستان تركيا الشمالية)، وفي شمال شرق سوريا (كوردستان سوريا)، مع استمرار السيادة العثمانية عليها. وقد ذهب هذا المشروع مع كثير من بنود معاهدة سيفر التي نجح مصطفى كمال أتاتورك في إبطال مفعولها، ولا سيما في مؤتمر لوزان عام 1923م. وما أردنا الوصول إليه هو أنه لم يكن هناك صراع بين الكورد والعرب خلال السنوات القليلة التي تلت الحرب العالمية الأولى، إذ لم يكن مستقبل ولاية الموصل الكوردية (كوردستان العراق) قد تقرر بعد، واستمر بعض أبناء الأسر الكوردية الكبيرة يتمتعون بنفوذ تام، أشبه بالحكام الإقطاعيين، في المناطق الكوردية التي يقطنونها.
وقد تعاون الشيخ محمود الحفيد، أحد أفراد الأسرة البرزنجية ذات النفوذ الكبير في السليمانية، مع الإنجليز باعتبارهم المنتصرين في الحرب، فعيّنه البريطانيون حاكماً للسليمانية وتركوا بجانبه مستشاراً إنجليزياً، وكان من الطبيعي أن يحدث صدام بين هؤلاء الحكام الإقطاعيين وممثل الإدارة الحديثة.
وتميزت السياسة الإنجليزية بالتقلب إزاء الكورد في كوردستان العراق (شمال العراق)؛ فحين كان البريطانيون يصطدمون بالهاشميين، أي بحكومة بغداد العربية الجديدة، كانوا يتقاربون من الكورد ويستفيدون من إثارتهم على حكومة بغداد. حدث ذلك مثلاً سنة 1922 أثناء التفاوض على المعاهدة العراقية البريطانية الأولى، ولما رضخت الحكومة العراقية في بغداد للمعاهدة صارت بريطانيا تؤيدها وتعينها على قمع الحركة الكوردية في كوردستان العراق. وقد اشتمل صك الانتداب على العراق على تعهد باحترام حقوق الأقليات، ثم تأكد هذا التعهد حين وافقت عصبة الأمم في 16 كانون الأول/ديسمبر عام 1925م على ضم ولاية الموصل الكوردستانية إلى العراق العربي، وخُطّت الحدود بصورة نهائية بين العراق وتركيا. وباستقرار وضع ولاية الموصل الكوردية (كوردستان العراق) صار الإنجليز أكثر ثباتاً في تأييد حكومة بغداد العربية عسكرياً ضد ثورات الكورد، باستثناء فترات قصيرة من التوتر في العلاقات بين العراق والإنجليز. ففي عام 1926 أعلن الشيخ محمود الحفيد البرزنجي نفسه ملكاً على كوردستان العراق، وذلك في أعقاب قرار عصبة الأمم المبني على تقرير لجنة تقصي الحقائق الأممية، واستطاع الجيش العراقي بمساندة بريطانيا التغلب على هذه الحركة الكوردية. وأُخذ على الشيخ محمود الحفيد تعهد بمغادرة كوردستان العراق والتوقف عن أي نشاط سياسي في الخارج، وفي مقابل ذلك رُدّت إلى أسرته أملاكها الشاسعة. واستقر الشيخ محمود الحفيد في كوردستان إيران حتى عام 1930، حين قام بآخر ثورة وانتفاضة كوردية ضد حكومة بغداد العربية، ويقال إن المقصود من تدبير هذه الحركة والثورة الكوردية كان إحراج العراق الذي تأهب للانضمام إلى عصبة الأمم، حتى يتمكن الكورد من الحصول على الاستقلال أو الحكم الذاتي في كوردستان العراق.
فقد انتهز الكورد هذه الفرصة ليطالبوا عصبة الأمم بالاستقلال لكوردستان أسوة بالآخرين من الدول العربية، فلم تستجب العصبة لهذا الطلب، واكتفت بالإيضاحات التي قدمتها حكومة العراق العربية عن مراعاتها حقوق الأقليات القومية، ومنها الشعب الكوردي في كوردستان العراق. ومن المعروف أن أقليات أخرى غير الكورد أثارت اضطرابات، ولا سيما الآثوريون في الثلاثينيات من القرن الماضي، وكانوا يقدَّرون بنحو 90 ألفاً، يتزعمهم رئيسهم الديني «مار شمعون». وكانت هذه الأقلية المسيحية أقل ولاءً للحكومة المركزية العراقية العربية من الكورد، وبعد قمع حركة الآثوريين غادر كثير منهم إلى سوريا.
فما دوافع الزعماء الكورد لنبذ سلطة الدولة العراقية العربية الجديدة؟ كان المجتمع الكوردي في ذلك الوقت يخضع للنظام القبلي، وكان زعماؤه أشبه بالإقطاعيين، يثورون ضد أي حكومة مركزية للحصول على مكتسبات قومية لشعبهم الكوردي، ويتخذون الدين الإسلامي أحياناً عاملاً إضافياً لكسب التأييد لثوراتهم وإنجاحها. ومن هؤلاء الزعماء الشيخ أحمد البارزاني، الذي كان ينتمي إلى أسرة دينية صوفية، وقد استفاد من موقع بلدته بارزان القائمة وسط جبال شيرين. وقد شارك البارزانيون والزيباريون، وجميعهم من الأسر الكوردية المتنفذة والإقطاعية، في ثورة سنة 1920 العراقية. كما قاوم الشيخ أحمد البارزاني مدّ الإدارة الحديثة للحكومة العراقية إلى بلاده، ثم آلت الزعامة القبلية والحركة الثورية الكوردية بالتدريج إلى أخيه الملا مصطفى البارزاني، الذي جعل من السليمانية مقراً للمعارضة الكوردية، وفي سنة 1936 ألزم بالإقامة الجبرية في مدينة السليمانية.
وانتظر الملا مصطفى البارزاني أول فرصة للوثوب من جديد والبدء بثورته الكوردية للحصول على الحقوق القومية لشعبه من حكومة بغداد الواقفة ضد ذلك. ولاحت هذه الفرصة للزعيم الكوردي بعد فشل الحركة الوطنية (حركة رشيد عالي الكيلاني) في مايس 1941، وما تلاها من تسريحات وتقليص كبير في الجيش العراقي. وكأن حكومة بغداد شعرت بما أصابها من ضعف، فعيّنت أحد الكورد، وهو ماجد مصطفى، وزيراً للدولة، وكلّفته بالتفاوض مع الملا مصطفى البارزاني سنة 1944. وعلى الرغم من أنه استطاع إقناع الزعيم والقائد الكوردي الملا مصطفى البارزاني بالإقامة في بغداد، فإن مجرد عقد هذه المفاوضات رفع الملا مصطفى البارزاني من رئيس عشائري إلى زعيم قومي كوردي يمثل شعبه، فأعطى ذلك الحركة الكوردية صورة جديدة. وفي الوقت نفسه شرعت الحكومة العراقية العربية في تنفيذ ما اتُّفق عليه من زيادة نسبة الكورد في المناصب الإدارية، بينما لم ينفذ الكورد من جانبهم تعهدهم بتسليم ما لديهم من سلاح، والسبب إما حبهم لحمل السلاح، وهي صفة في الشعب الكوردي، وإما عدم اقتناعهم بصدق الحكومة العراقية العربية معهم. وقد لوحظ أن بعض الضباط الكورد تركوا الخدمة وانضموا إلى الثوار الكورد والحركة الكوردية، وأصبح هؤلاء يشكلون عنصراً جديداً يختلف عن الزعماء القبليين، وكان لهم تأثيرهم في تقوية الحركة الكوردية ومفهومها الثوري (2).
وفي هذه الأثناء كان السوفيت يحتلون شمال إيران، وقد عُرف عن الروس الميل إلى تأييد قيام دولة كوردستان الكوردية استجابة للحركة القومية الكوردية. فالشيوعيون ليسوا أكثر الناس تحمساً للمبدأ القومي، وإنما رأت حكومة موسكو أن تشجيع تشكيل مثل هذه الدولة الكوردية سيضع العراقيل في وجه بريطانيا، إذ سيُحدث خلخلة في كثير من بلدان الشرق الأوسط، مما يفتح أمام السوفيت منفذاً للتسرب نحو الجنوب. والسيئ في ذلك أن الكورد لا يتجمعون في منطقة جغرافية واحدة محددة، بل يشكلون أقليات كبيرة موزعة بين كوردستان إيران وتركيا والعراق وسوريا، كما توجد أقليات كوردية صغيرة متناثرة داخل أراضي الاتحاد السوفيتي، فإذا تمكن الكورد من إقامة دولة قومية كوردية في كوردستان أحد تلك الأقطار تأثرت الأقطار الأخرى بها. وكان يهم السوفيت في أعقاب الحرب العالمية الثانية عام 1945م وضع العقبات أمام الإنجليز وأمام تركيا الضالعة والمتعاونة مع الغرب.
وقد سبق لمصطفى كمال أتاتورك في بدء حركته الوطنية أن تعاون مع الكورد لطرد اليونانيين من أجزاء من تركيا الحديثة، ثم انقلب عليهم بعد إتمام مهمته وانتصاره على اليونانيين بفضل دعم الكورد له خلال القتال، وعقده معاهدة لوزان (24 تموز عام 1923م)، واتبع بعد ذلك مع الكورد أشد وسائل العنف حتى شتتهم في الأناضول، وقضى تقريباً على المشكلة الكوردية في كوردستان تركيا. وفي كوردستان إيران يشكل الكورد أقلية مهمة في أذربيجان، وفي أثناء الاحتلال السوفيتي لهذه المقاطعة أقيمت فيها حكومة محلية شيوعية برئاسة جعفر بيشه وري، وأقنع السوفيت حلفاءهم بالسماح للكورد بإقامة جمهورية قومية مستقلة عُرفت باسم جمهورية مهاباد عام 1946.
ويقال إن خطة إقامة جمهورية مهاباد الكوردية وُضعت في مؤتمر الأحزاب الشيوعية الشرقية الذي انعقد في باكو في تشرين الثاني/نوفمبر سنة 1945. وقد أغرى قيام هذه الجمهورية الزعيمَ والمناضل الكوردي الملا مصطفى البارزاني بتوسيع حركته، فالتجأ إليها لغرض تقويتها وإنجاحها، وأخذ يجدد الدعوة إلى إقامة دولة كوردستان التي تضم شتات الكورد في كوردستان إيران وكوردستان العراق وكوردستان تركيا. ومن المعروف أن جمهورية مهاباد زالت في نهاية عام 1946 مع سقوط حكومة أذربيجان الشيوعية واسترداد حكومة طهران سلطتها في المنطقة الكوردية بعد انسحاب السوفيت من شمال إيران. وفي الوقت نفسه اشتد ضغط الجيش العراقي، بمساندة بريطانيا، في كوردستان العراق، وتمكن من إعادة النظام إلى المنطقة الكوردية، مما اضطر الملا مصطفى البارزاني إلى اللجوء إلى الاتحاد السوفيتي عدة سنوات، حيث لقي ترحيباً شديداً ومُنح رتبة جنرال، وسمح السوفيت ببث الدعاية للحركة الوطنية الكوردية من أذربيجان السوفيتية التي تعيش فيها أقلية كوردية.
هناك إذن شواهد عديدة على تأييد السوفيت لحركات الكورد في كوردستان العراق، يضاف إليها موقف الحزب الشيوعي العراقي من القضية الكوردية. ومع ذلك فإن الكتاب الرسمي الذي أصدرته الحكومة العراقية عن القضية الكوردية سنة 1961، أي في عهد الزعيم عبد الكريم قاسم، قد حمّل الإنجليز مسؤولية عصيان الكورد، بما في ذلك عصيان سنتي 1944 و1945، الذي يُعدّ نقطة بداية في تاريخ الحركة الكوردية، إذ تحولت الحركة، ومعها الشعب الكوردي، من مجرد شغب وتمرد قبلي إلى ثورة كوردية عامة. ومن الجائز أن يكون الإنجليز قد شجعوا الكورد بعض الوقت انتقاماً من حركة رشيد عالي الكيلاني الوطنية سنة 1941، ولكن من المستحيل أن يستمروا في اللعب بهذه الورقة الكوردية التي قد تؤدي إلى انفصال ولاية الموصل (كوردستان الجنوبية) ذات الأغلبية الكوردية، وبالتالي إلى ضياع مصالح شركة نفط العراق. وقاد ذلك إلى تبادل رسائل بين الملا مصطفى البارزاني وإدموندز، مستشار وزارة الخارجية البريطانية (3)، ودلّت هذه الرسائل على أن الإنجليز كانوا يرغبون في الاحتفاظ بخط الرجعة، أو في الضغط على الحكومة العراقية حتى لا تطالب بتعديل اتفاقيات البترول. والثابت أن موقف الإنجليز كان أميل إلى تأييد حكومة بغداد ما دامت هذه الحكومة العربية متحالفة معهم، ولذلك سيتبدل الوضع في العراق بعد ثورة 14 تموز سنة 1958. وميل السوفيت إلى الحركة الكوردية لا يعني بالضرورة أنها حركة تقدمية، كما أن مساعدة الإنجليز لحكومة بغداد العربية في قمعها لا يعني بالضرورة أن الكورد هم الذين وقفوا في وجه الاستعمار، كما يصور ذلك بعض الوطنيين الكورد. ومن الجائز أن تكون هناك عوامل سخط داخلية، وأن الدول الأجنبية استفادت من الحركة الكوردية حسب مصالحها وفي الوقت الذي يناسبها.
البحث عن حلول للمشكلة الكوردية في كوردستان
اتبع الزعيم الركن عبد الكريم قاسم سياسة جديدة نحو الكورد، فقد أقرّ لهم في صلب الدستور المؤقت عام 1958 بحقوق إدارية وثقافية للقومية الكوردية، وأفسح المجال لهم لتكوين أحزاب سياسية تنادي بالحقوق القومية الكوردية. كما أصدر عفواً عن الزعيم الكوردي الخالد الملا مصطفى البارزاني، وسمح له بالعودة إلى العراق بعد سنوات طويلة في المنفى في الاتحاد السوفيتي السابق، وكان هذا البلد مصدر تزويده بالمال والسلاح. ويتهم القوميون العرب الزعيم عبد الكريم قاسم بأنه أغمض عينيه عن المغامرين الذين أرسلهم السوفيت سنة 1959 تحت ستار لاجئين يرغبون في العودة إلى أوطانهم، وهذا خطأ، فهم كورد كانوا مع الملا مصطفى البارزاني. وبالإضافة إلى ذلك استعان عبد الكريم قاسم بالكورد لقمع حركة تمرد العقيد الركن عبد الوهاب الشواف في مدينة الموصل عام 1959م، مما شجعهم على الإسراف في مطالبهم. وظن اليساريون (الشيوعيون) أن تشجيع الكورد يتماشى مع مبدأ التسامح القومي، وأن معارضتهم تنبثق من التطرف القومي العربي. وقد أعلن حزب البارتي (الحزب الديمقراطي الكوردستاني) مبادئه منذ تشرين الأول/أكتوبر سنة 1959، وهي تدعو إلى الحكم الذاتي وإقراره في الدستور الدائم للعراق، وإلى حق الأمة الكوردية في تقرير مصيرها، وتأييد الكورد خارج العراق. ولعل ما قرّب بين اليساريين (الشيوعيين) وحركة الكورد هو ما صرح به الحزب الديمقراطي الكوردستاني من أنه يستمد عقيدته السياسية من الماركسية اللينينية، وأنه يقبل مبدأ وحدة الوطن العراقي ما دامت حكومة بغداد تتبع سياسة تقدمية ديمقراطية، وإلا فإنه يفضل الانفصال.
ثم أوقف الحزب الديمقراطي الكوردستاني عمله، شأنه في ذلك شأن الأحزاب الأخرى، ومن الطبيعي أن يكون الكورد أكثر حساسية تجاه ما يصيب هذا الحزب. وكأن الزعيم عبد الكريم قاسم، بعد أن فتح الباب لتطور الوطنية الكوردية، لم يستطع إيقافها عند الحد المقبول. ثم إن علاقاته السيئة مع جارتيه إيران وتركيا قد عزلته، ولا سيما بعد أن جدّد العراق المطالبة بعربستان الواقعة شرق شط العرب، مما جعل حكومة إيران تؤيد علناً حركة العصيان في كوردستان العراق. وربما تلقى الكورد في هذه الحقبة تأييداً من كلا المعسكرين السوفيتي والغربي، وهذا ما يدل عليه كتاب نُشر في تشيكوسلوفاكيا يؤيد إقامة دولة كوردية مستقلة في كوردستان، إلا أن الزعماء الكورد ينفون وجود مؤثرات خارجية، وأعتقد أنهم محقون في ذلك.
ويذكر الكورد أن معظم الأسلحة التي حصلوا عليها إنما تسربت من الجيش العراقي أو سقطت في أيديهم أثناء القتال. وفي 24/5/1961م أعلن الملا مصطفى البارزاني أن عبد الكريم قاسم مسؤول عن التوتر لأنه نكث بوعوده الخاصة بالحقوق القومية للكورد، وهي حقوق سياسية واجتماعية واقتصادية مشروعة للشعب الكوردي في إطار الجمهورية العراقية. والمقصود بالحقوق الاقتصادية تخصيص جزء كافٍ من دخل البترول لإعمار كوردستان العراق وتحسين طرق مواصلاتها، بعد أن تحولت تجارة العراق إلى البصرة. ويرى الكورد أن وجود معظم آبار البترول في ولاية الموصل الكوردية يجعلهم أصحاب حق في نسبة كبيرة من هذا الدخل.
اضطر الزعيم الركن عبد الكريم قاسم إلى عقد مفاوضات مع الملا مصطفى البارزاني، وفي أثناء تلك الاتصالات طالب الأخير بتقديم رهائن ضماناً لتنفيذ الاتفاق، فقرر عبد الكريم قاسم حينئذٍ استخدام القوة العسكرية. وصار عبد الكريم قاسم واقعاً بين نارين: حاجته إلى الجيش للمحافظة على نظامه المزعزع في الداخل، واتساع حركة الانتفاضة والثورة الكوردية هذه المرة بشكل لم يسبق له مثيل، حتى يقال إن نصف ولاية الموصل (كوردستان العراق) تقريباً قد وقع في يد الثوار الكورد (البيشمركة). كذلك اتسعت الحركة الكوردية من الناحية السياسية، فطلب أحد الزعماء الكورد، وهو الأمير بدرخان، عرض القضية الكوردية على الأمم المتحدة. وفعلت الأحزاب الشيوعية الشرقية في باكو السوفيتية فعلها المؤثر عندما عارضت صراحة مبدأ انفصال الكورد، وهيأت لهم إرسال مبعوثين إلى بعض الدول العربية، ومنها الجمهورية العربية المتحدة (مصر) التي كانت تفضل دائماً الوقوف موقفاً سلبياً من هذا الموضوع، قبل لقاء السيد جلال الطالباني بالرئيس المصري جمال عبد الناصر عام 1963.
وعلى أثر الإطاحة بحكم عبد الكريم قاسم في 8 شباط عام 1963م، الذي يسمى انقلاب 14 رمضان، بادرت الحكومة العراقية الجديدة إلى تشكيل وفد للتفاوض مع الكورد، وكان جلال الطالباني رئيس الوفد الكوردي، على أمل أن توفَّق فيما فشلت فيه الحكومة السابقة. وقد ووجه الوفد العراقي بمطالب تدل على أن الحركة الكوردية صارت أكثر طموحاً، فقد طلبت الاعتراف فوراً بالحكم الذاتي الكوردي والنص عليه في صلب الدستور المنتظر، وإيداع نسخة من هذا الدستور لدى هيئة الأمم المتحدة، وأن يكون لرئيس الجمهورية نائب كوردي يمثله في كوردستان العراق، حيث يتكون مجلس وزراء محلي ومجلس وطني (برلمان) منتخب، وتبقى الخارجية والمالية من اختصاص الحكومة المركزية، ويشترك عدد مناسب من الوزراء الكورد في الحكومة المركزية، كما يُخصص للكورد عدد مناسب من المقاعد في المجلس الوطني المركزي، ومن المناصب في الجيش والشرطة، وتصبح اللغة الكوردية اللغة الأولى في كوردستان. وقدم الوفد الكوردي مفهوماً جغرافياً موسعاً لكوردستان العراق. وأعتقد أنها حقوق مشروعة لشعب يناضل من أجل الوصول إلى حقوقه القومية والوطنية.
توقف القتال بضعة أشهر أثناء انعقاد هذه المباحثات. وقد أرادت الحكومة العراقية أن تعطي وفدها ثقلاً بأن يمثل بعض الهيئات الشعبية، وكان من بين أعضائه من يرجع إلى أصل كوردي، غير أن ذلك لم يؤثر في زعماء الحركة الكوردية وقادتها، فاستمروا على مطالبهم المشروعة، إلى حد أنهم طالبوا بأن يُمثَّلوا تمثيلاً مستقلاً في مباحثات الوحدة الثلاثية التي جرت في نيسان/أبريل عام 1963 بين العراق ومصر وسوريا. وحضر السيد جلال الطالباني إلى القاهرة ممثلاً عن الكورد، ونقل وجهة نظرهم إلى الحكومات العربية الثلاث المشتركة في تلك المباحثات، وخلاصتها أن الكورد لا يعرقلون إرادة الشعب العربي في الوحدة، إلا أنه يجب تمثيلهم في الدولة العربية الموحدة الجديدة؛ فإذا بقي النظام في العراق دون تغيير، اقتصر بيان الحكومة بشأن الحقوق القومية للكورد على أساس النظام اللامركزي، أما إذا انضم العراق إلى اتحاد عربي كبير، فحينئذٍ يتوجب منح الكورد حكماً ذاتياً على نطاق أوسع.
لم تكن مطالب الكورد مقبولة لدى الجانب الحكومي، علماً بأنها كانت مشروعة بأي حال، وهي ضمن الحقوق المطلوبة للشعب الكوردي، ولذلك استؤنف القتال في حزيران/يونيو عام 1963. واتهمت الحكومة العراقية الملا مصطفى البارزاني بأنه لا يمثل مجموع الشعب الكوردي في قيادة الثورة والحركة الكوردية، علماً بأن الملا مصطفى البارزاني كان الزعيم الوحيد المؤيَّد من الشعب الكوردي كله. وعلّلت الحكومة العراقية الحركة الكوردية الجديدة تارة بتدخل الشيوعيين، وتارة بالنزعة الإقطاعية، بينما اتهم الكورد نظام حزب البعث في العراق بأنه قومي عربي متطرف يحرم الأقليات غير العربية من حقوقها المشروعة. وعندما أُبعد حزب البعث عن السلطة في 18 تشرين الثاني 1963م، قام عبد السلام عارف بتجربة جديدة لتهدئة كوردستان العراق، فأصدر بياناً في 10 شباط/فبراير سنة 1964 يقر الحقوق القومية للكورد ضمن الوحدة العراقية، إلا أنه تعذر تحديد ما يترتب على تلك الحقوق القومية الكوردية: هل تعني نظام اللامركزية الذي تقبله حكومة بغداد، أم الحكم الذاتي الذي يصل إلى حد الاتحاد الفيدرالي بين المناطق الكوردية، التي توسّع الوطنيون الكورد في مفهومها، وبقية أنحاء العراق؟
وخلال العامين التاليين (1964 – 1966) شهد العراق أشد مراحل الصراع في كوردستان العراق عنفاً، وتنوعت المصادر الخفية التي تزود الكورد بالسلاح، إلى أن تم الاتفاق في 29 حزيران/يونيو سنة 1966 على حلول وسط. فقد وافقت الحكومة العراقية، في بيان 29 حزيران 1966 في عهد الدكتور عبد الرحمن البزاز رئيس وزراء العراق، على نظام اللامركزية في إدارة كوردستان العراق، وخصصت جزءاً من ميزانيتها لإعمار المنطقة الكوردية، كما أيدت إنشاء جامعة كوردية في السليمانية ومساهمة الكورد بنصيب أكبر في الوظائف المدنية. وبعبارة أخرى سلّمت الحكومة بالاستقلال الإداري للمناطق الكوردية مقابل أن يسلّم الكورد سلاحهم. ومن الصعب الحكم على مدى نجاح هذا الاتفاق ودقة تنفيذه، وإن كانت الأحوال قد هدأت من الناحية العسكرية منذ توقيعه.
ولكن لماذا صارت القضية الكوردية مشكلة مزمنة في العراق، بينما لا نكاد نلمسها في تركيا وإيران، مع أن الكورد في كوردستان تركيا يزيدون على عشرين إلى خمسة وعشرين مليوناً ويشكلون 46% من مجموع الكورد، ويبلغون في كوردستان إيران اثني عشر إلى خمسة عشر مليوناً ويمثلون 30%، أما في كوردستان العراق فعددهم خمسة إلى ستة ملايين ونسبتهم 20%؟ ربما يرجع ذلك إلى الطريقة التي عولجت بها مشكلة هذه الأقلية الكوردية في الأقطار الثلاثة. ففي تركيا عمدت حكومة مصطفى كمال أتاتورك إلى تهجير الكورد قسراً بحيث لا يتمركزون في منطقة واحدة، وحرصت على إدماجهم في البيئة التركية.
كذلك اتبعت حكومة إيران وسائل أقل تسامحاً لإدماج الأقلية الكوردية في المجتمع الإيراني. أما في العراق فالكورد مسلمون سنّة يتزاوجون مع العرب، وكثيراً ما يتعذر تحديد من هو الكوردي، وكان ذلك من الأسباب التي عقّدت المباحثات بين الكورد والحكومة العراقية. وإذا كان مفهوم الكوردي يقوم على أساس العرق أو الدم، فيمكن القول إن الكورد كانوا يمثلون في الجيش سابقاً نسبة تفوق نسبتهم العددية، وإن الأمر في الوقت الحاضر على عكس ذلك.
كما أن بعضهم وصل إلى أعلى المناصب، مثل الفريق الركن نور الدين محمود الكوردي الذي تولى رئاسة الوزراء في بغداد، ونوري السعيد باشا الذي تولى رئاسة الوزراء مرات عدة، وكذلك أحمد مختار بابان رئيس الوزراء، وجعفر العسكري وزير الدفاع ورئيس الوزراء، وسعيد قزاز وزير الداخلية، والفريق الركن بكر صدقي رئيس أركان الجيش، وغيرهم كثير. ومن المؤكد أنه لم تكن توجد في ذلك الوقت خطوط واضحة حاسمة تميز بين العرب والكورد.
ونتساءل في النهاية: هل من مصلحة الكورد أن يتمسكوا بلغتهم الكوردية وأن يتعلموا اللغة العربية أيضاً، حتى يتسنى لهم معرفة مختلف العلوم والآداب ودراستها؟ إن العربية تفتح أمامهم مجالاً أوسع للاتصال بالثقافة العالمية، ولكن لا يجوز في الوقت نفسه أن ينسوا لغتهم الأم الكوردية، وهذا حق قانوني ودستوري مشروع. وتحسن المقارنة في هذا المجال بين موقف الكورد وموقف البربر في المغرب العربي، الذين يتقبلون اللغة العربية لغةً للثقافة والتعليم، رغم أنهم يستخدمون في الحياة اليومية لغة ولهجات خاصة بهم.
المصادر
محمود الدرة، القضية الكوردية، الفصل الخامس.
انظر عرض القضية من وجهة النظر الكوردية في كتاب محمد أمين زكي، قصة الأكراد.
انظر: الحكومة الوطنية ومشكلة الشمال (الكتاب الأزرق)، العراق، سنة 1961.
أجزاء «قضايا تقف عائقاً أمام التفاهم المشترك وحل المشكلة الكوردية في كوردستان العراق» (2 أجزاء):
- الجزء الأول
- الجزء الثاني (هذا الجزء)